المفاهيم العلمية وأهميتها في بناء المناهج المدرسية
مديس الزهراني * - 15 / 10 / 2007م - 12:13 م - العدد (44)

يمكن تعريف المفهوم العلمي بأنه بناء عقلي يكونه المتعلم نتيجة إدراك (العلاقات أو الخواص أو السمات) المشتركة بين مجموعة من المثيرات، ويُمكّن المتعلم من تصنيف مجموعة المثيرات في فئة معينة يعبر عنها بمصطلح معين له دلالته اللفظية.
ويرى الكثير من علماء التربية أن التوسع المعرفي في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين يجعل العقل البشري يقف عاجزاً عن استيعاب الكم المتزايد من الحقائق المتناثرة، كما أن بعض الحقائق اليوم قد لا تصبح حقائق في الغد القريب مما يستوجب التخلي عنها، كما حدث بالنسبة لتجسيم الضوء من قبل نيوتن ثم اتضح فيما بعد أنه كمات من الطاقة تسمى فوتونات.
وهنا تبرز أهمية المفاهيم التي تقوم على الحقائق التي ترتبط مع بعضها بروابط معينة، فتصنف كل مجموعة من الحقائق تشترك في سمات معينة تحت مفهوم واحد، كما أن المفهوم مرن قابل للنمو بإضافة حقائق جديدة، وقابل للتطور بتعديل بعض الحقائق أو التخلي عنها.
ويعد تشكيل المفهوم لدى الطالب بصورة صحيحة هدفاً تدريسياً رئيساً يحتاج إلى بذل جهد كبير من المعلم في التعرف على المفهوم وتحليله وتحديد الطريقة المناسبة لتدريسه، والتأكد من تشكيله لدى الطلاب، ويقصد بتشكيل المفهوم تكوين صورة عقلية للمفهوم في ذهن المتعلم.
ولكي يستطيع الطالب تكوين صورة عقلية صحيحة للمفهوم في ذهنه لا بد أن يكون المفهوم مناسباً للمستوى الإدراكي للطالب ليتمكن من استيعابه واكتسابه بصورة صحيحة.
ويُعد الإمام علي (كرم الله وجهه) أول من أشار بصورة مباشرة إلى أهمية مناسبة المفاهيم للمستويات العقلية عندما قال: >حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكّذب الله ورسوله< (صحيح البخاري)، وقوله: >بما يعرفون< أي بما يمكن أن تبلغه عقولهم حتى لا يفتنوا، ولهذا جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: >إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة<.
فهل ندع الحديث بما لا تبلغه عقول الناس وإن كانوا محتاجين له؟ والجواب: لا ندعه، ولكن نحدثهم بطريق تبلغه عقولهم، وذلك بأن ننقلهم رويداً رويداً حتى يتقبلوا (محمد العثيمين، 1421)، وهذا ما نسميه في الوقت الحاضر التدرج وبناء المناهج وفق السلم الهرمي للمفاهيم، ويستفاد من هذا الأثر أهمية النظر إلى عقول المتعلمين وإنزال كل متعلم منزلته، ويمكن توظيف هذا الأثر والاستفادة منه في العملية التعليمية فيما يلي:
- إذا احتوى المنهج على مفاهيم دون مستوى الطالب العقلي، فإنه عند تدريسها للطالب قد لا تكون مثيرة له، وقد لا يعيرها اهتمامه، وقد ينعكس ذلك على نظرة الطالب للمنهج بصفة خاصة وللمدرسة بصفة عامة مما يؤدي إلى عدم تحقق الأهداف المنشودة.
- إذا احتوى المنهج على مفاهيم فوق مستوى الطالب العقلي، فإنه عند تدريسها للطالب سيجدها مستعصية على فهمه وفوق قدراته فينفر منها، وبالتالي لن يستطيع تحصيلها، وقد تسبب له الإحباط وكراهية المدرسة، مما يؤدي إلى عدم تحقق الأهداف المنشودة.
- إذا احتوى المنهج على مفاهيم مناسبة لمستوى الطالب العقلي، ومبنية وفق السلم الهرمي للمفاهيم، استطاع الطالب اكتسابها وتكونت لديه خبرات إيجابية تدفعه إلى المزيد من اكتساب المفاهيم، وبالتالي اكتساب محتوى المنهج، وهذا يسهم في تحقيق أفضل مستويات التحصيل الدراسي، وهذا هو المطلوب تربوياً.
