الوقف في الأحساء: معالم وآفاق
محمد علي الحرز * - 15 / 3 / 2011م - 6:51 م - العدد (29)

ظل الوقف على مدى التاريخ الإسلامي أحد أهم الركائز لبناء الحضارة الإسلامية، وعناصر تشييد سرحها الاجتماعي والديني والاقتصادي، لما له من أثر في تغطية متطلبات الأمة، وسد حوائجها الأساسية دون أن يفقدها استقلاليتها أو شخصيتها، كما يعتبر من المصادر الأولية لدعم المشاريع الخيرية بمختلف أنواعها والتي يعد الجانب المادي أهم نقاط ضعفها.

لذا عنيت الحكومات الإسلامية منذ فجر الإسلام بالوقف للحفاظ على سلامته من التلف أو التلاعب به، فعقدت من أجله الوزارات، وكرست في خدمته الطاقات لما يحتله الوقف من أهمية شرعية، ولما له من تشعبات لا يمكن أن تحيط بها إدارة صغيرة فضلاً عن فرد واحد أو أثنين.

إلا أنه وللأسف الشديد في منطقتنا الأحساء لا يزال الوقف مع الرغم من شموله النصف من الأراضي الزراعية وعلى أقل التقادير الثلث يعتبر من آخر هموم المثقفين وعلماء الدين عدا صيحات مبحوحة هنا وهناك لم تستطع أن تغير من شأن الوقف أو تقدم في إعماره قيد أنملة إذ هي مشكلة جماعية وتحتاج إلى دعم اجتماعي من جميع طاقات المجتمع.

ولعل من أوضح الجهود التي تناولت الوقف الأحسائي وحاولت أن ترفع من شأنه على المستوى التحليلي أو التنظيري ما قام به العلامة الدكتور عبد الهادي الفضلي في الورقة المقدمة للندوة الرابعة من سلسلة الحوار بين المسلمين والتي بعنوان (مشكلات الوقف الإسلامي وسبل تنميته - الأحساء نموذجاً -)[1]  مبيناً خلالها أنواع الوقف الأحسائي، ولخص أهم المشكلات التي تعترض الوقف في المنطقة وهي:

أولاً: اختلاس الأولياء الذين يعينون من قبل الفقيه المرجع.

ثانياً: إهمال الوقف من قبل أوليائه لأن محصولها لا يعطي ما يصرف عليها.

كما قام بعمل تصنيف لأنواع الوقف الأحسائي وعدد كل نوع منها وهي دراسة جديرة بالنظر.

كما برزت محاولة المهندس عبد الله الشايب والتي بعنوان (الوقف: دراسة أولية حول الوقف في الأحساء) والتي أعطى فيها تنظيراً للعناية بالوقف وطرق الحفاظ عليه وأهم الأسباب التي تحول دون نمو الوقف وتطوره.

وهذه الدراسة التي بين يديك أخي القارئ ما هي إلا محاولة أيضاً للنهوض بالوقف في الأحساء عبر ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: إحصاء وتحليل الأوقاف في الأحساء اعتماداً على الدفاتر الموجودة في محكمة الأوقاف والمواريث في الأحساء.

المرحلة الثانية: تبيين أبرز المشكلات التي تعترض الوقف ونموه.

المرحلة الثالثة: محاولة وضع رؤية مستقبلية للوقف لتنميته.

المرحلة الأولى:معالم الوقف في الأحساء

قبل الدخول في تصنيف الأوقاف وما تغطيه من مساحة في المنطقة سوف نقدم لذلك بعرض مجموعة من أقدم الأوقاف التي استطعنا التعرف عليها من خلال بعض الوثائق القديمة ومساعدة بعض الأخوة، مع تبيين أكبر الأوقاف وهي كما يلي:

- وقف السيد علي[2] :

الموقف: السيد علي بن محمد بن أحمد.

الوقف: الشطيب الشرقي من أبي أحمير الكائن بطرف القارة على ساقية نهر لبطيح من نهر سليسل.

الموقوف له: ابنه لصلبه السيد محمد وما تناسل منه ذكوراً وإناثاً بطناً بعد بطن فإن انقرضوا فعلى أخيه السيد عبد الحسين وما تناسل منه.

