الشعر في أعراس القطيف
محمد رضي الشماسي * - 16 / 3 / 2011م - 8:39 ص - العدد (31)

مدخل

الزواج سُنة من سنن الله الكونية؛ فقد اقتضت إرادته، سبحانه وتعالى، أن يوجد الكون البشري من رجل وامرأة. فهذان هما النواتان الأوليان اللتان ابتدأ بهما خلق الإنسان من آدم وحواء E- في إيجاد الإنسان من خلال الزواج.

العرس في اللغة

العُرْس، بضم الأول وسكون الثاني، والعُرُس بضمهما: طعام الوليمة، من قبيل تسمية الشيء بمتعلقه، والجمع: أعراس، وعرُسات، وقيل هو الزِّفاف، وأن ينقل الرجلُ امرأتَه إلى أهله أو بيته، وبهذا يؤنث ويذكر. يقال هو العُرْس، والجمع أعراس، وهي عرس، والجمع أعراس وعُرُسات، والعِرْس، بكسر الأول: امرأة الرجل، ورجلها، يقال هو عرسها، أي رجلها، وهي عرسه، أي امرأته، وهما العرسان، وإنما اشتركا في الاسم لمواصلة كل منهما صاحبه، وإلفه إياه. والعروس: الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما، وهم عُرُس، وهنَّ عرائس. وهو عند المولدين: عريس، وعند العامة: عريس، ومُعْرِس، والجمع عرسان، وهي عروس، وعروسة، والجمع عرائس.

الزواج بين الذم والمدح

من أقدم ما وصلنا من شعر أولئك المتوجسين من الزواج، الذامين له قول جران العود:

ألا لا يغرَّن امرءًا نوفليةٌ

على الرأس منها أو ترائب وضَّح

ولا فاحم يسقى الدهان كأنه

أساود يزهاها لعينيك أبطح

وأذناب خيل علقت في عقيصةٍ

ترى قرطها من تحتها يتطوح

فإن الفتى المغرور يعطي تلاده

ويعطي الثنا من ماله ثم يفضح

ويغدو بمسحاح كأن عظامها

محاجن عرَّاها اللحاءَ المشبِّح

إذا ابتز عنها الدرع قيل مطرَّد

أحص الذنابى والذراعين أرسح

فتلك التي حكمت في المال أهلها

وما كل مبتاع من الناس يربح

ولعل ما يعزي النفس أن مثل هذه الصورة الكاريكاتيرية نادرة في شعرنا العربي، وهي مع قلتها ليست جادة، ولا صادقة، وإنما تأتي في باب الأملوحة الأدبية. قال رجل لآخر: (كنا في إملاك فلان، فقال: لا تقل في إملاكه، ولكن في إهلاكه)، ثم أنشد:

يقولون تزويج وأعلم أنه

هو الرق إلا أن من شاء يكذب

ومن الشعر المتشائم قول جعيفران الموسوس:

لا تَزَّوج فتهلكا

حِذرَك اليومَ حذركا

إن للعِرس مرجعًا

بينُها يورث البكا

لا يغرنك سقف بيـ

ـتٍ وفرشٌ ومتَّكا

عن قليلٍ إليك يشـ

ـكى فتشكو لمن شـكا

ومنه أيضًا قول ابن الرومي يعرض بصاحبه أبي حفص:

وقائلةٍ بالنصح: لم لا تَزَوَّجُ؟

فقلت لها غيري إلى القَرن أحوج

كشيخ رأيناه تزوج آنفًا

فأمسى وما داناه كسرى المتوَّج

علا قرنه في الجو حتى كأنه

إلى النجم يرقى أو إلى الله يعرج

على أنه جعد البنان دحيدح

إذا ما مشى مستعجلا قيل يدرج

أظن أبا حفص سيحسب أنه

هو الرجل المعني، والحق أبلج

وكما تناول الشعراء الزواج تحذيرًا وترهيبًا منه؛ تناوله آخرون تحبيذًا وترغيباً فيه، وحضًّا عليه. فمن ذلك قول أحدهم:

إذا لم يكن في منزل المرء حرة

تدبره ضاعت مصالح داره

وقول آخر:

مطيات السرور فويق عشر

إلى العشرين ثم قف المطايا

فإن جزت المسير فسر قليلاً

وبنت الأربعين من الرزايا

وقال آخر:

إذا تزوجت فكن حاذقاً

واسأل عن الغصن وعن نبته

آخذاً هذا المعنى من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "انظر في أي شيء تضع ولدك، فإن العرق دساس"، ومن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك: "إياكم وخضراء الدمن، قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء".

