بدوي الجبل
شاعر الكلاسيكية الحديثة
محمد رضي الشماسي * - 24 / 3 / 2011م - 7:08 م - العدد (60)

محمد سليمان الأحمد اسم كبير طواه لقبه الشهير (بدوي الجبل)، كما طُويت أسماء أدبية وعلمية كبيرة تحت ألقابها أو كُناها؛ فبرزت هذه، واختفت تلك حتى لدى كثير من المثقفين وأرباب الأدب.

فمن الأسماء المطوية مثلاً: الوليد بن عبيد، أحمد بن الحسين، أحمد بن عبد الله بن سليمان، الحسن بن هاني، الجواهري، فلقد غطت هذه الأسماء ألقابها، وعلى التوالي هي: البحتري، المتنبي، المعري، أبو نواس، محمد مهدي. كما طويت أسماء بكناها مثل: أبو تمام كنيةً لحبيب بن أوس، وأبو فراس الحمداني للحارث بن سعيد بن حمدان، وابن زيدون كنية لأحمد بن عبد الله بن غالب. وهكذا دواليك. فإن الألقاب والكنى كثيرة في كتب العلم والأدب.

وبدوي الجبل في هذا السنخ جاء تعبيراً صادقاً عن ظاهر الشاعر ومكنونه، فظاهره في صدر حياته بدوي في هندامه؛ عباءته وعقاله المقصب. وأما مكنونه فهو عمق موهبته الفذة، وديباجته الشعرية الرائعة؛ التي تنبع من الأصالة العربية المحضة، المنحدرة إليه من الشعر العربي الأصيل في تاريخه الطويل، منذ الجاهلية وحتى عصر الإحياء، مروراً بالعصر الذهبي للشعر، وهو العصر العباسي؛ عصر عمالقة الشعر: كالبحتري، وأبي تمام، والشريفين الرضي والمرتضى، والمتنبي، وابن الرومي، ومن كان على هذا النسق.

بدوي الجبل أحد كُبّار الشعراء العرب في العصر الحديث. هو أحد الثلاثة الذين عُرفوا بالمثلث الشعري الكبير: بدوي الجبل، والجواهري، وعمر أبو ريشة. قامات شعرية كبيرة، وفرسان ثلاثة، لا يُدرى أيهم أسبق. فإذا ضمهم مهرجان شعري؛ تألق الشعر العربي الأصيل بكل شموخه وفتونه، مستوعباً كل ذلك التراث الفخم المنحدر من عصره الذهبي، عصر بني العباس.

يتنازع هؤلاء الثلاثة على لقب (شاعر العربية)، أو (شاعر العرب الكبير)، أو (أمير الشعر العربي)، ولكل منهم عشاق ومريدون، ومصفِّقون ومعجبون.

فإذا قرأت لأحدهم قلت: هذا أشعر من ذينك الشاعرين.

ولكن ما هو رأي ذينك الشاعرين في ثالثهم بدوي الجبل؟ فهذا أبو ريشة يقول عن شعر البدوي: (ديباجة مشرقة، وأسلوب متين، وإحساس مرهف يقف في الصف الأول من شعراء العالم العربي)[1] . ويقول الجواهري: (أكبر شاعر في هذا العصر بدوي الجبل، وشاعر آخر)[2] . والشاعر الآخر – هنا – هو الجواهري نفسه.

وشعراء آخرون قرَّظوا البدوي مثل أمين نخلة الذي قال: (بدوي الجبل أمير الشعراء...)[3] ، والأخطل الصغير؛ بشارة الخوري، قال فيه: (علم الشعر العربي في هذا العصر)[4] . وهناك من وجهوا إليه نقودهم. ولا بدع في هذا مادام النقد والتقريظ قائمين على وحدات الموازين النقدية السليمة.

وأنا - في هذه الورقة - لا أقدم دراسة نقدية حتى أعرض الشاعر بماله وما عليه.