تاريخ الوقف: 18 محرم 1155هـ.

كاتب الوقف: العلامة محمد بن فضل.

شهود الوقف: عبد الله بن الشيخ سلطان، السيد عبد الله الصالح، إبراهيم بن علي مقلد المقلد، إبراهيم بن حسن، مبارك بن ناصر.

- وقف البوخميس[3] :

وهو عبارة عن مدرسة لطلاب العلم في حي الفوراس بمنطقة الهفوف أوقفها وجعل عليها الأوقاف الحاج علي بن محمد بن علي آل أبي خميس الفدغمي، وذلك بتاريخ 17 من جمادى الثاني لعام 1200هـ[4] .

- وقف البغلي[5] :

الموقف: آمنة بنت عبد الله البغلي.

الوقف: بيتها الشرقي الكبير الكائن بفريق الجاحفة تابع الرفعة بالإضافة إلى سهمين من العقار المسمى السبخة نخل البغلي الكائن موقعه بطرف الرفعة ساقية عين شبيب وعين بوهلال.

الموقوف له: تعزية أبي عبد الله الحسين في عشرة محرم وأيام الأسبوع طوال السنة.

تاريخ الوقف: 17 ربيع الثاني لسنة 1264هـ.

كاتب الوقف: الشيخ محمد بن علي المازني.

الشهود: أحمد بن محمد مليخان، عبد الله بن حسين البغلي، محمد بن عبد المحسن بن سليمان، الشيخ محمد بن علي المازني[6] .

- وقف الرمضان[7] :

الموقف: أحمد بن محمد بن رمضان.

الوقف: ثلاثون جزءاً من القرآن الكريم.

الموقوف له: لانتفاع إخوانه المؤمنين في الفواتح وغيرها، ونها الموقف عن تعليم الأطفال فيها.

كاتب المصحف: بخط الشيخ أحمد بن محمد البغلي وتاريخ نسخ المصحف 26 صفر لعام 1278هـ.

- وقف بو عذاب[8] :

الموقف: علي بو عذاب وزوجته مريم بنت أحمد.

الوقف: مستخفهما من بيت فنوس الكائن بفريق الجنوبي من البطالية.

الموقوف له: أبي عبد الله الحسين عليه السلام تصرف أجرته في عشرة محرم.

تاريخ الوقف: جمادى الثاني لعام 1336هـ.

كاتب الوقف: الشيخ عمران بن حسن السليم.

شهود الوقف: محمد علي بن أحمد الياسين، ملا علي بن حسن بن الشيخ، حاجي بن عبد المحسن.

- وقف البحراني[9] :

الموقف: الحاج إبراهيم بن علي البحراني.

الوقف: ثلثاً مشاعاً من النخل المسمى البدع الكائن في طرف الخدود.

الموقوف له: لله تعالى ثم لطلبة العلم في الأحساء والثلث الآخر جزء مؤبد كل يوم وليلة، والثلث الباقي منه صوم وعبادة مؤقتة.

كاتب الوقف: السيد حسين بن السيد محمد العلي الموسوي.

شهود الوقف: الشيخ أحمد بن علي آل موسى آل رمضان، عبد الله بن عيسى الغزال، محمد علي بو مطوع، حسن بن محمد بن حرز.

هذه مجموعة من الأوقاف القديمة التي استطعنا التوصل إليها، أما عن أكبر الأوقاف في المنطقة والتي لها نصيب الأسد فهي كما يلي:

- أوقاف البوخمسين:

وهي مجموعة من الأوقاف كان قد أوقفها الشيخ محمد بن الشيخ حسين أبوخمسين، والشيخ موسى بن عبد الله أبوخمسين، والشيخ جواد بن الشيخ موسى أبوخمسين وهي تربوا على (100) مزرعة، (10) دكاكين، ومجموعة من البيوت.

وريعها موزع على عدة جهات وهي:

1- إطعام في مناسبات أهل البيت.

2- وجوه البر العام.

3- عمارة مسجد البوخمسين الكبير.

4- قراءة القرآن.

5- طلاب العلوم الدينية.

6- وقف ذرية.

