البحريني إبراهيم غلوم في كتابه (الثقافة وإنتاج الديمقراطية)
هل يصلح النموذج الغربي ثقافياً؟
محمد علي شمس الدين * - 15 / 3 / 2011م - 7:16 م - العدد (29)

المجتمع ينتج ثقافته، والثقافة تهندس المجتمع وهذه العلاقة المتبادلة بين هذين القطبين، يرى إليها الباحث البحريني إبراهيم عبد الله غلوم في كتابه الجديد الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت 2002) بعنوان (الثقافة وإنتاج الديمقراطية) من زاوية وظيفية وتهذيبية معاً.. فهو يرى أن مهمة الثقافة هي إنتاج وترسيخ أسس الديمقراطية في المجتمع، وليس لها من مهمة خلاف ذلك، فهي (وسيلة) إذا يقول: (إن الثقافة وسيلة) ص7.

بذلك يتفق الكاتب مع الأساس الوظيفي للثقافة، من خلال الأصل اللغوي للكلمة، جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس (المتوفى سنة 395هـ) يقال: نفقت القناة إذا أقمت عوجها، أي تثقيف القناة أو الرمح هو تقويم اعوجاجه، فالمعنى الأم، أو الأساس، كما هو واضح، وظيفي تقويمي، ويقال رجب ثقف، وذلك أن يصيب علم ما يسمعه على استواء فهو يتصل باستقامة أو استواء المعرفة، قال (على الوزن الكامل) (وهو للشاعر عدي بن الرقاع العالمي) نظر المثقف في كعوب قناته/ حتى يقيم ثقافة منادها.

والمعنى أن المثقف هو الذي ينظر فيكعب رمحه ويقوم اعوجاجه (المناد هو المعوج) فالجذر اللغوي للثقافة، والاستعمال التاريخي لها في العربية، متصلان بمعنى إصلاحي وتهذيبي.

لا يحيد إبراهيم غلوم، كما نرى في ما يطالب به الثقافة العربية اليوم من إنتاج الديمقراطية (المفقودة) في المجتمع العربي، عن أصول اللغة، وإن كان يقوم بنقلة ضرورية لكاتب معاصر، من حقل قديم إلى حقل جديد، بسبب النظم والأفكار، وتطور اللغة معها، فالديمقراطية وإن كانت قديمة في المجتمعات اليونانية، وتشير إلى حكم الشعب لذاته بذاته في أثينا، وكان لها تحققات وأنظمة ومجالس، فضلاً عن آليات لتحقيقها، إلا أن الغرب أعاد إنتاجها في العصور الحديثة، بعد ثورات شعبية (كالثورة الفرنسية) وإصلاحات برلمانية ودستورية (في إنكلترا)، مؤسساً على الأصل اللغوي اللاتيني للكلمة، بانياً مفاهيم ديمقراطيته الحديثة، وبعيداً من تلك المقايسات بين الديمقراطية الغربية ونظام الشورى في الاسلام، فإن للديمقراطية اليوم دلالة تكاد تكون شاملة، واتفاقاً شاملاً حول معناها، وإن كان هذا المعنى عرضة لانتقادات كثيرة وجارحة، جاءت من جهة المفكرين الغربيين أولاً (من أمثال روجيه غارودي وقبله من الشاعر بودلير) قبل أن تأتي من جهة المفكرين العرب أو الشرقيين  فغارودي يعتبر الديمقراطية كما الحداثة من أكبر أكاذيب العصر الليبرالي كما أن بودلير كان بمثابة عاصفة على جميع ما طرحته الثورة الفرنسية من أفكار.

 وقبل أن نسأل هل الثقافة مجرد أداة لإنتاج الديمقراطية نشير إلى مفكر فلسطيني /أمريكي معاصر هو ادوارد سعيد، الأستاذ الجامعي للنقد المقارن في جامعة جورجتان، فهو يرى من خلال كتابه المعروف (صور المثقف) للثقافة وللمثقف أوجهاً كثيرة، إلا أن الصورة الوحيدة التي تميزه هي (المثقف / الناقد) . والنقد كالتثقيف/ مرتبط بقدرة التمييز على الصحيح من الزائف في المعايير والمعاني فالمثقف لا يكون فعلاً وصاحب دور، إلا إذا كان ناقداً ونسأل لأي معنى وأي شيء؟ والإجابة للنظم الفكرية والسياسية والاجتماعية السائدة.

لذلك فهو محكوم للحفاظ على دوره، أن يبقى خارج السلطة، بذلك يتفق غلوم مع ادوارد سعيد لجهة الوظيفة التقويمية للثقافة، فهل الثقافة مجرد أداة أم هي أيضاً وفي الوقت عينه بنية؟ وهل همها إنتاج الديمقراطية أو نقد السائد، أم لها مهمات أخرى تتعدى ذلك تبعاً لمجتمعاتها وتحيزها التاريخي؟..

صحيح أن الكاتب يستردك سريعاً فيشير إلى أن الثقافة (كوسيلة) (ليست جامدة وميكانيكية)، وأن المفاهيم كذلك، فهي تتسم (بالحركية)، إلا أنه يؤكد مقولته التي يبني عليها أفكاره في الكتاب وهي (إن إنتاج الديمقراطية هو أحد التعميمات الجوهرية للثقافة) وأن ذلك وحده هو الكفيل يجعل الثقافة (كيفية أيضاً) فهو بذلك يدمج الوسيلة بالكيفية والبنية، ويعيدها إلى خندق المجتمع بعد أن كانت مهمشة أو مقصاة، ثم يزيد من وظيفتها لتشمل أيضاً (ترسيخ مبادئ الحرية والعقلانية والشراكة الفعلية لكل أنواع الاختلاف والتنوع).