التحذير من زواج الأقارب

من الواضح أن العربي القديم قد تنبه إلى أثر العامل الوراثي في التناسل فحذر من زواج الأقارب. فمن ذلك قول أحدهم:

فتىً لم تلده بنت عم قريبة

فيضوى، وقد يضوى رديد الأقارب

ولكنما أدته بنت محجَّب

عظيم الرواق من خيار المزارب

تعلم من أعمامه البأس والندى

وورثـه الأخـوال حسن التجـارب

ومن ذلك قول جرير في ولده بلال:

إن بلالاً لم تشنه أمه

لم يتناسب خاله وعمه

فريحه ريحي وشمي شمه

وقال أحدهم يفتخر بتباعد نسب أمه من أبيه:

نمت بيَ من شيبان أم نزيحة

كذلك ضرب المنجبات النَّزائح

يريد بالنزائح البعيدات نسبًا، وقال آخر:

تجنبت بنت العم وهي قريبة

مخافة أن يضوى عليَّ سليلي

وقال أحد الرجاز:

أنذرت من كان بعيد الهم

تزويج أولاد بنات العم

ليس بناج من ضوى وسقم

يأبى، وإن أطعمتـه لا ينمـي

أدب الأعراس عبر العصور

نقلت إلينا كتب الأدب كثيرًا مما نظم في الأعراس تهنئة أو ممازحة ومفاكهة؛ ما قد يصح تسميته بـ(أدب الأعراس)، وهذا الضرب من الأدب، ذو العمق التاريخي البعيد، نجد الشعراء القدماء قد نظموه في أفراح الأعراس مهنئين ومباركين، وحاثين على الزواج، واختيار الزوجة الصالحة تارة، أو منذرين محذرين من الزواج وعواقبه على سبيل التظرف والمزاح وكُتب الأدب العربي كالمستطرف لشهاب الدين الأبشيهي، ومحاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني، تحتوي على كثير من هذا النوع أبياتاً وقصائد.

فمن أقدم ما قيل شعرًا في التهنئة ما هنأ به محمد بن حزم المأمون العباسي بزواجه من بوران بنت الحسن بن سهل فيقول:

بارك الله للحسن

ولبوران في الختَن

يا إمام الهدى ظفر

ت، ولكن ببنت من؟

وقول ابن الرومي في زواج المعتضد العباسي:

زفَّت إلى بدر الدجى الشمس

ولاح سعدٌ، وخبا نحس

وأقبلت نفس إلى مُنْيَةٍ

بمثلها تغتبط النفس

سيدةٌ تهدى إلى سيدٍ

لم يمس في سؤدده لبس

ذلك عرس الـدهر من أجلـه

حـنَّ غـدٌ، والتفـت الأمـس

ومن الشعر الأندلسي قول ابن دراج القسطلي الأندلسي في زواج أحد الأمراء:

كذا ينتهي البدر المنير إلى الشمس

وتمتزج النفس الكريمة بالنفس

وتلتحم الأنساب من بعد بُعدها

وتدنو القلوب الموحشات إلى الأنس

ويجمع شمل الوصل من فرقة القلى

ويرفع بند النصر من مصرع النكس

كجمع سليمان النبي بصهركم

ذوي يمَنٍ والشام والجن والأنس

وفي عهد الاحتلال البرتغالي كتب أبو البحر الشيخ جعفر الخطي القطيفي هذه الأبيات يهنئ فيها الشريف العلوي جعفر بن عبد الجبار الحسيني الموسوي البحراني بزواج:

هنَّاك ربُّك ما أولاك من نعم

يا خير من أنبتت جرثومة الكرم

الآن لان الزمان الوعر جانبه

 وافتر عن ثغر طلق الوجه مبتسم

وأصبحت تتحف البشرى قوابُلها

أمَّ الرجاء وقد مرت على العقم

خير الرجال قضى سعد الجدود له

بأن تزفَّ إليه خيرة الحرم

فقـرَّ عينًا، وطب نفسًا، ونم دعةً

يصحبك ذلك يقظانًا، وفي الحلم

وحين نصل إلى العصر الحاضر نجد أدب الأعراس قد بلغ من الكثرة حدًّا يصبح استقصاؤه مجلبة للسأم، لذا نكتفي بما قاله المرحوم محمد مهدي الجواهري من قصيدة مهنئاً أحد أصدقائه بزواجه:

خلِ النديم فما يكون رحيقه

وادر لماك إذا غفا إبريقه

لم يصبني كأس النديم وخمره

لو دام لي ثغر الحبيب وريقه

إن تحم عن أهل الهوى كأس اللمى

فالخمر أجود ما يكون عتيقه

أدب الأعراس في القطيف

والزواج، باعتباره سنّة كونية، وظاهرة اجتماعية خضع لعادات المجتمعات الإنسانية؛ كل حسب ما يراه مناسباً لسلوكه الاجتماعي، والديني في تهيئة الزوج وتهيئة الزوجة، وفي علاقة المحيط بكليهما، مما يتطلبه هذا المحيط من ضيافة واحتفاء، أو احتفال، وتقديم عبارات التهاني والدعاء لإنزال البركات.

ولعل الاختلاف غير قليل في عادات الشعوب، إسلامية أو غير إسلامية، عربية أو غير عربية، في عادات الزواج. والقطيف بما لها من عمق حضاري ضارب في أغوار التاريخ، لها أيضًا حضور واضح في المسيرة الحضارية، ومنها تقاليد الزواج وعاداته، ومن خلال تلك العادات والتقاليد تبرز الأفراح بروزاً واضحاً على المستوى الاجتماعي ابتداءً من بيتي الزوجية وانتهاء بالمحيط المشارك الذي يعيش حالة الفرح مساهمة منه بدوره السلوكي في مثل هذه الحالة السعيدة التي تمر على هذه الأسرة، أو تلك.

