الحركة الأدبية بالمدينة المنورة في العصر الحديث 2/2 ([1])
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 24 / 3 / 2011م - 7:19 م - العدد (60)

الصحافة في المدينة المنورة
نشأتها وتطورها وأثرها في الحركة الأدبية

ب - جريدة المدينة المنورة:

بدأت فكرة إصدار جريدة تحمل اسم (المدينة المنورة) في وقت مبكر، وكثيراً ما طرحت الفكرة للنقاش بين شباب المدينة وأدبائها، وكانت توجد بالمدينة المنورة مطبعة صغيرة تدار بالرّجْـل أحضرها الشيخ كامل الخجا رئيس تجار المدينة إذ ذاك، وكان يشرف على إدارتها الشيخ عبد القادر توفيق الشلبي من علماء المدينة، وذلك في عام 1329هـ الموافق 1910م. كما أن للسيد أحمد الفيض آبادي، مؤسس ومدير مدرسة العلوم الشرعية، مطبعة صغيرة أخرى تدار باليد أسسها بالاشتراك مع الشيخ عبد الحق النقشبندي في عام 1346هـ، وتسمى (مطبعه طيبة الفيحاء)، وكانت هذه المطبعة في مدرسة العلوم الشرعية، وقد اشترى هذه المطبعة السيد عثمان حافظ، وهي نواة مطبعة المدينة المنورة التي أسسها التوأم علي وعثمان حافظ في عام 1355هـ الموافق 1936م[2] .

ويذكر عثمان حافظ أن فكرة إصدار جريدة قد عُقد بشأنها اجتماع في منزل الأستاذ عزيز ضياء بالسيح؛ لمعرفة ما تحتاجه (مطبعة طيبة الفيحاء) من لوازم طباعية تمكنها من إصدار جريدة عليها، وقد ضم الاجتماع نخبة من شباب المدينة ومفكريها، يذكر منهم الأساتذة ضياء الدين رجب، وماجد عشقي، وعبد الحق النقشبندي، ومحمد حسين زيدان، وعبد الحميد عنبر، ومحمد أحمد كردي، وصلاح الدين عبد الجواد، وفهمي الحشاني، وياسين طه، وعلي وعثمان حافظ. وكان هذا الاجتماع في أواسط عام 1353هـ، وقد نوقش في الاجتماع تطوير المطبعة، وتقدير تكاليفها التي بلغت 11060 قرشا مصريا[3] ، وذكر محمد الدبيسي أن الأستاذ حسن الصيرفي كان أحدهم.

واستقر الرأي على أن تكاليف اللوازم وأجور العاملين (... تبلغ «110» جنيه مصري التي تساوي اثني عشر ألف ومائة قرش سعودي، ليس من السهل تدبيرها، إلا أن يوجد لها ممول ثري، وأين الممول الذي يقتنع بهذه الفكرة التي كانت تطوف بأذهان الأدباء من الشباب؟ لا بأذهان أصحاب الثراء والمال «والأدباء والشعراء، دائماً، من أفلس خلق الله» منذ خلق الله الأدب والشعر، وإذا ما أثرى أديب أو شاعر ارتفع به ثراؤه عن مستوى الأدباء إلى مستوى الأرقام والأرصدة البنكية، حتى أنهم يقولون لمن ظهر عليه الفقر «أدركته حِرفة الأدب»)[4] .

فكر الأخوان الشقيقان التوأم علي وعثمان حافظ كثيراً بالموضوع، مع استبعاد فكرة شراكة أحد معهم تنفيذاً لوصية والدهم الذي حذَّرهم من ثلاثة حروف (الشين والواو والكاف) فالشين عن الشركة، والواو عن الوكالة، والكاف عن الكفالة، ولهذا قررا الكتابة لجلالة الملك عبد العزيز يلتمسان منه الأمر بإعفاء المطبعة وأدواتها من الرسوم الجمركية عند استقدامها من الخارج؛ لتقوم هذه المطبعة بإصدار جريدة المدينة لتخدم الدولة والبلاد.

