قراءة في كتاب: شعراء هجر من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر
عبد اللَّه بن أحمد الشباط - 6 / 3 / 2011م - 9:24 ص - العدد (26)

المؤلف

مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور الشيخ عبدالفتاح محمد الحلو، أحد أعضاء هيئة التدريس بالمعهد العلمي بالأحساء ما بين عامي 1375 - 1385هـ ومن خلال وظيفته العلمية تعرف على العديد من علماء وأدباء منطقة الأحساء، كما كانت له علاقة وثيقة بالمهتمين بالتاريخ الأدبي لمنطقة الأحساء في ماضيها وحاضرها.

وقد أشار إلى ذلك الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله آل مبارك في خاتمة الكتاب حيث قال: "ثم إنه في عام 77 - 1378هـ وكان لدينا الأستاذ الفاضل الشيخ عبدالفتاح محمد الحلو مدرساً للقسم الأدبي بالمعهد العلمي. وكان -حفظه الله- مثالاً صالحاً للعلم والعمل. وكان مع ذلك وقوراً مهيباً متحلياً بالآداب الشرعية وكان حريصاً على الاطلاع والمعرفة ومحبة الاختلاط بالعلماء والأدباء فوجد في الأحساء بغيته وصار له حظوة في النفوس ولم يزل يسمع ممن يجالسهم من العلماء والأدباء مما لأهل الأحساء من أمجاد تاريخية وعلوم لم تبرح ذهن المحافظ أو بين حنايا الصدور. فخطر بباله الكريم القيام بمهمة البحث والتقنين عما في الزوايا من خبايا لطبعها ونشرها لتعم الفائدة ويؤمن بطبعها من الضياع".

والشيخ عبدالفتاح عالم مجتهد مثابر على البحث والتأليف والتحقيق وكان له الفضل في تحقيق ديوان ابن مقرب العيوني الذي طبع باهتمام مكتبة التعاون الثقافي لصاحبها الشيخ عبدالله بن محمد الملا وصدر عام 1385هـ.

كما أنه قام بتحقيق ونشر كتاب (تحفة الريحانة ورشحة طلاء الحانة) لمؤلفه محمد أمين بن فضل الله بن محب الدين بن محمد المحبي 1061 - 1111هـ وقد طبع بالقاهرة عام 1387هـ في ستة مجلدات.

وكان الشيخ عبدالفتاح يرحمه الله يواصل البحث والتأليف والتحقيق كلما كان ذلك ميسوراً. وقد علمت أنه أنشأ داراً للنشر بالديار المصرية سماها (دار هجر للطباعة والنشر) وهذا دليل تعلقه بتلك الفترة من حياته التي قضاها بين أناس رأى فيهم وفي أدبهم العوض عن كل عوض.. وأهلاً أقرب من الأهل.

الكتاب

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1379 في حوالي 610 صفحات مصدراً بمقدمة للأستاذ عبدالفتاح قال فيها:

يعرض هذا الكتاب شعر ثلاثة قرون مرث على هجر ويتقاسم هذا البحث شعراء من آل عمير وآل مبارك وآل ملا وآل عبدالقادر وآل ماجد وآل غنام وآل مشرف بطريقة الأقدمين من الجلوس إلى شيخ يتلقى عنه علمه في مادة من المواد فإذا ما فرغ منها انتقل إلى شيخ آخر.. وهكذا حتى إذا أجيز في العلوم (المتواضع) عليها جلس للإقراء وأصبح مصدراً هاماً من مصادر المعرفة. وقد تشابهت الموضوعات التي تناولها هؤلاء الشعراء فمن مديح إلى رسائل إلى غزليات إلى وصف إلى سياسيات إلى زهديات ومراثي. وتيرة الشعراء في هذه الموضوعات جميعاً تكاد تكون واحدة. ونحب أن ننبه إلى أن هؤلاء الشعراء على وفرة إنتاجهم لم يتخذوا الشعر بضاعة ولم يركنوا إلى الأدب كحرفة.

وقد ختم تلك الطبعة بكلمة الشيخ محمد بن عبدالله آل مبارك المشار إليها سلفاً.