والعادات تختلف باختلاف الزمان والمكان. ومن حيث الزمان فإن الزواج في القطيف يكون في أي وقت ما عدا شهري محرم وصفر، وأيام وفيات أهل البيت (عليهم السلام)، ويفضل مناسبات مواليدهم. والقطيف شأنها شان غيرها من المجتمعات. فلقد تعاقبت عليها عادات وعادات، صبغت جيل كل فترة بصبغتها التي عاش فيها هذا الجيل، أو ذاك. فالدعوة على مشاركة العريس أفراحه اتخذت شكلاً مغايراً بالأمس البعيد عما تتخذه في الوقت الحاضر، فالدعوة إلى وليمة العرس - مثلاً- كما شاهدناها في منتصف القرن الماضي الهجري، تكون على يد رجل من المدينة أو القرية، عُرف بين الناس بـ(العَزَّام) مأخوذ من العزيمة بمعنى الدعوة إلى طعام أو فرح، ويمر هذا (العزام) على بيوت المنطقة، صباحاً ومساءً، يطرق أبوابها، باباً بعد باب، بخشبة في يده يسمونها: (شاعوبة) يطرق بها الأبواب، داعياً أفراد العائلة من الرجال إلى حضور المناسبة في وليمتها - وهذه الوليمة تكون عشاء في العادة - وكذلك في حفلتها - وهذه ما عُرفت عندهم بالمولد؛ وسميت بالمولد بسبب ما يُقرأ في هذا الحفل من سيرة زواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من السيدة خديجة (عليها السلام) على اعتبار أن هذه السيرة الزوجية المباركة هي النواة الأولى لميلاد العترة النبوية الطاهرة، التي عنصراها علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء (عليهما السلام)- ومقر الحفل أو الاحتفاء بالعريس يكون عادة في إحدى الحسينيات المعروفة في البلد.

وأما العروس فيحتفى بها في بيت أبيها، أو في أحد بيوت الأقارب أو الجيران، أما الآن فقد ظهرت (موضة) صالات الأفراح، وقاعات الفنادق في الدمام والخبر والظهران والقطيف.

الشعر في بطاقات الدعوة

أخذ هذا النمط من الدعوة فترة طويلة من الزمن حتى ما قبل أربعة عقود أو نحوها؛ إذ أخذت الدعوة إلى المساهمة في فرح العرس نمطاً آخر، فظهرت البطاقات لتحل محل العزَّام، وتظهر أحياناً الاحتفالات الأدبية لتحل محل (المولد).

البطاقات مظهر أدبي جميل يناسب جمال المناسبة، إذ تشتمل على أبيات من الشعر غالباً، وفي أحايين قليلة تشتمل على آيات قرآنية مناسبة مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً.

وفي أحايين أقل تكون البطاقة عُطْلاً من الآيات أو الشعر، ولا تشتمل إلا على فحوى الدعوة فقط من حيث زمان العرس ومكانه واسم العريس.

مهد لظهور البطاقات كتابة خطابات مكتوبة باليد، ولصعوبة هذا النمط من الدعوات بدأ في استخدام الكربون تنسخ بواسطته عدة رسائل بصيغة واحدة، ثم ظهرت الدعوات المنسوخة بطرقة الديتو (Ditto)، ثم ظهرت بطاقات (الإستنسل). ثم تطورت هاتان الطريقتان من الإستنساخ إلى ما نراه اليوم من البطاقات الأنيقة الغالية الثمن، غير أن من الصعب معرفة أول عرس ظهرت فيه البطاقات على الرغم من قصر الفترة التي ظهرت فيها لعدم وجود سجل تاريخي لهذا النوع من الأدب، كذلك يصعب معرفة قائل أبياتها لأنها، عادة، تأتي غفلاً من اسم الشاعر، وغالباً ما تأخذ البطاقات وغلافها شكلاً أنيقاً في الزخرفة، والنسق، والحجم، والألوان، من زخرفة باقة من الورد أو رسم قلب تعبيرًا عن الفرح والحب.

وبين يدي بطاقة لعلها الوحيدة في ما اطلعت عليه من بطاقات الأعراس تحمل صورة العريس موسى علي الربح. تقول أبيات البطاقة:

كالسنا والصفاء بعض رفاقي

قد غدا يسكب الصباح كؤوسا

الشذا والرؤى وصوت هزارٍ

قد أطلت على الربيع شموسا

أزهر الأقحـوان ينشر عطرًا

والمنى قد حلَت بعرس لـ(موسى)

وقد يُراعى فيها شهرة العائلة صاحبة الدعوة، أو حجمها، وبين يدي بعض النماذج من شعر البطاقات منها ما نظمته كهذه البطاقة:

روعة العرس في انتظار سريره

وجمال اللقاء خلف ستوره

ليلة العرس أنتِ أحلى من العر

س، وأندى من الندى في زهوره

أنتِ دنيا من الجمال تعرت

عن مـعاني شموخـه وغروره

ومثل هذه البطاقة التالية قلتُ أبياتها في زواج عامر وسمير وحلمي أبناء الإخوان منصور وعلي وعبدالله الشماسي:

ثلاثة ولعوا بالراح من كاس

روِيَّة دونما لهو وأرجاس

همُ سمير وحلمي، ثم بينهما

بالحب عامر يشدو لحن أعراس

يدعونكم لاحتفال بات صادحه

فمرحباً بكـم عن كل شماسي

ومثل هذه البطاقة التالية التي قلت أبياتها استجابة لرغبة الأخ الكريم عبد الحميد بن الشيخ محمد صالح البريكي في زواج ابنته هدى من عادل العلويات:

