الزحف العمراني على المناطق البحرية
(القطيف مثالا)
ابراهيم عبدالله القلاف * - 15 / 10 / 2007م - 4:38 ص - العدد (3)


 

شهدت المملكة تطوراً عمرانياً هائلاً بعد اكتشاف البترول، وأخذت المدن السعودية بالإتساع العمراني، ومن بينها مدينة القطيف التي توسعت خلال فترة زمنية قصيرة، إلا أن المشكلة كمنت في الإتساع على حساب الرقعة الزراعية، الأمر الذي دعا المسؤولين الى تحديد الرقعة المسموح بها في البناء. وأصبح البحر هو الجهة المناسبة لعملية التوسع، وساعد على ذلك ازدهار الوضع الإقتصادي، وإنشاء صندوق التنمية العقاري، ومشروع تملك البيوت في أرامكو الذي كان له أكبر الأثر في امتداد العمران وانبثاق الأحياء الجديدة في المناطق البحرية عبر عمليات دفن البحر التي كان تتم في بداية الامر بصورة جدّ عشوائية.

ولم يتم تناول مشكلة زحف العمران على المناطق البحرية من خلال دراسات جغرافية متخصصة، وإنما وردت ملاحظات عامة حول المشكلة في الكتب التي تناولت مدينة القطيف. في هذه المقالة إضافة لذلك، آمل أن تكون ذات فائدة.

مراحل النمو العمراني والسكاني
 
 

مرت مدينة القطيف بعدد من مراحل النمو العمراني والسكاني هي كالتالي:

1 ـ حتى عام 1355هـ، ما يميز هذه المرحلة هو بدء ظهور التطور العمراني قرب الباب الغربي للقلعة ـ المعروف بباب الشمال ـ إذ بدأت القبائل هناك بإنشاء مساكن دائمة لها طلباً للحماية، وكوّنت كتلاً مستقلة من الأبنية عرفت فيما بعد بضواحي باب الشمال، الجراري والمدارس، كما اكتمل شكل السوق الخارجي المغطى الواصل بين زاوية القلعة الجنوبية الغربية وضاحية الكويكب، ويبلغ عدد محلاته التجارية 300 محلاً تقريباً، بالإضافة الى انتشار الأبنية السكنية على جانبي السوق، وقد ظهرت كتل عمرانية الى جنوبيه، وبلغت المساحة المعمورة في نهاية المرحلة 350 ألف متراً مربعاً، وبلغ عدد السكان 15 ألف نسمة.

2 ـ من عام 1355 وحتى 1376هـ، يلاحظ من خلال الصور الجويّة عدم حدوث أي تطور عمراني جديد، ما عدا ارتفاع كثافة المناطق المبنية وذلك نتيجة لإضافة الغرف للمباني القائمة لتواكب تزايد عدد السكان، لذلك لم تسجل المساحة المعمورة في نهاية تلك المرحلة سوى 450 ألف متراً مربعاً، لمجموع السكان 17000 نسمة.

3 ـ 1376هـ وحتى 1385هـ، فإن هذه المرحلة تميزت بالتوسّع على حساب مزارع النخيل وخاصة في الناحية الشمالية من المدينية، وظهرت أبنية سكنية على طول الواجهة البحرية، كما في غربي المدينة ولكن بدون أي تخطيط مسبق، كما أن الفراغات الفاصلة بين أحياء المدينة القديمة ملئت بالمرافق العامة كالمدارس وأُنشئت الأسواق التجارية على طول الطرقات الجديدة، وبلغ إجمالي مساحة المعمورة كيلو متراً مربعاً واحداً (1000000 متراً مربعاً) فيما بلغ عدد السكان 20 ألف نسمة.

4 ـ بين عامي 1385 و 1393هـ، اعتبر تطور المنطقة العمراني أهم سمات تلك المرحلة، كان من نتائجه شق طرق جديدة ذات اتجاهين يربط شمال المدينة بجنوبها ويمر عبر السوق القديم الذي أُزيل وبالتالي فقدت المدينة أحد أهم معالمها. وتمثل التوسّع العمراني بظهور أحياء سكنية جديدة اتخذت شكلاً دائرياً حول القلعة وعلى طول الواجهة البحرية الشمالية، كما أنشئت الكثير من أبنية الخدمات العامة، الأمر الذي جعل القطيف مركز الواحة الإداري، وبدأت المدينة تفقد طابعها القديم، وبلغ إجمالي المساحة المعمورة 1,25 كم2، وسجل عدد السكان (تقديراً كما هي العادة) بـنحو 27500 نسمة.