- أوقاف البحراني:

وهي مجموعة الأوقاف التي أوقفها الحاج إبراهيم بن علي البحراني وقد قسمها حسب التالي:

1- (27) مزرعة، (4) دكاكين، (1) بناية: وهي جميعاً على ذريته من الذكور فقط.

2- (18) مزرعة، (4) بيوت: على ذريته من الإناث فقط.

3- (26) مزرعة، (3) دكاكين، (2) بيت، (1) بناية: وجوه الخير.

- أوقاف المسبح:

وهي تزيد على (56) مزرعة معظمها في قرية البطالية أوقفها مجموعة من أعيان الأسرة في قرية البطالية، وهي موزعة على العناوين التالية:

1- مناسبات أهل البيت عليهم السلام.

2- أكفان الموتى من قرية البطالية.

3- قراءة القرآن.

4- وقف ذرية.

5- طلاب العلم من الأسرة.

- أوقاف الحاجي:

وهي من الأسر الكبيرة في قرية البطالية لها مجموعة من الأوقاف مقسمة حسب التالي:

1- (27) مزرعة: إطعام في مناسبات أهل البيت عليهم السلام.

2- (20) مزرعة: في عمارة وإنارة مساجد البطالية.

والوقف الأحسائي يغطي مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية في المنطقة كما أنه ذو نسب متفاوتة من منطقة إلى أخرى، ومن نوع إلى آخر ولكي نعطي نظرة دقيقة وشاملة علينا أن نبين بعض الحقائق الهامة حول الوقف الأحسائي وهي كما يلي:

أولاً: إن الأوقاف المسجلة في المحكمة لا تشمل جميع الأوقاف وإنما ما تم وقفيته أو تجديد ولايته من تاريخ 18 شوال سنة 1388هـ، إبان تولي الشيخ باقر أبوخمسين منصب القضاء (1388 - 1413هـ).

ثانياً: إن ما ستتناوله الدراسة هو الأوقاف المسجلة بين عامي 1388هـ - 1409هـ.

ولكي نلم بالوقف في الأحساء سنقوم بتصنيفه حسب التقسيمات التالية:

- عدد الأوقاف حسب سنة الوقفية:
 

سنة الوقفية

عدد الأوقاف

سنة الوقفية

عدد الأوقاف

1388

233

1399

42

1389

768

1400

66

1390

385

1401

138

1391

176

1402

128

1392

264

1403

104

1393

142

1404

107

1394

127

1405

104

1395

89

1406

85

1396

88

1407

103

1397

49

1408

153

1398

70

1409

198

 المجموع: (3619).

- عدد الأوقاف حسب مكان الوقف:
 

مكان الوقف

العدد

قرية أبو ثور

7

قريةأبو الحصى

3

أبو سحبل

2

أم خريسان

5

باهله

3

قرية البطالية

587

قرية بني معن

162

قرية بني نحو

21

قرية التويثير

76

قرية التيمية

37

قرية الجبيل

166

قرية جليجله

11

قرية الجفر

24

قرية الجرن

19

قرية الجشة

8

الحقل

89

قرية الحليلة

172

الحميدي

7

قرية الحوطة

42

الخدود

113

قرية الدالوة

30

الدمام

2

قرية الرميلة

48

قرية الساباط

22

السحيمية

75

قرية السيايرة

78

سودة

20

شراع العيوني

20

قرية الشقيق

16

قرية الشعبة

47

قرية الشهارين

89

الشهيبي

17

قرية الصبايخ

1

ضويغط

10

قرية الطرف

6

قرية الطريبيل

41

قرية العقار

59

العمران الشمالية

138

العمار

35

عين مرجان

7

قرية العرامية

1

قرية غمسي

72

قرية الفضول

90

قرية القرين

180

قرية القارة

228

قوع القمر

4

مدينة المبرز

82

قرية المركز

18

قرية المزاوي

55

قرية المطيرفي

73

مدينة المنامة

1

قرية المنيزلة

25

الموازن

80

نهر برابر

2

مدينة الهفوف

378

واسط

2

غير مذكور

13

 

- عدد الأوقاف حسب الموقوف له:

1- إطعام في مناسبات أهل البيت عليهم السلام (2563).

