مساهمة جادة لكتابة تاريخ المنطقة الشرقية في شبه الجزيرة العربية (1-3)
حبيب آل جميع - 5 / 3 / 2011م - 7:10 ص - العدد (25)

* الكتاب: الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء والقطيف وقطر (1288-1331هـ/ 1871-1913م)، أسبابها ونتائجها (دراسة وثائقية) ج1.

والحكم والإدارة في الأحساء والقطيف وقطر أثناء الحكم العثماني الثاني (1288-1331هـ/ 1871ـ1913م)، (دراسة وثائقية) ج2.

* الكاتب: الدكتور عبد الله بن ناصر السبيعي.

* الناشر: مطابع الجمعة الإلكترونية - الرياض - السعودية.

* الصفحات: الجزء الأول: 217 صفحة، والجزء الثاني: 343 صفحة، من القطع الكبير.

* سنة النشر: ط1 - 1420هـ/1999م.

 

 ترجع صعوبة كتابة تاريخ المنطقة الشرقية في الجزيرة العربية (الأحساء والقطيف وقطر) إلى عدة أسباب، السبب الأول قلة المصادر التي اهتمت بكتابة تاريخ هذه المنطقة الحديث أو المعاصر، وما كتب منها أهتم أكثر بالشأن السياسي ولم يول الجوانب الأخرى ما تستحقه من اهتمام وتاريخ، السبب الثاني يتعلق بالوثائق التاريخية الخاصة بالمنطقة، العثمانية والبريطانية، فهي لم تجمع بالشكل الذي يسهل الرجوع إليها، كما أنها غير مترجمة، وهذا ما يجعل الاستفادة منها صعبة، ناهيك عن أهمية الاطلاع عليها لتمحيصها ودراستها قبل اعتمادها في أية محاولة تاريخية، لأنها في أغلبها متأثرة بالملابسات السياسية والتاريخية التي عرفتها المنطقة، فلا يمكن فهمها أو تقييمها دون المعرفة المسبقة بالمعطيات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية التي لهذه المنطقة عبر تاريخها الطويل القديم والحديث والمعاصر، وهذا ما عانى منه الباحث الدكتور عبد الله بن ناصر السبعي مؤلف الموسوعة التاريخية حول هذه المنطقة، والصادرة عام 1420هـ/1999م، في ستة أجزاء حيث قام في كل جزء بالتأريخ لجانب من الجوانب الحضارية العامة.

