الجرهاء ودورها في التجارة القديمة
د. محمد السيد العبد الغني * - 22 / 3 / 2011م - 5:58 م - العدد (13)

تعد الجرهاء أهم مركز تجاري في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة العربية خلال الفترة السيلوقية[1] . وقد ظل أصل الجرهاء وموقعها الدقيق على ساحل الخليج العربي في المنطقة الشرقية للملكة العربية السعودية (حالياً) موضوعاً للجدل والنقاش منذ ما يزيد على قرنين من الزمان[2] . وكان أن تفاوتت الآراء حول التحديد الدقيق لموقع الجرهاء القديم والمكان الذي يمثله حالياً: فمن الباحثين من حدد موقعها على ساحل الخليج مباشرة في القطيف[3] ، ومنهم من قال بأنها في العقير[4] ، ومنهم من ذكر أنها سلوى[5]  (من الشمال إلى الجنوب بالترتيب على الساحل السعودي حالياً للخليج العربي)، ومنهم من جعل موقعها في المنطقة ولكن إلى الداخل إما في الهفوف[6]  إلى الجنوب الغربي من العقير أو في ثاج[7]  إلى الشمال الغربي من القطيف.

على أن هذه الآراء الخاصة بتحديد موقع ما للجرهاء على ساحل الخليج أو الداخل لا تنسجم بدقة مع وصف كل من سترابون وبليني الجغرافي لموقع الجرهاء، فالوصف الجغرافي لسترابون لهذه المدينة نصه كالتالي:

"وبعد الإبحار بمحذاة ساحل (الجزيرة) العربية لمسافة ألفين وأربعمائة ستاديون يصل المرء إلى الجرهاء وهي مدينة تقع على خليج عميق.." ثم يذكر بعد ذلك: "وتقع المدينة على بعد مائتي ستاديون من البحر - يقصد الخليج"[8] .

أما بليني الأصغر، فيتحدث عن "خليج الجرهاء ومدينة الجرهاء التي يبلغ محيطها خمسة أميال". ثم يذكر منطقة إلى الداخل في شبه الجزيرة قبالة الجرهاء تسمى (أتيني) تبعد خمسين ميلاً عن الساحل، وعلى الجانب الآخر فإن جزيرة تيروس (البحرين) تبعد عن الساحل -ساحل الجرهاء- بنفس المسافة"[9] .

هذان الوصفان من قبل سترابون وبلني يشيران إلى أن موقع مدينة الجرهاء لم يكن على الساحل مباشرة بل يقع إلى الداخل قبالة مينائا الواقع على خليج الجرهاء. وربما كان أول من تنبه لهذا الوضع وحاول أن يحدد موقع الجرهاء الداخلية وميناءها الساحلي هو (شبرنجر) الذي حدد موقع الجرهاء في الداخل بأنها منطقة (الجرعاء) في تميم وميناءها بأنه (العقير) على الخليج[10] ، وحذا حذوه في ذلك العالم "تكاك"[11]  ثم أعقبهما بعد ذلك بمدة طويلة فون فيتسمان الذي رجح الموقعين بأنهما جبل القرين في الداخل والقطيف على الخليج[12] .

وأخيراً جاء العالم بوتس الذي رجح بأن يكون موقع مدينة الجرهاء الداخلية هو موقع ثاج وأن يكون ميناؤها على الخليج هو مدينة الجبيل[13] .

ولنبدأ بترجيح رأي العالم (بوتس) لموقع الجرهاء بأنها مدينة ثاج الداخلية، وميناءها على الخليج وهو (الجبيل) باعتبار الأخيرة منفذ ثاج على الخليج حيث إنها قبالتها. لقد بنى بوتس هذا الترجيح على أساسين يمكن إثارة الشك حولهما: الأول هو أنه رجح أن يكون الميناء البحري للجرهاء القديمة على الخيج هو (الجبيل) على أساس المسافة التي ذكرها سترابون من رأس الخليج من شماله الغربي (الساحل العربي)) حتى موقع الجرهاء، وحددها بألفين وأربعمائة ستاديون (ما يعادل 384كم). وقد افترض أن هذه المسافة تبدأ من منطقة تسمى (تيريدون) يرجح أن تكون موضع البصرة الحالية، حتى الموقع المفترض لميناء الجرهاء على البحر. وبقياس هذه المسافة من البصرة إلى الجنوب توصل إلى أنها منطقة (جبيل).

ولكن إذا عدنا إلى نص سترابون نجده في الفقرة السابقة مباشرة على الفقرة التي ذكرت بها الجرهاء يذكر - نقلاً عن أراتو سثنيس: "أن أندروا سثنيس الذي أبحر بأسطوله حول الخليج ذكر بأنه عند الرحلة بمحاذة الساحلة -واليابسة عن يميننا- من تيريدون (أي في الخليج العربي من الشمال إلى الجنوب وشبه الجزيرة إلى اليمن) يرى المرء جزيرة إيكاروس (فيلكا الحالية شرقي الكويت) ومعبداً مقدساً لأبوللو في الجزيرة، ومحراباً لأرتميس تاوربولس[14] .

ثم تأتي بعد ذلك الفقرة الخاصة بالجرهاء.

ومعنى هذا أن المسافة المذكورة عند سترابون 2400 ستاديون (383كم) لا تبدأ من تيردون (البصرة) بل من جنوب الكويت حالياً، ويؤدي ذلك إلى أن الموقع المفترض للجرهاء ينتقل بالتبعية جنوباً إلى ابعد من جبيل بمسافة تساوي طول لساحل الكويتي تقريباً.

أما عن (ثاج) كموقع مقترح لمدينة الجرهاء الداخلية فإن بوتس يستند إلى ما ورد عند سترابون من أن: "سكان الجرهاء يعيشون على أرض ملحية ولديهم منازل من الملح" وما ورد عن بليني الأكبر من أن "مدينة الجرهاء يبلغ محيطها خمسة أميال وأبراجها بنيت بقوالب مربعة من الملح"[15] . وقد ربط بوتس بين هذه القرائن عند سترابون وبليني وبين أسوار من الحجر الجيري الأبيض عثر عليها حول ثاج ذكرته بمنازل وأبراج الملح في الجرهاء القديمة. ويبدو تفسير العالم (جواد علي) حول بناء منازل الجرهاء من حجر الملح مقنعاً، إذ يقول تعليقاً على وصف سترابون وبليني: "يتبين من ذلك أنها بنيت في أرض سبخة وأن هذا السبخ هو الذي أوحى لمخيلة الكلاسكيين ابتداع قصة حجر الملح الذي بنيت به دور المدينة وسورها"[16] .

