الأحساء بين واقعية الحدث ونمطية التوصيف
قراءة تحليلية نقدية لوصف الأحساء عند ناصر خسرو 1/2
حسين الملاك * - 24 / 3 / 2011م - 7:03 م - العدد (60)

مدخل

عرف إقليم البحرين بعمقه الحضاري، وبازدهاره الحضري، حيث كان مركزا تجاريًّا وإقليماً زراعياًّ وصناعيًّا.

وما أن ظهر الإسلام، وسمع أهل الإقليم به حتى أرسلوا رسولهم يسألون عنه، ثم توافدت الوفود على الرسول الأكرم ليعلنوا إسلامهم وينشروا الإسلام عبر الفتوحات الإسلامية.

إلا أن الإقليم ابتدأ في الأفول بعد الفتح الإسلامي بسبب تحول التجارة من الجنوب إلى الشمال، خصوصا بعد تحول الفتوح الإسلامية إلى البصرة وإنشاء مدينة الكوفة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

كما أن ضرائب الجزية والشروط المفروضة على الزراعة ساهمت في تدهورها.

وتحول الإقليم في العصر الأموي والعباسي إلى بؤرة من بور المعارضة والتمرد، ومنطقة من مناطق النفي.

وقد أدى الاختلاف في الفهم الديني إلى خلاف على أرض الواقع، خصوصا إذا عبَّر هذا الفهم عن موقفه السياسي من السلطة أو الجماهير، وهذا ما نلمسه في إقليم البحرين منذ ما عرف بحروب الردة، مرورا بالخوارج، ثم صاحب الزنج، وأخيرا وليس آخرا حركة القرامطة.

كما أن الفتوحات الإسلامية المبكرة ساهمت في دخول الكثير من الشعوب إلى حظيرة الدولة الإسلامية حاملين معهم الشيء الكثير من إرثهم الحضاري، والكثير الكثير من معتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم. وقد ساهم هذا التغيير الديموغرافي في تغيير المنظومة الفكرية للدولة الإسلامية سلبًا وإيجابًا.

وفي العصر العباسي الثاني انتقل الكثير من هذه القوميات إلى مركز الخلافة محاولة توطيد علاقتها بالحاكم. وقد تمكنت بعض الفئات من ذلك، وقامت بتغيير بعض مجريات الأمور، وعزلت بعض الفئات، وأصبحت المسافة بين الحاكم والناس شاسعة، سمحت بقيام حركات عقائدية عسكرية تعبر عن رأي العامة، ويرفع معظمها شعارا روحيًّا بديلاً للسلطة الروحية المطعون فيها لدى الخليفة العباسي، بالإضافة إلى شعار سياسي يميزها عن بقية الفرق. وكانت تلك الحركات في صدام مباشر مع الخليفة من خلال أجهزته العازلة من تُرك وموال وجنود ومرتزقة.

 أصبح إقليم البحرين في العهد العباسي إقليماً مهمَّشاً من قبل السلطة، فاضطرب الأمن، وتدهورت الحياة فيه، وخرج في هذه الفترة الفكر القرمطي، وسرعان ما انتشر نتيجة لعوامل سياسية ودينية واقتصادية واجتماعية وفكرية.

نبذة عن قرامطة الأحساء

اختلف المؤرخون في بداية القرامطة، فرجَّح أغلبهم ابتداءهم في الكوفة وإن اختلفوا في السنة، حيث يرى الطبري[1]  أنها سنة 278هـ، بينما ابن خلدون[2]  يؤرخها سنة 258هـ، وابن العديم سنة 264هـ في أواخر عهد الخليفة العباسي المعتمد على الله، أبو العباس أحمد بن جعفر المتوكل بن المعتصم، وإن كان بعض الباحثين يشكك بذلك، ويرجح أن تكون في المناطق النائية عن الخلافة، خصوصا اليمن ذات الطبيعة الجبلية والقبلية الملائمة للعمل ضد السلطة المركزية[3] .

