الأخطاء العلمية في مقال الخباز عن الفرزدق
عبد الجليل الحافظ * - 24 / 3 / 2011م - 7:11 م - العدد (60)

في عدد خريف عام 2010 م طالعتنا مجلة الواحة بمقال عن (أموية الفرزدق) أقل ما نقول عنه أنه مجانب للصواب، مباعد عن الحقيقة، ليس في عنوانه فقط؛ بل وفي داخله، وما كتبه أمر مخالف لما أجمع عليه العقل لا الناس، وأخطاء الأخ الخباز ليست فقط في نتائج بحثه، بل وفي مباني البحث، وما بني على باطل فهو باطل...

نلاحظ أن الخباز شن هجومًا مبدئيًا على الفرزدق، منذ أول سطر في المقال، ليخرج لنا بالنتيجة التي بدأ بها، وهذا أول خطأ في كتابة أي مبحث علمي، فالباحث العلمي لا يبدأ بالنتائج وينتهي بها ولأجل هذا، وذاك يحشد كل ما هو في صالحه متعاميًا عما هو ضد ما ينتهجه...

لقد اعتمد الخباز على الديوان الموجود في المكتبات في هذا العصر دليلاً على زعمه وقوله بأموية الفرزدق، ناسيًا أو غافلاً أن الشك في كل شيء هو ديدن الباحث في مسائل التاريخ، وأن الباحث التاريخي لا يقطع، ولا يجزم، كما أن على الباحث التاريخي أن يتتبع المسائل من أصولها وجذورها وما حولها، لا أن يقتطع السياقات التاريخية للمسائل المتعلقة بهذه الشخصية أو تلك...

فأولاً نجد الباحث تعلق بحقيقة الديوان الحالي للفرزدق، وأن هذا الديوان هو المعبر الحقيقي لشخص الفرزدق وروحه وعقيدته، بمعنى أن هذا الديوان هو ما وضعه الفرزدق لا ينقص حرفًا ولا يزيد، مع أن هذا الأمر خاطئ جملة وتفصيلاً فرياح الزمن وعواديه تجري على كل شيء، ومن ضمن ما جرت عليه ديوان الفرزدق الذي جاءنا من المرحلة الشفوية لحفظ أشعار العرب، وهذا الأمر معروف بداهة عند باحثي الشعر العربي، كما أن النصوص الإبداعية في أصلها ليست هي الدليل على عقيدة شاعر، بل هي مما يستشفع به في عقيدته ويظن بها لا يقطع وكون الفرزدق لا يمتلك في شعره ما يستشفع أنه شيعي المذهب فهذا لا يعني أنه ليس بشيعي وذلك لما يلي:

1- الديوان الشعري -كما أسلفنا- لا يمثل الحقيقة الكاملة لعقائد أي شاعر مطلقًا، فالفرزدق ليس الوحيد الذي لا يمثل ديوانه عقيدته بل هناك غيره كأبي نواس، وأبي تمام، والبحتري، والمتنبي، وابن المقرب. فهؤلاء لا يوجد في دواوينهم ما يستدل به على تشيعهم غير أبيات تنسب لاثنين منهم. هذا في العصر القديم، وفي العصر الحديث الجواهري والسياب لا يوجد في شعرهم إلا قصيدة للأول وقصيدتان للثاني، وهاتان أيضًا ليستا بالدليل على تشيعهما. هذا على سبيل المثال لا الحصر.

2- ديوان الفرزدق الموجود بين أيدينا دلت الدلائل على أنه ديوان ناقص وغير كامل، ولقد ضاع أكثره، ولم يبقَ إلا أقله. نعرف هذا من خلال أقوال الجيل اللاحق للفرزدق على سبيل المثال ما قاله يونس بن حبيب: «لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب.

وقال يونس في موضع آخر: لولا الفرزدق لضاع نصف أخبار الناس»[1] .

والديوان الذي بين يدينا لا تتمثل فيه هاتان الصفتان مما يدلل على ضياع الجزء الأكبر من ديوانه، وسندلل على هذا بدليل آخر بعد أسطر.