وبعد دراسات وإحالات بين مجلس الوكلاء والجهات الأخرى في الجمارك وغيرها، فقد قدرت تكاليف الجمارك بـ1500 ريال سعودي، وقد استكثر وزير المالية ذلك المبلغ فقال: (إن الحكومة لا تعين عاجزاً)، فاتصلوا بالشيخ محمد سرور الصبان الذي سهل لهم الأمر، وطلب منهم الكتابة مباشرة للملك عبد العزيز عن طريقه، وهكذا صدرت الموافقة بعد الكثير من المتاعب.

وبعد صدور الموافقة بدأ استعداد عثمان حافظ للسفر إلى مصر لإحضار المطابع الجديدة رغم أن المبالغ المطلوبة لم تتوفر، وعلم بذلك الشيخ محمود شويل الذي قدم له صرة داخلها (55) جنيه ذهباً، وأعطاه محمد سرور الصبان خطابات توصية لأبي الاقتصاد المصري طلعت باشا حرب، ولمعتمد الحكومة السعودية بمصر الشيخ فوزان السابق وغيرهم، لتسهيل أموره.

وقد تم شراءُ المطبعة ولوازمها، وتم شحنُها إلى ميناء ينبع، وعاد ليسبقَها، وليأخذ إذناً بنقلها من ينبعَ للمدينة على سيارات الحكومة، وعند إنزال المطبعة ولوازمها بالميناء انحرف المركب فاختل توازنه، وسقط الصندوق الذي يحمل الطنبور والأدوات الهامة للمطبعة بالبحر، ففزع الأهالي وأخرجوه، وأمر أمير ينبع (المهندس) بتنشيف الآلات، وتشحيمها قبل تغليفها مرة أخرى، وشحنت بالسيارة التي وجه محمد سرور الصبان بها لنقلها للمدينة.

وبعد معاناة وصلت المطبعة، وبدأ تركيبها وتجهيزها للعمل، وكان - وقتَها - عبد القدوس الأنصاري يُعِدُّ لإصدار مجلته (المنهل) بعد حصوله على الموافقة الرسمية، فاتفق مع آل حافظ على طباعتها في مطابعهم الحديثة، أو المحدثة، فصدر العدد الأول في شهر ذي الحجة 1355هـ، ولم يكن بالمستوى المطلوب لسوء الورق، ولسيلان الحبر، فأعادوا طباعة بعض الصفحات، إلا أن العددين التاليين خرجا أفضل من طباعة العدد الأول.

وفي اليوم الأول من ذي الحجة 1355هـ جرى الاتفاق بين صاحب المنهل وصاحب المطبعة، وفي اليوم نفسه وصلتهم الموافقة الرسمية على صدور جريدة المدينة المنورة، وقال عثمان حافظ: (... ولو تقدم وصول رخصة الجريدة على اتفاقية المنهل عشرة أيام أو خمسة عشر يوما لباشرت في إصدار الجريدة، دون توقف، فكان أن صدرت المنهل في أول ذي الحجة سنة 1355هـ، وصدرت المدينة في أول محرم 1356هـ... (38))[5] .

والحقيقة أن المدينة صدرت بتاريخ 26 محرم 1356هـ بعد أن تشكلت هيئة التحرير من أربعة أشخاص هم: الأساتذة أمين مدني، وضياء الدين رجب، ومحمد حسين زيدان، وعلي حافظ، وبقي عثمان حافظ مسؤولاً عن المطبعة، وقد اختاروا من بينهم الأستاذ أمين مدني رئيساً للتحرير، وكان شعار الجريدة: (جريدة الشعب العربي السعودي)، فكتب في العدد الأول رئيس التحرير أمين مدني تحت عنوان (الصحافة)، وكتب محمد حسين زيدان موضوع (كياننا الأدبي في العالم العربي – لماذا لا نكتب؟)، وضياء الدين رجب كتب تحت عنوان (هل للعالم نتاج في بلادنا؟)، أما الافتتاحية فقد كتبها عثمان حافظ، بالإضافة إلى قصيدة لأحمد العربي بعنوان (إيه يا بدر)، وأخرى لنائب قاضي المدينة عبد الحفيظ كردي نشرت باسم (لأحد العلماء الأفاضل) لعدم رغبته ذكر اسمه.