ثم أعيد طبع الكتاب للمرة الثانية عام 1399 في حوالي 626 صفحة وقد تميزت بمقدمة كتبها فضيلة الشيخ أحمد بن عبدالعزيز آل مبارك رئيس القضاء الشرعي بدولة الإمارات العربية المتحدة -يرحمه الله- جاء فيها:

وهذا الكتاب يبحث في شعراء هذه المنطقة من القرن الثاني عشر إلى الرابع عشر الهجري. هذه الفترة الزمنية التي شهدت تقلباً كبيراً في الأحوال السياسية حيث كان الانتقال من الحكم العثماني إلى حكم آل سعود وعلى الرغم من التأخر العلمي الذي قد عم العالم الإسلامي في أواخر الدولة الإسلامية العثمانية نتيجة ظروف عديدة إلا أن الأحساء كانت في فقهائها وعلمائها كما كانت في طبيعتها وبيئتها ربيعاً نضراً وحدائق خضراء يانعة وفي نهاية هذه الكلمة أشار إلى المؤلف:

ولا يفوتني أن أذكر بالعرفان السيد (عبدالفتاح الحلو) مؤلف الكتاب مشيداً بالجهود التي بذلها في جمع الأشعار التي وردت بداخله وهو جهد مشكور. استطاع إخراج هذا الكتاب بحلته الجميلة فله ولكل من أحيا كلمة وأخرجها لترى النور كل تقدير وامتنان وله ولكل من استعان بهم كل تقدير وثناء. ودعاء بالمثوبة يوم يقوم الحساب.

وقد ختمت هذه الطبعة كالسابقة بكلمة الشيخ محمد بن عبدالله آل مبارك المشار إليها آنفاً.

أما الطبعة الثالثة التي صدرت عام 1401هـ في 622 صفحة فقد طرأت عليها التعديلات الآتية:

1- استبعدت المقدمة التي كتبها الشيخ أحمد بن عبدالعزيز آل مبارك والتي توجت بها الطبعة الثانية من هذا الكتاب.

2- أضاف إلى هذه الطبعة -بعد المقدمة- دراسة تاريخية أدبية عنوانها الأحساء وشعراؤها في ثلاثة قرون. ابتدأ الناحية التاريخية من بداية حكم (آل حميد) وتوالي حكامهم وآل سعود والأتراك خلال الفترة 1200 - 1288هـ.

أما وجود الدولة التركية فقد دام من 1288 - 1331هـ حيث بداية العهد السعودي على يد الملك الموحد عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.

وخلال تلك الفترات المتعاقبة برز في الأحساء عدد من العلماء الشعراء ففي عهد آل حميد برز كل من:

الشيخ أحمد بن عبدالله العبدالقادر، والشيخ محمد سعيد العمير، والشيخ أحمد بن علي بن مشرف، والشيخ حسين بن أبي بكر بن غنام. وهذان الأخيران يمثلان الرابطة -كما يقول المؤلف- بين عهد آل حميد والدولة السعودية الأولى.

وفي العهد التركي برز كل من: أحمد بن محمد آل ماجد، والشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل مبارك، والشيخ عبدالعزيز عبداللطيف آل مبارك، الشيخ عبدالله بن علي العبد القادر، والشيخ عبدالعزيز بن حمد المبارك، والشيخ عبدالعزيز بن صالح العلجي، والشيخ صالح بن حمد المبارك، والشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل عمير، والشيخ محمد بن عبدالله العبدالقادر.

3- أضيفت إلى الكتاب دراسة عن الشيخ محمد بن عبدالله العبدالقادر ص515 - 518.

4- استبعدت كلمة الختام التي كتبها الشيخ محمد بن عبدالله المبارك.

5- تميزت هذه الطبعة بوجود فهارس تفصيلية للآيات والأحاديث النبوية والأمثال والقوافي والحضارة، والأمثلة والألغاز، والأعلام، فهرس القبائل والأمم والفرق، وفهرس الأماكن والبلدان والمياه، فهرس الوقائع والأيام والحروب، فهرس الكتب، فهرس المحتوى، وقد بلغت صفحات الفهارس 91 صفحة.

الموضوع

موضوع هذا الكتاب هو ترجمة لعلماء الأحساء الذين تعاطوا الشعر مع إيراد نماذج من أشعارهم, وقد احتوى على 12 شاعراً تنوعت أغراض شعرهم إلا أنها تدور حول هموم ذاتية لا تتعدى المحيط المحلي.