2- قراءة القرآن: (185).

3- قراءة القرآن وإطعام: (375).

4- المساجد: (181).

5- وقف ذرية: (114).

6- أضحية: (10).

7- عبادة: (8).

8- طلاب العلم: (8).

9- أكفان الفقراء من المسلمين: (5).

10- لحفظ حوائج الموتى: (1).

11- رد المظالم وإعانة طلاب العلم وتزوج المحتاجين: (2).

12- أدوات حفر قبور الموتى: (3).

13- عبادة وإطعام: (9).

14- قرآن وأضحية: (20).

15- قرآن وعبادة: (39).

16- قرآن وذرية: (1).

17- إطعام وأضحية: (6).

18- إطعام وعبادة: (9).

19- إطعام وطلاب العلم: (2).

20- إطعام وعمارة المساجد: (1).

21- قرآن وأضحية وإطعام: (30).

22- قرآن وعبادة وإطعام: (37).

23- قرآن وعبادة وأضحية: (10).

- عدد الأوقاف حسب نوع الوقف:

1- مزرعة: (3071).

2- بيت: (367).

3- دكان: (130).

4- مسجد: (47).

5- أرض: (3).

6- مشغل: (1).

المرحلة الثانية: مشاكل الوقف وتحدياته

لا يمكن إعمار الوقف وبعث الروح فيه من جديد ما لم نسطع تلمس أهم المشاكل التي تعترض طريقه وتحول دون إحياءه، لذا سوف نأتي على أهم العقبات والتحديات التي يواجهها الوقف الأحسائي من خلال محاولتنا لتلمس جذور المشكلة، والتي يمكن أن نلخصها في الآتي:

1- عدم وجود إدارة مركزية للوقف:

فإلى اليوم لا يوجد لجنة مستقلة ضمن إدارة المحكمة تهتم بشؤون الوقف وتتابع أموره، وإنما يقتصر دور المحكمة على تسجيل الوقفية، والعناية في كونها بالصيغة الفقهية الصحيحة للوقف، وبهذه الطريقة أي إلقاء الحبل على القارب مجال واسع للعب بالوقف والنيل من قدسيته دون رقيب أو عتيد وقد تجسد ذلك في ما يلي:

أ- اختلاس الوقف: وهي تتم بثلاث طرق:

- الولي على الوقف: الذي يجد نفسه متصرفاً في الوقف، ومستحق لنتاجه من باب الأقربون أولى بالمعروف، خاصة بعد مضي أجيال على الوقف، والقيم على الوقف هم الورثة وليس الولي المعين من قبل القاضي والمعلوم أهليته.

- جيران الوقف: وهم فئة تجد في الوقف منطقة تالفة غير معتنى بها وهي مساحة يمكن استثمارها بشكل أفضل، والاستيلاء عليها لا يكلف أكثر من توسيع محيط المزرعة الخاصة به أكبر مما هو عليه في السابق.

- الاستيلاء بالحيازة: وهم فئة استغلالية تبحث عن الصيد الجاهز، وتنقض عليه أينما وجدته، والوقف يعد لقمة سائغة للجميع خاصة تلك الأوقاف القديمة الغير معتنى بها منذ أمد بعيد، والتي ربما فقدت وقفيتها.

ب- تلف الوقف: وهو نتيجة طبيعية للإهمال المتعاقب من قبل الأولياء لأن محصولها لا يغطي ما يصرف عليها، والولي لا يرى نفسه ملزم شرعاً بإحياء الوقف من جيبه الخاصة طالما هو لا ينتج تكلفة إعماره لذا يرى في تركه وتجاهل وجوده سبيل للخلاص من همه ومسئوليته.

ج- ضياع الوقف: بسبب عدم وجود إدارة مركزية تتابع شؤون الوقف، وقدم الأوقاف في نفس الوقت أدى إلى فقد العديد من الأوقاف، وضياع جميع معالمها، والتسجيل لدى المحكمة وحده غير كافي لتحديد مكان الوقف بدقة، ومن ثم المطالبة به.