وقال عثمان حافظ في كلمة الافتتاح: (... وإننا لنرجو من شيوخنا المفكرين وقادتنا العاملين وأدبائنا النابهين وإخواننا المعضدين أن يُمِدوا صحيفتهم هاته، ويرشدوها إلى الواجب، فما هي إلا لسانهم الذي به ينطقون، وموضع بحثهم ومحل تفكيرهم، ولم ننشئها إلا لخدمتهم وإعلان نهضتهم، فليس لنا رائد ولا هدف سوى خدمة هذه البلاد المقدسة، والعرب والمسلمين. هذا أهم ما نهتم به، والأساس الذي قام عليه بناء هاته الصحيفة التي نقدمها لأبناء المملكة العربية السعودية شيباً وشباناً. لا فرق بين المكي والمدني والرياضي والنجدي والقصيمي والعسيري، بل إنا نعدها لأوسع من هذا؛ فهي تقبل كل مقال عربي قيم، وكل رأي إسلامي سديد، القصد منه المنفعة العامة والإصلاح المأمول...)[6] .

وفي قصيدة ضياء الدين رجب نقرأ:

نريدها أدباً نضراً يعز به

أبناء يعرب والفيحاء والحرم

ونرتجيها رسولاً للثقافة في

بني العروبة من بغداد للهرم

نريدها صفحة بيضاء ناصعة

تفيض بالصدق والإخلاص والحكم

نريدها صورة للشعب صادقة

تشارك الشعب في حزن وفي ألم

وقال عثمان حافظ: (إنه بعد صدور العدد الأول من الجريدة؛ أصبحوا أمام الأمر الواقع الذي لا محيد عنه، فقد أقدموا على العمل الصحفي، كما أقدموا على العمل الطباعي. لم يتسلحوا له بالعلم والاختصاص والدراسة، ولم يكونوا يعرفون شيئاً عن علم الصحافة وفنونها: كانوا مندفعين بعواطفهم لا بعقولهم. مندفعين بحافز من الهواية، ولم يشغلهم تفكيرهم إلا إلى الوصول للهدف، وتحقيق الحلم الذي كان أشبه بالخيال، فكان جلُّ همهم أن يروا اليوم الذي تدور فيه الطباعة لتصدر الجريدة؛ لتعبر عن مشاعر البلد، صادعة بما فيها من أدب وشعر وفن، لتؤدي رسالتها الصحفية أحسن أداء)[7] .

وكان يتذكر هذه الصورة بعد مضي أكثر من أربعين عاما فيقول: (... وكنا نلاحظ شعور الأدباء والكتاب الذين يكتبون لنا، ونعتبر كتاباتهم عوناً وتشجيعاً للجريدة فنتوخى إرضاءهم)[8] ، وأصبحت الجريدة عبئاً، فلم يستطيعوا تحمل متطلباتها المادية، وإذا أهل الشهر عليهم فلا بد من تدبير مرتبات العمال، ولا بد من شراء طوابع البريد التي تلصق على أعداد الجريدة التي ترسل للمشتركين في الداخل والخارج، وهذا يكلفهم - شهريًّا - ما بين 130 و140 ريالاً، وهو فوق طاقتهم، وكانت فرصة قدوم المولود الجديد (محمد) للأمير فيصل، نائب الملك في الحجاز، فأرسلوا له برقية تهنئة، وتشفعوا بالمولود القادم في إعفائهم من طوابع البريد، فجاءتهم الموافقة.

