مواقع مجهولة: جاوان موعد مع الأقدار
أحمد مكي الغانم * - 4 / 3 / 2011م - 12:00 م - العدد (24)

رغم الأهمية التاريخية للموقع إلاّ أننا لم نقف له على دراسة متكاملة، وكلما وجدناه عبارة عن شذرات قد لا تشبع نهم الراغب في المعرفة عن هذا الأثر الخالد، تقول بعض الدراسات التي تعرضت لبعض المواقع في المنطقة: "إن موقع جاوان من أكبر وأعظم المواقع في المنطقة"، لا يوازيه سوى تاروت وثاج.

فيما مضى من السنين كان الطريق الذاهب إلى رحيمة يمر بالقرب من جنوب قرية شعاب، ثم يأخذ بالانحناء جنوب شرق، فأرادت أرامكو أن تختصر الطريق فعمدت إلى نقل الرمال والحجارة من جاوان، وكان ذلك أواخر النصف الأول من القرن العشرين، وبعد حادثة الترلة التي يعلمها أهالي صفوى في 22 مارس عام 1952م، وأثناء رفع الرمال كشفت الأقدار عن مدفن جاوان بطريق الصدفة وليس نتيجة اتفاق بين مالكي الأرض وأرامكو للتنقيب كما يدعي البعض.

يبلغ طول المدفن 2م، وعرض 4م، وارتفاع 3م، سمك الجدار 65سم، وتبلغ مساحة المدفن الإجمالية (800م2) ويعتقد أنها تعرضت للسطو ويأخذ امتداد الجهات الفرعية شمال شرق جنوب غرب، ومدخله جنوب غرب، ولعل حالته هذه شكلت له حماية من أن تطمره الرمال من الداخل ومن الممكن أن مدخله كان مسدوداً بالحجارة، حيث وجد في ظهره بعض الحجارة مزالة من مكانها وهذا ما قاد إلى احتمال تعرضه للسطو، وتم العثور أيضاً على أربعة من المدافن سليمة اثنان مجاوران للمدخل واحد من اليمين والآخر من الشمال، ويظن أنهما لأطفال وثالث في عرضه الشمالي الشرقي، أما الرابع ففي الشمال الشرقي.

وتجدر الإشارة إلى أني عاينت رسمة للمدفن، توضع القبور الخارجية عكس ما عليه الحال، والصورة الجوية التي أخذت للمدفن خير إثبات لما نقول، وهو ما يؤكده أول من أزال الرمال من على ظهر المدفن (فييدال) حيث يذكر: "اكتشف 4 قبور سالمة غير مسروقة خارج الضريح، لقد احتوى الضريح الشمالي الشرقي –انظر المخطط الذي وضعناه للمدفن وكذا الصورة الجوية له، المجوهرات المعروضة حالياً في متحف الرياض، وهيكل فتاة عمرها 6 سنوات تقريباً، وتماثيل صغيرة أحدها من الجص وآخر من المرمر، وواحد من العاج، وامرأة برونزية، وطاس من البرونز وشظايا من العاج، كما كان هناك طوقاً ذهبياً و 4 خواتم ذهبية للشعر وقارورة سعة خمسة سم مصنوعة بطريقة النفخ"[1] .

وتذكر الدراسة الجيولوجية أنه"عبارة عن جزيرة تتكون من طبقات الحجر الجيري وما يصاحبها مما تنوء بحمله الأرض وهناك، كما تحيط السبخات بالموقع من كل اتجاه، وهو من المواقع المشهورة في المنطقة، هذا ما ترويه الدراسة الأثرية والجيولوجية وقد تم فيه اكتشاف الكثير من المواد المصنعة، وتقول أحد المجسات التي جربت في الموقع على بعد ما يزيد على ثلاثة أمتار ونصف المتر من الأطلال المتراكمة، كما ظهرت سبع وحدات طبقية مختلفة، منها اثنتان على الأقل تحمل سمات العمارة، كما عثر على موجودات سطحية تشهد بوجود استيطان مبكر، وهو من أكبر الأطلال الأثرية المكتشفة في المنطقة، وتمضي الدراسة فتقول: وترجع مواد الحفرية بكاملها غالباً إلى ما يسمى بالفترة الهيلينستية في المنطقة الشرقية والتي سميت بالفخار الإسلامي لوجود الخط الأخضر المصقول فيها، وبمقارنتها مع القطع المناظر لها من حفريات الموقع يحتمل نسبتها إلى الآثار الهيلينستية، وإذا مانحينا جانباً الأمثلة الهيلينستية الأخرى من نوع الفخار التركوازي المصقول فإن الفهرس الرئيسي للفترة والذي أمكن الحصول عليه عن طريق عمل المجسات، كان مماثلاً لذلك النوع من الفخار الأبيض المائل للحمرة والأسود المطلي بطبقة ناعمة، الفخار أبيض السطح الخارجي، أحمر قاني مسطح من الداخل.