والشاعر الوحيد الذي تميز بوجود موضوعات سياسية هو الشيخ عبدالعزيز بن عبداللطيف المبارك فقد أورد له المؤلف قصيدتين وهما قصيدته التي قالها حينما تغيرت الأوضاع في البحرين فغادرها الدواسر إلى المملكة العربية السعودية بعد أن أذن لهم الملك عبدالعزيز بالنزول في الساحل الغربي للخليج العربي، وكان ذلك عام 1341. ومطلعها:

هل من يجيب إذا دعوت الداعي

ويعي الخطاب وأين مني الواعي

والقصيدة الثانية قالها عندما تسلط الإنجليز على البحرين وأخذوا يتدخلون في شؤونها الداخلية عندما عزلوا الشيخ عيسى بن علي عن إمارة البحرين فقال:

لله في الخلق مراد عجيب

في سر معناه يحار اللبيب

ومنها:

إن النصارى من بني كلترا

جاؤوا من الأمر بأمر عجيب

قد نقضوا ميثاق عيسى كما

قد نقضوا ميثاق عيسى النقيب

عابوه بالشيب ضلالاً ومن

أدهى الدواهي أن يعيب المعيب

أليس قد شابت بريطانيا

فما لها في الملك لا تستنيب

وإضافة إلى أولئك الشعراء العلماء المترجم لهم فقد أورد المؤلف تراجم بعض الشخصيات العابرة في الهوامش مثل: فالح باشا السعدون ص121، والشيخ عبدالعزيز بن عمر بن عكاس ص165، والشيخ عبداللطيف المبارك ص300، وابنه الشيخ عبدالله ص275، والشيخ علي بن عبدالرحمن المبارك ص314، والشيخ أحمد بن محمد المبارك ص719، والأمير عبدالله بن جلوي ص393، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز المبارك، والشيخ أحمد عبداللطيف الملا ص470، وكانت تلك الإشارات قد أعطت إلماماً ببعض المواضيع وتعريفاً ببعض الشخصيات التي يعتبر وجودها جزءاً مهماً من التاريخ الأدبي والسياسي للأحساء.

غير أن هناك شخصيات أدبية وسياسية واجتماعية ورد ذكرها في المتن إلا أن المؤلف لم يورد تعريفاً لها يستكمل به القارئ الفائدة المرجوة من هذا الكتاب مثل: الشيخ محمد بن عيسى الخليفة، والشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة، والشيخ عيسى بن علي الخليفة (حاكم البحرين) آنذاك، والسيد طالب النقيب، والشيخ عبدالرحمن العوضي (الكويتي)، والأستاذ أمين الريحاني، والشيخ راشد بن عبداللطيف المبارك. ولكل من هؤلاء دوره في الحياة الأدبية والثقافية والسياسية في العالم العربي. وحتى أعطي القارئ تصوراً تاماً عن موضوع هذا الكتاب سوف أقف معه عند بعض الملامح الهامة لبعض الشخصيات.

تبدأ مواضيع الكتاب بترجمة للشيخ محمد سعيد العمير الذي ذكر المؤلف أنه من مواليد سنة (1110هـ) وأنه عمل قاضياً في عهد الأمير داحس بن حميدالرشيد[1] . وهذاطبعاً لا يستقيم من الناحية التاريخية لسببين:

1- أن ليس في أمراء وحكام الأحساء من يعرف باسم دويحس بن حميد الرشيد وإنما المعروف هو دويحس بن عريعر بن دجبن الذي استولى على حكم الأحساء سنة 1200هـ.

2- ذكر الشيخ محمد العبد القادر: أن الشيخ محمد سعيد قد شغل منصب القضاء مدة ثلاث سنوات من سنة إحدى ومائتين وألف إلى سنة ثلاث ومائتين وألف. وقال المؤلف: "إن هذا تاريخ بعيد"[2] . وهذا طبعاً لا ينسجم مع تاريخ الميلاد الذي ذكر المؤلف آنفاً. فإذا رجعنا إلى ما ذكره الشيخ محمد العبد القادر أنه -أي محمد سعيد- ولد عام 1160هـ فإذا سلسلنا التواريخ منذ ميلاده سنة 1160هـ وتولي دويحس سنة 1200 وعمل الشيخ محمد سعيد في القضاء 1201 - 1203هـ تكون التواريخ منسجمة ومتتالية ومتقاربة. وهذا أصح مما ذكره المؤلف والشيخ محمد رغم أن مدة توليه القضاء قصيرة لعدم رغبته فإنه لم يترك النصيحة لولي الأمر آنذاك. كقوله في قصيدة أرسلها إلى الأمير (داحس) دويحس:

إن البلاد كمن ولت شبيبته

وقل مالاً ولم يسطع له سببا

ولا تقل ما به خيراً سوى نحب

فالعدل يجعل شبرا ذلك النجبا[3] 

وإنما مثل الدنيا كمثل كلا

لا نيل فيه لمرتاد سوى شذبا[4] 

فأصلح السبل وانوِ الخير مدرعاً

تقوى الإله ولا تعبأ بمن عتبا

فمن وليت عباد الله فارعهم

وراعهم واجتهد حتى تكون أبا

إذ أنت راع فلا تتركهم هملاً

يعدو على الراس منهم من يرى ذنبا

بل رد من جار وانصر كل مهتضم

وحاول الأمن فيمن شط أو قربا

فانظر بذي نعم خان الرعاء بها

هل ترضينهم لرعي أو يكون أبا

وانظر بنفسك لو بعض العبيد عصى

الست قاتله أو مقصيا أدبا

فكيف بالملك الأعلى العظيم إذا

ما العبد جار إلى المنهي وارتكبا

فاجعل نصيبك منه خشية ملأت

أرجاء صدرك واحذر أخذه غضبا

وجانب الظلم إن الظلم ذو وخم

لمن أتاه وداء قاتل ووبا

ولا يغرنك إحسان أتيت فقد

يكون يوم حساب بالقصاص هبا

فإن ترد طيب عيش في نسا أجل

وهيبة تشمل الأدنى ومن قربا

فراقب الله واعدل في بريته

فالعدل أقرب للحسنى إذا وصبا[5] 

قال المؤلف: إنه لم يعثر إلا على هذه القصيدة وقصيدة أخرى في الموعظة وجزء من منظومة في علم النحو حيث ضاع النتاج الشعري للشيخ فيما ضاع من تراث الأحساء الأدبي.

أما الشخصية الثانية فهي للشيخ أحمد بن عبدالله العبد القادر الذي كان يشغل منصب المستشار الأول لحاكم الأحساء عرعر بن دجين الخالدي وابنه سعدون بن عرعر، ولم يذكر تاريخ ميلاده. أما وفاته فيرجح أنها كانت بعد سنة 1194هـ ولعل أهم ما في ترجمة الشيخ أحمد هو تلك العلاقة الحميمة التي ربطته بالشيخ عبدالله بن محمد الكردي البيتوشي حيث أحسن المؤلف باستيفاء ترجمة البيتوشي وذكر مؤلفاته ومراسلاته الشعرية مع الشيخ أحمد.

أما الشيخ حسين بن أبي بكر بن غنام (… - 1225هـ) أورد له المؤلف ثلاث قصائد (1) في رثاء الإمام محمد بن عبدالوهاب، (2) في مديح الشيخ أحمد العبدالقادر، (3) في مدح الشيخ البيتوشي.

وعند ترجمته للشيخ أبي بكر بن محمد الملا ذكر أنه من مواليد عام 1198هـ وقد أورد له اسماء أحد عشر كتاباً في الفقه والمواعظ والآداب والحديث وعلم أصول الدين. أما وفاته فكانت في ليلة التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 1270هـ.

وذكر أن الشيخ أحمد بن علي بن مشرف توفي بمكة المكرمة (1285هـ) ولم يذكر له شيئاً من القصائد باعتبار أن له ديواناً مطبوعاً.

ولم يذكر سنة ميلاد أحمد بن محمد الماجد. أما سنة وفاته فكانت سنة 1330هـ، وقد أورد له قصيدتين إحداهما في تأسيس حي الصالحية والثانية في رثاء عبدالله بن محمد الخاطر.

وعندما يفتح صفحة إلى الشيخ مبارك يكون فاتحة العقد الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم المبارك (1288 - 1342هـ) وشعر الشيخ كما يقول المؤلف ثلاثة أقسام:

القسم الأول: رسائل متبادلة بينه وبين أقاربه وعلماء وشعراء عصره.

القسم الثاني: قصائد في الغزل الخالص الذي لا يستخدم كمقدمة لغرض آخر.

القسم الثاني: في الرثاء. لم يحتو إلا على قصيدة واحدة رثى بها زميله في الدراسة محمد بن صالح العماني.