وسريعاً ما نفد مخزونهم من الورق، وهو يكلف الكثير، فلجئوا إلى محمد سرور الصبان الذي أعانهم بخمسين جنيهاً، ووجههم للكتابة لجلالة الملك، فأعفى الورق من الرسوم، وخصص للجريدة مبلغ خمسين ريالاً شهريًّا معونة لهم لإصدار الجريدة، وذلك منذ أول عام 1357هـ، وهذا المبلغ يقارب رواتب العاملين بها، وتضاعف هذا المبلغ حتى أصبح في عام 95 /1396هـ مليون ريال سنوياًّ.

وبدأت الجريدة في إصدار أعداد خاصة بمناسبات تاريخية. فنجده يقول: (... وكنا - عندما نريد إصدار عدد ممتاز - نعبئ مواده وكليشاته قبل شهور، ونطلب من الإخوان الأدباء والشعراء الكتابة في هذا العدد، فيكتب من يكتب، ويعتذر من يعتذر. والواقع أن الجريدة لاقت من أدبائنا وكتابنا في أنحاء المملكة معونات لا ننساها أبداً، وهذه المعونات الأدبية من الأسباب الرئيسة التي جعلت جريدة المدينة تقف على قدميها هذه المدة الطويلة، وتواصل جهادها طيلة (38) سنة في كفاح ونضال، مستمدة من الله العون والتوفيق، متخذة من العجز قوة، ومن القلة كثرة، ومن الركود نشاطاً)[9] .

ويأتي دور الرقابة. فعند إنشاء الجريدة كان لها رقيبان، أحدهما للشؤون الدينية، وهو السيد أحمد صقر، معتمد المعارف بالمدينة، والآخر للشؤون السياسية، وهو الشيخ يوسف بصراوي، رئيس القسم العدلي بشرطة المدينة، وكانت الجريدة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بوزارة الخارجية، وقلم المطبوعات الذي يتولى الإشراف على الصحافة، وكانوا يتلقون التعليمات والإرشادات والمناقشات من عدة سلطات في الدولة، من الشعبة السياسية، والنيابة العامة، وإمارة المدينة، والسلطات القضائية... إلخ.

وقد ذكر لي الأستاذ فهد العريفي (رحمه الله) أنه كان يراسل المدينة من حائل، وأنه قد استدعي للإمارة، وطُلب منه ألا يكتب لأي جريدة، أو أية وسيلة إعلامية إلا بعد إذن الإمارة، وأن الأمير قد هدده بالسجن فيما لو لم يتقيد بهذه الأوامر، ونجد عثمان حافظ يقول: (إن إمارة حائل قد كتبت تناقشهم مرة في أخبار نشرت عن حائل، وتطالبهم ألا ينشر في الجريدة إلا ما يصلهم منها.

ولكن لا بد من ما ليس منه بد فقد تعرضت الجريدة للإيقاف والمطبعة للإغلاق بسبب خطأ غير مقصود، إذ توقفت الجريدة نحو شهرين بسبب إعلان نشر في العدد 54 المؤرخ في 6 ربيع الأول 1357هـ من السفارة الأفغانية، وكانت وزارة الخارجية تطالب الصحف بعدم نشر أي شيء يأتيهم من السفارات إلا عن طريقها، ومع ذلك فلم يصلهم مثل هذا التعميم، وقد عمل عبد الله السليمان جهده وواسطته للتخفيف من غضب الملك عبد العزيز، وزكاهم أمير المدينة عبد الله السديري، فعادت الجريدة للصدور من جديد.

وكان التوقف الآخر الذي استمر لأكثر من خمس سنوات بسبب نفاد الورق أثناء الحرب العالمية الثانية؛ إذ تعرضت الجريدة لأزمة الورق والحبر وغيره مما اضطر الجريدة للتوقف، وكان البيان الرسمي بإيقاف الصحف إنقاذاً لهم مما يكابدونه من متاعب.

وبعد نهاية الحرب عادت الصحف للصدور من جديد، وتأخر إصدار المدينة بسبب بُعد عثمان حافظ عنها، إذ تعين معتمداً للمعارف في المدينة، ثم مفتشاً في المالية، واستقر بمكة المكرمة، بينما استقر شقيقه علي بالمدينة، رئيساً لكتاب المحكمة الشرعية الكبرى.