ويؤرخ ثابت بن سنان الصابئ لبداية القرامطة في البحرين في سنة 281هـ حينما قصد يحيى بن المهدي القطيف ونزل عند رجل يعرف بعلي بن المعلَّى بن حمدان، مولى الزياديين، وأظهر له أنه رسول المهدي يدعو شيعته إلى أمره، وقد قرب ظهوره، فأخبر علي بن المعلى الشيعة من أهل القطيف، وقرأ عليهم الكتب التي مع يحيى بن المهدي فأجابوه، وكان ممن أجابه أبو سعيد الجنابي[4] .

وفي سنة 286هـ يعود أبو سعيد الجنابي للظهور في ساحة البحرين، فيظهر أمره، ويكثر أتباعه، فيذكر أنه يريد البصرة فتتحصن خوفاً منه.

ويذكر المقريزي أنه: «اتفق أن البلد كان واسعاً، ولأهله عادة بالحروب، وهم رجال شداد جهال، فظفر أبو سعيد باشتهار دعوته في تلك الديار، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، حتى اشتدت شوكته... ولم تتمتنع عليه إلا هجر، وهي مدينة البحرين، ومنزل سلطانها، وبها التجار والوجوه... وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هجر ميلان فابتنى بها دارا، وجعلها منزلا، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب إلى هجر، ويحارب أهلها، ويعقب قومه على حصارها... ثم أنه دعا العرب... فلما اجتمع إليه العرب مَنَّاهم ملكَ الأرض كلِّها، ورد إلى من أجابه من العرب ما كان أُخذ منهم من أهل وولد، ولم يردَّ عبداً ولا أمة ولا إبلا ولا صبيا إلا أن يكون دون الأربع سنين، وجمع الصبيان في دور، وأقام عليهم قوماً، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب، وقد صارت دعوته طبعاً لهم، وقبض كل مال في البلد، والثمار، والحنطة، والشعير، وأقام رعاةً للإبل والغنم، ومعهم قوم لحفظها، والتنقل معها على نوب معروفة، وأجرى على أصحابه جرايات، فلم يكن يصل لأحد غير ما يطعمه...»[5] .

وفي سنة 287هـ أرسل الخليفة العباسي المعتضد جيشا بقيادة العباس الغنوي الذي ولاه على البحرين واليمامة، وطلب منه التخلص من أبي سعيد والخطر الذي يشكله فالتقى الجيشان في آفان، وانتصر أبو سعيد على العباس، وقتل جيشه، وفر من فر، ولم يبق إلا على العباس حيث حمله رسالة إلى المعتضد حيث ذكر فيها أنه لم يأخذ شيء من يد المعتضد كما بين له صعوبة الوصول إليه والتخلص منه وقد بلغ أبو سعيد غايته من الرسالة حيث لم ترسل له حملة أخرى.

وقتل أبو سعيد الجنابي في سنة 301هـ حيث قتله خادم له صقلبي في الحمام، فتولى الأمر من بعده ابنه سعيد إلى أن كبر أخوه أبو طاهر فصار الحكم إليه، وفي عهد أبي طاهر الجنابي الذي أراد أن يوسع دولته، وكان قائدا محنكا وشجاعا حتى أنه هدد الخلافة العباسية، ووصل إلى بغداد، وكاد أن يملكها لولا قطع القنطرة التي على النهر.

ثم إن أبا طاهر في محاولة منه لإذلال الخلافة العباسية وإحراجها سياسيًّا ودينيًّا، وكذلك لأسباب اقتصادية غزا مكة سنة 317هـ، وذكر المؤرخون أنه نهبها، وقتل الحجاج، وأخذ الحجر الأسود لمدة 22 سنة[6] .

استمرت حملات القرامطة تهدد قوافل الحجاج والمناطق المجاورة حتى اهتدى أبو طاهر إلى فرض الإتاوات والمكوس بدل الغزو والهجمات والحروب. وقد تحقق لأبي طاهر ما أراد من الدولة العباسية التي كانت تدفع له 250000 أو 120000 دينار بالإضافة إلى إتاوات الدول الأخرى المجاورة، وكذلك ما يدفعه الحاج والقوافل من رسم الخفارة[7] .

ثم جاءت فتنة الأصبهاني التي أفسدت حال القرامطة، وبعدها توفي أبو طاهر بالجدري سنة 332هـ، وحدث نزاع بين العقدانية على من يقود القرامطة حيث اختلفوا بين أحمد أخو أبو طاهر وابنه سابور.

