مدح المتنبي لكافور هجاؤه
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 24 / 3 / 2011م - 7:09 م - العدد (60)

أنني أريد أن أتحدث، وأن أذيع بحثاً عن شاعر عملاق ترك في هذه الحياة ضجيجاً ودويًّا منذ لمع اسمه، وسطع فكره في هذه الحياة، ذلك هو المتنبي شاعر الإنسانية. شاعر الخلجات النفسية الذي درس كل خطرة تخطر في أفق الإنسان، أو تتولد من حزن أو فرح أو بسمة أو دمعة، فسجلها صورة ناطقة في شعره السيار، الذي سار في الحياة أمثالاً يتداولها حتى عوام الناس الذين لا يفقهون الشعر ولا الأدب، ولا حتى يعرفون من هو القائل لهذا المثل أو هذا البيت.

هكذا المتنبي كان ولا يزال، وهذه الخلجات والأفكار اقتبسها وولدها من قراءته لكتاب الله، ومن نهج البلاغة حتى صار في قمة الفكر، واختلف فيه المفكرون والأدباء، فمنهم من يكتب عنه بإعجاب فيجعله الشاعر الأول في الحياة منذ ميلاده سنة ثلاث وثلاثمائة بالكوفة، وحتى وفاته إلى يومنا هذا، وبعض الأدباء والنقاد يهاجمونه بعنف، وينكرون كل ما له من صور شعرية أو مثل إنسانية تهز القلوب، وتحرك المشاعر، وهكذا سيرة المفكر العملاق تتجسد على أفكاره معاركَ نقديَّة، ومعارك ثنائية، وأخرى تشرِّق وتغرِّب، وقد صور المتنبي هذه المعارك بقوله:

أنام ملءَ جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق، جرَّاها، ويختصمُ

لقد صور المتنبي وجسد هذه المعارك النقدية التي تزاحمت على فكره وشعره حتى أن من الأدباء تسابقوا إلى شرح ديوانه ونقده وهو ما يزال على قيد الحياة، وهذه من الغرائب التي تواكب مفكرينا ونوابغنا في حياتهم كشرقيين عرب، فنحن قد نقدر المفكر ونجله ونعطيه حقه أو بعض حقه إذا توارى عن الأعين وراء جدار التاريخ.

لقد ترك المتنبي ثروة ضخمة طوَّفت في آفاق العالم، ولم تقتصر هذه الثروة على الفكر العربي بل ترجم بعدة لغات، وكتب عنه المستشرقون والغربيون كتابات إعجابية، وهذه الثروة التي تركها برغم قصر عمره الذي لم يتجاوز الخمسين عاما، ولكنه عاش في فكر الإنسانية، وسيعيش حتى يرث الله الأرض ومن عليها، برغم عمره المادي الذي هو عمر الورود. لم يعمر المتنبي في هذه الحياة بجسمه المادي، ولكنّ فكره عُمِّرَ، ولا يزال شابًّا في ربيع الحياة، يشارك الأحياء حياتهم، ويتنسم معهم هذا الأكسجين، ويعيش معهم في بيوتهم، وفي حركاتهم وسكناتهم، وكثر حاسدوه فأصلوه نقداً، ولكنَّ ذلك النقد لم يزده إلا رفعة وخلوداً؛ لأن بعض النقاد لم يكن نقدهم بناءً وهادفًا، بل هو نابع من الحسد الذي يأكل حاسديه قبل المحسود، وإذا ضاق بهم سماء الفكر نبزوه بأنه شاعر مداح يمدح من أجل المادة، أو أنه يمدح، وإذا لم يرضه ذلك الممدوح هجاه، وقد مدح كافوراً الإخشيدي، وهو يرى نفسه أرفع وأعلى منه، ولكنه نزل لهذا السفل لأجل المادة التي يتحصل عليها من كافور؛ لأنه حاكم مصر، وتحت يده ثروة طائلة، فيستطيع أن يغدق عليه بمدحه، ونريد أن نقف مع هؤلاء النقاد، ولست الوحيد الذي رد على أولئك النقاد، فالردود لا تحصى ولا تعد، وشرَّاح ديوان المتنبي لا يحصرون ولا يعدون، والشاعر المتنبي قد أشار إلى هذه الظاهرة فقال:

أنام ملأ جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جرَّاها ويختصمُ

وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ

فهي الشهادة لي بأنيَ كاملُ

فهو هرَم من الأهرام الفكرية التي لا تطاول، ونخاطب النقاد الذين نبزوه وعابوه بحقيقة يلمسها كل من يقرأ شعر المتنبي، فالمتنبي لو قصر شعره على مدح الممدوح لما كان ما كان له من هذه الرفعة، وهذا الانتشار، وهذا الخلود، لكنه يضمن قصائد مدحه خلجات نفسية، وخاطرات إنسانية، تصور المجتمع، وتصور الحياة، وبهذه الظاهرة التي اختص بها ميزت شعره، ورَفَعَتْه إلى أوج بعيد المرمى، مشرق الضوء، ولكنني أريد أن أحصر بحثي في نقطة واحدة لم يتعرض لها النقاد أو - بالأحرى - لم أقف على من تعرض لها، وربما انبرى لها ناقدون لم أرهم، ولم أقف عليهم، وهذه الظاهرة التاريخية التي رمي بها شاعرنا العملاق أبو الطيب المتنبي، وعُيِّرَ بها، ولصقت به أنه مدح كافوراً ثم هجاه، وما عدا هذه النقطة قد رد على نقاده واحتدم الجدل حول المتنبي، وألفت كتب لا أريد أن أتطرق إليها في هذا البحث، فالمتنبي كتاب مفتوح قامت عليه معارك فكرية وملاحم أدبية، وحتى يومنا هذا وحتى يأذن الله بطي هذا الكون، وعوداً على بدء إنني أريد أن أسجل في حديثي هذا جواباً، ولعله يكون مقنعاً للذين انتقدوا المتنبي في مدحه لكافور الإخشيدي، وبعد مدحه انقلب عليه عندما حرمه مما طلبه منه من ولاية أو إمارة، فمسح به الأرض، فهنا أقف وأخاطب النقاد في هذه الظاهرة الخاصة التي تتعلق بكافور فقط، فأجيبهم إنّ المتنبي لم يمدح كافوراً يوماً مَّا، وحتى في قصائده التي تصورها النقاد أنها مدح بل هي أسلوب ذم في معرض المدح، وهذه النقطة تحتاج إلى تمهيد في حروف مقتضبة دقيقة.

إنّ اللغة العربية التي هي أجمل اللغات وأفصحها، وقد زادها شرفاً عندما نزل كتاب الله بهذه اللغة، وحتى روى بعض الراوين عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن اللغة العربية هي لغة الجنة، فما أعظمها إذا صح هذا الحديث، وإذا لم يصح فكفاها شرفاً ومجدًا وفخرًا أن كتاب الله الذي هو معجزة نبينا الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل بها، فبعد هذا التعريف للغة العربية ندخل في أعماقها، وفي النكت البيانية والبلاغية، ففي اللغة العربية أسلوبان: أسلوب ذم في معرض المدح، وأسلوب مدح في معرض الذم، والأسلوبان لهما نكتهم البلاغية، ولهما دلالتهما المعنوية؛ فأسلوب الذم في معرض المدح مثل قولك (لا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم)[1]  إلخ.. فهذا المدح الذم في أول البيت يعقبه مدح في غاية المدح فلأول مفاجأة تفتتحه تشعر بالذم ولكنّ الأسلوب يسوقك إلى قمة المدح أما أسلوب المدح في معرض الذم فعند ما تفتتح أول الكلمات من صدر البيت ترى المدح ولكنّ آخره يوصلك إلى هاوية الذم، وسندلل على ذلك من شعر المتنبي في كافور الذي مضى عليه زمن طويل والناس أو بالأحرى المفكرون والأدباء يظنونه مدحا من المتنبي لكافور. أما هجاؤه لكافور فهذا واضح ولا يحتاج إلى بحث وتدليل، ولهذا الوضوح لا نتعرض لهذا الأسلوب، وإنما نقصر حديثنا على شعر المتنبي الذي مدح به كافور كما يعبر عنه شراح ديوان المتنبي.