كذلك زعم الباحث أن الشريف المرتضى (355 – 436هـ) أنه من قال بتشيع الفرزدق، وهو دون دليل من شعر الفرزدق، نخبره أن هذا الأمر ليس زعمًا للمرتضى، بل هو أمر مشاع معروف في ذلك الزمان لم يقل أحدًا بعكسه فها هو المرزباني وهو معتزلي (297 – 384هـ) يقول في معجمه في باب من اسمه همام: «وكان الفرزدق سيدًا جوادًا فاضلاً وجيهًا عند الخلفاء والأمراء، هاشمي الرأي في أيام بني أمية، يمدح أحياءهم، ويؤبن موتاهم، ويهجو بني أمية وأمراءهم، هجا معاوية بن أبي سفيان، وزياد بن أبيه، وهشام بن عبد الملك، والحجاج بن يوسف، وابن هبيرة، وخالد القسري، وغيرهم» انتهى كلام المرزباني[2] ، وكثير من الهجاء لا زال موجودًا في الديوان الذي يزعم الباحث أن الفرزدق من خلاله أمويٌّ يرى أن الله أعطى بني أمية الخلافة هبة لهم خليقة بهم. فلا أعلم كيف رأى المدح في الديوان، ولم يرَ الهجاء المقذع لهم؟ أم إنه حقق القصائد فرأى صحة المديح ونحلة الهجاء؟؟

وكلام المرزباني يؤكد -مرة أخرى، بشهادة شاهد عيان هو المرزباني- أن ديوان الفرزدق الحقيقي ضاع أكثره، وأغلبه، وإلا فأين مدائحه لبني هاشم، وتأبينه لموتاهم الذي رآه المرزباني، ولم نجد أحدًا من عصر المرزباني اعترض على قوله هذا في الفرزدق، بل ولنلاحظ الصفة التي وصفها المرزباني للفرزدق سيدًا وجيهًا جوادًا فاضلاً، ومرت في ذلك الزمان دون اعتراض.

ومن أخذ بقول الأصفهاني وما ذكره في كتابه الأغاني عن الفرزدق. والأصفهاني أورد الميمية الشهيرة، ولعمري هذه تكفي شهادة تشيع، فكيف بشخص يؤمن ببني أمية، حسبما زعمه الباحث الخباز، تخرج منه هذه المعارضة القوية لسيده –كما يزعم الخباز– ويقف في صف ألد أعداء بني أمية زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) الذي قتل بنو أمية أباه أمامه، وقادوه وأهله مكبلاً، فلا يعقل أن يعارض الفرزدق ولي العهد الأموي ضد عدوهم الأكبر، إن كان منظرًا لهم مدعيًا حقهم، بل وهذه الحادثة تلتها قصيدة هجاء لهشام بن عبد الملك ولي عهد خليفة الدولة الأموية الوليد بن عبد الملك.

كما أنه من المعلوم، عند دارسي الأدب القديم، أن الأصفهاني في كتابه لا يلتزم بذكر الروايات الصحيحة، وإنما هو يذكر في سيرة الرجل ما له علاقة بالأصوات المائة التي لأجلها كتب الكتاب، كما يذكر الأشعار المغناة، وتخريجاتها، وما تعلق بها من ألحان وأصوات وغناء.

ومن هنا نعرف أن عقائد أي إنسان ليس محلها أشعاره، وخصوصًا في الشعر الغنائي، بل محلها أفعاله وتنظيراته، وتاريخه كاملاً، ومعروف أن أسرة الفرزدق بني مجاشع هي أسرة شيعية الهوى في أصلها، وإن كان بعضًا منهم -حينما كبروا- خرجوا عن التشيع كمثل قاتل الزبير حيث أنه قتل الزبير في واقعة الجمل في حب علي، وبعد صفين خرج مع الخوارج، فالأصل فيه التشيع، والعارض انقلابه على التشيع، وهكذا كانت مجاشع كما تروي الكتب...

وختامًا نؤكد في هذه العجالة خطأ الخباز فيما ذهب إليه، وخطأه في استدلالاته، واستشهاده بما لا يُستشهد به: فهو، إن اعتمد على الديوان الحالي وهو -كما بينا- ليس موضع اعتماد، ففيه هجاء لبني أمية، كما أن فيه مدحاً لهم، وهذا أمر يدل على أن الباحث الخباز غير محيط حتى بالديوان الذي استدل به، فكيف يكون محيطاً بأخبار الفرزدق كلها، وهو قد تغافل عن مصادر ذكرت تشيع الفرزدق أقدم من المصدر الذي ذكره.

[1]  الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، تحقيق عبد الأمير مهنا وسمير جابر مكتبة دار الكتب العلمية، بيروت، 1992م، جـ21/398.

[2]  معجم الشعراء، محمد بن عمران المرزباني، تحقيق الأستاذ الدكتور ف كرنكو، دار الجيل، بيروت، ط1، 1991م، ص: 412.
قاص وكاتب - السعودية.
190007