كثر إلحاح أبناء المدينة وبعض المسؤولين عليهما بإعادة إصدارها من جديد، رغم حاجة المطبعة إلى تجديد مستلزماتها، وإعادة تأهيلها بسبب توقفها عن العمل طوال فترة الحرب، ولشعورهما بالواجب الأدبي فكرا بسرعة إصدارها، إلا أن إيجاد المال الكافي لاستكمال المستلزمات الطباعية والإدارية والورقية كان سبباً رئيسياًّ في عدم التنفيذ.

إلا أن اجتماع وادي العقيق التاريخي ببستان السيد البري دفعهم دفعاً إلى أن يقدموا طلباً لقلم المطبوعات بوزارة الخارجية بإعادة إصدار الجريدة، وسريعاً ما صدرت الموافقة، فصدر العدد (212) في يوم الاثنين 29 شوال عام 1366هـ الموافق 15 سبتمبر 1947م، وقد أشارت الجريدة في افتتاحيتها إلى أن جريدة المدينة المنورة تستأنف صدورها بعد احتجابها ما يقرب من ست سنوات لاندلاع نار الحرب العالمية، وفقدان المواد الأولية للطباعة والورق الذي أصاب كل صحف العالم، وأن من شأن الحرب أن تفجع العالم في مواده الغذائية سواء كانت لغذاء العقل أو لغذاء الجسم.

وعاد الأدباء إلى الكتابة من جديد معضدين ومشجعين، وقال عثمان حافظ: (وكان الأدباء يكتبون في المدينة دون أن يتقاضوا أي أجر على ما يكتبون، ولا أذكر، أبداً، أن جريدة المدينة - عندما كانت بعهدتنا - دفعت أي مبلغ للكتاب عدا ما قدمته المدينة من هدية رمزية أو هي خيالية للأستاذ ضياء الدين رجب الذي كتب مقالاً في جريدة المدينة المنورة بتاريخ 4 ذي الحجة عام 1381هـ في العدد 1061 تحت عنوان (حديث في رسالة) ـ يلمح فيه بطلب المكافأة للأقلام الكاتبة...)، ومما قاله في مقاله: (فقرشونا نقرشكم، ونهاودكم في السعر، ونقبله نقداً أو غير نقد - من محصول البلد - تمراً، أو قمحاً، عنباً (مكانس) قففاً، مراوح، شراباً، وكل بحسابه، وبلا فضل، ولا ربا، إننا - وأنت أدرى، وأنت سيد العارفين - بعد جهد جهيد مع الزمن، ومعارك النضال والمعرفة والمحن، أصبحت ثروتنا هذه الألقاب «الكاتب الكبير». «الشاعر المعروف»، وهذه عملة لا يقبلها بنك ولا تاجر وبقال، ولا قماش...)، فرد عليه عثمان حافظ بخطاب نشر في العدد 1064 المؤرخ في 21/12/1381هـ، ومما قال: (... وحديثك عن الأجر والتقريش، وكنت أكره الخوض فيه، وأن التوجيه والإرشاد والنصح لا يقدر بثمن كالعشب والماء. ومبعث هذه الفكرة هو خواء صندوق الجريدة...). ومع ذلك فقد أهداه عباءة بيضاء (بشت) اذَّخره للمناسبات وقال: (... هذه العباءة أبعثها إليك وأنا واثق أن يداً بجانبك ستلقطها قبل خبنها، أبعثها إليك من باب تسديد الخانة، لا من باب تسديد الأجر، أو سد الحاجة، لأنني أعرف عدم حاجتك إليها، وهي لا تليق بالمقام، ولكنها الموجودة الآن، وقد هاودتنا في قبول الموجود، وسوف لا نبخل بموجود، وأنت لا تطالبنا بمفقود، ونسير معك على قاعدة: «أنت لا تطالبنا، ونحن ما ننساك»، وأرجو أن يكون هذا سراًّ بيننا، فلا تسره لأحد من إخواننا الكتاب؛ لئلا يفتح الباب علينا، فالجريدة ليس في مقدورها أن تسد كل الخانات...)[10] .