ولكن سترابون وبليني تحدثا عن منازل وأبراج من حجر الملح (الحجر الجيري) ولم يتحدثا عن أسوار، في حين تحدث بوتس في معرض الحديث عن الأدلة الأثرية في ثاج عن سور حول المدينة على شكل متوازي أضلاع غير منظم يبلغ محيطه 2535 متراً (الضلع الشمالي 725، والجنوبي 685، والشرقي 535، الغربي 590م) وفي كل جنب من الجوانب برج ألماسي الشكل. ويؤرخ هذا بالفترة السليوقية في حوالي القرن الثالث ق. م بسبب وجود شقف سوداء مصقولة ذات نمط إغريقي. وإذا صح تاريخ بوتس لهذا السور، فلربما شابه ما جاء عند سترابون وبليني من استخدام أهل الجرهاء لحجر الملح (ربما الحجر الجيري الأبيض). ولكن رغم ذلك يبقى السؤال: ألم تتبق ولو بضعة منازل من هذه المدينة القديمة؟ ثم إن المحيط الذي ذكره بوتس لأسوار ثاج (2535 متراً) يقل كثيراً عن محيط الجرهاء، كما ورد عند بليني (خمسة أميال).

وفي ضوء تلك الشكوك في نظرية بوتس، أتصور أن ما ذب إليه شبرنجر ومن بعده تكاك من أن مدينة الجرهاء القديمة كانت تقع في موضع (الجرعاء) وأن ميناءها على الخليج كان (العقير) هو الترجيح الصحيح. ومما يدعم هذا الافتراض بالنسبة للموقعين هو أننا إذا قسنا مسافة الألفين وأربعمائة ستاديون (384 كم) التي وردت عند سترابون من جنوب جزيرة إيكاروس (فيلكا) وليس من حدود تيريدون أو البصرة كما افترض بوتس، فربما نصل على ساحل الخليج العربي إلى منطقة العقير. أما فيها يتصل بالجرعاء وكونها هي مدينة الجرهاء القديمة التي وردت في المصادر الكلاسيكية، فيرجح ذلك أولاً تشابه الاسمين إلى درجة كبيرة ربما توحي بأن التسمية اليونانية اللاتينية ربما كانت نطقاً يونانياً لاتينياً للاسم العربي (حيث لا يوجد حرف العين في هذه اللغات) ومن ناحية ثانية فإن الجرهاء وردت عند بطليموس الجغرافي مع اسم منطقة أخرى[17]  التي هي عليه على الأرجح (تميم/ Thaemae). وفي المصادر العربية مثل الهمداني، اقترن اسم الجرعاء بتميم إذ يقول: "ثم هي على ترجح إلى البحرين فالأحساء منازل ودور لبني تميم ثم لسعد من بني تميم. وكان سوقها على كثيب يسمى الجرعاء تتبايع عليه العرب[18] . هذا إلى أن المنطقة المقابلة -في هذا الوصف الجغرافي- لمنطقة تميم والجرعاء من ناحية ساحل الخليج، هي البحرين، وبالتالي فالأقرب منطقياً أن تكون العقير هي الميناء والمخرج للجرهاء على ساحل الخليج العربي باعتبارها أقرب موانئ تلك المنطقة لجزيرة البحرين. ويؤيد ذلك أن الملك السيلوقي انطيوخوس الثالث بعد حملته على الجرهاء سنة 205ق. م، انطلق كما يحدثنا عنها بوليبيوس وكما سنتناولها فيما بعد- نحو البحرين (جزيرة تيلوس) ومنها إلى سيلوقية[19] . وكذلك جاء في نص بليني الأكبر أن جزيرة تيلوس كانت تبعد نحو خمسين ميلاً من ساحل الجرهاء على الخليج العربي. كل هذه القرائن القوية تؤكد بما لا يدع مجالاً لشك أن مدينة الجرهاء التجارية القديمة كانت هي الجرعاء التي ورد ذكرها عند الهمداني، والتي ظلت سوقاً تجارياً لقرون عديدة بعد هؤلاء الكتاب الكلاسيكين من إغريق ورومان، وإن تفاوتت مكانتها التجارية خلال تلك القرون. كما تكاد تقطع بأن منفذ هذه المنطقة على الخليج وميناءها كان العقير قبالة جزيرة البحرين (تيوس القديمة).

ويضاف إلى ذلك أن منطقة الجرهاء في الشمال الشرقي من شبه الجزيرة العربية لم تكن -فيما يبدو- قاصرة لى الجرهاء التجارية (أو الجرعاء كما نطلق عليها في العربية) ومينائها على الخليج الذي ربما كان (العقير) بل شملت قدراً لا بأس به من الأراضي المجاورة. والدليل على ذلك أن بوليبيوس حين تحدث عن حملة أنطيوخوس الثالث على أرض الجرهائيين ذكر أن "منطقة تدعى Xattmyia هي ثالث منطقة في أرض الجرهائيين. وتحدث عن قرى وأبراج فيها شيدت لصال الجرائيين الذين يقومون على زراعة هذه المنطقة رغم افتقارها إلى موارد أخرى"[20] . كذلك ذكر بليني في حديثه عن أرض الجرهائيين منطقة أتنه Attene التابعة لأرض الجرهاء والتي ربما كانت أقصى حدودها الداخلية على مسافة خمسين ميلاً إلى الداخل من الخليج[21] . أقصد من ذلك أن الجرهائيين يسيطرون على بقعة كبيرة في منطقة الأحساء الحالية في شمال شرق الجزيرة العربية[22] ، وهذه البقعة الكبيرة كانت عاصمتها وأهم مدنها -في تقديري- هي مدينة الجرهاء (الجرعاء) وكان أهم موانئها أو منافذها على الخليج هو موقع (العقير) الحالي.

أما عن الدور التجاري الهام الذي لعبته الجرهاء فيتجلى في المصادر الكلاسيكية منذ وقت مبكر في بداية العصر الهيللينيستي. وذكر أريستوبولس الذي كان معاصراً للإسكندر في أواخر القرن الرابع ق. م -كما ورد عند سترابون- أن "الجرهائيين ينقلون الكثير من بضائعهم بالقوارب إلى بابل، ومن هناك يصعدون بها الفرات إلى ثابساكوس حيث يحملونها براً إلى كافة الأرجاء"[23] . لكن أراتوسثنيس في القرن الثالث ق. م (284 - 202ق. ز) يذكر -كما أورده سترابون كذلك في نفس الفقرة السابقة- أن "الجرهائيين تجار يسلكون الطرق البرية في الأغلب أو يتاجرون في السلع العربية والطيوب"[24] . ثم نجد أجاثار خيديس في القرن الثاني ق. م (حوالي 200 إلى 131 ق. م) يذكر: "..البتراء وفلسطسن حيث يأتي الجرهائيون والمعينيون وكافة العرب يقطنون المنطقة ومعهم البخور من الأراضي المرتفعة وكذلك يقال: منتجات الطيوب"[25] . ونفس هذه العبارات نقلها ديودورالصقلي[26]  في القرن الأول ق. م عن أجاثار خيديس.