أدى هذا الخلاف إلى اختلاف في البيت الحاكم، وضعف في الدولة القرمطية التي أعاد لها مجدها القائد الشجاع، والشاعر الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم.

وقد تزعم القرامطة بعد وفاة والده سنة 359هـ، وفي عهده عادت القوة المركزية إلى سيرتها الأولى، حيث تمكن من حسم الصراع في البيت الحاكم، وشهدت البلاد استقرارا داخليًّا ساعدها على الغزو لمعالجة الوضع الاقتصادي المتدهور.

ولما حكم الفاطميون دمشق قطعوا ما يحمله ابن طغج من الأموال سنويًّا وتقدر بثلاثمائة ألف دينار.

وحاول الأعصم استمالة جميع الأطراف التي كانت على عداء مع الفاطميين مثل العباسيين والحمدانيين والعقيليين وبعض قبائل العرب، وخطب في المساجد للخليفة المطيع لله الفضل بن المقتدر، وطلب من السلطان البويهي عز الدولة أن يمده بالمال والرجال، ووعده بطرد الفاطميين من الشام ومصر، وأنه سيحكمها باسم آل بويه، ووافق عز الدولة على ذلك رغم رفض الخليفة العباسي، وسانده الحمدانيون، فسار الأعصم بجيشه إلى الشام، واحتل دمشق، ثم الرملة، ثم سار إلى القاهرة فاحتل القلزم سنة 361هـ ونهبها، ثم سار إلى عين شمس واستولى عليها، وسار إلى القاهرة حيث كان ينتظره الجيش الفاطمي الذي قاتل ببسالة، مما اضطر الحسن الأعصم للعودة إلى الأحساء ليلم جيشه.

ثم دعاه الفتكين طالبا منه النجدة والحضور إلى دمشق، وتواجه الأعصم والفتكين مع الفاطميين، وتفكك الجيش، وانهزم الأعصم إلى طبرية ومات فيها في يوم الأربعاء لسبع بقين من رجب عام 366هـ، واستلم قيادة الجيش القرمطي جعفر بن سعيد الجنابي الذي اتفق مع العزيز بالله على أن يدفع له مبلغًا سنوياًّ قدره عشرون ألف دينار طيلة حياته، ولا يعود إلى الشام، وظل الأمر كذلك حتى وفاة العزيز بالله[8] ، ثم سار إلى الأحساء، وقد حمل معه جثمان الحسن الأعصم ودفنه هناك[9] .

ابتدأ مجد القرامطة في الأفول مع موت الأعصم شيئاً فشيئاً، خصوصاً مع انقسام البيت الحاكم واختلافه وخروج الثورات في كل من جزيرة أوال على يد أبي البهلول، وفي القطيف على يد يحيى ابن العياش، وفي الأحساء على يد عبد الله بن علي العيوني سنة 469هـ[10] .

التاريخ القرمطي في المدونات التاريخية

مما يؤسف له أننا فقدنا التراث القرمطي بما فيه تراثهم التاريخي، ومدوناتهم الخاصة والتي تحمل رؤيتهم، وتؤرخ لمسيرتهم، وما لدينا من كتابات هي كتابات الآخر المختلف معهم عقائدياًّ وفكرياًّ وسياسياًّ.

وهي على اختلاف مشاربها وتنوع كتابها لم تبتعد عن النمط السائد في النظرة الدونية للقرامطة، والتبرؤ منهم، ولعنهم. فالقرامطة في هذه المدونات (كفار، ملاحدة، أرادوا الكيد للإسلام والمسلمين. فأبطلوا الصلاة والصيام، وأرادوا هدم الكعبة، وقتلوا الحجيج، وأضعفوا سلطان أمير المؤمنين، وخرجوا عليه. وقد تفشت في مجتمعاتهم المشاعية الجنسية والفسق والفجور). وقد وصلت هذه التهم والافتراءات ببعض المدونين إلى وضع الأساطير التي لا يمكن للعقل أن يصدقها، خصوصا إذا عرفنا طبيعة الظروف التي تحركت من خلالها الحركة القرمطية، وخلفيات تلك الظروف، والتي ساهمت في تأسيس دولة استمرت زهاء القرنين.