ونقيم الدليل والبراهين على أنه أسلوب مدح في معرض الذم ونبدأ بقصيدته التي هنأ فيها كافوراً عندما بنى له داراً أو قصراً حسب التعبير العصري بإزاء الجامع الأعلى على البركة:

قال:

إنما التهنئاتُ للأكفاءِ

ولمن يدَّني منَ البُعداءِ

وأنا منك لا يُهَنِّي عضوٌ

بالمسراتِ سائرَ الأعضاءِ

مستقِلٌّ لك الدِّيارَ ولو كان

نجوماً آجُرُّ هذا البناءِ

قف معي - أيها القارئ - لتلمس سخرية الشاعر المتنبي من كافور إذ لا يراه كفؤاً لتهنئته بهذه الدار، ويقول إنما التهنئة للأكفاء وأنت لست كفؤاً للتهنئة، وإنما التهنئة للأجانب وأنا قريب منك فلا يصح لي أن أهنئك، ثم يوغل في السخرية فيقول: وهل يهنئ العضو عضوه في المسرات إنما التهنئات للبعداء والعضو لا يهنئ عضو منه.

ويضيف المتنبي من سخريته من كافور حيث يستقل عليه هذه الديار ولو كانت مبنية من النجوم عِوَض عن الآجُرِّ، أي الجص (من مواد البناء القديمة) فهل هذه السخرية التي صاغها في هذه القصيدة، وأشرك نفسه مع ممدوحه وترفع عليه فهل هذا يعد مدحاً أو هو مدح في معرض الذم؟

على القارئ أن يقرأ هذه القصيدة ويتأملها ويحكم بما يراه. وقال يمدح كافوراً سنة ست وأربعين وثلاثمائة ومنها:

ترعرعَ المَلِكُ الأستاذُ مُكتهِلاً

قبل اكتِهالٍ أديباً قبلَ تأديبِ

مُجرَّباً فَهَماً مِنْ قَبْلِ تَجرِبَةٍ

مُهذَّباً كرَماً مِنْ غيرِ تهذيبِ

حتى أصابَ منَ الدنيا نهايتها

وهمُّهُ في ابتداءاتٍ وتشبيبِ

يُدَبِّرُ المُلْكَ من مصرٍ إلى عدَنٍ

إلى العراقِ فأرضِ الرُّومِ فالنُّوبِ

وهنا نقف مع المتنبي وقفةً أخرى لنقرأ ما تصوره الشراح لديوانه مدحاً في كافور، فالمتنبي بعد أن خلص من تشبيبه الذي هو في أسلوب يعدُّ في عصر المتنبي هو أسلوب جديد لم يتطرقه الشعراء من ذي قبل، فهو يصف الجآذر، التي هي الفتيات، في زينتهنَّ، وكيف إذا خرجن من الحمام، ويقارن بين الحضارة والبداوة، ويشير إلى جمال الصحراء وجمال القصور فاللاتي في القصور جمالهنَّ بتطرية، وفي فتيات الصحراء جمالهنّ طبيعي غير مكتسب بزينة أو بتطرية، وضرب مثلاً بخلجات النفوس، وقسوة الدهر عليه، فخاطب الحوادث ليتها تعاملت معه فباعته الذي أخذته منه بما أعطته من حلم وتجريب، فإنّ الحلم ليس مقصوراً على الشيوخ، فإنه قد يوجد في الشبان كما يوجد في الشيوخ ثم تخلص إلى هجاء كافور، ولا أقول مدحه، فأعطاه لقبه الذي يعرف به كلمة الأستاذ، فيخاطبه إنّ هذا الملك الأستاذ ترعرع وشبَّ مكتهلاً بدون اكتهال وأديباً بدون أدب أليست هذه من السخرية؟ هل يبلغ المرء إلى عمر الاكتهال قبل الاكتهال؟ من الجائز أن يكون أديباً في خلقه قبل أن يكون أديباً في ثقافته وتفكيره. إذا أردنا أن نصرف كلمة أديب إلى الأدب، التي تعطي معنى الفكر، أو الذي يحوز من كل فن طرف، كما يعبر الأوائل، ويمضي المتنبي في سخريته فيصف كافوراً بأنه مجرب من قبل التجربة، وفهَماً من قبل الفهم، ومؤدباً بدون أدب، فماذا يقصد؟ وكيف يكون الإنسان فاهماً قبل الفهم؟ ومجرباً قبل التجربة؟ ومؤدباً قبل الأدب؟ أليس هذا من السخرية بوضوح وليس بمدح؟ إنما هو أسلوب مدح في معرض الذم، واسمعه كيف يزيد في سخريته، ويصفه بأنه بلغ من الدنيا غايتها ولا تزال همته في ابتداءاتٍ وتشبيب. ما هو التشبيب؟ هل اشتغاله بأيام الشباب عن الملك أو التشبيب أي الغزل بالنساء؟ لا نعرف ماذا يقصد من هذه السخرية. لقد غلفها تغليفاً عميقاً، ثم أوغل في سخريته فقال: إنّ كافوراً يدير الملك، ويدبره من مصر إلى عدن إلى العراق، وليس تحت حكمه إلا مصر فقط فلماذا أهو ضحك عليه أم هي سخرية. وقال يمدحه في شوال سنة سبع وأربعين وثلاثمائة:

وقد استشففنا من قصائد المتنبي التي قالها في كافور يمدحه قد يمر في أسلوبها الشعري مدح صريح لا لبس فيه، ولكنّ المتنبي يمزجه بصور فخر وتعالٍ على كافور، أو بصورة سخرية يسخر منها، فخذ - مثلا - هذه القصيدة التي مطلعها:

أُغالِبُ فيكَ الشُّوقَ والشوقُ أغلَبُ

وأعجبُ مِنْ ذي الهجرِ والوصلُ أعجَبُ

ويستمر في هذه القصيدة العصماء، ويبث شكواه وحزنه العميق في هذا الأسلوب الشعري، حتى يبلغ من بث حزنه، لا يقول قصيدة من القصائد إلا فيها شكوى وعتاب للزمن الذي قسا عليه، ولم يعطه مرتبته التي يستحقها في رأي المتنبي حيث أنه عبقري قل مثله حتى يصل إلى مدح كافور.

ونريد أن نقف مع المتنبي في ثلاثة أبيات من مدحه لكافور:

وما طرَبي لمَّا رأيتُكَ بِدعةً

لقد كُنتُ أرجو أنْ أراكَ فأطربُ

وتعذلُني فيكَ القوافي وهِمَّتي

كأني بمدحٍ قبل مدحِكَ مُذنِبُ

ولكنَّهُ طالَ الطَّريقُ ولم أزَلْ

أُفَتَّشُ عن هذا الكلامِ ويُنهَبُ

فهو يخاطب كافوراً: ليس طربي لما رأيتك بدعة، ولكن كنت قبل أن أراك أتمنى أن أراك لأطرب، ويستمر في أسلوب سخريته، وإن لامتني القوافي في مدحي أياك حتى بلغ من لومها كأني عندما مدحت غيرك قبل مدحك مذنب، وقد طال طريقي وأنا أفتش في هذا الكلام، ولكنه يفر مني، ولكنه ليس فرار القوافي وإنما ينهب مني نهباً. لحظةً نقف مع المتنبي فنسأله: لماذا يطرب إذا كان كافور بدعة؟ وما هي البدعة؟ وكيف كان يتمنى المتنبي رؤية كافور ليطرب؟ ما هذا الأسلوب الشعري؟ وكيف تعذله القوافي، وكأنه قبل مدحه مذنب؟ ويفتش عن هذا الكلام بعد طول الطريق فيأخذ منه قسراً؟ أليست هذه كلها سخرية؟ وبعد ذلك يطلب منه أن ينوطه أن يعطيه ضيعة أو ولاية أو إمارة، ولم يطلب من أحد الذين مدحهم هذا الطلب، أليس هذا تحقيراً وتعالياً عليه؟ كأنه يقول لكافور أنا أولى منك بالملك؛ لأنك لست أهلاً لذلك.

وقال يمدحه، وأنشده إياها في شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وهي آخر ما أنشده، ولم يلقه بعدها ومنها:

لياليَ عندَ البيضِ فَوْدَايَ فِتنَةٌ

وفخرٌ، وذاكَ الفخرُ عنديَ عابُ

فكيف أَذُمُّ اليومَ ما كُنتُ أشتهي

وأدعو بما أشكوه حِينَ أُجابُ

جلا اللونُ عن لونٍ هدَى كلَّ مسلَكٍ

كما انجابَ عن ضوءِ النَّهارِ ضبابُ

ومنها:

أعزُّ مكانٍ في الدنى سرجُ سابِحٍ

وخيرُ جليسٍ في الزَّمانِ كتابُ

وقفة مع المتنبي في قصيدة قالها في مدح كافور وكانت هذه القصيدة من الشعر الذي تنطبق عليه كلمة شعر؛ فهي في القمة، وكان المتنبي فيها يفخر بمجده، وحق له أن يفخر ففي جسمه نفس لا تشيب بشيب ذلك الجسم ولو بلغ أقصى العمر، فروحه لا تزال كعاب، وضرب لنا مثلاً في عزة النفس وفي خير جليس وهو الكتاب. الكتاب الذي لا يؤذي، وينقلك إلى قرون وعصور تسامرهم ويسامرونك حتى جاء إلى مدح كافور، وهي آخر قصيدة أنشدها إياه، ولم يلتق بعد هذا الإنشاد، ولم أجد في أسلوب هذا المدح ذماً، أو تعريضاً، ولعل المتنبي شغله طموحه ومطالبته لكافور بإعطائه ضيعة أو ولاية، فكانت كلها أسلوب مدح لا سخرية.

ومن قصيدة في مدح كافور سنة ست وأربعين وثلاثمائة:

وقفة مع المتنبي في أبيات من قصيدة في مدح كافور لنعرف هل تضمنت هذه القصيدة أبياتاً سخر فيها المتنبي من ممدوحه، ولنفسرها ونشرحها فبعد أن تخلص المتنبي من مقدمة قصيدته ليخلص إلى ممدوحهِ كافور:

هُما ناصِرا مَنْ خانهُ كُلُّ ناصرٍ

وأُسرةُ مَنْ لمْ يُكثِرِ النَّسْلَ جدُّهُ

أنا اليومَ مِنْ غِلمانِهِ في عشيرَةٍ

لنا والِدٌ منه يُفدِّيهِ وُلْدُهُ

إنّ المتنبي صور كافوراً أمضى سلاح يتقلده المرء إذا خرج إلى أية معركة من هذه المعارك، ورجاه هو السلاح، ثم يضيف بعده بيتاً، وهو ناصر من خذله كل ناصر، وهو من أسرة لم يعقب جده ذرية كثر، فتأمل معي هذين البيتين فهل يصح أن يكون كافور سلاحاً كما يتقلد المتنبي السيف أو أنه من أسرة ما كثر فيها النسل، لأن المتنبي يراه عبداً مملوكاً فكأنه إذا نسل جده أو أبوه إنما ينسل عبيداً ليسوا مستقلين، إنما هم مملوكون لسادتهم، وهذا من السخرية اللاذعة، أليس هو بشراً وهذه نعرة من نعرات الجاهلية، وأجِلُّ المتنبي أن ينحدر إلى هذا المستوى، ومن الجائز أنه قصد بهذه المقولة معنى آخر لم يصل له فهمي، ولعل المتنبي أراد أن يلقي على ما قاله في البيتين السابقين ستاراً فقال: إنّ كافور أهدى له غلماناً، فالمتنبي وهؤلاء الغلمان من عشيرة كافور تعويضاً له عن عدم نسل جدِّه، فهم يفدونه وهو والدٌ لهم.

ودس عليه كافور من يستعلم ما في نفسه، ويقول له قد طال قيامك عند هذا الرجل. فقال:

يَقِلُّ لهُ القيامُ على الرُّؤوسِ

وبذلُ المكرماتِ من النفوسِ

إذا خانته في يومٍ ضحُوكٍ

فكيف تكونُ في يومٍ عَبُوسِ

ونتحاور مع المتنبي عندما دس له كافور دسيسة لتستطلع ما في نفسه تجاه كافور ليلقي عليه الحجة فيعتقله ولا يدعه يخرج من مصر؛ لأنه يخشى إذا خرج يهجوه هجاءً لاذعاً، وكان ما كان يحذره كافور، فأجاب الدسيسة ببيتين لهما وجهان قد تحملهما على الهجاء، وقد تحملهما على المدح، وهذا من ذكاء المتنبي وعبقريته، فهو يقول:

يقل له القيام على الرؤوس

وبذل المكرمات من النفوس

أي كلما يفعل الشخص من رفع كافور، والبذل له، وخدمته فهي قليلة في حقه، وإن أردت أنه لا يستحق رفعه وخدمته وبذل المكرمات، ويفسر البيت الثاني البيت الأول فقد وضحت فيه السخرية فإنّ النفوس إذا خانت كافور في يوم ضحوك فكيف تخونه في يوم عبوس، وهذه المقولة جاء بها المتنبي معكوسة إنّ اليوم الضحوك لا يحتاج فيه إلى خيانة؛ لأنه يوم ضاحك لا شر فيه، أما اليوم العبوس فهو الذي يفر منه البشر ويخون فيه.