الثقافة في حقيقتها، بنية وهدية متحركة لمجتمع سواء كان هذا المجتمع قديماً أو حديثاً، وثنياً أو دينياً أو علمانياً، فهناك ثقافة القبيلة كما هناك طبائع للتوحش وأخرى للاستبداد وثقافات معاصرة، علمية وعلمانية وديمقراطية كما للسلطات ثقافتها, هناك اليوم إرهاب دولة منظم وإرهاب إفرادي كما أن القيم والمفاهيم والآليات في مجتمع من المجتمعات تتداخل وتفرز أهدافها كما تفرز وسائلها، إن المجتمع الديمقراطي ينتج ثقافة ديمقراطية كما أن الثقافة الديمقراطية تهندس مجتمعاً يناسبها، مثلها الثقافات الاستبدادية.

فالعولمة اليوم كثقافة تصدر عن مجتمع متوحش من  جهة وتصوغ لنفسها آليات وأهدافاً وحشية،حتى لو استعملت آخر أنواع التقنيات والآلة والإعلان الواسع والمحكم السيطرة.

إن افتراض غلوم بأن الهم الأول للثقافة العربية اليوم هو تحقيق الديمقراطية يضعفه من البداية في جبهة مواجهات شرسة بلا ريب، وخطيرة مع سلسلة قوى وسلطات مسيطرة سياسية واجتماعية، فضلاً عن سلطة الموروث التي تتمثل (بأسلاف يزدادون ضراوة) -بتعبير مالك حداد- وهو ما يجمله الباحث بعبارة (هيمنة نسق الاستبداد) إنه مباشرة يطرح الثنائية الضدية الآتية: الديمقراطية - الاستبداد، ويرى أن خطاب النهضة والنهضويين من سؤال الشيخ محمد عبده الشهير: (لماذا تأخر المسلمون وتقدم الغرب)؟ إلى سائر دعاة الإصلاح، إنما فشل بسبب ظل التراث الذي يبقى مهيمناً عليه وفارشاً أجنحته الثقيلة على حريته والخلاص.

إن كلاً من خطاب اليقظة وخطاب الإحياء، وخطاب النهضة ومشروع الحداثة العربية، رزحت كلها تحت ثقل التراث ولن تستقيم لنا ثقافة ديمقراطية حقيقية، كما يرى غلوم إلا يإقصاء هذا الظل مهما تفنن المفكرون والمنظرون في كيفية إدخاله إلى ساحة الحداثة العربية والمعاصرة، كما فعل محمد عابد الجابري الذي يعرف التراث بقوله (هو كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، سواء ماضينا أو ماضي غيرنا، سواء القريب منه أو البعيد)، أنه بسبب هيمنته التراث على أصول الحكم، فإن المجتمعات العربية المعاصرة هي محكومة بنسق الاستبداد، وبنسق اللاديمقراطية سواء كان ذلك من خلال البنية العشائرية التقليدية في الأنظمة العربية أو من خلال مفهوم السيادة الوطنية وأوهام الاستقلال أو من خلال المصالح السياسية، أو القوى الحزبية، فما زال التوحد في المجتمع تحت ظل السلطة الواحدة، وإقصاء التنوع، وسيادة النسق، وعدم الانتباه للفروق وعدم احترام التغاير.

لعل هذا النسق المتوحد في السلطة، هو السمة الغالبة على الأنظمة العربية، وعلى المجتمع العربي، الذي هو، كما يقول حليم بركات، (مجتمع سلطوي في ثقافته ومؤسساته السائدة) ويسرب نسقيته إلى هذه اللغة والى الشعر أيضاً. فالكلام العربي مواز للسيف في الثقافة العربية، وقد تمثل ذلك شعراء احداثيون معروفون، كصلاح عبد الصبور، ومحمد درويش وأدونيس، وقاسم حداد، حيث نجد لدى هؤلاء إسقاطات الأنا النسقية المتسلطة على اللغة يقول أدونيس.. صرت أشعر وأفكر وأسلك وأكتب كأنني موجود في اللغة (الحياة 19/7/1993). ويقول محمود درويش من لغتي ولدت / ما دلني أحد علي أنا الدليل (من ديوان لماذا تركت الحصان وحيداً) أما قاسم حداد فله ما يشبه ذلك في قبر قاسم (خذنا في ظلام النص للنص) فالرمز النسقي في الشعر مواز للرمز النسقي في السلطة، وهو استبدادي قائم على ذاته القائمة على موروثها، من خلال ذلك يلاحظ غلوم سلسلة مصفوفات متضادة في الثقافة العربية:

الأولى للديمقراطية وهي غربية والثانية للاستبداد وهو عربي شرقي تراثي بامتياز: القديم - الجديد، التخلق- التقدم، النهضة، الأصالة، التراث- المعاصرة، الإيمان - العلم، القبيلة- الدولة.

والسؤال الذي لا يصرح به الباحث، لكنه ينضح من مجمل كتابه، هو: إذا كان النسق الاستبدادي العربي يعيق الديمقراطية لأنه مؤسس على التراث فإن البديل عنه هو النسق الغربي الذي لا يأخذ بالاعتبار خصوصية المجتمعات العربية، وهي خصوصية نابعة من تركيبها التاريخي والجغرافي ومن ارثها الحي في الدين والعادات والمسيقى والشعر والفلكلور وجميع هذه العناصر وسواها تشكل خط الدفاع الأول للشعوب اليوم في مواجهة الفك المفترس للعولمة والذوبان في مجتمع الاستهلاك العلمي الجديد.

والأرجح أن غلوم يميل إلى تبني النظام الغربي في الديمقراطية نصاً وروحاً ومن دون تعديل ناسياً نموذج أتاتورك الفاشل في هذا المضمار.

أديب وشاعر - لبنان.
113109