أما بليني في القرن الأول الميلادي فيقول في كتابه (التاريخ الطبيعي): "ومن أجل هذه التجارة -تجارة إبليماس (ربما عيلام) وكارمانيا في بلاد البارثين- فتحوا مدية كاراي (هناك شبه اتفاق بين العلماء على أن المقصود بـ كاراي: الجرهاء)[27]  التي كانت سوقاً لتلك المناطق. ومن هناك اعتاد الجميع من قبل أن يذهبوا إلى (جابا) في رحلة تستغرق عشرين يوماً ثم إلى فلسطين وسوريا، ثم في مرحلة لاحقة -حسب رواية جوبا ملك موريتانيا- بدأوا يسلكون طريقهم نحو خاراكس ومملكة البارثيين من أجل تجارة الطيوب. ولكن -من وجهة نظري- فإنهم اعتادوا على أن يحملوا تلك السلع إلى بلاد فارس قبل أن إلى سوريا أو مصر، وذلك وفق رواية هيردوت الذي يسجل أن العرب اعتادوا على أن يحملوا تلك السلع إلى بلاد فارس قبل أن يذهبوا إلى سوريا أو مصر، وذلك وفق رواية هيرودوت الذي يسجل أن العرب اعتادوا على تقديم هدية سنوية مقدارها ألف تالنت من البخور إلى ملوك الفرس"[28] .

ويرجع الفضل الأكبر في تحديد تلك المراحل الزمنية المتعاقبة لتجارة الجرهائيين كما وردت بالمصادر الكلاسكية إلى العالم بوتس الذي حاول تفسير هذه المراحل بأنها نقلات مختلفة لها مبررات وأسباب سياسية واقتصادية[29] . وقد جاءت محاولته مقنعة في بعض النقاط وأقل إقناعاً في البعض الآخر. فهو مثلاً يرى أن الجرهائيين كانوا يشحنون بضائعهم إلى بابل بحراً أيام الإسكندر في أواخر القرن الرابع ق. م. كما ورد في رواية أريستوبولس، وهي رواية يرى بوتس -ويتفق في ذلك مع سترابون- أنها تتناقض مع رواية أراتوسثنيس من القرن الثالث ق. م التي يصف فيها الجرهائيين بأنهم كانوا -في الأغلب- تجاراً يسلكون الطرق البرية.

هذه الرؤية من جانب بوتس تبدو غير دقيقة إذا أمعنا النظر في نص رواية كل من أريستوبولس وأراتوسثنيس. فمثلاً يذكر أريستوبولس -كما نقله سترابون- أن الجرهائيين كانوا ينقلون الكثير من سلعهم بالقوارب إلى بابل. ومن جهة أخرى فإنه حتى السلع التي كانت تنقل بحراً إلى بابل من الجرهاء لم تكن بابل بالنسبة لهم نهاية المطاف بل كانت محطة ترانزيت بالنسبة لهؤلاء الجرهائيين الذين كانوا يصعدون بسلعهم في الفرات حتى ثابساكوس (وهي في تفسير جواد علي الدير أو الميادين على الفرات)[30] . وبعد ذلك ينقلوها "بالبر إلى كافة الأرجاء" كما ورد في النص.

معنى هذا أن نصيب بابل من سلع الجرهائيين وتجارتهم كان محدوداً وأنها كانت مجرد محطة على الطريق وأن معظم السلع كانت تنقل بالنهر ثم البر إلى كافة الجهات غربي وشرقي الفرات في شمال بلاد الشام.

ومن خلال هذا التفسير لا يبدو أن هناك تناقضاً بين كلام أريستوبولس السالف الذكر وبين عبارة أرتوسثنييس التي يقول فيها أن الجرهائيين كانوا -في الأغلب- تجاراً يسلكون الطرق البرية. ومن قبيل المبالغة القول بوجود نقلة كبيرة في التجارة الجرهائية بين القرنين الرابع والثالث ق. م أو أنها تحولت خلال تلك المدة من تجارة بحرية مزعومة إلى تجارة برية. ربما ازدادت تجارة الجرهائيين مع المناطق التي كان يسيطر عليا البطالمة في جوف سوريا وفلسطين، كما يتضح من الأدلة والوثائق البردية، بل ربما وصت مبكراً في القرن الثالث إلى بعض مناطق بلاد اليونان[31] ، ولكن ليس معنى ذلك أن تجارة الجرهائيين مع بلاد الرافدين وسوريا قد توفقت تحت حكم السيلوقيين خلال القرن الثالث ق. م؛ إذ ليس ثمة هناك أدلة أو قرائن على ذلك[32] . والأكثر منطقية أن نفترض أن هذه التجارة مع المناطق التي يسيطر عليها السيلوقيون في القرن الثالث قد تأثرت بعض الشيء من جراء الزيادة المضطردة لتجارة الجرههائيين مع المناطق الواقعة تحت حكم البطالمة الأوائل الأقوياء. ومن المنطقي كذلك أن يستغل الجرهائيون هذه المنافسة بين الحكام البطالمة وأقرانهم السيلوقيين لجني أكثر مكاسب اقتصادية ممكنة لأنفسهم من الطرفين المتنافسين.

وخلاصة القول أن شهادة اراتوسثنيس من القرن الثالث لا تعني أن نقل سلع الجرهائيين إلى بابل بالقوارب -كمحطة من محطات التجارة الجرهائية- فقد توقف، وإن كانت التجارة ربما تأثرت بعض الشيء من جراء توسع التجارة الجرهائية نحو الغراب مع البطالمة.

يضاف إلى هذا، أن شهادة اراتوسثنيس لم توح بأن "الجرهاء بدأت في تصدير سلعها عن طريق البر"[33]  كما يستخلص بوتس من كلام أراتوسثنيس، لأن تجارة الجرهائيين بالبر ثابتة في نص اريستوبولوس بعد نقل السلع الجرهائية بالقوارب في الخليج والفرات كمراحل أولى تبدأ بعدها رحلة الجرهائيين مع التجارة بالبر في كافة الأرجاء

وفي سياق هذا الترتيب التاريخي لمراحل التجارة الجرهائية نأتي لفقرة هامة وردت عند المؤرخ بوليبيوس اختلفت حولها التفسيرات والاجتهادات، هذه الفقرة هي: "توسل الجرهائيون إلى الملك ألا يحرمهم من النعم التي منحتهم إياها الآلهة وهي السلام الدائم والحرية. ولما ترجمت مطالبهم للملك استجاب لهذه المطالب.. وحين اطمئن الجرهائيون إلى حريتهم أصدروا مرسوماً بتكريم الملك أنطونيوخوس فوراً بخمسمائة تالنت من الفضة وألف من البخور ومائتي تالنت مما يسمى بالـ (ستكاني/ زيت المر). وبعد ذلك أبحر -أنطونيوخوس- إلى جزيرة تيلوس ومنها غادر إلى سيليوقية[34] .

ومن المتفق عليه بين العلماء أن الملك أنطونيوخوس المذكور هنا في نص بوليبوس هو الملك السيلوقي أنطونيوخوس الثالث، وأن الحادثة المذكورة وقعت حوالي عام 205 ق.م، ولكن تبانيت آراء هؤلاء العلماء حول مغزى ذهاب الملك السليوقي للجرهاء وهل كان يقصد من هذه الرحلة الغزو أم كان ذهابه إلى هناك مجرد استعراض للقوة يقصد به تخويف وإرهاب الجرهائيين. فمن قائل بأن رحلة الملك أنطونيوخوس الثالث للجرهاء كانت محاولة منه لغزوها والاستيلاء عليها[35] ، ومن قائل بأن غرضه كان الحصول على الغنائم والأسلاب،[36]  ومن مرجح بأن غرضه كان فرض إتاوة عليهم،[37]  ومنهم من ذهب إلى أن ما فعله أنطونيوخوس كان بمثابة "استعراض للقوة على نطاق واسع ولكنه لم يصل لمرحلة الغزو، بل أصاب الجرهائيين بالهلع وجعلهم يزيدون من حجم السلع والبضائع التي يرسلونها إلى سيلوقية، على حساب الأنباط والبطالمة"[38] .