واستأذن كافوراً في المسير إلى الرملة ليخلص مالا كتب له به، وإنما أراد أن يعرف ما عند كافور في مسيره، فقال: لا والله لا نكلفك المسير، نحن نبعث في خلاصه ونكفيك، فقال:

أَتحلِفُ لا تُكلِّفُني مسيراً

إلى بلدٍ أُحاولُ فيه مالا

وأنتَ مُكلِّفي أنبى مكاناً،

وأبعدَ شُقَّةً وأشدَّ حالا

إذا سرنا على الفسطاطِ يوماً

فلَقِّني الفوارِسَ والرِّجالا

لتعلمَ قدرَ مَنْ فارقتَ منِّي

وأنكَ رُمتَ من ضيمي مُحالا

ونقف مع المتنبي وقفة تأملية نستشف ما في صور هذه القطعة التي يخاطب بها كافوراً، وما فيها من صور تهكمية وسخرية، حيث يقول أنت تقسم قسماً وتحلف يميناً أنك لا تريد أن تجشمني تعباً أن أسير إلى بلاد لأتحصل فيها على مال، ولكنك تستعبدني وتجشمني ما لا أطيقه، وأنت لست أهلاً لذلك، وعملك خلاف ما تظهره. فأنك تجشمني هولاً لا أستطيع حمله فأنا أنبو عنه كما ينبو عنه السيف، وأشد حالا من الحالة التي أنا عليها معك، وكأني أسير معك في عاصمة ملكك الفسطاط، فإذا سرت معك وفارقتك هو خير لي فأمر أبطالك وجنودك بردي إليك، فأنك لا تستطيع ردي إليك، ولا تقدر على ذلك، وعندما تعجز عن إعادتي وسجني لديك ستعلم قدر ومجد من فارقتَه. إنك لا تستطيع ضيمي ولا إهانتي؛ لأن قدري وتقييمي لا تعرفه، ولا تستطيع مسه.

وقال يمدح كافوراً وقد أهدى إليه مهراً أدهم عام 347هـ:

ونقف مع المتنبي وقفة حساسة نستشفُّ منها ما وراء الصور لنصل إلى جوهر المعنى فاسمعه يتحدث ويقول:

فِراقٌ وَمَنْ فارَقتُ غيرُ مُذَمَّمِ

وأَمٌّ ومنْ يمَّمتُ خيرُ مُيَمَّمِ

فراقٌ ولكنَّ الذي فارقه غير مذموم إنّ في هذه الصورة لتناقضاً، فإنّ الفراق مر المذاق، ومتى كان فراق الأحباب غير مذموم إلا إذا كان من فارقته مزهوداً فيه، وثقيل الظل عليك في الحياة، وهو عدو لك؟ أو لعله لا تميل له، ولا تربطك به أي روابط من روابط هذه الحياة، ثم يحسن الصورة ويقول إنّ الذي قصدته غير مقصود، ولا ندري في هذه الإشارة هل يريد بها بعد أن يتخلص من كافور ويفارقه، فالذي يقصده ويزوره بعد كافور هو خير مقصود حتى تكتمل الصورة، وإلا إذا كانت تشير إلى كافور فكان بين الصدر والعجز تناقض وبون شاسع. وقال:

فلو كان ما بي من حبيبٍ مُقَنَّعٍ

عَذَرْتُ ولكنْ من حبيبٍ مُعمَّمِ

ثم استمع معي إلى هذه السخرية؛ لأنّ العصر الذي عاش فيه شاعرنا العملاق المتنبي كان يهوِّنُ من شأن المرأة وقيمتها، حيث أن الذي يلاقيه من عناء وجفوة من حبيب مقنع، أي من أنثى كان أوجد له عذراً، وتجاوز عن أخطاء وجفوة ذلك الحبيب لو كان تصدق عليه كلمة حبيب، ولكنّ الذي يلاقيه من رجل معمم، أي يحمل عقلية، فلذلك لا يعذر ذلك الحبيب، فهو يسخر من ممدوحه ولكننا نحب أن نعلق على شاعرنا، ونهمس في أذنيه من وراء التاريخ البعيد، ويسمح لنا شاعر الإنسانية أن نخالفه، ونهوِّن من نظرته حول الأنثى التي هي الرئة التي يتنفس منها المجتمع، فالمرأة هي كمال للرجل، والرجل كمال للمرأة خلقهما الله وجعل لهما حسب طبيعتهما حدوداً وشأناً اجتماعيًّا يقومان به في هذه الحياة حتى تكتمل الصورة وتمتد هذه الحياة. وقال:

إذا ساءَ فِعلُ المرءِ ساءتْ ظُنُونُهُ

وصدّقَ ما يعتادُهُ من توَهُّمِ

وهنا المتنبي شاعر الإنسانية يضرب مثلا عامًّا يريد به المجتمع الإنساني، وإن كان يعرض به كافوراً، فإنّ كل فعل يصدر من امرئ سيئ يجيء نتيجة حتمية من معدن ظنونه السيئة، فهو وليد من سمائها، وبعد أن تلبّس المرء بهذه الحياة التي حولته من إنسان إلى امرئ سيء الأفعال والظنون، يصدق حتى الأوهام، ويراها واقعية تتمثل له في حياته وفي يقظته وفي نومه، وأنت إذا قرأت المجموعة البشرية، وسبرتَ حياتها النفسية شاهدت ولمست هذه المقولة تتمثل واقعياًّ في حياة هذه الشريحة.

رحم الله المتنبي فقد قرأ خلجات أنفس البشر حيث استشفها من كتاب نهج البلاغة أعظم كتاب في الحياة بعد القرآن الكريم، وبعد كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقال:

وقد وصلَ المُهرُ الذي فوق فخذِهِ

مِنْ اسمِكَ ما في كُلِّ عُنقٍ ومِعصَمِ

لكَ الحيوانُ الراكبُ الخيلَ كُلُّهُ

وإن كان بالنِّيرانِ غير مُوَسَّمِ

ويقف المتنبي في هذه القصيدة ليسخر من مهديه كافور الحيوان المهر، أي الفرس الصغير الذي كان كافور يوسم كل حيوان باسمه على فخذه فاستغل المتنبي هذه السمة ليسخر من كافور، فيقول له كل راكب على هذه الدابة أو ما يماثلها فهو ملكك وراجع لك، وإن لم يوسم اسمك عليه بالنار.

يذكر حمى كانت تغشاه بمصر ومنها:

فلمَّا صار ودُّ النَّاسِ خِبَّا

جَزَيتُ على ابتسامٍ بابتسامِ

وصِرتُ أشكُّ فيمن أصطفيهِ

لِعلمي أنَّهُ بعضُ الأنامِ

وقفة مع المتنبي لنتحدث معه والحمى تهزه هزاً عنيفاً وتغسله بالعرق الساخن في كل ليلة عندما تفارقه، ويتمطى الصباح ويفتح جفنيه ليرسل أنواره على الأفق والمتنبي وحيد، وكان في قصيدته فنان مصور ترسم ريشته رسمة ملونة تتحرك مع كل فصل من فصول ما يعانيه من ألوان صور الحمى، وليس معه من يخفف عنه هذه الويلات وهذا العناء الذي يقاسيه، لا كف تربته، ولا ثغر يبسم له، فليس معه إلا الله وكفى به حارساً وكافياً، وهذه القصيدة من قصائده العصماوات التي أبدع فيه إبداعاً هائلاً، ولكنه لم يفته حتى عرَّض بكافور في مثال حيٍّ متحركٍ يصور البشرية حتى يومنا هذا، وبعد يومنا حتى يخرج قائم أهل البيت فيهذب هذه النفوس، ويعيدها إلى إنسانيتها، فلما قرأ المتنبي صورة البشر المتحركة فوجدها تظهر مالا تخفي، وتخفي ما لا تظهر فإنّ حبها هو حب خداع، وابتسامتها ابتسامة مكر، فهو يجزيها بمثل ما تعامله، وحتى تغلغل به هذه القراءة فبلغ بها الهوس واليأس حتى صار يشك فمن يجعله خليلاً، ويصطفيه كأخ له لعلمه أنه من الأنام، وقد روي عن المتنبي الرواية التاريخية أنّ كافوراً كان يضاحكه، ويبتسم له، ولما سمع هذه القصيدة وهذه المقولة صار لا يبتسم له ولا يضحك، فاستدل المتنبي على فطنة كافور وذكائه.