وقد ساهم في ذلك أن الحكومات السياسية أخذت على الوراقين أن لا ينسخوا شيئا من الفكر القرمطي، وكانت تهمة العصر الانتساب إلى القرامطة، والتي تعني السجن والتعذيب والقتل. وقد أسهم العداء العقائدي في تشويه الصورة، فقد عمد بعض المؤرخين للنيل من القرامطة، وكان بعضهم كحاطب ليل، يعدو على مؤلفات غيره، ويأخذ منه دون تبصر وروية. كل ذلك أدى إلى وضع صورة نمطية عن القرامطة هي في غاية التشويه، فقد «أنتجت القرون الوسطى مرويَّات ثقافية تضمنت تصورات شبه ثابتة للأعراف والثقافات والعقائد، وكانت تلك التصورات تمثل معيارا يتدخل في رفع قيمة ما أو خفضها لدى أي مجتمع أو ثقافة. وليس خافيا أن الحكم المسبق على ظاهرة اجتماعية أو ثقافية أو دينية سيؤدي إلى نتيجة تضفي مكانة رفيعة عليها، أو تسلبها مكانتها الحقيقية، أو الصور التخيلية المتشكلة في أذهان المجتمعات، بفعل الخلافات الدينية والصراعات السياسية، وتباين المنظومات القيمية، والأنساق الثقافية أدت خلال تلك الحقبة الطويلة إلى ترسيخ صور منقوصة لبعضها. وما دامت تلك المرويات توجه أفكار المؤرخين والرحالة والمفكرين والفقهاء، وكل من يصوغ الصور الجماعية الذهنية الخاصة بالآخر، وبخاصة المدونات الوصفية والسردية والعجائبية؛ فمن المنتظر الحصول على سلسلة متواصلة من الأحكام غير المنصفة بحق الآخر المختلف»[11] .

لذلك وقبل الدخول في محاولة معرفة الحركة القرمطي لا بد من المرور على ما عاناه الباحثون من صعوبات تجاه هذا الموضوع حيث «يجد الباحث في تاريخ القرامطة نفسه أمام تركيبة عجيبة من التلفيق والتحامل والخلط في كل ما يتعلق بهذه الحركة، بحيث يتعذر في بعض الأوقات حل الخيوط اللازمة لاستخلاص بعض النتائج، فيضطر للجوء لأساليب علماء الآثار في ترميم الناقص من المكتشفات حسب تصور العالم، لما يجب أن يكون عليه الأثر، وهكذا لا بد للمنطق، بل الخيال – أحيانا - أن يتدخل لملء فراغات كبيرة تسد ثغرة الروايات المتناقضة أو فترات التعتيم»[12] .

فالحركة «القرمطية كحركة ثورية مؤثرة ذات أهداف ومبادئ اجتماعية واقتصادية وسياسية تعرضت للسفه التاريخي من قبل جمهرة الرواة والمؤرخين المتعصبين الذين يدونون ويكتبون بأمزجتهم وغرائزهم فقط، وأحيانا يكتبون وسيوف الإقطاع والحكام مسلطة فوق رؤوسهم وأعناقهم بالإضافة إلى إعمار جيوبهم بالأصفر الرنان، وتعرضت، أيضاً، للتهشيم والهجمات الشرسة والإشاعات والاتهامات المغرضة المقصودة من قبل كتاب استأجروا لتشويه هذه الحركة الثورية وتصويرها بغير صورتها الحقيقية»[13] .

وقد «لعب القرامطة دورا سجل على صفحات التاريخ الإسلامي بأحرف سوداء كالحة، ولا يزال العلماء فيهم مختلفون (كذا، والصواب: مختلفين) بين أخذ ورد، ومد وجزر، حتى عصرنا الحالي؛ لان العوامل التي أحاطت بتاريخ هذه الجماعة جعلت دراسة تاريخهم من الصعوبة بمكان؛ لفقدان مؤلفاتهم ولكثرة ما دسه الخصوم حولهم من إشاعات وأباطيل، وما لفقوا من روايات وأقاويل؛ خاصة ما يتعلق منها بعقائدهم الدينية، وحياتهم الاجتماعية، وما نسب إليهم من جرائم وآثام»[14] .