الشذا والندى وشدوُ العنادل

والأهازيج في ظلال الخمائل

عالم ساحر الرؤى عبقريٌّ

في هواه(هدى العذارى)و(عادل)

يدعوان الأحباب في محفل العرس

فأهلاً بمن يزين المحافل

وليس هذا النص وحيدًا بين النصوص الشعرية التي زينت بطاقات الدعوات النسائية على لسان والدتي العروسين للدعوة لحضور حفلات الأعراس، فهذا نص آخر ظهر على بطاقة أفراح (آل غزوي) من بلدة التوبي بدعوة والدتي العروسين زكريا ومقداد. يقول:

صدح الطير مليًّا

ناثرًا عطرًا زكيَّا

وبمقداد تغنى

عازفًا لحنًا حفيَّا

فإذا بالبدر يبدو

بشذا الحب جليَّا

وإذا بالورد يزهو

ليهني زكريَّا

وتُذيَّل الأبيات بالدعوة إلى حضور الجمهور المدعو في المكان المعد والزمان المحدد للوليمة والاحتفاء.

ومن شعر البطاقات الجميلة هذه الأبيات التي صدَّر بها الشاعر السيد عدنان العوامي صدَّر بطاقة الدعوة لحفل زفاف الدكتور علي بن عبد الله بن ابراهيم الجشي على ابنة أخت الشاعر العلوية نرجس بنت السيد محمد العوامي، ونصها:

بهجة الأنس بريَّاك اهطلي

واشعلي الليل شذًا واشتعلي

وانضحي الأطياب تنداح رؤى

عفَّة البوح، نشاوى الغزل

واسفحي لون مراياك هوىً

وصبابات، ونجوى قبل

واجمعي الأحباب، والأهل، فذا

موعد اليمن بيمن المقبِل

إنـما أنتِ تـبـاشـير المـنى

تزرع النرجس في درب علي

وهذه بطاقة دعوة زُينت بها دعوة الأستاذ مهدي سعيد الجامد في زواج ولده هشام:

يا شذا الوردة، يا فوحَ الخزام

يا ندى الروضة حياها الغمام

يا هتافات المواويل إذا

أيقظ الوجد صبابات الحمام

بلغي الدعوة خلاَّنَ الصفا

والأوداءَ من الصحب الكرام

فبهم تعذب أقداح المنى

وسنا البهجة في عرس هشام

وهذه الأبيات التي زينت بها بطاقة الدعوة لزفاف الرسام رضا حسن آل ثاني:

مشرقٌ من فلك اليمن أضا؟

أم ربيعٌ بالحبور انتفضا؟

أم هلال بتباشير المنى

شعشع الأفق جمانًا أبيضا؟

غامر الفرحة مخضل الرؤى

ينشر البشر بأجواز الفضا

لفتى من آل (ثاني) نصبت

منه أطياف الأماني غَرَضا

فأتموا بهجة الأنس لنا

أيها الأحباب في عرس رِضا

ولعل الشاعر الأستاذ حسن السبع قد انفرد بكتابة أطرف ما نظم من شعر الدعوات، إذ جاءت البطاقة شاملة لكل المعلومات المطلوب بيانها من ألفها إلى يائها. وقد نظمها فهي تقول:

من دواعي سرورنا والحبور

أن تلبوا رجاءنا بالحضور

فتعالوا زفاف نعمان إنَّا

نتلقاكم بكل سرور

شرفونا يوم الخميس مساءً

وتعشوا في بيتنا المعمور

ومساء الخميس سابع عشرٍ

ضمن ذي الحجة اكتمال الشهور

بيتنا في الخصاب ليس بعيدًا

في جوار البيات وابن نصير

واقبلوا في الختام أحلى الأماني

وسلامًا من العزيز القدير

ويقترب من هذه البطاقة بطاقة كتبها الأخ الصديق السيد مهدي بن السيد محمد الصايغ في الدعوة لحفل زفاف ابنه نزار، وذيل الشعر بتفصيل نثري كما هو المعتاد في سائر البطاقات؛ يقول الصايغ:

ندعوكم أحبابنا

تفضلوا في بيتنا

وشاركوا أفراحنا

عرس نزار ابننا

ببيتنا في الرابعة

والعرس ليل الجمعة

ونحن في انتظاركم

قبل وبعد السابعة

ويشبه هذا النص، أيضًا، نص آخر للسيد الصايغ:

تفضلوا يا أيها الإخوانْ

وشاركوا عرس ابننا عدنانْ

في الجمعة الباقية من شعبـان

تفضلـوا في الوقت والمكانْ

ومثل هذه البطاقات تستكمل باقي تفصيلاتها بالنثر عادة.