في تقديري أن مسيرة أنطونيوخوس نحو الجرهاء ربما كان القصد منه أن تكون استعراضاً للقوة فعلاً، ولكن ما الغرض من هذا الاستعراض للقوة إذا كانت سلع الجرائيين لم تنقطع -كما أسلفنا- عن الدولة السيلوقية، وكانت العلاقات بينهما طبيعية؟ الأرجح، من وجه نظري، أن تلك (الهدية) النقدية والعينية من بخور وطيوب التي قدمها الجرهائيون إلى الملك أنطونيوخوس الثالث لكي يبقي لهم على حريتهم وسلامهم كانت رمزاً لإظهار خشيتهم وبالتالي ولاءهم أو علاقتهم الخاصة مع الدولة السيلوقية تحت حكم ذكل الملك السيلوقي القوي أنطونيوخوس الثالث، أي كانت أقرب لمفهوم الأتاوة، وهو الأمر الذي ربما قصده انطونيوخوس من استعراض القوة.

ومما يدفعني إلى ذلك التفسير دفعاً هو أن أنطونيوخوس الثالث ربما فكر في أن يرغم العرب -وأقربهم إليه الجرهائيون- على أن يعودوا إلى سالف عهدهم حين كانوا يؤدون أتاوة سنوية -كانت تسمى تجاوزاً هدية- إلى ملوك الفرس، ومقدارها ألف تالنت من البخور سنوياً كما ذكر عند هيرودوت[39] . ويبدو أن الجرهائيين وبقية عرب الجزيرة كانوا قد اعتادوا دفع هذه الإتاوة لملوك الفرس قبل أن يطيح الإسكندر بآخر ملوكهم داريوس الثالث. ولما كان الإسكندر قد انشغل بإكمال فتوحاته في الشرق حتى الهند، فإنه بعد أن فرغ من هذه المهمة ربما فكر في غزو بلاد العرب. وكان من بين أهدافه الحصول على بعض خيراتهم من الطيوب والبخور والثروات، ولكن عاجلته المنية وحالت دون تحقيق ذلك[40] .

ولما انقسمت امبراطورية الإسكندر الكبيرة بين قواده الطموحين بعد صراعات مريرة بينهم، وتمخض عن ذلك الصراع قيام ممالك هلينيستية تولى الحكم فيها قادة الإسكندر السابقون، وأبرزها في الشرق مملكتا البطالمة في مصر وفلسطين وجوف -ربما جنوب سوريا-، والسيلوقيين في سوريا وبلاد الرافدين، فإن التجارة العربية في الطيوب والتوابل والبخور، سواء كانت من الجزيرة العربية أو من الهند، مع هذه الممالك، ربما كان يحكمها نظام واعتبارات السوق والمنافسة التجارية أكثر من الاعتبارات السياسية. وقد تعامل تجار الجرهاء مع مملكتي السليوقيين والبطالمة المتنافسين خلال القرن الثالث ق. م، وكانوا يدفعون المكوس والضرائب التي تفرضها الإدارة المالية في المملكتين على تجارتهم الواردة إلى حدود السيلوقيين أو البطالمة.

لكن يبدو أن أنطونيوخوس الثالث، خصوصاً بعد تعاظم دوره التوسعي، وقمع بعض حركات التمرد الخطيرة من بعض ولاته في المناطق الشرقية م الدولة السيلوقية، واستيلائه على أرمينيا، واستعدائه لباريثيا وباكتريا كممالك موالية له، وعبوره مناطق الهندوكوش حتى نهر ابندوس حيث لقب نفسه بأنطونيوخوس الأكبر تشبهاً بالإسكندر، وذلك في الفترة من 212 إلى 206 ق. م، يبدو أنه بعد كل هذا لم يقتنع بأن تكون اعتبارات وعناصر السوق هي وحدها التي تحكم علاقته بالجرهائيين، فأراد إخضاعهم أو إجبارهم، من خلال استعراض قواته المنتصرة، على دفع إتاوة نقدية وعينية له على أقل تقدير. وهذه الإتاوة (الهدية) التي عرضها الجرهائيون على الملك بعد توسلهم إليه ألا يطيح بأمنهم وحريتهم، لاقت قبولاً في نفس الملك، لأنها حققت عدة أغراض في آن واحد، فهي رمز الولاء والخضوع للملك المظفر، ومن جهة كسب الملك فائدة مادية تنعش الخزانة الملكية المرهقة من الحروب، كما أنه بهذه المسلك جعل الجرهائيين يستمرون في التجارة مع مملكته وتزويدها بما تحتاج إليه من سلع الجزيرة والهند، مما يدل على بعد نظر من جانب الملك، وربما كانت تجارة الجرهائيين قد ازدادت بعض الشيء مع مملكة السلوقيين بعد تلك الواقعة[41] ، ولكن مرد ذلك يعود إلى المعاملة الخاصة التي ربما أصبح الجرهائيون ينعمون بها من قبل الدولة السلوقية بعد أن عبروا عن خضوعهم وولائهم للملك السلوقي بتلك الإتاوة (الهدية) التي ربما صارت أمراً منتظماً بعد ذلك.

وبعد ذلك في خلال القرن الثاني ق. م، كما يتضح من شهادة إجاثيا خيديس، كان جميع العرب، وخصوصاً الجرهائيون والمعينيون، يذهبون بتجارتهم من طيوب شبه الجزيرة العربية وبخورها إلى البتراء وفلسطين كأحد الأسواق الهامة لهؤلاء التجار العرب، وكان هذا الوضع استمراراً لوضع كان موجوداً في القرن الثالث حين كانت سلع الجرهائيين والمعينين تصل إلى تلك المناطق كما رأينا من قبل. ولكن الجديد في الأمر هو أن السيادة السياسية والكلمة العليا في هذه المناطق كانت لبطالمة طيلة القرن الثالث ق. م تقريباً، ثم انتقلت السلوقيين خلال القرن الثاني ق. م وذلك بعد انتصار الملك السلوقي أنطونيوخوس الثالث عام 200 ق. م في موقعة (بانيون) في فلسطين على القوات البطلمية التابعة للملك بطليموس الخامس وطردها من جوف سوريا وفلسطين. وهذه السيطرة السلوقية على مناطق تحت حكم أنطونيوخوس الثالث (23 - 187 ق. م) كانت أمراً مقبولاً وطيباً للجرهائيين، خصوصاً بعد أن عبروا عن ولائهم للملك أنطونيوخوس الثالث بتلك الهدية من النقود والبخور والطيوب عام 205ق.م حين هدد منطقتهم. وهكذا بعد أن كانت تجارة الجرهائيين في آسيا في القرن الثالث موزعة بين مناطق نفوذ السلوقيين والبطالمة في القرن الثاني، أصبحت تتم في أملاك السلوقيين ومناطق نفوذهم.