التعريف بالرحالة ناصر خسرو

هو الرحالة الإيراني ابن المعين، ناصر خسرو بن الحارث القادياني، المروزي، البلخي البدخشاني. ولد في إحدى مدن خراسان سنة 393هـ - 1003م في أسرة متوسطة الحال، ونشأ مسلماً سنيًّا، وتثقف ثقافة جيدة. التحق - في مقتبل عمره - بخدمة الإدارة في الدولة الغزنوية، التي شهد عصرها تطور اللغة والثقافة الإيرانية جنباً إلى جنب مع اللغة العربية، والثقافة الإسلامية والعربية.

وفي أيام خسرو انتزع التركمان - بزعامة السلاجقة - خراسان من يد الغزنويين، فانتقل ناصر خسرو إلى الإدارة السلجوقية، والتحق بخدمة جغري بك في مرو، الذي كان من أبرز زعماء السلاجقة، وأخو طغرل بك، أول سلاطنة السلاجقة.

وقد شهدت خراسان - في بداية القرن الخامس - نشاطاً دينيًّا كبيراً تجلى في الصراع في مختلف المذاهب والفرق، وتأثر ناصر خسرو بهذا الصراع، وعايش الشكوك، ثم تحول من السنة إلى الشيعة، ولكنه احتار إلى أي فرق الشيعة ينتمي فقرر أن يرحل باحثاً عن الحقيقة[15] .

وكان ناصر خسرو شاعراً، ومصنفاً كبيرا، خلَّف لنا تراثا غنياًّ، ومن أشهر مؤلفاته:

1- سفرنامه، وهو أشهر مؤلفاته، وهو كتاب رحلاته التي قام بها.

2- الديوان الشعري، وهو مجموع ما قاله من الأشعار.

3- روشنائي نامة، أو كتاب الضياء. منظومة شعرية.

4- سعادتنامة، أو كتاب السعادة.

5- زاد المسافرين.

6- خوان إخوان، في الفلسفة.

7- جامع الحكمتين، في الكلام.

وتوفي ناصر خسرو سنة 481هـ - 1088م في جبل يمغان[16] .

رحلة ناصر خسرو:

بدأت رحلة ناصر خسرو الطويلة سنة 437هـ، 1045م، ودامت سبع سنوات وعلى ثلاث مراحل.

حيث بدأت المرحلة الأولى من خروجه من مرو في خراسان، مروراً بأذربيجان وأرمينيا، ثم الشام وفلسطين ومصر، وانتهت المرحلة الأولى سنة 439هـ، 1047م، وهي تاريخ وصوله للقاهرة حيث مكث هناك حتى 442هـ، 1050 م، وتحول إلى الإسماعيلية، وصار أحد كبار دعاتها، ثم غادر مصر في المرحلة الثالثة، والأخيرة فزار الحجاز، وقضى فريضة الحج، ثم عاد إلى وطنه خراسان مرورا بنجد وجنوب العراق، وكان ذلك سنة 444هـ، 1052م. وقد فقدت رحلته، وما وصلنا منها مختصر لها[17] .

هل زار ناصر خسرو الأحساء؟

يعتقد الكثير من الباحثين أن ناصر خسرو قد زار الأحساء، وأن ما كتبه عنها هو رأي العين وليس سماعاً، وعلى خلاف ذلك يرى الباحث والمحقق السيد عدنان العوامي أن ناصر خسرو لم يزر الأحساء، وإنما كتب ما سمعه عنها خلال رحلته، ويستدِلُّ على ذلك بالآتي[18] :

1- أن ناصر خسرو قد كتب عن البلدان التي زارها والبلدان التي لم يزرها.

2- انه كان يتكلم بعبارات المشاهدة في البلدان التي زارها مثل: (فسرت، و: غادرت، و: بلغنا، و: أقمنا، وقلت، و: رأيت، و: قال لي)، أما البلدان التي لم يزرها فكان يصفها بشخصية الراوي، مثل: (ويقال، و: سمعت، وكان لهم في ذلك الوقت). وهذا ما استخدمه في وصف الأحساء.

3- إن ناصر خسرو قد انقطع في فلج، ولم يجد الوسيلة والمال الذي يوصله إلى الأحساء، وبذلك قبِل عرض الجمَّال بأن يأخذه إلى البصرة عن طريق اليمامة.