الجزء الأول خصصه للحديث عن: الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء والقطيف وقطر (1288-1331هـ/1871-1913م): أسبابها ونتائجها، (دراسة وثائقية)، الجزء الثاني أرّخ فيه لنظام »الحكم والإدارة أثناء الحكم العثماني الثاني« أما الجزء الثالث فقد تحدث فيه عن الأمن الداخلي كما خصص الجزء الرابع للاقتصاد والخامس للقضاء والأوقاف، وأخيراً خصص الجزء السادس لمتابعة قضية التصدي السعودي للحكم العثماني للأحساء والقطيف، وبذلك يكون الباحث قد أعاد كتابة تاريخ المنطقة في أكثر من جانب برؤية وثائقية تجعل من محاولته التاريخية هذه تأخذ طابع العلمية مع ما شابها من قصور في بعض الجوانب، هذا القصور الذي ينبع من صعوبة التأريخ نفسه، ومعالجة الوثائق والبحث عن المصادر المتفرقة وكذلك المنهج المتبع في عملية التاريخ بالإضافة إلى عقبات أخرى تجعل عملية التاريخ نسبية في نتائجها، يكتنفها بعض الغموض في عدد من حلقاتها، لأن المؤرخ وتبعاً للمعطيات الوثائقية المتوفرة لديه لا يمكنه أن يجيب على كل الأسئلة أن يصوغ تاريخاً سردياً متكامل التفاصيل، فهناك الكثير من الوثائق والروايات والمعلومات لا تصلح الاعتماد عليها، إما لتناقضها مع الوقائع الكبرى المشهورة، وإما لغرابتها وشذوذها، مما يجعلها أقرب إلى الخرافات والأساطير الشعبية المتداولة، ومن الوثائق ما يحرف الحقائق لأغراض سياسية تستفيد منها الصراعات السياسية القائمة آنذاك، وهذا ما يفرض على المؤرخ الحذر الشديد أثناء تعامله مع هذه الوثائق السياسية، وهذا ما اكتشفه الباحث (المؤرخ) لذلك فقد أهمل الكثير من الوثائق البريطانية والروايات الشفهية المحلية لأنها - في نظره - متناقضة وغير منسجمة مع السياق التاريخي العام، وهذا ما يجعل مهمة التاريخ عبارة عن مغامرة لا تخلو من المفارقات كما لا تخلو من اكتشافات جديدة، وهذا ما أكده الدكتور السبيعي عندما اعترف بأن قراءته للوثائق ومعالجتها مباشرة كشفت لديه حقائق جديدة وهذا الكلام صحيح إلى حد بعيد، وهو من أهم النتائج التي تسفر عنها معاينة الوثائق التاريخية وقراءتها بمنهج علمي مقارن، وهذا ما يعطي كذلك لأي عملية تاريخية بعدها الحيوي والجاد، لأنها بمثابة حفريات في باطن الوثائق والمعلومات، والمؤرخ بفضل ذكائه وفطنته وتسلحه بالمناهج (الأدوات) العلمية، يعطي لنفسه فرصاً أكبر لاكتشافات كبيرة ومتعددة، خصوصاً إذا كان يعالج تاريخاً بكراً مثل تاريخ هذه المنطقة الذي لم يحصل على العناية التي يستحقها لا مِنْ طرف أبناء المنطقة، ولا من طرف غيرهم من باقي المؤرخين، مع الأهمية الحضارية لهذه المنطقة قديماً وموقعها الإستراتيجي الآن لكونها تحتوي أكبر الاحتياطات العالمية من المخزون النفطي، لكن محاولة الدكتور السبيعي هذه وغيرها وإن كانت قليلة، لكنها تُنبئ عن وعي جديد بأهمية المنطقة وضرورة إعادة كتابة تاريخها الحديث والمعاصر ويا حبذا لو يكون ذلك بأقلام أبنائها لأن أهل مكة أدرى بشعابها كما يقول المثل العربي.

لن نستطيع في عجالة هذه الدراسات المقتضبة حول ما جاء في هذه الموسوعة التاريخية أن نستعرض كل ما جاء فيها أو حتى الإشارة إلى جميع المواضيع التي احتضنتها، فهذا يتجاوز طاقة هذه الدراسات التعريفية، وإنما سنكتفي بالحديث عن أمهات القضايا المعالجة في كل جزء، ونحيل القارئ على أجزاء الموسوعة إذا رغب في الاستزادة والاطلاع على تفاصيل هذه القضايا.

الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء والقطيف وقطر

في هذه الدراسة سنتناول الجزأين الأول والثاني، على أن نتحدث عن الثالث والرابع في دراسة قادمة، ثم الجزأين الخامس والسادس في دراسة مستقلة أخرى إنشاء الباري تعالى..

كما قلنا سابقاً خصص المؤلف الدكتور السبيعي الجزء الأول للحديث عن الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء والقطيف وقطر: أسبابها ونتائجها، وجاءت كتابته بعد إنهاء أجزاء السلسلة الأخرى عن تاريخ الأحساء والقطيف وقطر أثناء الحكم العثماني الثاني، والتي تناولت فيها الإدارة والأمن الداخلي والقضاء الأوقاف وتصدي آل سعود للحكم العثماني في الأحساء والقطيف، والسبب في ذلك يعود برأي المؤلف إلى "حاجة القارئ إلى معرفة كيفية قدوم العثمانيين إلى المنطقة وأسبابه ونتائجه"، وعدم وجود مرجع أو مصدر يمكن الرجوع إليه، لذلك شرع المؤلف في كتابته معتمداً على الوثائق العثمانية والبريطانية المعاصرة، "بعد تحليلها والتثبت من صحتها".