2- عدم أهلية الولي:

أخذ على بعض الأولياء البساطة والسذاجة وسهولة التلاعب بهم في مسئوليتهم على الوقف وقد تجلت هذه السذاجة فيما يلي:

أ- طول مدة الإيجار: التي قد تصل إلى تسع وتسعين سنة دون ملاحظة عامل الزمن وتغير الظروف من جيل إلى جيل آخر.

ب- تدني السعر: فهناك من الأوقاف ماله موقع استراتيجي في المنطقة أو مساحة تجارية ممتازة ومع ذلك تجد الإيجار في غاية الزهد إذ الفرق شاسع بينه وغيره من غير الأوقاف.

جـ- قلة الوعي: فمن مصاديق السذاجة عدم إدراك الطريقة السليمة للاستفادة من الوقف و الرفع من مدخوله السنوي وذلك عبر إعادة إعماره من جديد أو إدخال بعض التحسينات عليه التي تعد ضرورية لنجاح الوقف.

3- تخلي الولي عن الوقف:

تعد العناية بالوقف ومتابعة شؤونه من الأمور التي تحتاج إلى جهد وتفرغ للمحافظة على الوقف من الضياع والتلف، وهذا قد لا يتسنى للكثيرين من الأولياء الذين يرون في رعاية مصالحهم الشخصية أولوية لهذا الجهد والوقت الذي سيبذل، خاصة إذا علمنا أنه لن يعود للولي النفع المجزي، لذا يعمد البعض إلى التخلي عن الوقف بتركه دون السؤال فيه، أو بتسليمه إلى المحكمة والتي هي أيضاً تجد نفسها غير مؤهلة لتحمل مثل هذه المسؤولية مع عدم وجود إدارة مختصة بالأوقاف، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الوقف بحكم التالف بسبب الإهمال.

4- زيادة إيراد الوقف عن الموقوف له:

من المعروف في المنطقة أن بعض الأماكن الدينية حظيت باهتمام الوقفين أكثر من غيرها وذلك نظراً لقدمها، ولتعلق قلوب الناس بها كالحسينيات المشهورة، وهذا شيء غير مستنكف إذا كان بقصد القربى، ولكن تكمن المشكلة إذا علمنا إن جميع الأوقاف تحدد الوسيلة للاستفادة منها بالإطعام في اليوم السابع أو العاشر من الشهر المحرم مما لا يتيح فرصة لتجاوز الوقفية إلى مناسبات أخرى أو خيارات استفادة مختلفة فتنحر لموقع واحد ولليلة واحدة عشرات الذبائح وقد تصل لأكثر من المائة لفئة لا تتجاوز ما نحر من أجلها الشيء الكثير، مع ملاحظة أن الحضور قد تناولوا وجبة أو وجبتين مشابهة في مكان سابق قبل اقل من ساعة على أعلى الاحتمالات.

وهذه الحالة مع الأسف الشديد تجري في كثير من الأماكن بنفس الكيفية دون فارق يذكر.

5- انتفاء مجال الوقفية:

وهي لا تشكل نسبة كبيرة بين الأوقاف الموجودة، وإن كانت ظاهرة حقيقية؛ إن بعض الأوقاف فقدت أهميتها التي كانت ملحة في عصر من العصور أو زمن من الأزمنة، فإنها اليوم قد استغني عن مجال وقفيتها أو اصبح الاستفادة منها ضئيل جداً ومن أمثلتها ما يلي:

أ- مزرعة ذات مساحة جيدة في قرية (البطالية) من الأحساء موقوفة على الخشبة التي توضع في أداة الحفر للقبور في القرية المذكورة كلما انكسرت استبدلت من المزرعة بغيرها، علماً أنه في العصر الحديث غالباً يستخدم آلات حديثة للحفر تمتاز بالسرعة والسهولة.

ب- يوجد مزرعة في قرية (بني معن) من الأحساء موقوفة على (المناوس) في نفس القرية؛ وهي الخشبتان من جريد النخيل التي توضع مع الميت في قبره. وهي فضلاً عن سهولة توفرها، فإنها لا تنقص من ريع المزرعة شيء يذكر، مما يستدعي إلى صرفها في غير ما أوقفت له.