4- إنه - أي ناصر خسرو - بعد أن وصف الحسا والقطيف والبحرين وعمان عاد لإكمال ما توقف عنده في سرد مسار رحلته بقوله: «والآن أعود إلى حكايتي: حينما غادرنا اليمامة إلى البصرة كنا نجد الماء في بعض الجهات».

أما في النص الفارسي فهي أكثر وضوحاً وترجمته (ولنرجع إلى صلب الموضوع. لما ذهبنا من اليمامة نحو البصرة كنا نرى الماء في بعض المنازل دون الأخرى إلى أن وصلنا البصرة)، وقد توهم المترجم بأن ذلك خطأ فأبدل عبارة حينما غادرنا اليمامة إلى البصرة) بعبارة حينما غادرنا الحسا إلى البصرة). ونبه على الأصل في الحاشية بقوله «يقول النص اليمامة وصحتها الحسا كما يبدو من سياق الكلام»، وهذا ما أوقع اللبس.

5- إن الحالة التي وصل بها ناصر خسرو لا يمكن أن تكون لشخص قادم من الأحساء حيث يقول: «حين بلغنا البصرة كنا من العري والفاقة كأنا مجانين، وكنا قد لبثنا ثلاثة شهور لم نحلق شعر رأسنا، فأردت أن أذهب إلى الحمام التمس الدفء فقد كان الجو باردا، ولم يكن علينا ملابس، كنت أنا وأخي كلانا نلبس فوطة بالية، وعلى ظهرينا خرقة من الصوف متدلية من الرأس حتى قلت لنفسي من الذي يسمح لنا الآن بدخول الحمام؟ فبعت السلتين اللتين كانت بهما كتبي، ووضعت بعض دراهم من ثمنها في ورقة لأعطيها للحمامي عسى أن يسمح لنا بوقت أطول في الحمام لنزيل ما علينا من كدر» فلا بد أن هذه الثلاثة شهور قضاها في البادية، وليست في الأحساء. كذلك تحدث عن أنه أمضى تسعة شهور متصلة مع البدو لا انقطاع فيها، وأنه كلما طلب الماء أُعطِي اللبن بدلا منه، وأن القوم الذين عاش معهم لم يروا الحمامات ولا الماء الجاري.وقطعا ليس هذا من وصف الأحساء والتي أفاض خسرو في وصف كثرة المياه فيها.

6- أن رحلة ناصر خسرو متأخرة عن بعض الأحداث التي دونها، فقد توفي أبو سعيد الجنابي سنة 300هـ أو 301هـ، وناصر خسرو أرخ لوصوله إلى فلج في الثالث والعشرين من شهر صفر سنة 443هـ.

وصف الأحساء عند ناصر خسرو

(والحسا مدينة في الصحراء، ولبلوغها عن أي طريق ينبغي اجتياز صحراء واسعة والبصرة أقرب البلاد الإسلامية التي بها سلطنة إلى الحسا، وبينهما خمسون ومائة فرسخ، ولم يقصد سلطان من البصرة الحسا أبداً.