المهم عندي أن هذا الشاعر شغل الساحة الشعرية، وملأ الشارع الأدبي بنتاج شعري فخم قل نظيره في العصر الحديث.

تقرأ شعر البدوي لتجد نفسك أمام لوحات فنية مادتها الكلمة والقافية والوزن والخيال. وهذه في مجموعها توجه الإيقاع الشعري بموسيقاه الغنائي الرائع الذي عُرف به الشاعر البدوي دون سواه في مدرسة الكلاسيكية الرومانسية، أو هي التي تعرف بالكلاسيكية المعاصرة. هذه المدرسة التي ينفرد بها هذا الشاعر عن قرينيه أو رصيفيه الجواهري وأبو ريشة؛ فالجواهري أستاذ المدرسة الكلاسيكية الموروثة، وأبو ريشة أستاذ المدرسة الرومانسية، وأما البدوي فقد مزج المدرستين في نهجه الشعري ليكون رائد المدرسة الكلاسيكية الرومانسية. أو كما يدعوها بعضهم بالكلاسيكية المعاصرة.

لا أريد ذكر الشواهد الشعرية على نهجيْ الجواهري وأبو ريشة لأنني لست – كما ذكرت – في صدد تقديم دراسة عن هذا المثلث الشعري البديع. وأكتفي بذكر نموذج من ديوان بدوي الجبل تاركاً الشاعرين الآخرين إلى القراء؛ فدونهم ديوان كل منهما إذا أرادوا معرفة نهج المدرسة التي ينتهجها أي من ذينكما الشاعرين الكبيرين.

أمامك أول قصيدة في ديوان بدوي الجبل بعنوان (الكعبة الزهراء)، اقرأها، تجد نفسك مشدوداً إليها بما في كلماتها من نبض روحي شعوري إيماني يفيض مع خيال الشاعر ومعانيه. يقول الشاعر:

بنور على أم القرى وبطيب

غسلت فؤادي من أسى ولهيب

لثمت الثرى سبعاً، وكحَّلت مقلتي

بحسنٍ، كأسرار السماء، مهيب

وأمسكت قلبي لا يطير إلى (منىً)

بأعبائه من لهفة ووجيب

فيا مهجتي وادي الأمين محمد

خصيب الهدى والزرع غير خصيب

هنا الكعبة الزهراء والوحي والشذا

 هنا النور فافني في هواه وذوبي

ويقول في القصيدة نفسها:

ويا رب في الإسلام نور ورحمة

وشوق نسيبٍ نازح لنسيب

فألّف على الإسلام دنيا تمزقت

إلى أمم مقهورة وشعوب

وكل بعيد حج للبيت أو هفا

إليه – وإن شط المزارُ – قريبي

سجايا من الإسلام سمحٌ حنانُها

فلا شعبَ عن نعمائه بغريب

القصيدة مطولة تبلغ مئة بيت تماماً، وكعادته (رحمه الله)، فهو صاحب المطولات؛ فقصيدته (من وحي الهزيمة) مثلاً انتهت في أكثر من مئة وخسمين بيتاً. تقرأ هذه القصيدة المطولة، أو تلك فضلاً عن القصائد القصيرة، فتجد فيها الشعرية الخصبة، والخيال الواسع، مع الربط الوثيق بين المعاني، وتدفق الصور الجمالية دون اهتزاز في صورة، أو إرباك في معنى، أو إسفاف في لفظ. تجد القصيدة وحدة بنائية متماسكة من مطلعها وحتى مقطعها، وكما يلاحظ القارئ المتذوق أن للبدوي ولعاً واهتماماً بالمطالع.