ورغم أهمية مناسبة المفاهيم للمستويات العقلية كمعيار يجب الأخذ به عند إعداد وتطوير المناهج إلا أن هذا المعيار لم يراع بالدرجة المطلوبة عند اختيار محتوى المناهج بصورة عامة ومحتوى المناهج العلمية بصفة خاصة، فقد أشارت دراسة مقارنة لمناهج العلوم في مراحل التعليم العام بدول الخليج أجراها مكتب التربية العربي (1400) إلى أن موضوعات مقررات الفيزياء في المملكة العربية السعودية فوق مستوى الطلاب وتهتم بالجانب النظري.
وأشار الدكتور عبد العزيز الجلال (1416) -أي بعد ستة عشر عاماً- إلى أن المناهج لا زالت تعاني من القصور من جهات متعددة منها قلة الاهتمام بالفروق الفردية وعلاج المتخلف والضعيف ورعاية الموهوب وتنمية قدراته.
ورغم أهمية ما سبق ذكره فإن الارتباط الوثيق للمفهوم بالتطورات العلمية والتقنية الحديثة غاية في الأهمية، لأن ذلك يساعد الطالب على التفاعل مع التقنيات الحديثة والاندماج في العصر الحاضر، إلا أن الكثير من الدراسات والندوات أشارت إلى أن التربية ما زالت قاصرة عن تلبية متطلبات التنمية، وأن الإنسان الذي سيحمل على عاتقه عبء التنمية الشاملة لذاته ولمجتمعه لم تستطع التربية في منطقتنا العربية بعامة وفي دول مجلس التعاون بخاصة بمؤسساتها المدرسية وغير المدرسية أن تنتجه حتى الآن؛ لأسباب عديدة منها على سبيل المثال تكرار المعلومات التي تحتويها الكتب من سنة لأخرى وازدواجيتها من مقرر لآخر في نفس الصف، وضعف تلاؤمها مع تحديات العصر الحديث وإفرازاته، وأعتقد أن التعليم ما زال أقرب للتقليدية رغم الجهود التي تبذل لتطويره وغير ملائم لمتطلبات التنمية، ومناهجه متأخرة كثيراً عن رتم العصر.
ويرى الكثير من علماء المنهج أن الطالب يعيش -اليوم- عصر العلم والتكنولوجيا الذي يمتاز بسرعة التطور، ولكي يتفاعل الطالب مع عصره ويندمج فيه، لابد أن يعمل المنهج على مساعدة الطالب على التوافق الإيجابي مع مطالب العصر الذي يعيش فيه، وذلك يتطلب أن تكون مطالب العصر ضمن محتوى المنهج الدراسي، وهذا يتفق مع بعض اتجاهات الفكر التربوي التي ترى أن الإنسان يمر بمحنة نتيجة التطور السريع في عصر العلم والتكنولوجيا، ولكي لا يخسر نفسه فهو في حاجة إلى أن يعرف كيف يواجه مشكلات العصر الذي يعيشه بفاعلية ونجاح.
ويرى بعضهم أن المنهج الصادق هو الذي يعتمد على مواكبته للمعرفة العلمية الحاضرة، إلا أن كتب الفيزياء لا يتفق ورؤى هؤلاء المنهجون، فمناهج الفيزياء -على سبيل المثال- ما زالت تركز على حقائق الفيزياء الكلاسيكية وتغفل مفاهيم فيزياء الجسميات والموجات والنسبية وتطور الالكترونيات وأبحاث الطاقة الشمسية، وبالتالي فهي غير متناسبة مع مطالب العصر الذي يعيشه الطالب، لذلك ينبغي تقويمها وتطويرها في ضوء هذا المعيار.
ومن ناحية أخرى فإن ارتباط محتوى المنهج المبني على أساس المفاهيم بواقع الطالب المتمثل في بيئته وصناعات بلده وثرواته وطاقاته، ومدى استفادة الطالب من منها في حياته العملية من خلال تطبيقات عملية في حياته اليومية سواء في المنزل أو المدرسة أو غيرها لا يقل أهمية عما سبق، ومع ذلك فما زالت المناهج تعاني القصور من جهات متعددة، منها بُعْدُ المناهج عن التوجهات الإنتاجية وضعف الارتباط بالواقع والحياة العملية، ويؤكد الدكتور أحمد اللقاني (1995) أن ثبات المحتوى لفترات طويلة يعد أمراً غير مقبول إذا نظرنا إليه من زاوية الواقع أو من زاوية العلم.