والحسا مدينة وسواد أيضا،ً وبها قلعة، ويحيط بها أربعة أسوار قوية متعاقبة من اللبن المحكم البناء بين كل اثنين منها ما يقرب من فرسخ، وفي المدينة عيون ماء عظيمة تكفي كل منها لإدارة خمس سواق، ويستهلك كل هذا الماء بها فلا يخرج منها، ووسط القلعة مدينة جميلة بها كل وسائل الحياة التي في المدن الكبيرة، وفيها أكثر من عشرين ألف محارب، وقيل إن سلطانهم كان شريفاً، وقد ردهم عن الإسلام، وقال: إني أعفيتكم من الصلاة والصوم، ودعاهم إلى أن مرجعهم لا يكون إلا إليه، واسمه أبو سعيد، وحين يسألون عن مذهبهم يقولون إنا أبو سعيديون، وهم لا يصلون، ولا يصومون ولكنهم يقرون بمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبرسالته، وقد قال لهم أبو سعيد: إني أرجع إليكم يعني بعد الوفاة، وقبره داخل المدينة، وقد بنوا عنده قبراً جميلاً، وقد أوصى أبناءه قائلاً: يرعى الملك ويحافظ عليه ستة من أبنائي يحكمون الناس بالعدل والقسطاس، ولا يختلفون فيما بينهم حتى أعود، ولهؤلاء الحكام الآن قصر منيف هو دار ملكهم وبه تخت يجلسون هم الستة عليه، ويصدرون أوامرهم بالاتفاق، وكذلك يحكمون، ولهم ستة وزراء على تخت آخر، ويتداولون في كل أمر. كان لهم - في ذلك الوقت - ثلاثون ألف عبد زنجي حبشي يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين، وهم لا يأخذون عشوراً من الرعية، وإذا افتقر إنسان أو استدان يتعهدونه حتى يتيسر عمله، وإذا كان لأحدهم دين على آخر لا يطالبه بأكثر من رأس المال الذي له، وكل غريب ينزل في هذه المدينة وله صناعة يعطى ما يكفيه من المال حتى يشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات، ويرد إلى الحكام ما أخذ حين يشاء، وإذا تخرَّب بيت، أو طاحون أحد الملاك، ولم تكن لديه القدرة على الإصلاح أمروا جماعة من عبيدهم بأن يذهبوا إليه ويصلحوا المنزل، أو الطاحون، ولا يطلبون من المالك شيئاً، وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجانا، ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها، وأجور الطحانين، وهؤلاء السلاطين الستة يسمون السادات، ويسمى وزراؤهم الشائرة، وليس في مدينة الحسا مسجد جمعة، ولا تقام بها صلاة، أو خطبة إلا أن رجلاً فارسياًّ اسمه علي بن أحمد بنى مسجداً وهو مسلم حاج غني كان يتعهد الحجاج الذين يبلغون الحسا، والبيع والشراء والعطاء والأخذ يتم هناك بواسطة رصاص في زنابيل يزن كل منها ست آلاف درهم، فيدفع الثمن عددا من الزنابيل، وهذه العملة لا تسري في الخارج، وينسجون هناك فوطاً جميلة، ويصدرونها للبصرة، وغيرها، وإذا صلى أحد فإنه لا يمنع، ولكنهم أنفسهم لا يصلون، ويجيب السلاطين من يحدثهم من الرعية برقة وتواضع، ولا يشربون مطلقاً، وعلى باب قبر أبي سعيد حصان مهيأ بعناية، عليه طوق ولجام يقف بالنوبة ليلاً ونهاراً، يعنون بذلك أن أبا سعيد يركبه حين يرجع إلى الدنيا، ويقال إنه قال لأبنائه: حين أعود ولا تعرفونني أضربوا رقبتي بسيفي، فإذا كنت أنا حييت في الحال، وقد وضعت هذه الدلالة حتى لا يدعي أحد أنه أبو سعيد.

وقد ذهب أحد هؤلاء السلاطين بجيش إلى مكة أيام خلفاء بغداد فاستولى عليها، وقتل من كان يطوف بالكعبة، وانتزع الحجر الأسود من مكانه، ونقله إلى الحسا، وقد زعموا أن هذا الحجر مغناطيس يجذب الناس إليه من أطراف العالم، ولم يفقهوا أن شرف محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وجلاله هما اللذان يجذبان الناس، فقد لبث الحجر الأسود في الحسا سنين عديدة، ولم يذهب إليها أحد، وأخيراً اشتري منهم الحجر الأسود وأعيد إلى مكانه.

وفي الحسا تباع لحوم الحيوانات كلها من قطط وكلاب وحمير وبقر وخراف وغيرها، وتوضع رأس الحيوان وجلده بقرب لحمه ليعرف المشتري ماذا يشتري، وهم يسمنون الكلاب هناك كما تعلف الخراف، حتى لا تستطيع الحركة من سمنها، ثم يذبحونها ويبيعون لحمها.