ث- هناك العديد من الأوقاف على أكفان الفقراء في قرى معينة، فإنه وأن كانت هناك حاجة في السابق بسبب تفشي الفقر فإنه لا يعد من الحوائج الملحة في الوقت الراهن بسبب رخص الأكفان وتوفيرها من قبل أقارب المتوفى.

فتكون المحصلة إن مثل هذه الأوقاف تصرف في غير ما خصصت له للأسباب التي ذكرناها آنفاً.

6- ضيق مجال الوقف:

بالرغم من الباب الواسع للوقف في الشريعة الإسلامية وتطرقه لمختلف جوانب الحياة للمجتمع فإنه انحصر في المنطقة ضمن دائرة ضيقة لا تتجاوز اليد الواحدة مما حجم من آفاق الاستفادة من الوقف، مع وجود تضخم في بعض جوانبه، ولو حاولنا أن نلقي نظرة على آفاق الوقف في التاريخ الإسلامي لرأينا ما يذهل العقول من التشعب والتفرع والتي نحن أحوج ما نكون إليها اليوم فمن ضمنها "المساجد، المدارس، المكتبات، نسخ المخطوطات، رعاية المخطوطات، الحفاظ على التحف والآثار والعديات، إنشاء المكاتب (الكتاتيب)، إقامة البيمارستانات[10] ، رصف الطرق وتعديلها وصيانتها، تحرير الأسرى، رعاية أبناء السبيل، المعاونة على أداء فريضة الحج، تجهيز الحلى الذهبية وأدوات الزينة للعرائس الفقيرات اللائي لا يستطعن شراءها عند الزواج، رعاية النساء الغاضبات: التي لا أسر لهن، عمارة الرباطات، إعانة العميان والمقعدين، تطبيب الحيوانات والطيور، إيواء ورعاية الحيوانات الأليفة، تهيئة موائد الإفطار والسحور، الحدائق، بناء مقابر الصدقة، تجهيز موتى الفقراء والغرباء، طلاب العلوم الدينية، مؤسسات الرعاية التي يعيش فيها المعوقون وأصحاب الأمراض المزمنة، مؤسسات الأيتام، تسليف المحتاجين بدون عوض، تزويج المحتاجين والمحتاجات، رعاية المسجونين وأسرهم"[11] .

ونحن الآن أحوج ما نكون إلى مثل هذه النماذج من الأوقاف التي تثري الساحة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية في المنطقة بعد أن أصبحت في أمس الحاجة إلى مصادر الدعم.

7- عدم تسجيل الوقف:

إن الأوقاف المسجلة في المحكمة هي ما بعد منتصف سنة 1388هـ، أو ما حرص أوليائها على تجديد وقفيتها وأخذ ولاية شرعية عليها من قبل المحكمة، أما الأوقاف التي تسبق هذا التاريخ بعشرات أو مئات السنين فإنها لا زالت مجهولة، ومن العسير تتبعها لكونها غير معلومة أصلاً، بل إن العديد من الأوقاف تباع وتشترى لعدم وجود صك الوقفية كي يمكن إثباته، وهذه تشكل مشكلة حقيقية للمحكمة في المنطقة، ومرجع مثل هذه التخوف لدى الأولياء عدة أمور:

- التحرز من سلب الولاية من بين يدي الولي عندما لا تكون الولاية شرعية.

- عدم وجود ضرورة لتسجيل الوقف للقيام بأموره، وإنما هي أمر شكلي يمكن الاستغناء عنه طالما ليس هناك بيع وشراء.

- فقدان الوقفية وتسجيل الوقف قد يعرض القائم بالوقف للعديد من التساؤلات يرى نفسه في غنى عنها طالما هو قائم بالوقف على أكمل وجه.

8- صعوبة تطبيق الوقف:

يعتبر الوقف على قراءة القرآن جزء أو جزأين أو ثلاثة ابدي ـ كل يوم ـ هي مسألة سائغة ومنتشرة في زمن كان القرآن يأخذ دوره الحقيقي، وينظر له بعين القداسة والتبجيل حيث كان في الأحساء وحدها وفي فترة متقاربة ما يربو على أربع مائة (كتّاب)[12]  يعتبر القرآن الكريم الركن الأساسي فيها، لذا لا يجد الولي على الوقف عسراً في إيجاد من يقرأ القرآن طوال العام إذ التنافس على أشده وعشاق القرآن في كل حدب وصوب، أما اليوم عندما ذهب هؤلاء وبقي الوقف ينشد من يطبقه، وأصبح البحث عن قارئ أبدي مشكلة في غاية الصعوبة فإنه يعني مئات الأوقاف معطلة تأتي أكلها ولا تجد من يأكله ولابد من حل.