ولا تخلو بعض البطاقات من الشعر العادي الذي قد لا يخلو، غالبًا، من أخطاء عروضية، أو نحوية، أو صرفية، محلاً بشيء من تباين البحور واختلاف القوافي، واختلال الأوزان، واختلافها، وهذا النوع من البطاقات تكون، في الغالب، معدة جاهزة للطلب، وتباع بثمن زهيد في بعض المكتبات والقرطاسيات، كهذا النص:

صفا لنا الدهر والأيام قد ابتسمت

وحقق الله في الدنيا أمانينا

 سعدنا ثم والعقبى لكم سلفًا

غدًا نهني الذي أمسى يهنينا

فشرفوا من يرى بالأنس مقدمكم

لا يكمل الأنس إلا من تلاقينا

ومثل هذه البطاقة:

رق النسيم ومالت الأغصان

وطيور السعد غنَّت أجمل الألحان

فأهلاً ثم سهلاً ومرحبًا

بمؤنس السعد ومشارك الوجدان

وهذان النصان يكثر ظهورهما على بطاقات الأعراس بسبب توفرهما مع أمثالهما من النصوص في القرطاسيات، وبسبب فقدان الذائقة الأدبية في بعض أوساط المجتمع. على أن شعر البطاقات الجاهزة في القرطاسيات ليس كله من لون ذلك الشعر المختل، فبعضه صحيح من جانب النحو والوزن على الأقل، وإن جاراه في القيمة الشعرية، كهذا النص:

بلبل الأفراح غرد

فوق أغصان الزهور

وصدى البشر تعالى

في هناءٍ وسرور

وبشير الأنس نادى

شرفونا بالحضور

والحديث عن بطاقات الأعراس ينسحب إلى مكان الأعراس؛ إلى داخل القاعات، أو الحسينيات، حيث كانت قراءة المولد النبوي بأسلوبه القديم احتفاءً بالعريس، ولا زال هذا الأسلوب شائعاً في مكانه وزمانه. بل هو الظاهرة الاجتماعية البارزة في عامة الأعراس في القطيف. نعم برزت في أحايين قليلة احتفالات أدبية، أقيمت احتفاءً بزواج بعض الأدباء أو الشعراء، وبعض من ذوي الأسر المعروفة بعراقتها الأدبية أو العلمية.

وحسب ما توفر لي من معلومات عن تلك الاحتفالات في خلال نصف قرن، أقيم في الساحة الأدبية عدد من الاحتفالات الأدبية في عالم الأعراس، بدأت بحفل زواج المرحوم الأستاذ راشد الغانم المتوفى في عام 1391هـ. أقيم هذا الحفل ليلة الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة 1370هـ، وتصادف احتفالات مناسبة الغدير، ثم تلاه حفل زواج العلامة الشيخ عبدالله الخنيزي بتاريخ الثامن عشر من شهر شعبان 1372هـ، كما جاء في كتابه (أدواؤنا) الذي يتضمن كلمته التي ألقاها في ليلة عرسه، ثم احتفالات أخرى وهي حسب تتابعها التاريخي:

* المرحوم عبد الرؤوف بن حسن الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي في عام 1373هـ.

* المرحوم الشاعر محمد سعيد أحمد الجشي (أبو رياض).

* السيد محسن السيد باقر العوامي وابن أخيه الدكتور ماجد السيد محمد العوامي.

* عبد النبي عبد الله المحاسنة.

* عبد الهادي العباس.

* الأستاذ محمد رضا نصر الله.

* المهندس زكي بن السيد حسن العوامي

* الشاعر شفيق العبادي

* الكاتب والصحفي فؤاد عبد الواحد نصر الله.

* المرحوم الشاعر وجدي محروس المحروس

هذه أشهر وأبرز احتفالات الزواج الأدبية التي أقيمت في القطيف حسبما ما أعلم.

بعض تلك الإحتفالات نحتْ منحى جماليًّا تمثل في إمتاع الحضور بروح الدُعابة والمرح في شعر الفكاهة والهزل، فغمرتها البهجة، والفرح، وحتى الشعر الجاد أيضًا، استقبل من الحضور بالرضا والحفاوة لما فيه من الغزل الجميل، والتشبيب البديع، والرومانسية المتأنقة. من تلك الإحتفالات البهيجة حفل زواج السيدين محسن بن السيد باقر العوامي وابن أخيه الدكتور ماجد بن السيد محمد العوامي. هذا الحفل جمع بين روح الدعابة والمرح، كالقصيدة الفكهة التي أنشدها المرحوم الشاعر عبد الوهاب حسن المهدي، يقول:

يا أيها الناس مني

تحية وسلام

وبعد فاستمعوا لي

وأنصتوا يا كرام

وإن أطلت عليكم

فما علي ملام

فالأمر يقضي التزامًا

منكم حدود اللباقة

دعيت ذات مساءٍ

لحفلة لعشاء

بدعوة قدمت لي

في زمرة الأصدقاء

من صاحب كان فينا

من خيرة الأصفياء

وخالص الود يقضي

بما يقوي العلاقة

قالوا حسبناك منَّا

فأنت من قد عرَفنا

في الشعر تحوي رصيدًا

فجد علينا ومُنَّا

ببعض شعرك واقرأ

حلو القصيد ودعنا

نقول: عشتَ، أعده

يا شاعرًا بالفاقه

ورب شخص مداجِ

مجادل ذي لجاج

يقول: ما جئتَ إلا

لأكلة من دجاج

وما قدمتَ تهنِّي

بفرحةٍ وزواج

له أقول: تمهل،

ولا تكن ذا صفاقة

فإنما جئتُ توِّي

من بيتنا متعشِّي

وجئتُ ملآن أكلاً

للحفل أحمل كَرشي

مشاركًا في ابتهاج

وفرحة ثم أمشي

بدعوة لي جاءت

لكن بدون بطاقة

ومن الشعر الغزلي الجميل مع أنه شعر جاد بعيد عن جو الهزل والدعابة؛ قصيدة للشاعر السيد عدنان العوامي، يقول فيها[1] :