وقد ورد ذكر تجارة الجرهائيين مع سوريا وفلسطين كذلك في كتاب (التاريخ الطبعي) لبليني الأكبر حين ذكر: "ومن هنا -كارا/ الجرهاء- اعتاد الحميع قبل ذلك المضي نحو جابا في رحلة تستغرق عشرين يوماً ونحو سوريا وفلسطين".

ربما يقصدر بليني من هذه الجملة الإشارة إلى وضع التجارة الجرهائية البرية مع تلك المناطق الغربية والشمالي الغربية خلال الفترة السابقة على عصره خلال الفترة بين القرن الثاني والقرن الأول ق. م لكن لا بد من وقفة أمام (جابا) هذه التي كان الجرهائيون يقطعون الطريق إليها في مسافة عشرين يوماً كما ورد في نص بليني. أين تقع (جابا) هذه؟ ربما كان المفتاح نحو إجابة هذا السؤال هو فقرة وردت عند سترابون يذكر فيها: "تنتج قتبان البخور بينما تنتج حضرموت المر وهما يقومان بمقايضة هاتين السلعتين وغيرها من الطيوب الأخرى مع التجار. ويصل هؤلاء التجار من إيلانا إلى معين في سبعين يوماً". تقع مدينة إيلانا/ العقبة، كما يقول، على التجويف الآخر للخليج العببي، ويقصد به هنا: البحر الأحمر الحالي"وهو التجويف المسمى الإيلانيتي بالقرب من غزة" والمقصود به خليج العقبة الحالي، أما الجابايون[42]  (أهل جابا كما هو واضح من الاشتقاق) فإنهم يصلون إلى حضرموت في أربعين يوماً.

ومن الجدير بالتنويه هنا -وأتفق في ذلك مع رأي العالم بيستون-[43]  أن كل مخطوطات هذا النص تحدثت عن (الجرهائيين) بدل من الجابايين، بتحريف في الحروف، وذلك استناداً إلى ملحوظة هامشية وردت في مخطوط واحد من المخطوطات العديدة التي ورد فيها النص. وهذا التعديل في الاسم كما يرى بيستون من المؤكد أنه يفتقر إلى أي مبرر، ولكنني أختلف مع بيستون تماماً في تحديد موقع هؤلاء الجابايين الذين ورد ذكرهم في كل مخطوطات النص, فهو يرى أن الجابايين المقصودين هنا ربما كانوا هم القتبانيين Gebbanites الذين ورد ذكرهم في أثر من موضع عند بليني الأكبر في كتاب (التاريخ الطبيعي)، والذي أفرد لهم بيستون مقالة عام 1971 خلاصتها تقول أنهم كانوا شعباً ينتج المر وربما كان موطنهم منطقة نصاب الحالية (اليمن إلى الجنوب الغربي من شبوه في الطريق المؤدي من شبوه إلى عدن)، ولكنهم كانوا في الوقت ذاته يفرضون احتكاراً عبر كل المنطقة الجنوبية الغربية من الجزيرة العربية في تجارة البخور والمر والقرفة، وكانوا يديرون شبكة تجارية واسعة ذات منشآت في عدد من المدن خارج موطنهم.

وتأسيساً على فرضية أن الجابايين الذين وردوا في نص سترابون هم أنفسهم القتبانيين عند بليني، قدم بيستون تفسيراً لعبارة سترابون ذات القراءة الأصلية في المخطوطات، وافترض تفسيراً مفتعلاً لعبارة سترابون عن تجارة أهل إيلانا مع قتبان ومعين وتجار الجابايين مع حضرموت، والمدة التي يستغرقها مل منهما في الوصول إلى هدفه في معين وحضرموت.

ولقد خرج بيستون عن نص سترابون واعتبر الرحلتين اللتين ذكرهما سترابون في واقع الأرم محطتين لرحلة واحدة، وهذه الرحلة يقطع تجار إيلانا المرحلة الأولى منها في 70 يوماً إلى أقصى مناطق انتشار المعينيين شمالاً في تلك الفترة في القرن الأول ق. م، وهي قرب منطقة أبها -خميس مشيط شمال نجران- بعد أن كان للمعينيين من قبل في الفترة من القرن الرابع حتى القرن الثاني ق. م، مركزاً تجارياً في ديدان (العلا) تقلصت منطقة نفوذهم كثيراً خلال القرن الأول ق. م، وهناك كان الجابيون يقطعون الرحلة إليهم في أبها وخميس مشيط من موطنهم في نصاب قرب شبوه في حوالي أربعين يوماً ليسلموهم سلع جنوب الجزيرة العربية من البخور والمر وغيرهما، وبذلك تكون الرحلة التي قطعتها تجارة البخور من موطنه في جنوب الجزيرة وحضرموت حتى (إيلانا) أي العقبة في 110 يوماً على مرحلتين[44] .

هكذا كان تفسير بيستون للجابايين وموقعهم ودورهم، وبالتالي لعبارة سترابون حول تجارتهم مع حضرموت، وهذا التفسير يبتعد في نظري كثيراً عما قصده كل من سترابون ومن بعده بليني. فمن ناحية سترابون يبدو واضحاً في نصه أنه يتحدث عن طريقين تجاريين، كل منهما له خط بداية وخط نهاية وليس عن مرحلتين لطريق واحد. فتجار إيلانا كان هدفهم هو معين ويقطعون المرحلة من إيلانا إلى معين في سبعين يوماً. والتجار الجابيون كان هدفهم وخط النهاية لرحلتهم ذه هي قتبان ويقطعون رحلة سفرهم من موطنهم إلى قتبان في أربعين يوما. ويمكن القول بأن (الجابايين) كانوا يقطنون موطناً يدعى (جابا) كما يرجح ذلك الاشتقاق اللفظي لا سيما وأن (جابا) قد وردت في نص بليني حين قصد بأن التجار اعتادوا على أن يمضوا من كارا/ الجرهاء نحو جابا في رحلة تستغرق عشرين يوماً، ثم يمضون نحو سوريا وفلسطين.

ويتضح إذن من نص بليني أن جابا التي كانت على الأرجح هي موطن الجابايين كانت تقع في الطريق التجاري المؤدي من الجرهاء على الخليج العربي في الطريق إلى سوريا وفلسطين. وربما كانت محطة هامة على هذا الطريق، حتى أن بليني خصها بالذكر دون غيرها من محطات ذلك الطريق. ومعنى ذلك أن جابا كانت تقع من حيث المبدأ في نقطة ما شمال شبه الجزيرة العربية ولم تكن تقع على الإطلاق في جنوب الجزيرة العربية كما افترض بيستون، الذي جانبه الصواب حين افترض أن الجابايين الذين أوردهم سترابون في نصه هم أنفسهم الجيبانيتين Gebbanites الذين أوردهم بليني في مواضع عديدة.