وقد استحدث الشيخ محمد سرور الصبان وظيفة تتناسب وظروف عثمان حافظ لينتقل من مكة المكرمة كمفتش في وزارة المالية إلى المدينة حيث الجريدة، بوظيفة مدير إدارة الحج.

لقد حرص الأخَوان على تطوير الجريدة، وكيف يمكن أن يصدراها يومية أو على الأقل مرتين في الأسبوع، ويحول بين طموحهم المطبعة وإمكانياتها المتواضعة وصعوبة تجميع وتفريق الحروف بعد الانتهاء من صفحة تمهيداً لتجهيزها لصفحة أخرى، ولكن عدم إصدارها مرتين في الأسبوع لم يحل دون زيادة عدد صفحاتها من 4 إلى 6 صفحات من العدد 772 المؤرخ في 29 رجب 1378هـ، وقبل أن ينتهي عام على صدورها بـ (6) صفحات صدرت مرتين في الأسبوع: الاثنين والخميس من العدد 813 المؤرخ غرة جمادى الثانية 1379هـ، وقد لاقت الجريدة ترحيباً كبيراً من الأدباء والقراء بعد صدورها مرتين في الأسبوع، نشر ذلك في جريدتي المدينة والندوة، وممن كتب مرحِّباً بهذه الخطوة عبد العزيز ساب، وفؤاد شاكر وغيرهم.

ومع ذلك بقيت فكرة إصدارها يومية تراودهما، فقررا نقل طباعتها إلى جدة لوجود مطابع حديثة، ومع مجيء ولدهما محمد علي حافظ منهياً دراسته الجامعية في مصر، وفي مجال الصحافة، فاتفقا مع مؤسسة الطباعة للصحافة والنشر بجدة على طبع الجريدة يومياًّ، حيث صدرت يومية بتاريخ 20 جمادى الثانية 1382هـ، وانضم ولدهما هشام علي حافظ معاراً من وزارة الخارجية ليرأس تحريرها بعد تنازل شقيقه محمد عن رئاستها.

وبعد صدورها يومية بستة عشر شهراً صدر نظام المؤسسات الصحفية الأهلية، وانتقل امتياز الجريدة من (علي وعثمان حافظ) إلى مؤسسة المدينة الصحفية.

وفي مؤتمر الأدباء السعوديين الأوَّل الذي أقيم في جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة في شهر ربيع الأول 1393هـ طلب من عثمان حافظ أن يقدم بحثاً عن نشأة الصحافة، ومما قاله: (... الأدب في الصحافة السعودية وليد النهضات العلمية والثقافية، والنضوج الفكري. ازدهر الأدب في العهد السعودي بازدهار التعليم وانتشاره...)[11] .

وقال: (... أما الأدب في صحافة العهد السعودي فقد ازدهر وتفتح وأصبح له كيان اعترف به أدباء مصر ولبنان وغيرهما من البلاد الأخرى العربية والغربية، وأصبح أدباؤنا يدعون للاشتراك في المؤتمرات والندوات الأدبية من مختلِف أنحاء العالم، ويشتركون في المسابقات الأدبية. ومما يزيد اعتزازنا بالأدب السعودي أن كثيراً من أدبائنا نالوا جوائز رفيعة لتفوقهم في تلك المسابقات الأدبية التي اشترك فيها كبار رجالات الأدب من هنا وهناك. وما نشك أن الصحافة السعودية كان لها دور كبير في تصدير الأدب السعودي، وفي تعريف العالم بأدبنا السعودي وأدبائنا السعوديين...)[12] .