ونظر يوماً إلى كافور فقال:

لو كان ذا الآكلُ أزوَادنا

ضيفاً لأوسعناهُ إحسانا

لكننا في العينِ أضيافُهُ

يُوسٍعنا زوراً وبهتانا

فليتهُ خلَّى لنا سُبلنا

أعانهُ الله وإيَّانا

وقفة مع المتنبي لنقرأه وهو يتهكم على ممدوحه كافور ويشير في مقولته الوصفية للضيف والمضيف، فهو يصف كافوراً بأنه يأكل من زاد المتنبي برغم أنه ضيف لديه، ولكن الصورة انعكست فصار كافور هو ضيف المتنبي وليس المتنبي ضيفاً له، ومعناه أن كافوراً كل ما مدحه المتنبي فهو يشيد به ويخلده، فكأنما هو يأكل من زاده في حياته الفانية، وبعد حياته سيخلد اسمه وأفعاله في ديوان الحياة، ينبض حرفاً من حروف المتنبي، ومع ذلك يتمنى المتنبي أن تنعكس الصورة فيكون كافور ضيفا حقيقياًّ للمتنبي حتى يوسعه تقديراً وإحساناً، وبرغم ما يعمله كافور مع ما يراه المتنبي من إهانات له فإنه يعتد بشخصيته ويراها أفضل منه؛ لأنه الشاعر الذي هو أمنية كل شخص يتمناها أن يقول فيه ولو بيتاً واحداً فبرغم هذا وذاك يدعو لكافور بأن يعينه الله ويخرجه من هذه الصورة المسيئة للضيوف إلى صورة فضلى.

ونختم هذه الصورة التي تحدثنا فيها وأذعنا ما ارتأيناه من رؤية في مدح المتنبي لكافور هجاء له بما صرح به المتنبي حيث صور مدحه أنه هجاء له وليس بمدح، ولم يقل هذه المقولة مع غير كافور فعندما زعل على سيف الدولة وفارقه أخذ يعاتبه عتاباً مراًّ حيث أنه يحبه، ويفي له، وسيف الدولة لا يبادله هذا الحب والوفاء، ولم يقل في أي لحظة أن مدحه هجاء بل لم ينبس بهذا الرأي، وهذه الفكرة لشخص من الأشخاص أن مدحه كان هجاء، إلا في كافور فاسمعه وتأمل في هذه الصورة التي صرح بها الشاعر العملاق المتنبي:

ولولا فضولُ النَّاسِ جئتُكَ مادِحاً

بما كنتُ في سِرِّي به لك هاجيا

فأصبحتَ مسروراً بما أنا مُنشِدٌ

وإن كان بالإنشادِ هجوكَ غاليا

فإنْ كنتَ لا خيراً أفَدْتَ فإنني

أفدْتُ بلحظي مِشفريكَ الملاهيا

ومِثلُكَ يؤتى من بلادٍ بعيدةٍ

ليُضحِكَ ربَّاتِ الحِدادِ البواكيا

لولا فضول الناس، أي تدخلهم فيما لا يعنيهم وإيثارتهم غبار الفتنة بين الحاكم والمحكوم فإنّ الصورة التي جئتك بها مادحا هي معكوسة المفهوم والمنطوق فهي في سري هي هجو لا مدح لك، وإن كنت - يا كافور - في هذه الصورة فرحاً بما أنشدك به من مدح ولكنّ هذا الإنشاد ليس مدحا، وأترفع عن هجوك؛ لأنّ هجوك أغلى منك، ثم يبدع في الصورة فيوغل في هذه الرسمة، فيصف أن كافوراً لا خير فيه ولا فائدة تعود منه على البشرية، ولكنَّ الخير لمحه المتنبي في شقوق قدميه وفي مشفريه الملاهي التي يتلهى بها كل من كان حزيناً، فمثله من يجيء له ويقطع الدروب ويطوي الصحراء ليستأنس به ويسليه وهو يؤنس حتى البواكي ربات الحداد الباكيات على فقيدها، فمنذ تنظر له يذهب عنها الحزن وتسلو، وتعود إلى سيرتها الطبيعية.

هذا ما قاله المتنبي ونختم به رؤيتنا فيما أرتأيناه من صورة اقتبسناها من مقاطع من شعر المتنبي في كافور.

والله أعلم بالحقيقة.

 

05/7/1431هـ

17/06/2010م 

[1]  يشير إلى بيت النابغة الذبياني:

وَلا عَيبَ فيهِم غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُم

بِهِنَّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

فهذا وصف بالشجاعة في صورة الذم.

الواحة
شاعر وأديب
125499