وإذا ألقينا نظرة على خريطة شب الجزيرة العربية وطرق التجارة المعتقد استخدامها قديماً قبل الإسلام -كما ورد في كتاب العالم عبد الرحمن الأنصاري عن حفائر قرية الفاو-[45]  نجد محطة على طريق التجارة من الجرهاء إلى وسط شبه الجزيرة العربية المتجه شمالاً إلى سوريا وفلسطين، هذه المحطة تسمى (جبة) إلى الجنوب من دومة الجندل. وعلى خريطة المملكة العربية السعودية[46]  نجد (جبة) هذه بالقرب من حائل -شمال غرب حائل- قرب منطقة شمر، وبالقرب منها إلى الجنوب -أي جنوب غرب حائل- نجد على الخريطة منطقة شمر، وبالقرب منها إلى الجنوب -أي جنوب غرب حائل- نجد على الخريطة منطقة باسم (شمر جابا) والأرجح أن هذه المسميات الحديثة هي استمرار للمسمى القديم لذلك المركز التجاري الذي ورد عند بليني وورد ذكر تجارة عند سترابون بوصفهم تجاراً يجلبون طيوب الجزيرة -لا سيما المر- من قتبان.

إن صح ما ذهبت إليه من أن الجابايين وليس الجرهائيون هم المقصودون في نص سترابون بالتجارة مع قتبان، ومن أن الجابايين المذكورين يختلفون عن الجيبانيتيين من سكان جنوب غرب الجزيرة الذين أوردهم بليني، ومن أن الجابايين هم من سكان شمال شبه الجزيرة قرب حائل وإلى الجنوب من دومة الجندل، إن صح هذا كله فإنه سوف يؤدي إلى استنتاجات مغيرة لما جرى العرف العلمي عليه، ولعل أبرز هذه الاستنتاجات أن الجرهاء لم يكن لها تجارة مع مناطق جنوب غرب الجزيرة، على الأقل في ضوء ما لدينا من نصوص حالية، أو أن هذه التجارة بين الإقليمين، إن وجدت، فإنها إما كانت غير مباشرة أي عن طريق وسيط ثالث، أو أنها كانت محدودة وذات طابع غير منتظم. ومهما يكن الأمر فإنني أجد نفسي أكثر ميلاً للقبول بالترجيح الأول وهو أن طرفاً ثالثاً ربما كان يزود الجرهائيين بطيوب جنوب وجنوب غرب الجزيرة. وهذا الطرف ربما كان على الأرجح هم (الجابايون) الذين كان موطنهم (جابا) وهي محطة على طريق قوافل الجرهائيين من الجرهاء إلى سوريا وفلسطين، والذين كانوا يجلبون سلع جنوب الجزيرة العربية -لا سيما قتبان- حسبما فهمت من نص سترابون.

وهكذا، فإنني أتفق مع بيستون في القول بأنه لا يمكن أن نصدق بأن البخور المنتج في جنوب الجزيرة العربية كان يصل إلى فلسطين عن طريق الجرهاء أي من خلال طريق ملتو يعبر شبه الجزيرة مرتين. وإن "الطيوب" التي كان يجلبها الجرهائيون إلى فلسطين لا بد أنها كانت منتجات هندية في المقام الأول، كخشب الصندل مثلاً، وكانت تصل إلى ساحل الخليج بحراً[47] . ويبدو أن الجرهائيين لم يكونوا يتاجرون فقط في السلع الهندية بل كانوا يجلبون كذلك السلع الفارسية المميزة من الطيوب والبخور منذ عصور قديمة من أيام حكم الفرس، كما نستشف ذلك من حديث هيرودوت عن هدايا العرب السنوية لملوك الفرس، التي ربما كان أحد أغراضها تسهيل تجارتهم مع تلك المناطق، مروراً بعهد السيادة السليوقية، وأخيراً حين آلت هذه المناطق إلى الباراثيين[48]  ورثة الفرس. وعن تلك المرحلة الأخيرة، أي عصر سيادة الباراثيين على إيران، يتحدث بليني حديثاً بالغ الدلالة عن هذه التجارة. وهذا هو نص حديث بليني:

"وهناك إقبال مذهل في الجزيرة العربية على العطور -النباتات العطرية- الأجنبية المستوردة من الخارج، وهكذا شأن البشر إذ يملون ما لديهم ويشتهون ما لدى الآخرين. لذلك فهم يرسلون إلى أهل عيلام في طلب خشب البراتوس، وهي شجرة أشبه بشجرة السرو الوارقة وهي ذات أغصان ناصعة البياض وتعطي عند إحراقها رائحة طيبة مقبولة. وقد امتدح كلوديوس قيصر هذه الشجرة في تواريخه باعتبارها تتمتع بخاصية رائعة إذ يقرر أن الباراثيين ينثرون أوراقها في مشروباتهم وأن لها رائحة أشبه ما تكون بشجر الأرز وأن دخانها شفاء ضد تأثيرات الأخشاب الأخرى. وتنمو تلك الشجرة وراء نهر كارون في حدود مدينة سوستراتا على جبل سكانخروس. كما يستوردون -أي العرب- من الكرمانيين شجرة الـ Stobrus بغرض التبخير حيث تنقع في نبيذ البلح ثم يشعل فيه أجل هذه السلع افتتح العرب مدينة كاراي -الجرهاء- كسوق لهذه المناطق"[49] .

ويبدو إذن أن الجرهاء قد (تخصصت) في تجارة السلع الهندية والإيرانية، لاسيما الطيوب والبخور، إذ كانوا يجلبون هذه السلع من مواطنها  الأصلية في تلك البلاد الشرقية ثم يتجهون بها شمالاً وغرباً لبيعها في أسواق سوريا وفلسطين. أما طيوب جنوب الجزيرة فكان المعينيون هم الذين ينقلونها إلى تلك الأسواق الشمالية وكانوا يسيرون في قوافلهم بمحاذاة الساحل للبحر الأحمر حتى يصلوا إلى مملكة الأنباط إلى سوريا وفلسطين.

وكان الجابايون يحصلون من قتبان على بعض طيوب جنوب الجزيرة. ولما كان الجرهائيون يمرون بمنطقتهم وهم في طريقهم إلى سوريا وفلسطين فربما كانوا يتبادلون معاً بعضاً من الطيوب الهندية والإيرانية ببعض الطيوب العربية. كذلك يبدو أن هذه الطيوب العربية التي كان الجرهائيون يحصلون عليها بالمقايضة من أهل (جابا) كانوا يبيعونها بدورهم في أسواق لهم شمال الخليج العربي قرب منطقة البصرة الحالية حيث كانت السلع الهندية والإيرانية تأتي من الشرق في حين تأتي طيوب العرب من الغرب على يد الجرهائيين. ويقول أريان في مؤلفه عن حملة الإسكندر: "عند مصب الفرات قرب قرية تابعة لأرض بابل تسمى (ديريدوتيس) وهنا يجمع التجار البخور من أرض الجرهاء وبقية البخور العطرية التي تنتجها أرض العرب"[50] .