المرحلة الثالثة: آفاق مستقبلية للوقف

إن مراجعة الذات ونقدها والتحلي بالمرونة الفكرية أحد أهم عناصر التقدم والرقي في الشعوب، والوقف واحد من أكثر قضايانا تعقيداً وشائكية وهي بحاجة إلى أكثر من صياغة جديدة كي تأتي أكلها بعد حين ويتم قطف الثمر، لذا تعد مسألة التنظير في هذه المرحلة خطوة مهمة كي تتم مقاربة وجهات النظر والبحث عن أفضل السبل ليتم الاستفادة منها في الجانب العملي والتي منها:

أولاً: الحاجة إلى إعادة النظرة الفقهية في الوقف:

لا تزال هناك الكثير من المشاكل الفقهية العالقة التي تحتاج إلى نظرة فقهية جديدة ذات أفق أرحب في مجال الوقف والتي من ضمنها ما يلي:

- تغيير مجال الوقفية عند تضخم الوقف وزيادته عن حاجة الموقوف له وهي تشكل نسبة كبيرة في المنطقة.

- تغيير مجال الوقفية عند تعسر تطبيق الوقفية مع مراعاة عدم خروجها عن الموقوف له في الجملة.

- بيع الأوقاف الصغيرة واستبدالها بوقف كبير من نفس جنسهم أو مختلف يكون أنفع ويمكن الاستفادة منه.

- إزالة الوقف السابق وإنشاء بدلاً عنه بناء أكثر حداثة وأهمية للموقوف له.

ولعل مكمن المشكلة هنا إن معظم البحوث المتعلقة بالوقف تجتر ما ترشحت به أقلام القدماء من أمثال الشيخ الطوسي والمحقق الحلي والشيخ يوسف البحراني والشيخ الأنصاري وغيرهم من الذين ينظرون إلى الوقف بنظرة ذلك الزمن وتلك المرحلة، وفي هذا العصر نحن بحاجة إلى فتح آفاق جديدة تتماشى مع العصر ومتطلبات الحياة وهذا لا يتأتى إلى بالمراجعة لمباني القدماء والبحث عن مخارج جديدة تتوافق مع الحاجة المطلوبة.

ثانياً: التنظيم الإداري للأوقاف:

وهذا يتم إما بتفريغ مجموعة من موظفي المحكمة وزجهم في الجانب الوقفي أو بإضافة مجموعة جديدة يكون تخصصها الوقف فقط، وهي تتألف من عدة موظفين وتكون خطواتها العملية كما يلي:

1- إدخال جميع الأوقاف ضمن برامج الكومبيوتر كي يسهل متابعتها بسرعة عند الحاجة.

2- تقسيم الأوقاف على شكل نظام مناطق ليتم حصر الأوقاف في كل منطقة ومن ثم متابعتها على حدا.

3- أن يكون في المحكمة رسم كروكي لجميع الأوقاف، وفي هذه المهمة يمكن الاستعانة بإدارة مشروع الري والصرف التي تمتلك مخططات لجميع مزارع الأحساء، بالإضافة إلى البلدية التي يوجد بحوزتها مخطط دقيق لمختلف مناطق الأحساء. وهذا العمل مهم لكونه يسهل على إدارة الأوقاف حصر الأوقاف ومعرفة أماكن الكثافة من غيرها، كما يعطي صورة فوقية لجميع الأوقاف.

4- تكوين لجان تابعة للمحكمة في مختلف المناطق والقرى يتم عبرهم مراقبة الأوقاف والإشراف على الأولياء.

5- جعل مراجعة دورية لمتابعة أحوال الأوقاف كل سنة أو سنتين يطلب فيها من الولي مراجعة المحكمة.