5 ـ من عام 1393 وحتى عام 1415هـ، وهي مرحلة الإزدهار العمراني والإنتشار الأفقي الواسع بعد أن ضاقت المدينة، وقلّت الأراضي السكنية نتيجة منع قطع النخيل والتوسع على حساب الرقعة الزراعية، لذا اتجهت الأنظار الى ردم أجزاء من البحر لمواجهة التوسع العمراني، وقد سجلت المساحة المعمورة بحوالي 14,62 كم2. وبلغ عدد السكان حوالي 59980 نسمة حسب تقديرات عام 1407هـ(1).

أسباب الزحف العمراني على المناطق البحرية
 
 

مع ظهور مشكلة نقص الأراضي السكنية في القطيف ظهرت مشكلة ردم البحر والتوسع في مناطقه، حيث قدرت المساحة المدفونة من عام 1393هـ (تاريخ بداية المشكلة) الى عام 1415هـ بحوالي 13,37 كم2، شكلت الأحياء التالية: (الدخل المحدود ـ المنطقة البحرية ـ الناصرة ـ الخامسة ـ المنيرة ـ التركية ـ حي الإمام الحسين ـ المجيدية ـ مشاري الشرقية ـ مشاري الغربية ـ المزروع ـ المجيدية ـ شمال الصناعية ـ المنيرة الشرقية ـ الصناعية ـ الجزيرة ـ اوال) وهذا الحي الأخير لم يدفن بالكامل بعد.

أما أسباب هذا الزحف الكبير باتجاه البحر، وليس باتجاه الصحراء، فنلخصها بالتالي:

1 ـ إحاطة القطيف ببساتين النخيل، وفي بداية التوسع العمراني للمدينة أخذت الأماكن الفارغة في المدينة والمحيط بمركزها ـ القلعة ـ تمتليء بالمساكن، واخذ السكان بعد أن ضاقت الأمكنة بالإتجاه نحو المناطق الزراعية لسهولة قطع أشجار النخيل ولرخص أراضي النخيل نسبياً أيضاً، خاصة وأن تلك النخيل قريبة من المناطق السكنية، ولكن حين منع قطع النخيل لم يبق من منفذ سوى البحر.

2 ـ اعتبر البحر الجهة المناسبة في القطيف لعملية التعمير، لسهولة الدفن خاصة وأن المياه ضحلة.

3 ـ تزايد عدد السكان بشكل كبير بسبب قلة الوفيات وطول معدل الأعمار، وذلك ناجم عن تطور الخدمات الصحيّة، إضافة الى أسباب اجتماعية، جعلت زيادة النسل كبيرة في المملكة عموماً وفي منطقة القطيف خصوصاً.

4 ـ الإزدهار الإقتصادي في عصر الطفرة النفطية، وإنشاء صندوق التنمية العقارية الحكومي، ووجود مشروع تملك البيوت في ارامكو، وأدت وفرة السيولة وتوفر القروض الى تشجيع السكان في القطيف ـ بل في كل المملكة ـ الى المبادرة في بناء منازل مستقلة تعبيراً عن حقيقة الرفاه الإقتصادي.

المضار والسلبيات
 
 

ترتب على زحف العمران على المناطق البحرية عدّة نتائج سلبية:

1 ـ إن مواصلة عمليات الردم للبحر شرق مدينة القطيف وغرب جزيرة تاروت يضر بالبيئة البحرية، بشكل بالغ، فهذه الشواطئ الضحلة تعتبر مكاناً مناسباً للتكاثر ومرعىً جيداً للأسماك.

2 ـ إفقاد تاروت هويّتها الجزرية، فاتصالها بالقطيف في حال استمرار الدفن، سيجعلها جزءً متصلاً بالقطيف، وليس جزيرة، ولا حتى شبه جزيرة كما هو الحال الآن.

3 ـ أدّى عدم إيجاد منافذ أخرى للتوسع العمراني غير البحر، الى ارتفاع اسعار الأراضي حيث وصلت قيمة المتر المربع الواحد الى حوالي ألف ريال في المتوسط. فلا بد من توجيه محاور النمو العمراني الى المناطق البريّة الصحراوية، حتى وإن أدى ذلك الى اختراق حزام بساتين النخيل، فالنمو الطبيعي هو باتجاه الصحراء غرباً وليس باتجاه البحر شرقاً.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) المخطط الإرشادي لمدينة القطيف، كاندكيس انترناشيونال 1976، ص 11

كاتب
116154