وهكذا فإن التصور العام للتجارة الجرهائية هو أن التجار الجرهائيين كانوا على درجة عالية من المهارة في معرفة قوانين واحتياجات السوق، لا سيما قانون العرض والطلب، فحيثما يقل وجود سلعة في منطقة ما ويزداد الإقبال عليها بأثمان مرتفعة يتاجر فيا الجرهائيون: فكانوا يحملون الطيوب والبخور الهندية والإيرانية إلى سوريا وفلسطين حيث كان تجار جنوب الجزيرة من المعينيين والسئبيين يأتون بطيوبهم المنتجة في مناطقهم، ويحملون طيوب الجزيرة عن طريق الجابايين. وربما كانوا هم أنفسهم ينتجون بعض الطيوب العربية كما يتضح من عبارة أريان أعلاه، ويحملونها إلى جنوب بلاد الرافدين وشمال الخليج حيث يفترض توافر الطيوب والبخور والتوابل الهندية والإيرانية.

ومن خلال هذه الحركة التجارية النشطة وبصفتهم "وكلاء عن كل شيء يقع تحت اسم النقل من آسيا إلى أوربا" كون السبئيون والجرهائيون ثروات ضخمة، وتسببوا في إثراء الأمم الأخرى التي كانوا يتاجرون معها مثل البطالمة والفينيقين. ويذكر أجاثار خيديس، أنه "لا يبدو أن ثمة شعباً أغنى من السبئيين والجرهائيين. لقد كانوا وكلاء عن كل شيء يقع تحت اسم النقل بين آسيا وأوربا. وهم الذين جعلوا سوريا البطلمية غنية بالذهب، وأتاحوا للتجار الفينيقيين تجارة رابحة وآلافاً من أشياء أخرى"[51] .

وفي فقرة أخرى ينقل سترابون عن أرتيميدورس -من القرن الأول ق. م- ما يدل على مدى ثراء الجرهائيين إذ يذكر: "وعن طريق تجارتهم فإن هؤلاء السبئيين وكذلك الجرهائيين هم أغنى من جميع العرب، ولديهم أثاث وأدوات كثيرة من الذهب والفضة مثل الأرائك والحوامل الثلاثية القوائم والأوعية وأواني الشرب والمنازل الفخمة ذات الأثمان المرتفعة: فالأبواب والحوائط والأسقف مزينة بالعاج والذهب والفضة ومطعمة بالأحجار الكريمة"[52] .

[1]  J. Tkac, Gerah; Realencyclpedia vii, 1912, 1270 - 72.

[2]  D. T. Potts, The Arabian Gulf in Antiquity, vol. I I Oxford at Clarendon Press 1990, P P 86 - 88.

[3]  B. D`Anvile ‘Recherches geographques sur le golfe perique, et du du Tigre” Memoires… de I`Acade` `mie royale des insciptions et belles - letes, 30 (1764), p. 193;K. Mannert, Geographie der Griechen und Romer aus ihern schriften geschildert, Nuremberg. 1788 - 1802, vi/ I. 117; W. Vincent, The cvoyage Of Nearchus, London, 1809; A. H. L. heeren, ideen uber die Politik, den verkhr der alten welt Gottingen, 1824, vol. 1/ 2.232, (Hofof or Qatif); A. W. stiffe, “Ancient rading Centres of The Persian gulf, I I I: pre - Mohamedan settlements” Geographical Journal 9 1897, P. 311.

[4]  H. St, J. B. Philiby, “Across Arabia: From the Persian Gulf to the Red Sea”, The Geographical Journal 65, 1920. P 447 R.E. Chessman “The Deserts of Jafura and Jabrin” “GeogrqaphicalJornal 65, 1925, pp 116 - 16; A. Berthelot, “L` arabie antique d`apres Ptolemee”in melanges offerts A, A. M. Desrusseaux Par ses amis et ses eleves, paris, 1937, P, 4; P. B. Cornwall, “Ancinent Arabia: Explorations in Hasa, 1940 - 41”. Geographical Journal 107 (1946),P. 33. F. Altheim, Weltgeschicchte Asiens im griechen Zeitalter, Halle, 1984, P. 43.

[5]  C. Forester, The Historical Geography of Arabia, London, 1844, P. 197; E. Durand, “Extracrs from Report; 1880, P. 8; E. Glaser, Skizze der Gescchichte und Geographie Arabien, Berlin, 1890,P P 75, 226.

[6]  N. St. J. Groom, “Gerrha: A “Lost” Arabian City”, Atlal 6, 1984 P P. 97 - 107; id., “Eastern Arabia in Ptolemy `s Map”. PSAS: Preceedings of the seminar for Arabian 16, 1986, 68 studies.

[7]  P.V Glob, Al - Bahrain` (copenhagen, 1968), P. 142; O. Morkholm, “En hellenstik montskat” P. 200 - 1: A. F. L. Beeston “some observations of Greek;and latin Data Relating to south Arabia” BSOAS, 62, 1979, P. 7.

[8]  Strabo 16.3. 3.

[9]  Pliny N H 6. 32. 147 - 48;

Sinus Gerracius, oppidum Gerra v. p. amplitudine; tures habet ex salis quadratis molibus a litore.

[10]  A. Sprenger, Die alte Geographie Arabiens, Berne, 1875, P. 135.

[11]  J. Tkac, Loc, cit (1272).

[12]  D. T. Potts, The Arabian Gulf in Antiquity, vol. I, oxford, the Clarendon press, 1990, P. 87, notes 270 - 71.

[13]  Ibid, PP. 88 - 90; and “Thaj and the loction of gerrah” proceeding of the semonar for Arabian Studies 14, 1984, pp. 87 - 91.

هذه الاقتراحات والترجيحات المختلفة لموقع الجرهاء القديم أوردها يونس في كتابه عن الخليج في الجزء الثاني في حديثه عن الجرهاء في الصفحات 86 - 88 كما أسلفت في الملحوطة رقم 2 أعلاه.

[14]  Starbo, 16. 3.2.

[15]  Starbo, 16. 3. 3

[16] . جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء الثاني، دار العلم للملايين بيروت ومكتبة النهضة ببغداد (16)، الطبعة الثانية فبراير 1980 ص 17.

[17]  Ptolemy, Geography, 6. 7. 16 - 17

[18] . الهمداني، صفة جزيرة العرب ص 173، تحقيق محمد بن علي الأكوع دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 1989.

[19]  Plybius, 13. 9. 5

[20] . N. St. Groom, Art. Cit,. P. 97

[21] . انظر الهامش 9 أعلاه.

[22]  يتضح ذلك أيضاً في خرائط للجزيرة العربية وردت في أطلس

World History Atlas, Hammond Incorporated Maplewood, New Jersy, 1993, PP. H - 8 mpire of Alexander the Great (and H - 7) Asia (The Persian Empire and the E 250 - 200 B. C)

[23]  Strabo, Geograohy, 16. 3. 3.

[24] . ibid.

[25]  C. Muller, Geogeahi Graeci Minores, 87

[26]  Diodorus Siculus 3. 42.5: see also strabo 16. 4. 18

[27]  See for Example: N. St. J. groom, “Gerrha……” Atlal 6, 1982, P. 99; potts, op. Cit, vol. 2, p.90.