والبحر على مسيرة سبعة فراسخ من الحسا إلى ناحية الشرق، فإذا اجتازه المسافر وجد البحرين، وهي جزيرة طولها خمسة عشر فرسخاً، والبحرين مدينة كبيرة أيضاً بها نخل كثير، ويستخرجون من هذا البحر اللؤلؤ، ولسلاطين الحسا نصف ما يستخرجه الغواصون منه، وإذا سار المسافر جنوب الحسا يبلغ عمان، وهي في بلاد العرب، وثلاثة جوانب منها صحراء لا يمكن اجتيازها، وولاية عمان ثمانون فرسخاً في مثلها، وهي حارة الجو، ويكثر بها الجوز الهندي المسمى نارجيل، وإذا أبحر المسافر من عمان نحو الشرق يبلغ شاطئ كيش ومكران، وإذا سار جنوباً يبلغ عدن، فإذا سار في الجانب الآخر يبلغ فارس.

وفي الحسا تمر كثير حتى أنهم يسمنون به المواشي، ويأتي وقت يباع فيه أكثر من ألف من بدينار واحد، وحين يسير المسافر من الحسا إلى الشمال سبعة فراسخ يبلغ جهة القطيف، وهي مدينة كبيرة بها نخل كثير، وقد ذهب أمير عربي إلى أبواب الحسا، ورابط هناك سنة، واستولى على سور من أسوارها الأربعة، وشن عليها غارات كثيرة، ولكنه لم ينل من أهلها شيئاً، وقد سألني حين رآني عما تنبئ به النجوم قال أريد أن أستولي على الحسا، فهل أستطيع أم لا؟ فإن أهلها قوم لا دين لهم فأجبته بما فيه الخير له.

وعندي أن كل البدو يشبهون أهل الحسا، فلا دين لهم، ومنهم أناس لم يمس الماء أيديهم مدة سنة، أقول هذا عن بصيرة لا شيء فيه من الأراجيف، فقد عشت في وسطهم تسعة شهور دفعة واحدة لا فرقة بينها، ولم أكن أستطيع أن أشرب اللبن الذي كانوا يقدمونه إلي كلما طلبت ماء لأشرب، فحين أرفضه وأطلب الماء يقولون: أطلبه حيثما تراه، ولكن عند من تراه؟ وهم لم يروا الحمامات أو الماء الجاري في حياتهم».

[1]  تاريخ الأمم والملوك، الطبري. دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 2003م، 1424هـ،جـ5/601.

[2]  تاريخ ابن خلدون، ابن خلدون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 2003م، 1424هـ، جـ4/101.

[3]  القرامطة، نشأتهم، عقائدهم، حروبهم، سليمان سليم علم الدين، نوفل للنشر، بيروت، ط 1، 2003م، ص: 118-119.

[4]  أخبار القرامطة، د. سهيل زكار، دار الكوثر، الرياض ، 1410هـ. ص: 192- 193

[5]  أخبار القرامطة، مرجع سابق، ص: 542-543، نقلا عن اتعاظ الحنفاء.

[6]  من سواد الكوفة إلى البحرين، د. مي الخليفة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 1، 1999م، ص:299-300.

[7]  من سواد الكوفة إلى البحرين، مرجع سابق، ص: 304.

[8]  القرامطة، نشأتهم، عقائدهم، حروبهم، مرجع سابق، ص: 281.

[9]  أخبار القرامطة، مرجع سابق، ص: 598.

[10]  تحفة المستفيد بتاريخ الاحساء، محمد بن عبد الله آل عبد القادر الأنصاري، مطابع الناشر العربي، 1999م، جـ1/178وما بعدها.

[11]  المركزية الإسلامية، صورة الآخر في المخيال الإسلامي خلال القرون الوسطى، د عبد الله إبراهيم، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2001م، ص: 5.

[12]  ثلاثية الحلم القرمطي، د محي الدين اللاذقاني، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2005م، 1426هـ، ص: 9.

[13]  القرامطة، إسماعيل المير علي، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط1، 1983م، ص: 8.

[14]  القرامطة بين المد والجزر، د. مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت، د، ت، ص: 5.

[15]  أخبار القرامطة، مرجع سابق، ص: 166.

[16]  مراجعات اسماعيلة ص 140 -146.

[17]  راجع: أخبار القرامطة، مرجع سابق، ص: .166

[18]  لمزيد من الإطلاع انظر: مجلة الواحة فصلية تعنى بشؤون التراث والتاريخ والثقافة والأدب، في الخليج، بيروت، العدد: 19 أخطاء وأوهام شائعة، في أدب الرحلات، عدنان السيد محمد العوامي.
* كاتب
179229