لمن العيد؟ لمن هذا السمر؟

أرهقت فيه كؤوس ووتر

ليلنا بهجة أعراس المنى

ونجاوى الغيد في ضوء القمر

يا شراع النور يجتاز المدى

باحثًا عن مرفأ، عن مستقر

تحت لألائك يختال الهوى

والصبايا زمر تتلو زمر

كم على الشرفة من فاتنةٍ

تأسر القلب بلمَّاح أغر

ذوَّب الله على مفرقها

ألق الفجر وأنفاس الزهر

أرخت الهُدب على خاطرة

وخيالات نشاوى، وفِكَر

ليت شعري ما الذي أرقها؟

فاتني السر وأعياني الخبر

ظمأ الشوق، ومشبوب الهوى

وفتى تصبو له منذ الصغر

ومن الإحتفالات التي كللت بروح الدعابة زواج الشاعر المرحوم وجدي المحروس في التاسع من شهر جمادى الثانية عام 1409هـ، فقد أنشدت فيه بعض القصائد الفكهة، ومنها قصيدة للشاعر السيد عدنان العوامي جاء فيها:

يحيرني رفيق الحرف وجدي

يظن بأن كل الصيد صيدي

يريد الشعر أفرغ فيه وسعي

ليوم زفافه وأطيل جُهدي

يريد قصيدتي ستين بيتًا

وإن قلَّت أقام عليَّ حدي

وبعد أبيات تصور عناد الشعر وهروبه منه، ومعاناته في تصيده، يواصل، فيقول:

فها أنا قادم من غير شعر

أشاركه بأفراح وسعدِ

وأقنعه بأبيات قصار

تقل، صراحة، عن أجر هندي

فما ذا يستطيع القول عني؟

وها أنا قد عزمت على التصدي

ومن المشاركين في هذا الحفل المرحوم الشاعر أحمد بن سلمان الصايغ الشهير بالكوفي، وهذه أبيات من قصيدته يقول فيها:

أيامنا بالتهاني عاد ماضيها

فحقَّ أن نتهادى كأس صافيها

ونعقد اليوم للأفراح أنديةً

زهراء تضحك بالبشرى نواحيها

في أربع ذات أفنان خمائلها

ماء البشاشة يجري في سواقيها

وفتية من أهاليها عباقرةٍ

نوابغ بهم تزهو نواديها

كلٌّ يساجل فيها تربه أدباً

كأنها روضة تشدو قماريها

يباركون لوجدي في مسرَّته

بعرسه والتَّهاني فيه نبديها

سعادة المرء في دنياه (آنسة)

في الحسن والخلق تحكيه ويحكيها

غيداء كاعبة هيفاء ناعمة

تختال في حسنها تمَّت معانيها

فنسأل البارئ التوفيق بينهما

تبادل الحبِّ ترضيه ويرضيها

وجدي، فكن شاكراً لله نعمته

على الدوام فإنَّ الشكر يبقيها

وفي الختام تحيَّات معطَّرة

لخاتم المرسلين الطهر نهديها

صلَّى الإله على الهادي وعترته

ما أطرب العيس بالتغريد حاديها

ولم يترك الشاعر المحتفى بزواجه الميدان خاليًا لإخوته الفرسان الشعراء وحدهم، بل وقف يعبر لهم عن مشاعر الغبطة والإمتنان فألقى قصيدة جميلة قال فيها:

هتف الوحي والوفا في بيانه

أفتصغي لهينمات أذانه؟

أفتصغي له وقد ملأ الكو

ن شذاه فماس في ألحانه

آيه ذوب خافق والمعاني

دفقات من روحه وكيانه

إن يكن عبقر مثار أغانيـ

ـه، ففي صحبه مدار حنانه

عرف الفضل في ذويه فكان الـ

ـصدق مشتار شعره وافتتانه

هز عطفيه أن رأى السادة الغـ

ـرَّ أشاعوا السرور في مهرجانه

سكبوا دفء ودِّهم تهنئات

وأراقوا حُرَّ الإخا من دنانه

وألقى صاحب هذه المقالة قصيدة في هذا الحفل منها:

بشروا الروض فقد عاد الهزار

يتغنى، وأغانيه ابتكار

يتجلى إن شدا في دوحه

كشعاع الشمس يجلوه النهار

أو سقى السمار من أنغامه

تصبح الأنغام كالكأس تدار

أو رقى بالشعر أفنان الهوى

يعذب الحي ويندى الإخضرار

أو غدا يسكب من أوتاره

فكما يسكب من تبر نضار

يا شداة الحرف جرسًا مترفًا

من قوافيهم، وحرفًا يستثار

باركوا للعرس في هيكله

حيث فاح العطر، أو ماج البهار

وكان الاحتفال بزفاف الأستاذ محمد رضا نصر الله أفخم تلك الاحتفالات مادة وحضوراً، فقد حضره نخبة من الأدباء والشعراء وأساتذة الجامعات من خارج القطيف مثل: المرحوم العلامة الشيخ حمد الجاسر من الرياض، والدكتور محمد الهرفي من جامعة الإمام بالأحساء، والدكتور علي الدفاع، والدكتور بكر حسن من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

وممن شارك بشعره رئيس النادي الأدبي بالمدينة المنورة الشاعر الأستاذ معروف هاشم رشيد، وبشعره دون حضوره؛ الشاعر الدكتور غازي القصيببي، وقد اتسمت قصيدته بروح الدعابة والمرح، كما شارك الأستاذ عبدالله الشيخ بقصيدة، وكذلك الأستاذ عدنان العوامي، والأستاذ حسن السبع، والمرحوم عبد الوهاب حسن المهدي، كما كان لي نصيب في المشاركة بقصيدة، كما شارك العلامة الجاسر بكلمة.