أما ابنه الشيخ عبدالعزيز بن عبداللطيف (1310 - 1343):

قال عنه: يعتبر شاعرنا من خير من تحدث في أمور الأمة الإسلامية وعالج المشاكل العربية. ولذلك فإن سياسياته (أشرنا إليها سابقاً) تحدثنا عما كان يجيش في نفسه من رغبة صادقة في اجتماع الكلمة ولم الشمل والاتحاد في كل جو إسلامي يستعيد به المسلمون ما كان للصحابة الأول من أمجاد خالدة. ونرى الشاعر في هذه القصائد يصب جام غضبه على المحتل الغاصب ويحز في نفسه ويؤلمه أن يتحكم في الأمة الإسلامية هؤلاء المستعمرون.

أما عن شعره فقد أشار إليه، وقد أجاد الشاعر فيما تناوله من أغراض وهو على طريقة الأقدمين من البدء بالمديح والتهاني والرسائل بالغزل.. ويعتبر غزل الشيخ عبدالعزيز في القمة من حيث بلاغة الصورة وجمال العبارة كما في قوله:

باد هواك كتمت أم لم تكتما

يكفي نحولك عن هواك مترجما

إن الغرام إذا أقام بمهجة

وأبيك عز عن الورى أن يكتما

بح بالذي تلقى وصرح باسم من

تهوى ولا تحذر فديتك لوما

واشكر على عدل الحبيب وجوره

وذق الذي قد ذقته فلعل ما

واستعذب التعذيب واسعد باللقا

وارض الذي يرضى به  واصبر كما

وتعال قص علي من طرف الهوى

طرفاً فقد أمسيت مثلك مغرما

أما عبدالله بن علي العبدالقادر 1270 - 1344هـ فقد قال عنه:

والقصائد التي وجدناها للشيخ تشف عن شاعرية فذة وأسلوب رائع وخيال واسع الأطراف رحب الأكناف متعدد الصور والألوان.

ولاشك أن اتصاله بالباشا أحمد عزت العمري قد أثار القريحة في نفس الباشا فأخذ يطارحه الشعر فقال بعد عدة مراسلات بينهما قصيدة مطلعها:

سقاها الهوى باللوى صرخدا

وشوقها الرعد لما بدا[6] 

فأجابه الشيخ عبدالله بقصيدة قال فيها:

عداها وحقك عما بدا

تذكرها باللوى معهدا

دعاها الهوى فاستجابت له

وبالسفح اتجرها موعدا

سقاها على أثلاث الأثيل

بعذب العذيب وما حردا[7] 

وهي قصيدة طويلة خلص في نهايتها إلى مدح أحمد عزت ودماثة خلقه وعلو همته وتواضعه مع الناس.

وأثبت المؤلف للشيخ عبدالله قصيدة في الرثاء احتفل بها أدباء عصره حتى سموها مرثية العلم قالها عندما توفي الشيخ عبدالله بن الشيخ عبداللطيف المبارك 1299هـ جاء فيها:

يا صاحبي أعيراني جفونكما

جفني قريح ودمع العين مدرار

وأفرغا في فؤادي فضل صبركما

عدمت صبري وفي (الأحشاء) تسعار

ولقد حاز الشيخ عبدالعزيز بن حمد المبارك القسم الوافر من الدراسة ومن المختارات الشعرية حيث بلغ عدد الصفحات المخصصة له (98) صفحة وفي ترجمته:

الشيخ عبدالعزيز بن حمد المبارك من بني تميم ولد بمحلة الرفعة من مدينة الهفوف بالأحساء سنة 1279هـ وقد عد من أخذ منهم من العلماء ومن تتلمذوا عليه ثم قال:

وقد عثرت على كمية كبيرة من شعر الشيخ زادت أبياتها عن ألف بيت وهي في جملتها تشف عن شاعرية فياضة وبصر كبير بلغة العرب وآدابها وغالبية شعره في المدائح والمراسلات والغزل ومدحه منصب في أصدقائه من الشعراء والأدباء وأسرته. وهناك رسائل تجمع بين المديح والغزل. فمن رسالة بعث بها الشاعر الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة[8]  قوله:

خليلي إني في الغرام أسير

فهل منكما لي مسعد ومجير

دعوتكما والمرء يدعو خليله

إذا نابه خطب وقل نصير

فأجابه الشيخ عبدالعزيز بقصيدة مطلعها:

صريخ الهوى لبيك فيم تشير

كلانا خبير بالغرام بصير

ثم يرتقي إلى الغزل:

فلله ظبي أنت من بعض صيده

ولله سرب أنت فيه أسير

فإن كان للصيد الملوك مصائد

فما هي إلا أعين ونحور

وبيض وجوه مشرقات كأنها

وجال بها ماء الجمال بدور

يعم الضياء الأفق والليل عاكر

إذا حان من تلك الوجوه سفور

وكتب إليه الشيخ محمد بن عيسى الخليفة[9]  يواسيه فيما أصاب عينيه:

وقيت بعون الله من كل علة

وفزت بأجر من إله البرية

فأجابه الشيخ عبدالعزيز:

جلت ظلم الأقدار حين تجلت

ولم تبق للآلام لما ألمت

ومذ سفرت عن سافر الحسن سافرت

ركاب هموم في الفؤاد استقرت

وهناك العديد من المراسلات الشعرية بينه وبين ابن عمه الشيخ عبداللطيف بن عبدالله 1285 - 1372هـ وأبناء عمه الشيخ صالح والشيخ أحمد والشيخ راشد بن عبداللطيف والشيخ علي بن عبدالرحمن[10]  الذي أرسل إليه قصيدة مطلعها:

إليك شكا صب لغيرك ما شكا

صدود الهوى حاز الحشا وتملكا

فأجابه الشيخ عبدالعزيز:

لقا لك يا بن الأكرمين لقا بكا

ونفسي مما تشتكيه فدا لكا

أمن ظلم أحوى بارد الظلم تشتكي

كان لم تكن من أسد بيشة أفتكا[11] 

خليلي هل أبصرتما قط ضيغما

تظلم من ظبي الكناس أو اشتكى؟[12] 

ومن روائع غزلياته:

أما لسقام العاشقين طبيب

يعالج قلباً كاد فيك يذوب

وهل من كريم ذي إخاء أبثه

أحاديث أشواق لهن ضروب

فيسعد أو يرثي لنضو صبابة

له زفرات في الهوى ونحيب[13] 

فيا شمس أفق الحسن لولا انتسابها

لكل نجيب قد نماه نجيب

ويا ظبية فيها المحاسن جمعت

وفي مثلها خلع العذار يطيب

إلى آخر القصيدة وقد أورد له المؤلف العديد من القصائد في المواعظ والرثاء وبعض الأغراض المتنوعة وذكر له شرحاً في الفقه المالكي عنوانه (تدريب السالك) وعند ترجمته للشيخ عبدالعزيز بن صالح العلجي (85/ 1290 - 1361/ 1362). ذكر عدد من مؤلفاته وهي:

1- نظم كبير في فقه الإمام مالك يزيد عن أربعة آلاف بيت.

2- نظم متن عزيه الزنجاني في الصرف (مباسم الغواني في تقريب عزيه الزنجاني) والشيخ عبدالعزيز هو سفير أهل الأحساء إلى السيد طالب باشا النقيب عندما كثرت المظالم من الولاة. فذهب إلى العراق فقابل السيد طالب وشكا إليه أحوال الأحساء وغارات البدو المتكررة، في قصيدة يقول فيها:

فجرد سيوف الباس واجعل غمادها

لئاماً طفى من طول أمن عنيدها

قبائل سوء بالإهانة عودوا

وقد طال عن لقيا الهوان عهودها

وغرهم الإكرام منك وهكذا

يجور بإكرام الكرام عبيدها

وظنوا بأن الملك ليس لرعيه

أسود ولا يحوي رجالاً تسودها

فهان مولى الحكم فيهم وقدره

ولم يحترمه وغدها ورشيدها

وقادوا إليه كل يوم بلية

قوافل تسبيها وقتلى تقودها

وقد استجاب السيد طالب لهذه الاستغاثة، ورفع للسلطان الذي كلفه بولاية الأحساء فحاول جهده أن يبسط الأمن إلا أن الأمور لم تجر كما يريد.

