مآذن تعانق السكون
قراءة في ديوان: «الألم في اتجاه معاكس» للشاعر محمد الحمَّادي
صالح مهدي الخنيزي * - 24 / 3 / 2011م - 7:13 م - العدد (60)

«الألم في اتجاه معاكس» الإصدار الخامس للشاعر محمد الحمادي عن النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية بعد عدة إصدارات منها: مسافر، فلسفة الحب، والجنون اللذيذ.

تشكل الأنثى في الإصدارات السابقة لبِنات النص، فهي جزء لا يتجزأ من نسيج بِنْيته الشعرية، فالمتحدث يستجدي صحراء تلك العاطفة، ويتتبع مواطن ينابيعه التي يؤوي إليها عند رغباته. كانت الأنثى صحراءَ واحدةً لا تغير معالمها الرياح.

«الألم في اتجاه معاكس» جاء بصورة مغايرة للمجموعات السابقة، فالمتحدث - هنا - يحاول التحرر من الرمال التي أنهكته؛ ليبحث عن مساحات أفقيَّة يطلُّ بها بعد أن سئم من سراب الظلال.

في هذه الورقة سأتحدث عن حركية التصوير لدى الحمادي، متوقفا عند صورة «المآذن»، كيف صورها الشاعر؟ وكيف مهَّد لها امتدادًا مشعًّا؛ ليسلبها من الضوء فجأة. فالشاعر يهيئ للصورة فضاءً حركيًّا، ولكنه سرعان ما يخنقها، مجرِّدا إياها من النبض.

يقول الشاعر في (بوابة أولى): (فقاعة الصابون حررها المدى، حتى استراحت بين شط الياسمين.

ولست أدرك ما يكون.

ما بين مأذنة السكون)[1] 

ففقاعة الصابون تأخذ بعدًا حركيا في جلبة المدى، ولكنها تصل إلى السكون المتلبس في صورة المأذنة، فتسلب الصورة من هذه الحركة بعد أن ابتدأت بها.

ويقول في (الوطن لغة أخرى):

(أمشي بلا روح تدغدغ فكرتي

وخريف عمري مئذنات يقيني)

إلى أن يقول:

(قد صار عمري كالخريف مبعثرا

ولهاث شعري ضاع بين سكوني)[2] .

وتبدأ هذه الصورة متحرِّكة «أمشي بلا روح...» إلى أن يتمكَّن الخريفُ من سلب الحركة منها.

ويقول في (إيقاع لحظة):

«وبعض الذي لم يبارحني لحظة.

هذه مئذنات الطريق إليك.

ونبض الطريق محال»[3] .

فما أجمل هذا الامتدادَ في الرصف الشعوري، ولكن هذا الطريق الممتد مجرَّدٌ من النبض أيضا.

ويقول في (اللحظة الأولى):

«أغصان مأذنة الغروب تكسرت.

فرسمت وجهك في السكون»[4] .


وهذه الصورة تتفوَّق على الصور السابقة من حيث التركيب: «المأذنة»، «الغروب»، و«الأغصان». فالمئذنات في الصور السابقة تُطلُّ ساكنةً، ومجردة من مشروعيتها في التعبير، ولكنها تتهاوى متكسرة هنا.

والشاعر يقوم بتهيئة هذه الصورة مسبقا باستخدام «الخريف» رمزًا يستشري في جسد التصوير «للمأذنة» في (الوطن لغة أخرى)، فتحاول الصورة التغلب على قسوة الطريق في (إيقاع لحظة)، ولكن هذا الطريق يتمكن منها شيئًا فشيئًا، فما تبرح أن تتكسر أغصان المأذنة المتعرية لتسقط على نافذةٍ من ظلام.

تأخذ الصورة لدى الحمَّادي بعدين: حركي يبدأ من نقطة وينتهي بأخرى، وزمني يغلِّف مسار الصورة الكلية.

ويتكئ التصوير على المشاهدة البصرية من جانب، واستخدام «الخريف» و«المأذنة» رمزين من جانب آخر.

في الختام، سعدت بقراءة هذه المجموعة، وتتبع صورة المآذن فيها متمنيا للشاعر المزيد من التقدم.

[1]  الديوان، ص: 9.

[2]  الديوان ص: 30.

[3]  الديوان ص: 62.

[4]  الديوان ص: 21.
شاعر
180428