كان الحضور باهراً ضاقت بجمهوره حسينية آل العوامي. وقد تباينت المشاركات بين المرح والغزل، وبين الجد والهزل، فمن القصائد المرحة قصيدة الدكتور غازي القصيبي، وقد امتازت بالركلات[2]  الخفيفة المرحة، ومنها:

عجيب عجيب زواج الأديب!

لأن الأديب عدو الزواج

يحب الأديب حياة الطليق

فكيف يعيش وراء السياج

فقولوا لصاحبنا يا رضا

تجلد ولا ترتعش كالنعاج

وودع زمانًا مضى وانقضى

كما ودع الديك عهد الدجاج

وفي هذا الجو المرح ألقى الأستاذ الشاعر حسن السبع قصيدة سماها النونية، جاء فيها:

يتأبَّى شيطان شعرك حينًا

مثلما يفعل الحمار الحرون

فإذا مسك الجمال بمسٍّ

فسينقاد واوها والنون

يعبث الحب بالفؤاد فتأتي

طائعات شوارب وذقون

أيها الضحك لا تخنِّي إذا ما

أسدف الليل واستبد الدجون

 أنا بالضحك أستعين على الحـ

ـمَّى إذا ما تعاظمت فتهون

وصديق الحروف بالضحك يحيى?

وهو فيه متيم مفتون

ضاحك كالصباح تأتي إليه

فيغني في الشقة الماعون

ومن الشعر الغزل الجاد قصيدة السيد عدنان العوامي، ومنها:

لأجل عينيك أذكي الخط تغريدا

أذكي لياليه شدوًا أو أغاريدا

لو يسلس الحرف، لو يأتي طواعية

فأجتليه هتافًا، أو أناشيدا

لكنه الأرق المجدول من عصبي

وإن أقمت عليه العمر محسودا

عصية أحرفي، فارفق بعافيتي

ولا تزدني على التسهيد تسهيدا

تلومني أن شعري ليس محتسبًا

شعرًا، وإن شف أوزانًا، وتنضيدا

فلست ممن ينير الحرف فلسفة

ويوقد الفكر تسبيحًا، وتحميدا

فلا أداعب إلا وشي مريلةٍ

ولا أغازل إلا الخصر والجيدا

وما ترصد فكري طيف خاطرة

إلا رماها عطورًا أو مواعيدا

وما رسمت فتاةً ما غمزت لها

غمَّازها البكر، أو أهدابها السودا

حتى يعود لماها العف متقدًا

وثغرها الوادع المسكين عربيدا

وقد لا تخلو بعض الاحتفالات من إنشاد قصائد أو إلقاء كلمات تهنئة أثناء وقائع الاحتفال التقليدية، وقد لا تكون تلك القصائد ذات صلة بمناسبة الزواج إلاَّ أنها تكون فكهةً عادة لما تتسم به حفلات الزفاف من مظاهر الفرح والبهجة، غير أنني، للأسف، لم يتيسر لي سوى بعض النصوص الشعرية مما أنشد في بعض تلك الاحتفالات، ولذا سأكتفي بعرض نموذجين اثنين من حفل زفاف السيد حسين بن الدكتور سيد ماجد العوامي، أحدها من قصيدة للسيد عدنان العوامي في تعزية ابن عمه السيد زكي السيد على العوامي في تيس له ذبح على غير الطريقة الشرعية، وكان الشاعر وابن عمه السيد زكي في أحد الأعياد في سفر، فبعث السيد زكي خادمَه برفقة إحدى العاملات المسلمات لشراء تيس وذبحه عند جزار مسلم، فحذره الشاعر من الاعتماد عليهما في تلك المهمة، متخوفًا ألاَّ يكونا على علم بالذبح الشرعي، لكنه لم يأخذ بنصيحته، وحين أحضرا التيس وجد أنه اغتيل بضربة بعمود من حديد هشمت جمجمته، ثم سلخ حرقًا على السفود، فبدا وكأنه قربة منتفخة سوداء، وإزاء اندهاش السيد زكي وجزعه من المصير الشنيع الذي لقيه التيس الحبيب؛ وجد الشاعر أن الواجب يقتضي مواساة ابن عمه، وتعزية في الفقيد الغالي، فكتب قصيدة رثاء في التيس، وتعزية لصاحبه فيه، ومن تلك القصيدة:

مهلاً زكي، فما ذا الهم والجزع؟

مهلاً، فدتك تيوس الحي والبجع

أراك ترجف من غيض، ومن حنق

أكان ظنك بالمفقود يرتجع؟

لقد مضى تيسك المسكين محترقًا

فليس ينجيه ما تأتي، وما تدع

 كنا نرجيه يومَ العيد كبستنا

فعاند الحظ أن تصفو لنا المتع

فاعصر على التيس حمضًا إنَّ ما قسمت

لك المقادير دون الكبسة القرعُ

واستخلف الله طار الفحل يا ولدي

وما أظن عليه الشمل يجتمع

لنا من التيس في خبز العشا عوض

وفيك للجوع طول اليوم متسع

أو لا فحسبك من أمثالهم عِظةً

إن التيوس على أشباهها تقع

(اعصر عليه حمضة): من أمثال أهل القطيف يقال عند اليأس من شيء لا أمل في الحصول عليه، ومن سنخ هذا الشعر الفكه، أيضًا، قصيدة ألقيتها في المناسبة نفسها بعنوان (نعالي) عالجت فيها أهمية المشي على القدمين، وفوائده الصحية، فقلت فيها:

وأتيت تحملني نعالي

وتسير بي بين الرجال

وتغذ بي سيرًا حثيـ

ـثًا في السهول وفي الجبال

طورًا تسير على الرصيـ

ـف وتارة فوق الرمال

لا تحتقرها إنها

في صحتي تاجٌ خيالي

تاج على قدميك تحـ

ـمله بحل وارتحال

هل تعلمون بأنها

تحمي من الداء العضال؟

من سمنةٍ أم من (كرو

شٍ) ضخمةٍ، فينا، ثقال

من سكَّرٍ في الجسم تحـ

ـرقه بمشي وانتقال

تحميك من طب الطبيب

ومن علاجات وِبال

ومما وقفنا عليه من أخبار الأعراس الأدبية القطيفية ما أشار إليه المغفور له العلامة الشيخ فرج العمران في (الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية) وهو احتفال أدبي أُقيم بمناسبة زواج الأخ الكريم عبد الحميد بن الشيخ محمد صالح البريكي في النجف الأشرف عند بنائه بزوجته الأولى بنت المرحوم الشيخ طاهر البدر، في تاريخ الحادي عشر من شهر شعبان 1373هـ ولم يورد الشيخ فرج أية مادة أدبية ولا أسماء المُلقين.

العرس الجماعي

برز هذا النوع من الأعراس ظاهرةً اجتماعية على مستوى المنطقة، وكانت الجشُّ، وهي قرية صغيرة في القطيف؛ رائدةً في العرس الجماعي، بدأته في عام 1411هـ، ثم ثنَّته مدينة سيهات في عام 1412هـ، ثم أخذ، بعد ذلك، ينتشر بحيث شكَّل ظاهرة في المجتمع القطيفي، وبين يديَّ كتاب (مهرجان الصفا للأعراس) يبرز نشاط مدينة صفوى في الزواج الجماعي الذي بدأته منذ عام 1413هـ وحتى عام 1423هـ قام المهرجان، خلالها، بتزويج (344) عريسًا. بدأ المهرجان بأحد عشر عريسًا، وقد بلغ في بعض أعوامه 36 عريسًا.

وكان الهدف من الزواج الجماعي مساعدة الشباب على تجاوز المصاريف الثقيلة للزواج. وما يهمنا هنا من مهرجانات الزواج هو ما يدخل في دائرة موضوعنا وهو الشعر، فهو، أيضًا، له دور بارز في هذه المهرجانات، إذ أصبح من الأهمية بحيث صار يدعى له الشعراء من خارج القرية، أو المدينة، ومن ذلك مشاركة الشاعر البحراني المعروف عبد الرحمن رفيع في مهرجان الصفاء للأعراس عام 1419هـ، ومن قصيدته:

ألا حيُّوا معي المتزوِّجينا

بصفوى إنهم قد نوَّرونا

شباب طامحٌ ما كلَّ يومًا

ولا عرَف التواكلَ والركونا

وقد ضل الألى زعموا قديمًا

بأن العرس قد يمسي جنونا

جنون أن يفوتَك ظبيُ صفوى

يساقيك الهوى فيها فنونا

وفيه أيضًا يقول الشاعر عبد الله الأقزم:

هذي القصائد يا صفوى تحييك

شوقًا إلى اللثم من فيها إلى فيك

لا تشرق الشمس في صفوى بلا أملٍ

لا تُعرف الشمس إلا في نواديك

أنت المعاني إذا سالت بكل فمٍ

هذي الجماهير بالأزهار تدعوك

وهذه الاحتفالات الأدبية، لها صلة بالثقافة الاجتماعية العامة، فالشاعر أو الأديب في هذه الاحتفالات لا يجهل القصائد التي نظمها المتقدمون والمتأخرون في أعراس أحبابهم، وأصدقائهم، وأقرانهم في الشعر والأدب. ولا أجد مِسكاً للختام مثل قصيدة بولس سلامة التي قالها في مناسبة الزواج المبارك للإمام علي (عليه السلام) من سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) يقول فيها[3] :

هو خير الأزواج عفة ذيل

وهي خير الزوجات من حواء

في نقاء السحاب خلقاً وطهراً

في صفاء الزنابق العذراء

ويضم النبي تحت جناحيه

المديدين منية الأحشاء

فعليٌّ وزوجه منه بعض

شيمة الكل شيمة الأجزاء

رفرف السعد فوق كوخ حقير

لم يدنس بقسوة الأغنياء

[1]) ديوانه (شاطئ اليباب]  مطابع الفرزدق. الرياض. ط 1. 1312هـ.

[2]  إشارة إلى مصدر القصيدة: (ركلات ترجيح)، وهو ديوان فكاهي للشاعر المليح حسن السبع. منشورات نادي المنطقة الشرقية الأدبي. المملكة العربية السعودية. مطابع مؤسسة الشرقية. ط 1. 1424هـ. ص: 82.

[3]  ملحمة عيد الغدير. بولس سلامة.
أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران - السعودية
128696