وكل قصائد الشيخ العلجي التي رصدها المؤلف لا تعدو موضوع المراسلات والمدائح ما عدا قصيدته في رثاء الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف المبارك:

كذا الرزء إذ أودى فتى العلم والذكرى

فهل حين عز الصبر من بائع صبرا

عهدت اصطباري في الحروب أخا وفا

فإذ خانتي ذا اليوم أوسعته عذرا

وما لي لم أوسعه عذراً وقد مضى

أبو الفضل في الدنيا إلى منزل الأخرى

هو الشيخ إبراهيم شمس بلادنا

ضحى المهتدي فيها وبدر لمن أسرى

تنكرت الأحساء يوم وفاته

كأني بها حيرى وأرجاؤها غبرا

فأما إذا فخمته شهدت له

أياديه فينا والمعالي التي تدرى

إلى آخر هذه القصيدة التي وضحت فيها الصفة مما يجعلها ثقيلة على لسان القارئ وسمع السامع وأثبت المؤلف ثلاث قصائد للشيخ صالح بن محمد المبارك 1280 - 1362هـ. يمدح بها بني عمه ويذكر أن الشيخ عبدالله بن عبداللطيف العمير 1293 - 1377هـ قد تشرب قلبه حب اللغة العربية وصنف منظومة في هذا الموضوع بلغت أبياتها 164 بيتاً كما صنف منظومة أخرى عد فيها سور القرآن العظيم. وقد قسم المؤلف أشعار الشيخ عبدالله إلى:

1- مدائح في الملك عبدالعزيز آل سعود وصاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى الخليفة بالإضافة إلى مراسلاته ومدائحه لبعض إخوانه.

2- منوعات في وصف مظاهر الطبيعة ومجاملة الأصدقاء.

3- مواعظ وزهديات يبتهل فيها إلى الله عز وجل وينصح إخوانه وطلابه بالتمسك بأهداب العقيدة الصحيحة.

4- مراثٍ قالها حين وفيات عدد من مشايخ الأحساء.

ويقول: والقارئ لإنتاج الشيخ عبدالله الشعري يدرك أنه كان لا يتأنق في تعبيره بل يرسل عبارته الشعرية كيفما جاءت.. وحيثما وقعت ولذلك فإنك لا تلمح في شعره من المعاني المبتكرة والصياغة الرائعة ما يستوقفك فتعجب وتطرب وهذا نموذج من شعره:

عبدالعزيز إمام العرب طائره

بروضة السعد غنى حيثما صدحا

أضحت خلافته للناس شاملة

باليمن والأمن أدناهم ومن نزحا

ساس الممالك والملك المنيع بما

أولاه مولاه بالتوفيق إذ فتحا

يولي الجميل وكم فاضت له منن

منها على الخلق وبل ظل مصطبحا

لولاه ما سار في البيداء من رجل

إلا لديه خفير يدفع الترحا[14] 

أما خاتمة المطاف بين أفياء هذا الكتاب الجامع فهي دراسة عن الشيخ محمد بن عبدالله العبدالقادر 1312 - 1391هـ[15]  والذي قال عنه المؤلف:

وكان شعره وسيلة من وسائله التي يشارك بها في الحياة الثقافية المعاصرة فلم يقصد إليه قصداً ولم يعتمده فناً يجوده وغاية ينشدها. وأهم آثار الشيخ محمد كتاب في التاريخ عنوانه (تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد) أخرجه في جزأين. الجزء الأول عن السياسة والحكم في الأحساء منذ أقدم العصور حتى نهاية القرن الرابع عشر الهجري تقريباً طبع عام 1279هـ. أما الجزء الثاني فقد خصصه للتراث الأدبي لهذه البلاد ابتداءً من العصر الجاهلي حتى نهاية القرن الثالث عشر طبع عام 1382هـ كما أن له مجموع شعري من مختاراته عنوانه (مختارات آل عبدالقادر طبع عام 1380هـ) ومن شعره ما قال في وصف الأحساء:

بلادي هجر لا تقابل بالهجر

فإني أرى عين الحياة بها تجري

جنان وأنهار تفيض بكوثر

يمر سريعاً في حدائقها الخضر

إذا افتر ثغر الصبح رتل طيرها

أغاريد تسلي القلب بالأنس والبشر

ويحمل معتل النسيم إذا سرى

عبيراً من الأزهار يغني عن العطر

بها الليل ليل لامعات نجومه

فلم تنكدر فيه ولا آفة تسري

ولا يرد لبنان ولا حر ساحل

يؤلم من فيه بأبخرة البحر

وإن لها فوق الجمال زيادة

تفجر بترول أعز من التبر

سلام على تلك المعاهد إنها

منازل سعد لا سماك ولا غفر[16] 

الخاتمة

إن قارئ الكتاب ولاشك سيلاحظ أمرين:

الأمر الأول: أن دراسة المؤلف لبعض الشخصيات لا تخلو من وقفات نقدية أشرت إلى بعضها ولم أشر إلى البعض الآخر فمثلاً: الشيخ حسين بن أبي بكر غنام عزله المؤلف على قصيدة في الرثاء. وقصيدتين في المديح. والقصيدتان الأخريان -يقول المؤلف- تبدآن بالنسيب.. والشاعر طويل الباع في الغزل رحب الأكفاف في فنونه.