وقد جعلته هذه العملية يخرج - كما قال - بمعلومات جديدة تختلف عما كان قد اطلع عليه أو ما هو شائع ومتداول؟!

يرى المؤلف أن الحملة العثمانية على القطيف والأحساء عام 1288هـ/1871م لم تكن أول عهد العثمانيين بالمنطقة بل أنهم تعرفوا عليها من قبل وحكموها لكن التأريخ لهذه الفترة يحيط به غموض كبير لقلة الوثائق حول هذه الفترة، لكن المصادر العثمانية أكدت بأن العثمانيين دخلوا المنطقة على عهد السلطان سليم الأول (عام926هـ - 1519م) وأنها كانت "إحدى إيالات اليمن التابعة للدولة العثمانية"، وهناك من يرجعها إلى سنة 945هـ/1538م عندما وصلتها حملة سليمان الخادم العائدة من الهند، لكن معظم الدارسين يربط صلة المنطقة بالعثمانيين بعد ضمهم للعرق عام (941هـ/ 1534م).لكن المؤكد أن العثمانيين قد اكتشفوا مبكراً أهمية هذه المنطقة الاستراتيجية وأنهم استولوا عليها عام 957هـ/1550م على عهد السلطان سليمان القانوني، لكن نفوذهم ظل منحسراً وإسمياً مما جعلهم ينسحبون من المنطقة عام 1080هـ/1669م لعدة أسباب، وأهمها انحسار الخطر البرتغالي في المنطقة، ودخولهم في حروب مع أوروبا واضطراب الوضع في العراق، لكن حنين العودة إلى المنطقة لم يفارقهم وكانت هناك محاولات للرجوع خصوصاً بعدما ظهر عدو ومنافس جديد في المنطقة أي البريطانيين. كما تدخلوا عسكرياً للقضاء على الدولة السعودية الأولى التي انطلقت من نجد ووصلت جيوشها جنوب العراق عام 1216هـ/1801م. وهذا ما شكل خطورة على نفوذ الدولة العثمانية، التي أمرت محمد علي باشا والي مصر بمحاربة السعوديين والقضاء عليهم، وهذا ما حصل بالفعل. لكن المنطقة لم تعرف الاستقرار السياسي بسبب الصراعات الداخلية وبداية التدخل البريطاني في شؤون المنطقة. أما أهم حدث جعلهم يفكرون بجد في العودة إلى المنطقة فهو الصراع الذي نشب بين الأخوين عبد الله بن فيصل وأخيه سعود واستنجاد عبد الله بهم. بعد استعراض مجمل الملابسات وخلفيات عودة الأتراك إلى المنطقة ومن خلال الوثائق، وآراء المؤرخين يتوصل المؤلف إلى أن الأسباب وراء ذلك يمكن إجمالها في تسعة أسباب مهمة هي:

1- استنجاد عبد الله بن فيصل بالأتراك وقد كان قائمقام المنطقة من طرفهم، وقد بدا يتقهقر عسكرياً أمام توسع سيطرة أخيه سعود بن فيصل.

2- عداء الأتراك للدولة السعودية الأولى وخوفهم من قيامها من جديد على يد سعود.

3- خشية العثمانيين من اتساع نفوذ عبدلله بن فصيل واحتمال مهاجمته للحجاز للاستيلاء على الأماكن المقدسة، بالإضافة إلى الأخبار التي وصلت عاصمة الدولة العلية حول دعم البريطانيين لأخيه سعود.

4- إعادة هيبة الدولة التركية وبسطها لسيادتهم على مناطق تراجعت عنها بسبب الحرب والأزمات الاقتصادية.

5- الإصلاحات التي أدخلها السلطان التركي عبد العزيز (1278-1293/1861-1876م). على الجيش ومؤسسات الدولة مما أعادت الحيوية لدور الدولة ومن ثم تفكيرها في إعادة بسط نفوذها وتجديده في هذه المنطقة الحيوية.

6- التخوف من توسع النفوذ البريطاني الذي بدأ يهدد الإمبراطورية العثمانية في الجزيرة العربية.

