يحيى بن محمد الراضي
سندباد القصيدة الهَجَريّة
ناجي بن داوود الحرز * - 24 / 3 / 2011م - 7:05 م - العدد (60)

نبذة عن الشاعر

يحيى بن محمد الراضي (أبو هجر)

ولد في الأحساء عام 1970م

شاعر وباحث،

يواصل دراساته في الفقه والتراث الفكري.

من أعماله المطبوعة

(أقدس الخطايا)، ديوان شعر.

(هيت لك)، ديوان شعر.

(جواز سفر)، ديوان شعر.

(الحب في التصوف الإسلامي) رسالة ماجستير.

له أعمال مخطوطة منها:

1- نقد الخطاب المنبري.

2- إشكالات في الفكر الإصلاحي المعاصر.

3- أسلمة الأدب ضرورة أم ضرر؟

نشر العديد من دراساته الأدبية، ومقالاته النقدية في مجلات ودوريات سورية وعربية.

قبل عشر سنوات من الآن نشرتُ مقالاً بجريدة اليوم السعودية بعنوان: (يحيى الراضي: ينبوعٌ أحسائيّ ينفجر من دمشق). كان ذلك بمناسبة صدور ديوانه الأول (أقدس الخطايا)، ومرة أخرى كتبتُ عنه مقالا بعنوان: (سندباد القصيدة الهجرية)، بعد الأمسية الشعرية التي أقمناها له في (منتدى الينابيع الهجرية) في إحدى زياراته الخاطفة للأحساء، ضمن احتفائنا به شاعراً وأديباً وباحثًا استحق النجاح بامتياز مع مرتبة الشرف في اختبار إثبات الذات، والوصول إلى آخر الشوط، والثبات على القمة أيضا، كما نتوخى له بعدما قدّم ثلاث مجموعات شعرية متجاوزة هي: (أقدس الخطايا)،

و(هيت لك)، و(جواز سفر)، ورسالته النقدية: (الحب في التصوف الإسلامي) التي نال بها درجة الماجستير، وصدرت عن دار الهادي ببيروت, إضافة إلى عشرات المقالات، والمحاضرات اللافتة.

البداية

بدأت علاقة هذا الشاعر الرائع بالشعر في سن الطفولة المبكرة جدًّا؛ فقد كان يستمع -وبشكل متواصل- إلى القصائد التي كانت تلقيها والدته -أطال الله في عمرها- في مجالس العزاء وهو إلى جانبها، ولم يكن يكتفي بذلك؛ فقد كان يطلب منها أن تقرأ له المزيد والمزيد من الشعر، فتقرأ له حتى تضيق بنهمه وشغفه بالشعر، فكان لا بد له أن يتعلم القراءة بأسرع وقت؛ ليتفوق في دروس القراءة منذ أيامه الأولى في المدرسة، وليتمكن من قراءة ديوان (الإمام علي عليه السلام)، وهو في الصف الثالث الابتدائي ليتوهج حبه للشعر بالمزيد من الرغبة في الإطلاع على ذلك العالم الساحر من خلال مكتبة والدته وشقيقه الأكبر، حيث الكثير من الكتب الأدبية والكثير من الشعر، ولينضمّ بعد ذلك إلى فرقة البراعم للإنشاد؛ ليبدأ بتفعيل حبه للشعر على أرض الواقع.

وفي الشام كان على موعد مع شوط آخر في رحلته مع الشعر في (منتدى الأربعاء الثقافي)، الذي شارك في تأسيسه مع نخبة من الشعراء السوريين والعرب المقيمين في دمشق؛ مثل السيد مصطفى جمال الدين، وبنوان اللامي، من العراق، ومحمد الحاضري، من اليمن، وغيرهم لتُقاربَ تجربتُه مرحلةَ النضج، مستفيدا مما كان يطرح في المنتدى الأسبوعي من حوارات حول الشعر ومدلولاته.