وهناك وعاء من مادة سوداء يميل لونه للأحمر والآخر من نفس مادة الوعاء (المستوى الخامس) يشبه النموذج 2أ وَ 4 وقد حددت في ثاج ومعظم الفخاريات كانت على شكل أوعية مفتوحة أو جرار كروية من ذات الفوهات الدقيقة. ويبدو أنه لا يوجد انفصال بين مستوى وآخر من الخزفيات الهيلينستية، بينما نجد أن المستوى القاعدي تم فصله عن المستوى السادس بما يزيد عن متر واحد من الرمال العميقة، وممزوج بالعديد من شطرات القواقع الفخارية. وقد يشير ذلك إلى قيام استيطان سابق على الاحتلال الهيلينستي بالرغم من معرفتنا عن عدم وجود مواد أثرية لما قبل الهيلينية. ونظراً لصعوبات عمليات التنقيب في الرمال الناعمة فلم يكن في مقدورنا الوصول إلى قاعدة الأحجار الجيرية التي تشكل أدنى مستوى سطحي يمكن إسناده للاستيطان[2] .

تشكل المنطقة التي تقع حول عين جاوان والتي تتكون من الموقع ذاته ومجموعة أبيار وكثير من المواقع التي تحيط بالمنطقة المتاخمة للساحل مباشرة تشكل جميعاً مركزاً استيطانياً رئيسياً. وعلى أية حال فإن منطقة الموقع التي تقع على الساحل، لابد أن جنت ثمار وجودها على طريق التجارة البحرية والبرية. ويبدو أن المنطقة قد شهدت نشاطاً على جانب من الأهمية، إذ كشف العديد من المواقع عن نسبة عالية من الكسر الهيلينستية التي تنتمي لأنواع أخرى أخرى شهيرة بمنطقة ثاج، إلى جانب ما كشفت عنه الحفريات في جاوان والبحرين. أما باقي المواقع التي تم مسحها والتي تضم كسراً هيلينستية، فقد وجدت على الخط الساحلي من منطقة (خودلودان) شمالاً حتى رأي القرية جنوباً. وترجع أهمية هذا العدد الهائل من مواقع هذه الفترة على طول الساحل الشرقي بشكل واضح إلى الفترة التي كانت فيها تجارة الخليج تشكل في غالبيتها تجارة موانئ. ويضيف البعض من الباحثين: ربما كانت طبيعة المواقع الساحلية العنقودية المتفرقة تسبب نوعاً من التمويه. مما ترك الكثير من المواقع دون مسح نظراً لاندثارها بسبب رقعة المنشآت الصناعية. وبالتالي فقدان الكثير من علامات الاستيطان في العديد من المواقع الهامة.

ولعله من الأهمية بمكان أن نلاحظ أنه لا يوجد موقع واحد من هذه المواقع يضم فخاراً من النوع المنقوش كالذي في ثاج، كما أنه لم يعثر إلا على مواقع تضم موجودات بارثية/ ساسانية متأخرة التي سيكون لها دلالاتها الهامة فيما بعد[3] .

ويروى أن ثاج والحنا وجاوان تشكلان ثلاثة نقاط هامة يتركز فيها الاستيطان الهيلينستي. وثاج من أهم المدن البرية وما تزال التنقيبات الأثرية فيها في بدايتها وعسى الأيام أن تأتي بما ليس في الحسبان.

يذكر بعض المتابعين لحولية أطلال أن العدد السادس عشر سيكون فيه موضوعاً خاصاً عن ثاج يبرز فيه ما تم من اكتشافات في الأعوام 2000 – 2001م، ولعله يبدو أكثر فائدة للباحث في آثار المنطقة.