7- الوضع الجديد لطرق المواصلات بعد افتتاح قناة السويس (1286هـ/1869م) وتنامي الدور الحيوي والاستراتيجي لهذه المنطقة تجارياً وسياسياً.

8- النشاط التجاري المتنامي بين أوروبا وهذه المنطقة، ودور بعض الموانئ الخليجية في التجارة العالمية، وقد رأى الأتراك أن الاهتمام بهذه المنطقة سيمكنهم من تحقيق مردود تجاري مهم، الدولة العلية في حاجة ماسة له.

9- تحمس أحمد مدحت باشا لغزو المنطقة والسيطرة عليها لصالح الدولة التركية وإقناعه السلطان بالجدوى الاقتصادية للحملة على الأحساء والقطيف، وحيويتها الاستراتيجية لنفوذ الدولة العلية في العراق والخليج العربي. وهكذا انطلقت الحملة من بغداد في الأول من شهر صفر 1988هـ/1871م لتصل إلى البصرة فالكويت، ومن ثم وبمساعدة شيخ الكويت عبد الله الصباح توغلت في مناطق القطيف والأحساء، لتستلم قلاعها الواحدة تلو الأخرى من المسؤولين عنها من طرف سعود بن فيصل، وهكذا رُفعت الأعلام التركية على مجمل القلاع والحصون وفر عبد العزيز بن سعود بن فيصل إلى قطر مع أتباعه ومنها إلى البحرين..

وقد تحدثت الوثائق عن الوضع الاجتماعي في المنطقة أثناء هذه الحروب والاضطرابات السياسية، فقد "ذكر الفريق محمد نافد باشا بأن الناس لا يخفون خوفهم من مغبة عدم إصلاح الأمور ووضعها في نصابها. وزعم أنهم أظهروا له ما عانوه من الأذى والقسوة أثناء الصراع بين عبد الله وسعود الفيصل، وأخبروه بأن عودة أحدهما أو أحد أفراد أسرتهما سيضطر أكثرهم إلى النزوح من بلادهم إلى إيران والبصرة، وأفاد أن جملة سكان القطيف وقراها من الشيعة ولا يوجد فيها بينهم من يتبع مذهباً أو ملة أخرى" (ص82).

ملابسات أخرى أحاطت بعودة الأتراك إلى المنطقة وتتعلق بالموقف البريطاني من الحملة التركية، فقد ذكر المؤلف بأن موقفهم كان مضطرباً لأنهم لم يرغبوا في توريط أنفسهم في صراع داخل صحراء الجزيرة، ما دامت مصالحهم مع شيوخ الساحل مضمونة، إلا أنهم كانوا قلقين من تطور الأوضاع في المستقبل مما سيؤثر على نفوذهم في المنطقة وحماية الطرق التجارية الرابطة بين الخليج والهند، وقد بعث المقيم السياسي البريطاني في الخليج برسائل إلى حكومته يحذرها من الآثار المحتملة للحملة، لكن بريطانيا لم ترغب في التدخل ما دام العثمانيون ملتزمين بوعدهم، لكن ذلك لم يمنعهم من مراقبة الوضع عن كثب.

من جهة أخرى ظلت جهود سعود بن فيصل للتصدي للحملة العسكرية العثمانية شبه مجهولة، وذلك لقلة الوثائق وندرتها، وما عُرف منها جاء متفرقاً في الرسائل التي كانت تُتبادل بين القوى الرئيسية في الخليج، مثل أمراء الساحل والبحرين والبريطانيين وسعود بن فيصل، لكن مما لاشك فيه أن العثمانيين كانوا متفقين عليه بحرياً بالإضافة إلى مساعدة شيخ الكويت لهم بأسطول بحري، وفي الداخل لم تكن تحصيناته ذات بال، لذلك سهل عليهم الانتصار عليه في القطيف ثم الأحساء. وبشكل عام سيطر العثمانيون على هذه المنطقة وبدأوا في ترتيب الوضع ضمن ملابسات شائكة من الصراعات السياسية استعرضها المؤلف، كشفت عن الصعوبات التي لاقتها الجيوش العثمانية وهي تحاول بسط نفوذها على هذه المناطق، في الوقت الذي بدأ النفوذ البريطاني يتسع ليتحكم في خيوط الصراعات السياسية بعد ذلك.