بدأ محاولاته الأولى لكتابة الشعر عام 1406هـ أثناء إقامته في قم المقدسة للدراسة، وكان الشوق والحنين للأحساء سيد الموقف آنذاك:

يا موطني هاج الحنينُ إليك من أفُقٍ بعيد

وأنا وأنت كدمعتين أريقتا في يوم عيد

***

وتظل ترشف كأس وجدك

تلهو عن الدنيا ببعدكْ

متمردًا فوق الجميع، ومَن ترى يدنو لمجدك؟

وبدأ المشاركة في الاحتفالات كشاعر في النصف من شعبان عام 1408هـ، في مدينة مشهد، وفي هذا العام يقول الشيخ يحيى الراضي (اكتشفت طه حسين، وتأثرت به وبفكره، وفي هذا العام قرأتُ المنفلوطي، وكثيراً من دواوين الشعر، وبهرني الشريف الرضي، ونزار قباني، وعزمتُ على المزيد من الإطلاع على الشعر).

وفي عام 1416هـ بدأ نشر قصائده ومقالاته في الصحف والمجلات السورية؛ مثل

(مجلة الثقافة)، و(صحيفة الثورة). وحول ثلاثة محاور هي الأدب والفكر والفقه يدور شاعرنا، ويدور معه كل ما كتب من شعر ونثر.

أما الشعر فله عنده حظوةٌ وشأنٌ خاص، فلم يكن يكتب قصائده فقط، بل كان يعيش كل بيت من أبياتها. فها هو يقول في مقدمة ديوانه (أقدس الخطايا): (وأحسبني لم أتمكن خلال هذه النصوص السافرة من ارتداء أي قناع).

وإن اضطر إلى إبقاء باب للنكوص عن هذا الاعتراف في محل آخر من المقدمة ذاتها عندما قال مراوغا: (ويجدر التنويه بأن النص الشعري لا يمثل، بالضرورة، أخلاقيات وأفكار الكاتب، فالنص وليد حالة ذاتية، وانفجار ذهني لا منهجية له، ولا يليق دائما التماس المستوى الأخلاقي، والتوجه الفكري من نص أدبي، خصوصا عند ملاحظة طبائع النص المجازية اللا محدودة، بحيث قد تبلغ ذروة الشطح وفقدان توازن العلاقات المألوفة بين اللفظ والمعنى).

ولأنه يعيش كل بيت من أبيات شعره ستجد في شعر الشيخ يحيى الراضي ذلك النفَسَ الحيَّ المتدفقَ بالحيوية، والنزق الشهي، وكشاهد على ذلك يقول في رسالته التي بعث بها إلى (يحيى الراضي) ضمن رسائل بعث بها إلى بعض زملائه من الشعراء العرب في ديوانه (هيت لك):

مفرداتك متثائبة

لا غرو

ما دمتَ تخطها على سرير انفرادي

لتكتشف أنت - أيها القارئ - أن الشيخ ما زال يواصل نجاحه في الهروب من السرير المزدوج، رغم كثرة المطالبين بالقبض عليه، وستكتشف، أيضًا، حنينه إلى ذلك الحي القديم في قريته الوادعة التي لا تعرف الشك ولا الرياء عندما تقرأ قصيدته:

(الحنين بعد المعرفة)

كأن لم نكن ذات يوم

ولم ننتهك ضفة الأسئلة

كأن النوافذ لم تكتحل

بأعيننا واقتراف الغزل

إلى أن يقول:

لما تركتم مجون البساتين

والصمت والليل؟

كيف انزلقتم إلى بؤرة المعبد الكفر؟

وهيبة هذا الرياء الوقور؟

وقيح الإذاعات والشك؟

...

فهلاّ نعود إلى ما أرَقْنا

من الخمر فوق جبين الصلاة؟

ولن يبقيك الشيخ الشاعر في الحيرة، فيجيب على استغرابك من وحدته الطويلة:

وحدي أدندنُ ساهما توّقا

وأسامر الأطيافَ والأشواقا

بعضي ينادمني، يبدد وحدتي

فأنا أكثـّرُ من أنايَ رفاقا

وأصبُّ في كأس التوحد نشوةً

لأعبّ أقداح السراب دهاقا

شهدٌ سرابي لن أبيع رحيقه

لسوايَ حتى أُدهشَ الأذواقا

ولعمري، لقد أدهش الأذواق، وهزهز الأعماق ولم تذهب وحدته ولا توحده سدى.