وجاء في وصف الضريح: جاوان، وهو موضع يقع إلى الشمال من صفوى على مشارف النخيل، وهو موضع تكثر فيه الهضاب الصخرية. لذلك اتخذت منه أرامكو مقلعاً للصخور لدفن البحر أثناء عملية بناء مرفأ رأس تنورة فأطلق على هذا الموقع (مقلع جاوان) إلا أن الشركة نفسها عثرت أثناء عملية إزاحة الصخور على مقبرة غربية الشكل، تتألف من طابقين، مبنية من صخور الملح الكبيرة ومسيعة بالجص ومنظرها الخارجي كما شاهدتها يبدو على شكل صليب، ولها ممر مسقوف "وفي سقفه فتحتان واحدة بالقرب من المدخل والأخرى على مقربة من الظهر" ما بين القوسين المزدوجين لنا، على كل جانب منه عدد من الغرف تحتوي كل غرفة على قبر، وإلى جانبها عند المدخل قبور صغيرة يبدو أنها مخصصة للأطفال.

لقد كان هذا المكان الوحيد كما يقول البحاثة جيوفري بيبي –الذي جرى فيه أول تنقيب شهدته الجزيرة العربية على الإطلاق، وقد اكتشفت أرامكو صدفة هذا الموقع أثناء إزاحة الصخور، فعثرت على تل استيطان وأكمة قبر كبيرة، وسمح لها بترخيص من الكومة بالتنقيب في أكمة القبر، فأسندت المهمة إلى أحد موظفيها (ريك فيدال Recbidal) فاكتشف أربعة قبور منهوبة وكمية من العظام البشرية لحالات دفن جماعية متأخرة، كما وجد خارج الغرفة الكبيرة التي كانت على شكل صليب قبوراً بنيت بأحجار لم ينتبه إليها اللصوص حيث وجد فيها لقى ثمينة تتألف من مجوهرات جميلة من الذهب والأحجار الكريمة يعود تاريخها إلى القرن الأول الميلادي وقد سلمت مفاتيح هذا المدفن إلى إمارة المنطقة.

كما عثرت شركة أرامكو عام 1945م في جاوان على حجر تكسرت أطرافه بالمعاول قبل معرفته، وقد اتضح بأنه قبر لامرأة يقال لها جشم بنت عمرة (عمره) بن تحيومن، أسرة عور (آل عور) من قبيلة شدب، ومن الملاحظ أن كتابة أحجار القبور التي عثر عليها في جاوان افتتحت بعبارة (نفس وقبر)، بينما الكتابات الأخرى التي عثر عليها في ثاج وقرب القطيف تبدأ بجملة (وكر وقبر)[4] .

من المعلوم أن الحجر المذكور أعلاه، أول من رآه المرحوم عبدالله منصور الحايكي حيث كان يعمل على إحدى الجرافات، والمؤسف أن جاوان أول مكان يكشف فيه أثر تاريخي، يغيب كلياً عن الأنظار، ومن الأجدر بأن تجري به التنقيبات الأثرية في مجمل المنطقة لا أن تغيب كلية، وما بها من آثار ما يزال تحت الرمال أكثر مما أعلن عنهن نقل صديق لي أن شخصاً عثر على سيف في داخل الضريح، غير أني شككت في الأمر واعتقدت أنها مجرد إشاعة، لذا لم أهتم بمعرفة اسمه وبعد مدة وجدت توكيداً للخبر في حولية أطلال العدد الثامن "في سنة 1977م قامت إدارة الآثار والمتاحف ثلاثة فحوصات أظهرت أن الضريح المرصوف بالحجارة قد حفر بطريقة غير شرعية سنة 1965م،ويعتقد أنه تم العثور على سيف من النحاس والبرونز"[5] .

نظرة للضريح

1) 1 – 2 – 3/ غرف الدفن الداخلية وتتكون من دورين علوي وسفلي. السفلي تحت مستوى سطح الممر بما يعادل متر وعشرين سم، والعلوي ويرتفع عن بلاطة الممر الداخلي حوالي 1.70م.

2) 4/ يقال أن الحجر الذي مكتوب عليه تاريخ بناء المدفن كان هنا.