لكن هناك قضايا مهمة كشفت عنها الوثائق الخاصة بهذه الفترة زيادة على ذكر الأحداث السياسية ويوميات الحملة العسكرية، ويتعلق الأمر بوصف الأحساء والقطيف وقطر وأحوال الجنود العثمانيين في هذه المناطق، فقد وردت إلى عاصمة الدولة العلية تقارير مفصلة عن الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني، وكذلك مناخ المنطقة وطبيعتها الجغرافية، وهذا يُظهر أن الحملة العسكرية لم تكن دون مقدمات لمعرفة طبيعة المنطقة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، وهذا ما ظهر في تعليمات أحمد مدحت باشا المالية والإدارية لمتصرف لوزراء الأحساء بعد السيطرة عليها. فقد جاء فيها - كما يقول المؤلف - تعليمات "تضمنت معلومات عن اقتصاد الأحساء والقطيف والزراعة فيهما وطريقة تحصيل الأعشار الشرعية المعتادة من الملاك والمزارع والبساتين والزكاة الشرعية من الأغنام والجمال للبدو والحضر، وتحصيل ريع الأراضي العائدة لبيت المال وبعض الرسوم والضرائب الخفيفة، وما يجب عمله من أجل إصلاح النخيل العائد لبيت المال وتنمية محصولات التمور، وإصدار سندات التمليك في الأحساء والقطيف ومنحها مجاناً لمن يرغب في إحياء الأراض الموات. وصرف أموال الأوقاف في وجوه البر وعدم أخذ أي شيء منها للجانب الحكومي وإعطاء البذور للفلاحين" (ص177-178). وهذا ما جعل أحمد مدحت باشا يتوقع زيادة كبيرة في إيرادات الدولة العلية من الضرائب، ويبقى أن يتم استحضار وثائق أخرى لمعرفة هل كانت توقعات أحمد مدحت باشا واقعية أم لا؟ وما هي الإصلاحات التي أحدثها الأتراك بعد استيلائهم على هذه المنطقة، وآثارها في تطور المنطقة وتحديثها؟ الجواب على هذه الأسئلة سيجده القارئ في الأجزاء التالية لهذه الموسوعة الثرية بالمعلومات والوثائق.

الجزء الثاني خصصه المؤلف للحديث عن الحكم والإدارة في الأحساء والقطيف وقطر خلال الفترة الثانية للحكم العثماني بين (1288-1331هـ/1871-1913م). وقبيل استيلاء الملك عبد العزيز عليها وذلك من خلال سبعة فصول، الفصل الأول خصصه للحديث عن التنظيم الإداري العثماني في لواء الأحساء، فذكر أن العثمانيين بعد استيلائهم على المنطقة عام (1288هـ/1871م) صنفوها في لواء (سنجقا) في الدرجة الأولى وأطلقوا عليه اسم (لواء نجد) وضموه إلى ولاية بغداد ليصبح اللواء الحادي عشر الملحق بتلك الولاية وقد الحق بعد ذلك بولاية البصرة (ص19). وأطلقوا على من يتولى إدارة هذا اللواء "متصرف لواء نجد". ثم شرعوا في التنظيم الإداري للمنطقة فأنشأوا مركزاً للمتصرفية وعينوا متصرفاً ومحاسباً، وقائمقام لكل منطقة إدارية، وكذلك عينوا قضاة للشرع ومدراء لبيت المال وأمناء للصناديق في كل قائمقامية، كما رتبوا علامات سياسية وإدارية مع عدد من المشيخات، وفرضوا الجبايات والضرائب المستحقة للدولة العلية. لكن جهود السلطات العثمانية في ترتيب وضع هذه المنطقة لجعلها منطقة مستقرة وتابعة للإمبراطورية كانت تصاب بالكثير من الإخفاقات بسبب - يقول المؤلف - "تعاظم النفقات الإدارية واستمرار تململ جنودها من سوء أوضاعهم الصحية وكثرة الإصابات والوفيات بين صفوفهم وعدم ارتياح الإداريين للبقاء هناك" (ص28) وقد اتخذت السلطات التركية في الأستانة مجموعة من الإجراءات بسبب ذلك ذكرها للمؤلف وكشف عن آثارها وخلفياتها. وبشكل عام فنظام الإدارة الذي عمل به لم يكن يختلف عن باقي الأنظمة الإدارية التركية في باقي المناطق لكنه بالنسبة للمنطقة "كان عائقاً أمام أحكام أمور الإدارة والأمن فيها كما أنه لم يتح لأهالي لواء الأحساء المشاركة في إدارة شؤون بلادهم، وكل ما أجازه لهم كان محدوداً وهامشياً، كاقتصاره على مشاركتهم في مجلس إدارة اللواء ومجلس التمييز ومناصب مديري البلدية ووكيل نائب (قاضي) اللواء والمفتي، وفي بعض الأحيان إدارة الأملاك السنية، وهذه المناصب التي عهدت إليهم لم تمكنهم من مشاركة فعالة في النهوض بأمور بلادهم" (ص44).