[28]  Pliny, N H 12. 40. 80.

[29]  Potts, Op. Cit, vol. I I, pp. 90 - 97

[30]  جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج2، (الطبعة الثالثة 1980) ص 15.

[31]  P. Cairo Zenon 59536, 261 B.c; 59009 (between 260 - 258 B. c); Gow and Scholfeld, Nicander, pp. 101, I I: 105 - 106.

[32]  C F. W. W. Tarm; Hellenistic civilizaton, meridian Books, New York, 3ed print, 1964, P. 240.

[33]  Potts, Op. Cit, p. 91.

[34]  Polybius, 31 9. 4 - 5.

[35]  W. W. Tarm, “ptolemy I I and Arabia” J E A 15 (1929), P. 22

وهنا يناقض تارن نفسه إلى حد ما ما حيث يذكر أن الجرهاء التي كانت قوة تجارية عظيمة على الخليج الفارسي "كانت تزود السيلوقيين بالبخور، وأنه يبدو أن السيلوقيين احتفظوا بعلاقات طيبة مع الجرهائيين، وحتى عندما شرع انطونيوخوس الثالث في غزو الجرهاء استجاب لرجاء أهلها بأن يبقي على حريتهم" وهذا الكلام من جانب تارن -إضافة إلى تناقضه- يفقد هذه الحملة مبرر القيام بها إذ ما دامت العلاقات طبية والتجارة قائمة فما سبب قيامه بهذه الحملة.

[36]  A. Bouche`- Lechercq, Histoire des Seleucides (323 - 64 av. J. c) paris, 1913 p. 166; Antiochos pensa qi`il etait bon de faire sentir sa puissance aux habitants de gerrah. Un peu depiraterie ne Lui deplaistat pas. “; E. B. ikerman, Les Institions des Seleucids, paris, 1938, p. 120:” Le roidisposait de multiples recettes extraordinaires pour se procurer de I`argent en cas de besion. Nous trovons mentiones dans cette categorie:a) Le butin de guerre… Les Gerrheens sur le golfe persique durent donner a`Antiq uos I I I 500 talents d`argent, milletalwnts d` encens et 200 talents de parfum”.

[37]  H. H. Schimt, Untersuchungeng zur Geschichte Antichos des Grossen und seiner Zeit (Historia Einzelschriften, 6, Wiesbaden, 1964), s. 34 n. 3: “Aus dem Berisht des polyb. (5) uber die Zahlung eines “Kranzelgeldes” an Antichos lasst sich nicht ablesen, ob ws sich um eine einmalige zahlung handeldte oder die Gerrhaer einen standigen Tribut zahlen mussten, d. h die oberhohiet des Antichos anerkannten”.

[38] . M. Rostovtzeff, The social and Economic History of the Hellenistic World, vol. 1, p. 458; potts, op. Cit. Pp. 94 - 95.

[39]  Herodotus I I I 97.

في الفقرات السابقة على هذه الفقرة مباشرة (I I I 89 - 96) يذكر هيرودوت الولايات العشرين التي كانت تضمها الإمبراطورية الفارسية تحت حكم داريوس الأول والضرائب الإلزامية التي تدفعها كل ولاية للملك الفارسي، ولكنه يذكر في هذه الفقرة المناطق التي لم تكن خاضعة لحكم الفرس مباشرة بل كانت موالية لملوك فارس وترسل لهم هدايا (لفظ مهذب بدلاً من كلمة أتاوات) للتعبير عن موالاتهم للملك الفارسي وعلاقاتهم الخاصة به "أما عن أولئك الذين لم تفرض عليهم ضريبة وإنما كانوا يقدمون الهدايا..)

ويذكر من بينهم -في نهاية القائمة- العرب الذين كانوا يقدمون ألف تالنت من البخور سنويا".

انظر كذلك بليني 80 - 40 - 12 الذي يستشهد بما أورده هيرودوت هنا حين يقول بأنه يرى أن "العرب" وخصوصاً الجرهائيين في هذه الفترة لبليني كانوا يحملون سلعهم إلى الفرس قبل أن يأخذوها إلى سوريا ومصر، وهذا ثابت بشهادة هيرودوت الذي يروي بأن العرب قد اعتادوا على أن يؤدوا للملوك الفرس ألف تالنت من البخور سنويا"

mihli ad persas eitam prius ista porstasse quam in syrian aut aegytum videntur Herodoto teste, qui tradit sigula milia talentum annua turis pensistasse Arabas regibus persarum.

[40]  Potts, O P. Cit, PP. 4 - 10.

انظر كذلك plINY, n h 12. 32. 62 حيث يذكر:

نظراً لأن الإسكندر الأكبر كان ينثر البخور ببذخ على مذابح الآلهة فإن أستاذه ليونيداس قال له ذات مرة بأنه ينبغي عليه أن يقدم القرابين بهذه الطريقة بعد أن يغزو الشعوب التي تنتج البخور. وبعد أن فتح الإسكندر بلاد العرب أرسل له سفينة محملة بالبخور وأوصاه أن يقدم منها القرابين السخية للآلهة:

وكذلك aRRIAN, aNABASIS 7 20. 2 حين يقول:

"إن رفاهية تلك البلاد (بلاد العرب) كانت حافزاً له (للإسكندر لفتح هذه البلاد) إذ يسمع بأن القرفة تنمو في واحاتها وأن المر والبخور تأتي من أشجارها وتجمع القرفة من أغصانها، كما تنمو في مروجها طيوب اللناردين العطرية".

[41]  Potts, op cit p. 95.

[42]  Strabo, 16. 4. 4.

[43]  A. F. Beston, “some observations on greek and Latin Data Relating to south Arabia”, Bulletin of the school of oriental and african stuirs 42, 1979, pp. 7 - 12, p. 8 see also N. St. Groom, Art Cit (Gerrah), p. 99.

[44]  Beeston, Art. Cit, pp. 8 - 9. See also A. F. Beeston, “pliny`s Gebbanites” proceeding of the 5th seminar for Arabian Studies, 1971, London, 1972, pp. 4 - 8

[45]  عبد الرحمن الأنصاري: قرية الفاو: صورة من حضارة شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، الرياض 1980 الخريطة الافتتاحية.

[46]  شارل جورج بدران: أطلس العالم بيروت 1978 خريطة رقم 5 ص 66 - 67.

[47]  Beeston, (Some Observations), P. 7.

[48]  استولى البارثيون على بابل وسيلوقية بين عامي 140 و 130 قزم انظر: جورج فاضل حوراني: العرب والملاحة في المحيط الهندي (الترجمة العربية للدكتور السيد يعقوب بكر، مكتبة الأنجلو بالقاهرة 1958 ص 45.

[49]  Pliny, N H 12. 38 - 4-. 77 - 80.

[50]  Arrian, Indica 41. 6. 7.

[51]  انظر جورج فاضل حوراني: المرجع السابق ص 59 - 60.

[52]  Strabo 16. 4. 19.
أستاذ بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية.
315758