3) المدخل للضريح.

4) 6 – 7/ يذكر أنها مدافن أطفال.

5) مدافن لرجال وأظن أنها أقل شأناً ممن هم بالداخل وقد يكونون حراساً لمن هم بالداخل في الحياة الدنيا فأعطوا نفس المرتبة في الممات، وقد يكون سبب الدفن الخارجي عائد إلى امتلاء القبور الداخلية.

6) لعل الضريح لعائلة واحدة تتمتع بمكانة عالية من الممكن أن تكون سياسية أو ذات مكانة اقتصادية مرموقة.

7) القبور الجانبية: اثنين مكشوفين بالكامل وثالث ربع مفتوح أما الرابع نصف مكشوف، والعقود تم العثور عليها في المدفن الجانبي الشمالي الشرقي وكذا دمية الفتاة البالغة السادسة من عمرها.

تفيد بعض الأبحاث الأثرية التي أجريت في كل من القطيف والأحساء بوجود مواقع سكنية تعود إلى ما قبل القرن السادس قبل الميلاد، وتتصف بانتمائها إلى عصر العبيد (بضم العين) الذي نشأ في جنوب بلاد ما بين النهرين (العراق حالياً) وكون القاعدة الأساسية التي بنيت عليها حضارة السومريين هناك.

فعلى مقربة من قرية المراح بالأحساء – عثر على موقع من عصر العبيد يتكون من طبقات سكنية متعددة يعود قديمها إلى فترة العصر الحجري الحديث، الأمر الذي يدعو إلى الاعتقاد بأن ثقافة العبيد نفسها تطورت ثم انتشرت شمالاً إلى بلاد ما بين النهرين.

ويؤكد هذا الاعتقاد اكتشاف مواقع من عصر العبيد تعود إلى فترات زمنية لاحقة في كل منطقة الدوسرية جنوب (الجبيل) وعلى تكل أبو خمسين بمنطقة رأس الزور، ثم على جزر المتاخمة للساحل مثل جزيرة المسلمية وجنا.

وبنهاية عصر العبيد قبل 5500 عام تقريباً، وابتداء العصور الحضارية الكبرى في بلاد ما بين النهرين وشرقيها ظهرت أولى بوادر الاتصالات الثقافية والتجارية بين مراكز الحضارة المحيطة بالخليج العربي، فقد استمر هذا الدور طوال ما يقرب من 3000 عام، وحتى الفترة الهيلينية السلوقية – الأغريقية) والتي تفصح عنها عدة معالم بالمنطقة في ثاج وجاوان والجرهاء وإن كانت الأخيرة لا يزال موقعها الحقيقي لم يحدد بعد تحديداً كاملاً[6] .

جاوان: بالجيم مفتوحة بعدها ألف فواو فألف فنون: موضع أثري يقع شمال بدلة صفوا بنحو ستة أكيال بمنطقة القيطف، في المنطقة الشرقية بطرف سبخة متصلة بالساحل غرب رحيمة. عثر على أطلال قرية وعلى مقبرة فيها أضرحة من بينها ضريح كبير، تحدث عنه عالم أثري أمريكي يدعى ف. س. فيدال، ونشر عنه بحثاً في سنة 1373هـ/ 1953م قدر زمنه في القرن الثاني الميلادي أي قبل ظهور الإسلام بنحو خمسمائة عام.

كما عثر أحد عمال شركة الزيت العربية الأمريكية في سنة 1945م على كتابة أثرية نشرها ونت (F. V. winnett) سنة 1956م.

ويقع جاوان بقرب خط الطول 59َ – 59ه وخط العرض 44َ – 26ه[7] .

[1]  حولية أطلال عدد (8) عام 1404هـ/ 1984م، ص162.

[2]  أطلال عدد (2) سنة 1398هـ/ 1978م، ص24 – 25.

[3]  نفس المصدر، ص12.

[4]  واحة على ضفاف الخليج (القطيف)، المسلم، الطبعة الثانية، ص64 – 67.

[5]  أطلال، العدد (8)، ص162.

[6]  مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1395هـ/ 1975م، ص37.

[7]  معجم المنطقة الشرقية، عام 1399هـ/ 1979م، ج1، ص363 – 366. حولية أطلال، العدد (2)، ص24.
كاتب
267486