بعد الحديث عن المتصرف ومهامه شرع في الفصل الثاني بالحديث عن متصرفي لواء الأحساء فَعَدَّ منهم (30) متصرفاً مع ذكر بعض القضايا التي حدثت في عهدهم والتي تبرز كيفية معالجة القضايا الاجتماعية من طرف هؤلاء المتصرفين والإدارة العثمانية ككل. وأن بعضهم قد تورط في قضايا فساد ومظالم كثيرة وتدخل بعضهم في أعمال إدارات اللواء بخلاف الأنظمة وعزله للموظفين الذين لا يتفقون معه (ص108)، كما تحدث عن حالة المسجونين في سجون اللواء وكيف أن شكاوى قد قدمت تدعي أن معظم السجناء سجنوا دون تحديد لمدد سجنهم، وأنهم لا يتلقون العناية المطلوبة. (ص117).

أما الفصل الثالث فخصصه لوصف الجهاز الإداري في لواء الأحساء، فتحدث عن أركان المتصرفية ومدراء الدوائر ذات المجالس الإدارية، ووظائف البلديات، وكيف كانت تتم عملية انتخاب الأعضاء المرشحين لمجلس المبعوثان، ليختم الفصل بالحديث عن الاحتفالات بالأعياد العثمانية والمناسبة العامة. وبشكل عام فقد قدم المؤلف دراسة تفصيلية حول الجهاز الإداري العثماني في لواء الأحساء وخصوصاً إدارة الأملاك السلطانية وإدارة البلديات، مع تتبع الآثار الاجتماعية لهذه الأجهزة الإدارية. وتابع في الفصل الرابع دراسته للنظام الإداري مع التركيز على أعمال وتصرفات القائممقاميين في قضاء القطيف وبعض الأحداث التي وقعت على عهدهم مع ذكر أسمائهم وعلاقتهم بالأهالي، وقد ذكر "أن بعضهم كان يسيء معاملة الأهالي ويتصرف خلاف الأنظمة مثل قائمقام القطيف (1288-1290هـ) علي بك، الذي فشل - كما يقول المؤلف - في وضع حد لتجاوزات الجنود وتعديهم على السلطان والأسواق والمزارع. كما كان يقوم بختم منازل المتوفين بالشمع الأحمر ثم يعيدها بعد ثلاثة أيام للورثة الشرعيين مشترطاً دفع 10% من قيمتها للسلطة العثمانية. وكان بعض قائمقام القطيف يقوم بالاختلاس والارتشاء.. واتصف بعضهم بالقسوة وظلم الأهالي وسوء الإدارة.." (ص187).