والشاعر البدوي مع ضخامة ديوانه تجده مقلاٍّ في بعض الأغراض كالغزل مثلاً، وقد تتساوى وجدانياته مع سياسياته وبكائياته. وهذه الأخيرة وهي البكائيات وأعني بها المراثي تكاد تطبع شخصيته الشعرية فهو شاعر المهرجانات والاحتفالات الأدبية الكبيرة التي يتسابق إلى منابرها كبار شعراء عهده مثل رصيفيه الجواهري، وأبو ريشة. وفيما قرأت له وعنه أراه شاعراً منبريًّا قديراً، يتألق كثيراً أمام منابر المهرجانات والاحتفالات الأدبية، يقول في مهرجان المعري الألفي:

حليَ النديُّ كرامة للراح

عجباً أتسكرنا وأنت الصاحي؟!

لك في السرائر بدعة مرموقة

أنسُ المقيم، وجفوة النزاح

مجد كآفاق السماء إذا انتهت

منه نواحٍ بادهت بنواحي

الدهر ملك العبقرية وحدها

لا ملك جبار ولا سفاح

ويستمر في تدفقه الشعري إلى أن يقول:

أعمى تلفتت العصور فما رأت

عند الشموس كنوره اللماح

نفذت بصيرته لأسرار الدجى

فتبرجت منها بألف صباح

من راح يحمل في جوانحه الضحى

هانت عليه أشعة المصباح

وفي هذه اللوحة الشعرية الفنية يرسم شخصية المعري شاعراً مبدعاً، وحكيماً خبر الحياة وعجم عودها، فيتحدث عن مواقفه الحياتية، وعن نظرته حول المرأة، ثم يختم لوحته البديعة بقوله في الوحدة العربية فيقول:

الوحدة الكبرى تهلل فجرها

بظلال أبلجَ ذائد نفاح

هذه العروبة في حماك مذلة

رتع العدو بها وضاق اللاحي

الأزرق الرجراج حنّ لرملة

في الدجلتين ندية مسماح

ثم يأتي مهرجان تأبين أمير الشعراء، أحمد شوقي، فيقف أمام المنبر ليلقي داليته العصماء:

لا الأمس يسلبك الخلود ولا الغدُ

هيهات أنت على الزمان مخلد

تتجدد الدنيا وقلبك وحده

دنيا تعيد شبابها وتجدد

لك من خيالك عالم متناسق

بهجٌ تعاود خلقه وتجوّد

أما البسيطة فهي فيه جميلةٌ

ولع الربيع بها ورحت تغرد

بعض شعرائنا العرب، والبدوي واحد منهم، يرون في المنبر متكأً يتكئون عليه، بل يتطلعون إلى الفرصة التي توصلهم إلى المنابر لكي يبثوا آراءهم، ويقولوا كلمتهم في وضع سياسي مثلاً، أو قضية اجتماعية، أو ظاهرة دينية تشغل الرأي العام أو الميدان الأدبي. وكل شاعر – كما أسلفت – له جمهوره المعجبون، والمريدون المصفقون.

بدوي الجبل شاعر كبير بدأ الشعر كبيراً، وانتهى فيه كبيراً. بواكيره لا تكاد تباين خواتيمه في الروعة والجمال.

ولعل العلامة الشيخ عبد القادر المغربي غير مغالٍ في تقريظه للشاعر بدوي الجبل؛ إذ قال: (إنه الشاعر الذي تمرد على ناموس التدرج)[5] .

 

في 16 رمضان 1431هـ

26/8/2010م

[1]  بدوي الجبل: آثار وقصائد مجهولة، هاشم عثمان، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ط1 1998، ص: 390.

[2]  بدوي الجبل عملاق الكلاسيكية المعاصرة، موسوعة أعلام الشعر العربي الحديث، إعداد هاني الخيّر، مؤسسة علاء الدين للطباعة والتوزيع، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، 2005، ص: 8.

[3]  نفسه..

[4]  نفسه.

[5]  ديوان بدوي الجبل، دار العودة، بيروت، ط1 1978 ص: 26.
أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران - السعودية
179093