وبعد أن يعرض لحياة الشيخ أبي بكر الملا ومؤلفاته وأراجيزه الفقهية يقول:

إن الجو العلمي الذي كان يعيشه الشيخ صبغ حياته كلها بهذه الصبغة فلم يستطع أن يتخلص منها.

وشعر الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم المبارك الغزلي يتميز بإخلاص الشاعر للفكرة إخلاصاً تاماً. فهو لا يترقب أن يفرغ منها إلى مدح أو إلى غيره. ولذلك نلاحظ أن قصائده تمتاز بالرقة. وتصف في دقة لقائه بالحبيبة وما يدور بينهما من حديث عذب ووصال هني. ومثل هذه الإشارات النقدية متعددة في طيات الكتاب وفي غالب التراجم والدراسات التي قدمها.

الأمر الثاني: أن بعض الشخصيات من علماء الأحساء وممن لهم علاقة المترجم لهم في الهامش يستحقون أن تفرد لهم فصول أسوة بغيرهم مثل الشيخ عبداللطيف بن عبدالله بن عبداللطيف ص300. فقد أشار المؤلف إلى بعض إنتاجه الشعري خاصة أرجوزته التي سجل فيها رحلته إلى العراق والشام واستعمال القطار للوصول إلى المدينة المنورة لأداء فريضة الحج، وكذلك الشيخ عبدالعزيز بن عمر بن عكاس. الذي وردت ترجمته في صفحة 165 فبالإضافة إلى تلك الترجمة يوجد عدد من القصائد الجيدة المنسوبة للشيخ عبدالعزيز في تراسله مع بعض المشايخ. وهذه القصائد إضافة إلى ترجمته المشار إليها تؤهله لأن يحتل فصلاً من فصول هذا الكتاب.

ولاشك أن المؤلف قد أدى خدمة جليلة لتراث الأحساء خلال تلك الفترة إذ كان مهدداً بالضياع بعد أن يتوفى حفاظه أو ينتقلون إلى أماكن أخرى. وهذه مآثرة من المآثر المحمودة لرجال العلم الذين يجعلون رسالتهم العلمية فوق كل اعتبار. ولقد كان لوجود الشيخ عبدالفتاح والشيخ مناع القطان والأستاذ محمود زايد والأستاذ إبراهيم حسان، وغيرهم من أعضاء البعثة التعليمية المصرية في الأحساء خلال الفترة 1373 - 1385هـ أثر كبير في إنعاش الحركة الأدبية والثقافية بمنطقة كانت ولا تزال موطناً للعلم والأدب.

[1]  شعراء هجر، ص43.

[2]  تحفة المستفيد، محمد العبد القادر الأنصاري، ط3، 1419هـ، 2/ 587.

[3]  النجب: لحاء الشجر.

[4]  الشذب: بغية الكلأ المأكول.

[5]  شعراء هجر، ص47.

[6]  صرخد: نوع من الشراب.

[7]  العذيب: محلة بالمبرز وتوجد محلة في بغداد بهذا الاسم.

حرد: لم يرتو.

[8]  يراجع بشأنه كتاب شيخ الأدباء في البحرين مي آل خليفة.

[9]  يراجع بشأنه كتاب (محمد بن عيسى الخليفة) مي آل خليفة.

[10]  ترجمته في هامش صفحة 338.

[11]  أحوى: أسمر الشفه.

[12]  الضيغم: الأسد، الكناس: بيت الظبي.

[13]  نضو الصبابة: ملازمها.

[14]  الترح: الهم والحزن.

[15]  أدباء وأديبات من الخليج العربي، عبدالله بن أحمد الشباط.

[16]  السماكان: نجمان نيران، والغفر: أحد منازل القمر.
370314