وهناك ملاحظة مهمة أشار إليها المؤلف وتتعلق بالوضع الإداري لقطر فقد كان وضعها استثنائياً طيلة الحكم العثماني، وقد ترك قضاؤها في عهدة الشيخ جاسم آل ثاني مع إطلاق لقب قائمقام عليه (ص183). كما تحدث عن مدراء الإدارات الحكومية في القضاء لينتقل إلى الحديث عن الوظائف الإدارية الأخرى في لواء الأحساء في الفصل الخامس، حيث تحدث عن عمل ووظيفة إدارة الميناء والجمارك والحجر الصحي ومستودع اللواء. ومأمورية الديون العمومية، والشرطة، وإدارة السجن، ومأمورية الأعشار والأغنام، وكذلك إدارات البريد والبرق، وسجل النفوس والسجل العقاري، بالإضافة إلى الجهاز الإداري لكل منطقة داخل المدن والقرى، وواجبات العُمدَة (أي المختار) وأئمة القرى أو الأحياء.

وقد أشار المؤلف بخصوص سياسة الجمارك أن العثمانيين انتهجوا في الفترة المتأخرة من حكمهم للواء الأحساء أسلوب تلزيم جمارك اللواء في منافسة عامة ترسو على من يتقدم بدفع أكبر مبلغ يقبل به العثمانيون. (ص217) أما بالنسبة للحجر الصحي فقد ذكر المؤلف أن الإجراءات الوقائية ضد الأمراض الوبائية خاصة الكوليرا والطاعون ضعيفة جداً. (ص218).

أما الفصل السادس فقد تحدث فيه عن المجالس المنتخبة في لواء الأحساء مثل: مجلس إدارة اللواء ومجلس إدارة القضاء، ومجلس إدارة الناحية ومجالس (اختيارية) القرى، وهذه المجالس كانت قد بُدء بإنشائها مباشرة بعد تشكيل أول إدارة عثمانية في لواء الإحساء عام 1288هـ/1871م. وكان الهدف من إنشاء المجالس الإدارية على اختلاف أنواعها مساعدة المتصرف في إدارة شؤون اللواء وإتاحة الفرصة لمشاركة الأهالي في إدارة شؤون مناطقهم وتصريف أمورها وإن كانت تلك المشاركة لا تعدو كونها مجرد مشاركة رمزية. (ص235).

ويختم الجزء الثاني بالفصل السابع بالحديث عن إدارات الخدمات العامة في اللواء مثل إدارة المعارف والبريد والبرق والصحة، وقد تبين للمؤلف ومن خلال الوثائق العثمانية أن مستوى الخدمات العامة في المنطقة كان متواضعاً لا يرقى إلى مستوى الولايات العثمانية الأخرى مثل العراق والشام ومصر، وقد بعث متصرف اللواء محمد نزيه بن أحمد عطا تقريراً مطولاً حول أوضاع الأحساء إلى وزارة الداخلية التركية في 26 ربيع الأول عام 1303هـ يشكو فيه تجاهل ولاية بغداد لمطالب اللواء بخصوص إدخال المؤسسات الخدمية وتطويرها، وذكر أن سبب هذا التجاهل في اعتقاده يعود إلى أن ولاية بغداد تنظر إلى لواء الأحساء بوصفه من الدرجة الثانية فلا توليه اهتماماً ولا تقيم له أهمية. (ص251).

هذا وفي الكتاب قائمة مهمة بالوثائق والبيانات والرسوم والرسائل كنوع من التوثيق يسهل على الدارس الرجوع إليها والاستفادة منها، بالإضافة إلى ثبت المصادر والمراجع. وبشكل عام وكما قلنا في البداية من الصعب الإشارة إلى كل ما ورد في الجزأين لأننا أمام تاريخ لفترة نصف قرن تقريباً مليئة بالأحداث والمعطيات التاريخية، لذلك أشرنا إلى محتويات الفصول وبعض القضايا التي رأينا أن الإشارة إليها قد تلفت نظر القارئ للبحث والاستزادة وقد احتفظنا بعدد من الملاحظات والتقييمات وأرجأناها إلى الدراسة الأخيرة حول هذه الموسوعة القيمة حول تاريخ المنطقة، والتي تستحق في نظرنا أكثر من قراءة لمحتوياتها وما احتضنته من وثائق تكشف عن حقائق ظلت غامضة في تاريخ هذه المنطقة المهمة في التاريخ القديم والحديث والمعاصر.

370314