الصديق الإنسان
يوسف الشيخ يعقوب * - 4 / 3 / 2011م - 2:06 م - العدد (24)

من غير الممكن والسهل أن ينسى الإنسان ذكريات الماضي والبعيد.

عندما تعرفت على بالأستاذ المرحوم السيد علي العوامي في مدينة القطيف، المدينة التاريخية، في إحدى الزيارات، وكنت بمعية أخي أحمد (رحمه الله) عندما كان موظفا في كتابة عدل المنطقة، وكان بينه وبين السيد علي معرفة وصداقة، وكانت مهمة تلك الزيارة هي أن يدلنا على عيادة دكتور سوري (نسيت اسمه) وكانت الغاية من زيارته هي إعطائي شهادة بأني مريض، وذلك للحصول على استقالة من وظيفتي الحكومية في جمرك الجبيل، للعمل مع أخي عبد الله (رحمه الله) في شركة التابلاين بأعمال المقاولات آنذاك، وقد بادر دكتور القطيف بإعطائي الشهادة التي جئت من أجلها، وكان من المضحك أننا لم نقرأ ما تضمنته تلك الشهادة إلا بعد أن عدنا إلى الجبيل، وقد لفت نظري نوع ذلك المرض المخيف الذي يسمى (الزهري)، وهو أخطر مرض عرف في تلك الأيام، واعتذر لنا الدكتور عن اختيار ذلك المرض الخطير، بأنه سوف يعجل طيَّ قيدي من الوظيفة، وأخيراً اقتنع بتغيير ذلك الاسم بأني مريض وأحتاج إلى علاج طويل، وكان اسم ذلك المرض نوع من الحمى كانت معروفة في القطيف، وانتهى كل شيء كما تنتهي الأحلام.

ودارت الأيام، عندما وجه لي المرحوم السيد علي دعوة للمشاركة في الاحتفال الثقافي بتكريم الشاعر (عبد الله الجشي)، وقد تم لي الحضور -انا ومجموعة من الإخوان والأصدقاء- وقد أعجبت بالدور الكبير الذي قام به الأستاذ السيد علي العوامي الذي أعطى ذلك الحفل روح التلاحم الفكري والمعنوي والثقافي بما استحقه المحتفى به، وما شعر به جميع المشاركين في الحفل، بما أكد الإحساس وشعور ذلك الجمع في ذلك الجو من الإحتفال وتوثيق الروابط والإحساس بوحدة المشاعر الوطنية بين الإخوان الممزوج بروح الود والصفاء، فكان لتلك الروح المعنوية الصادقة، وما أسدله صديقنا المرحوم (علي العوامي) على سماء ذلك الحفل، بما تركه في نفوس جميع الحضور من المشاركين الكثير الكثير من التقدير للذكرى التي سوف لا تنسى ولا تخمد شعلتها الاجتماعية بين الأصدقاء والإخوان، والذي يصعب أن يأتي بمثلها وذكرها الزمان.

وحتى لا أتهم بالمبالغة في مشاعري وأحاسيسي البشرية، وأنها بعيدة عن دوافع الضعف الذي قد يمر على الكثير من البشر، وأذكر في ساعة تلك المشاركة لذلك الاحتفال مع مجموعة من الأصدقاء والأدباء في التسابق لإلقاء من كلمات المشاعر، وكان من ضمن تلك الكلمات والأحاديث، قبل أن يأتي دوري في إلقاء كلمتي، ما لمحت للمرحوم السيد علي بأن لدي كلمات ذات مشاعر وأحاسيس شعرية، ولا زالت عالقة ومحفورة في أعماق ذكريات أيامٍ عشناها في ضيافة مجلس (أبي سعد)، وبأن لي رغبة ودوافع من الأحاسيس تتعلق بذكرى زميلنا المرحوم (محمد الربيع)، واستشرته بإلقائها في حفل تكريم الأستاذ (عبد الله الجشي)، لكنه أشار علي بأنه من المستحسن عدم إلقائها. أولا لكثرة وتعدد الخطب والكلمات والشعر، والتي سوف تغطي الوقت، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى من الأفضل لأن أترك إلقاءها إلى مناسبة أكثر ملاءمة وتعبيراً للذكريات الدرامية الحزينة، وكأن أحاسيسه ومشاعره بما هو مغطى تحت سحب الغيب ألهمته بأن يكون إلقاؤها في ظروف حزينة تغطي أيام الماضي والحاضر، ومزج تلك المواقف والأحاسيس بمثل ذلك الموقف الحزين لذكرى الفقيد الصديق السيد علي العوامي، ومن سبقه وسبقنا إلى ذلك الطريق الذي هو مصير كل حي.

اللهم خفف عنا وعن الأهل والأصدقاء الأحزان، وأسكن من فارقنا نعيم وخلود الجنان برحمتك يا رحمان.

كاتب - السعودية.
179025