6- عزل الأولياء غير المؤهلين بآخرين يمتلكون الأهلية بذلك.

7- وضع لوائح قانونية وشرعية خاصة بالأوقاف عبر نخبة من علماء الدين ورجال القانون، ويمكن الاستفادة من التجربة الحية لإدارة الأوقاف الجعفرية في البحرين والتي تمتلك لوائح قانونية تحت أسم (قانون دائرة الأوقاف الجعفرية) المتأسسة عام (1379هـ ـ 1960م)[13]  أو كتاب (الوقف في الشريعة والقانون) للأستاذ زهدي يكن. وتغيير مالا يتناسب مع الوضع في المنطقة، وتكمن أهمية مثل هذه اللوائح في جعل الأولياء على بصيرة بالعقوبات المترتبة على أي مخالفة أو تلاعب بالوقف كما أنه يحدد المنهج الذي تسير عليه الإدارة.

8- إلزام الأولياء بوضع لوحة ثابتة تحمل رقم الوقف في المحكمة ذات شكل موحد أمام الوقف كي يسهل معرفته ومراقبته من قبل إدارة الأوقاف والعاملين فيها، كما يشعر الولي أنه هناك لجنة تراقب الوقف وترعى مصالحه وإن الحبل ليس على القارب.

9- إخراج نشره تهتم بترشيد الأولياء وحثهم على تسجيل الوقف في المحكمة، كما توجه الناس نحو أهمية الوقف وضرورة التنويع فيه، والثمرة المترتبة من الوقف على الفرد والمجتمع.

ثالثاً: تشجيع الخيارات الجديدة للوقف:

من الأمور التي أدت إلى حرمان المجتمع من خيرات الوقف هو غياب دور الوقف عن حياة الناس وتماشيه من لوازمهم لذا نحن بحاجة إلى ترشيد الواقفين نحو آفاق جديدة للوقف من أمثال:

- الوقف للتنمية العلمية والثقافية.

- الوقف لرعاية الأسرة والطفولة.

- الوقف للرعاية الصحية.

- الوقف لأعمال البر والخير.

- الوقف لتزويج العزاب.

- الوقف لمساعدة المطلقات والأرامل.

- الوقف لطباعة الكتب المفيدة.

- الوقف لرعاية المساجد.

- الوقف للدعوة الإسلامية وهداية الناس.

وهنا أرى من الضروري التنويه إلى الجهود الخيرة التي يبذلها سماحة الشيخ محمد اللويم بتوجيه الواقفين على إطلاق الوقفية وعدم حصرها بمجال معين ليمكن الاستفادة منها في مجالات مختلفة في المستقبل.

[1]  مجلة الكلمة العدد (13) السنة الثالثة خريف 1996م/1417هـ ص27.

[2]  من مجموعة الأستاذ حسين بن الحاج جواد الرمضان هكذا وردت بقلمه.

[3]  العلامة الشيخ محمد آل رمضان الأحسائي بقلم حسين بن جواد الرمضان ص15.

[4]  كان من مدرسيها الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، وقد هدمت هذه المدرسة العلمية في أحداث عام 1210هـ، وقامت على أنقاضها الحوزة العلمية التي أسسها الشيخ محمد بن حسين أبوخمسين سنة 1286هـ. المصدر السابق.

[5]  من مجموعة الأستاذ حسين جواد الرمضان.

[6]  يوجد في سجلات المحكمة ما يقرب العشرين الوقفية باسم الواقفة.

[7]  من مجموعة الأستاذ حسين جواد الرمضان.

[8]  المصدر السابق.

[9]  المصدر السابق.

[10]  وهي كلمة فارسية تعني في اللغة العربية المشافي أو أماكن العلاج.

[11]  الأهل والدولة: بيان من أجل السلم المجتمعي للأستاذ محمد محفوظ، ص146. نقلاً عن هل الإسلام هو الحل ؟ لماذا وكيف ؟ للدكتور محمد عمارة.

[12]  التعليم التقليدي (المطوع) في الأحساء: محمد علي الحرز ص مخطوط.

[13]  راجع الكتيب الخاص بقانون إدارة الأوقاف الجعفرية في البحرين.
عضو هيئة التحرير
267495