وبما أن تساؤلات المتعلم تنبع من واقع حياته، فإنه إذا لم يستطع المنهج تقديم إجابات شافية لهذه التساؤلات يصبح أداة حجر على فكر المتعلم ويفرض نوع من الجمود الفكري على عقله، وبالتالي يصبح المنهج أداة لإعداد مواطن متحجر ومقيد الفكر.
وقد أشارت دراسة أعدها الزهراني (2005) أن طالب المرحلة الثانوية يعيش واقعاً دراسياً يحتاج إلى الكثير من التطوير، فمحتوى منهج الفيزياء متضخم -كما تبين من تحليل محتواه- وضعيف الارتباط بواقع الطالب، ويصعب عليه الاستفادة منه في حياته العملية، كما أن ازدواجية ترميز بعض المفاهيم العلمية في كتب الفيزياء للمرحلة الثانوية بذات الرموز، تؤدي إلى اضطراب البناء المعرفي للطالب، مثل استخدام حرف (جـ) رمزاً للجهد الكهربي ورمزاً لتسارع الجاذبية، واستخدام حرف (ن) رمزاً للزمن ورمزاً للحرارة النوعية.. وهكذا، وهذه الرموز غير متفق عليها وتمثل اجتهاد المؤلفين وغير مستعملة في الكتب العلمية وقد تكون سبباً في عدم استفادة المتعلم من القراءة العلمية خارج المنهج.
بالإضافة إلى ذلك فالرموز في الدراسة الجامعية مكتوبة باللغة الإنجليزية أو اللاتينية ومتعارف عليها عالمياً، وبالتالي يجد الطالب عند انتقاله للجامعة صعوبة كبيرة في التخلص من الرموز التي تمثل اجتهاد المؤلفين واستيعاب الرموز العلمية بصورتها الصحيحة المتعارف عليها عالمياً، فليت القائمون على المناهج يراعون هذا الخلل ويتلافونه في المناهج المنتظرة.
إن تطوير العملية التربوية والتعليمية يرتبط أساساً بتطوير المناهج، بل إن الكثير من التربويين يربطون ربطاً مباشراً بين تطور المناهج وبين التقدم الحضاري للدول والشعوب.
ويرى بعض التربويين أن حال الأمة العربية وتخلفها وغرقها في الصراعات الداخلية قد يكون مؤشراً إلى تدني التعليم فيها، وينبغي أن تبدأ صحوة التصحيح من تطوير المناهج، كما يرى بعضهم أنه لم يعد من المقبول أن تنعزل المناهج عن مجريات الأمور من حولها أو السير بخطى وئيدة مترددة على طريق الإصلاح والتطوير.
ولا شك أن تطوير المناهج في المملكة العربية السعودية يشكل أولوية لدى القيادة التي أسندت هذه المهمة الوطنية إلى وزارة التربية والتعليم التي تتبنى حالياً مشروعاً شاملاً لتطوير المناهج يهدف إلى إحداث نقلة نوعية في التعليم من خلال إجراء تعديل نوعي وجذري في المناهج لمواكبة الوتيرة السريعة للتطورات المحلية والعالمية، وقد استغرق المشروع أكثر من ثلاثة أعوام، وانتهت الوزارة من إعداد وثائق المنهج وعددها (12) وثيقة عام 1422هـ، وتعد هذه الوثائق المنطلق الرئيس لعملية التأليف التي بدأت خلال العام الدراسي 1422هـ - 1423هـ، ولكوني أحد المهتمين بتطوير مناهج الفيزياء للمرحلة الثانوية فقد أجريت مقارنة علمية بين منهج الفيزياء المدرس في المرحلة الثانوية لعام 1424هـ وبين منهج الفيزياء -كما ورد في الوثيقة- فلم ألمس تغيراً جوهرياً بصورة عامة، والتغيّر الملموس على مستوى الصفوف الثلاثة تمثل في نقل محتوى بعض الفصول من مقرر صف إلى مقرر صف آخر، أو ضم بعض الفصول وتغيير مسماها، وأتمنى ألا تجعلنا مناهج المشروع الشامل لتطوير المناهج نردد بكل بساطة (ما أشبه اليوم بالبارحة).

 

دكتوراة فلسفة في مناهج وطرق تدريس الفيزياء
128480