ونختم بهذه القصيدة المختارة للشيخ الشاعر يحيى الراضي بعنوان: (لبغداد مع الاعتذار) من ديوانه (أقدس الخطايا):

أكلما رمتُ صمتَ البوح محتسبا

ضجّ اليراعُ، وصاح الشعرُ واحربا؟!

ظننتُ أنّ شموع الحرب أطفأَها

ريحُ السلام وعصر العنف قد غربا

وأنّ ألف فلسطينٍ قد انتحرت

من أجل شعب يود الأنس والطربا

ليستريح ويطوي صفحة نزفتْ

من المحاجر ما يستنفر الأدبا

لكن بغداد تأبى غير عابئةٍٍ

توقيع عهد سلام ٍ يطفئ اللهبا

***

عشرون، والنار تسعى في ملامحها

ووجهها يلثم الآهات والنِّوبا

عشرون عاما، وكف البؤس ما برحت

بالثكل تصفع أُمّـا أو تصد أبا

جُنَّ (الرشيدُ) وقد رام الوصال فلم

يجد بألف ليالي وصلها إربا

وعبَّ سكرُ (أبي النوّس) خمرتَها

فعاد يسأل من يلقاه هل شربا؟

تلك التي أركعت جيش المغول فما

أفاقَ (تيمور) مما هزّه عجبا

ألقت إليه شباك الحسن في شغفٍ

حتى ترهّبَ للإسلام منجذبا

وأجّجت ثورة العشرين تطلقها

عزائم ٌ تخجل الرايات والشهبا

تريك أن فتاوي المجد خالدةٌ

ليست أساطير فتوى تنشد الهربا

ما بال هذي الفتاوي كيف أنهكها

داء الهزال فلم تستمطر السحبا؟

ما للعراق غدا نعشا تقاذفه

خريطة العالم الموتور منتهبا؟

ما باله لم يعد يحكي مواجعه

تُراه ملّ من الآهات؟ أم تعبا؟

أم لم تعد وخزات الجرح تؤلمهُ

وقد تعوّد أن يستعذب الكُرَبا؟

***

ما انفكَّ ينداح من غزوٍ إلى فِتنٍ

كأنما سئم التحرير والغلبا

إيهٍ عراقَ الهوى الكوفيَّ لو عزفت

لك المواويل لحن الآه مكتئبا

رأيت فيك شجون العرُب قاطبةً

هذا الفرات يروّي دمعه حلبا

وذاك لبنان والأحساء قد شرقا

بماء دجلة تكذيبا لمن كذبا

فهل يسر يمينا وخزُ ميسرةٍ

ويأمل القلب من أضلاعه عطبا؟

إن ينكروك فقد شُلت سواعدهم

وأنكروا الله والتاريخ والنسبا

ألم تكن شفةَ الدنيا إذا عبستْ

تجهّم الكون حتى أوقد الشغبا؟

ومربد اللغة الفصحى إذا نطقت

تقمّص الشعر من قاموسها ذهبا

وذا ترابك أضحى مسجدا خضعت

له الجبابر إكبارا لما وهبا

هل الحسين بفيض النحر خضّبه؟

أم المسيح على أعتابه صُلبا؟

***

ما للعراق يغنّي لحن مصرعهِ

يشدو ويُخبرُ لا صدقا ولا كذبا[1] 

فكلما أعلن المذياع مدفنه

يثور من جدث الأموات منتصبا

ليدهش الكونَ حتى في توجّعهِ

وهو العليل يداوي السلّ والجرَبا

[1] ينظر إلى قول بشارة عبد الله الخوري (الأخطل الصغير):

يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحا

كعاشق خطَّ سطراً في الهوى ومحا

انظر: شعر الأخطل الصغير، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 3، د. ت، ص: 25.

الواحة
شاعر وكاتب
182584