وقال عن جريدة المدينة: (... إنها أول جريدة أدبية إخبارية سياسية تصدر في المدينة المنورة، وهي وإن كانت تهتم بالخبر المحلي والخارجي إلا أن اهتمامها بالنواحي الأدبية والشؤون الفكرية كان كبيراً جداًّ. ففي أول عدد صدر منها كتب الأستاذ محمد حسين زيدان أحد محرريها تحت عنوان (كياننا الأدبي في العالم العربي - لماذا لا نكتب؟ )، ولام الأستاذ زيدان الأدباء على تقاعسهم عن الإنتاج، وقال: إن كثيراً منهم غني بعمله وأدبه وأن بعضهم يخاف النقد فلا ينشر مع أن الكثير من الأدباء يكتبون ويختزنون، وأن هذا منع أن يكون لنا كيان أدبي في العالم العربي، وكان ينبغي أن يكون...)، وانتهت علاقته بالجريدة بعد أن كتب مقالاً بسببه كاد أن ينفى من المدينة، ولم يدافع عنه محررها[13] .

كما أن الأستاذ محمد عمر توفيق قد نشر مقالاً في العدد العاشر المؤرخ 1 ربيع الثاني 1356هـ تحدث فيه عن تطور الأدب في المملكة، وأن الأستاذ حسين سرحان قد نشر مقالاً عن (أدب السندويتش) في العدد 17 المؤرخ 22 جمادى الأولى 1356هـ، وشارك الأستاذ محمد حسن عواد في العدد العاشر المؤرخ 1 ربيع الثاني 1356هـ بمقال عن (الأدب الكاسد) وغيرهم.

أما الشعر فقد نشرت المدينة الكثير من القصائد للأساتذة: أحمد إبراهيم الغزاوي، ومحمد حسن فقي، وأحمد العربي، وضياء الدين رجب، وإبراهيم الجبهان، وغيرهم.

قال عنها علي جواد الطاهر: (... وقد أسهمت جريدة المدينة المنورة مع مجلة المنهل في تشجيع الحركة الأدبية في المدينة، وقد أكد عثمان حافظ حرص جريدته على أن توسع مجالها الصحفي، وألا تصبح محلية...)[14] .

وقال عباس بن صالح طاشكندي: (وأسهمت جريدة المدينة المنورة التي صدرت عام 1356هـ / 1937م في المدينة المنورة بدور ثقافي وأدبي بارز، حين أتاحت - إلى جانب أهدافها الإخبارية - فرصةً لعدد من أدباء ومثقفي المدينة المنورة للكتابة فيها، مستعرضين آراءهم في الجوانب الأدبية والثقافية والاجتماعية)[15] .

وبعد أن استعرض الكثير مما نشر بالمدينة - الجريدة - من المشاركات الأدبية، ومما قيل عنها نجد محمداً الدبيسي يقول: (... ويسعنا القول إن صدور صحيفة المدينة المنورة قد واكب ظهور سمات تُميز حركة الأدب بالمدينة المنورة في العهد السعودي، والاستقرار السياسي والاجتماعي فيها، مما كان له الأثر في الحراك الأدبي، ولاسيما في الشعر؛ حيث يحصي عثمان حافظ أكثر من ثلاثين شاعراً وأديباً بالمدينة المنورة. شهد ذلك العهد تجلي إبداعاتهم وكثرة إنتاجاتهم، وكانت صحيفة المدينة المنورة نافذة واسعة للنشر، تحفل بإنتاجهم انتصاراً للقضية الأدبية وإحساسها بواجب يفترضه وجودها بالمدينة المنورة، وحتى بعد انتقالها إلى جدة استمرت في التأكيد على الالتزام بهذا الواجب، وكانت - منذ بداياتها - تهتم بكل ما يُبعث إليها من الأدباء من أرجاء الوطن...)[16] .

وقال: (... وقد وجد أدباء المملكة بصفة عامة، وأدباء حواضر الحجاز - كمكة وجدة - في صحيفة المدينة المنورة ميداناً يحتفي بأفكارهم، ويفسح المجال لمقالاتهم، فحرصوا على متابعة إمدادها بإنتاجهم الأدبي، والحرص على اقتنائها وقراءتها؛ لأنها المشهد الذي تتلاقى فيه تلك الأفكار، والوسيلة الإيصالية[17]  التي تجعل متابعتهم للشأن الأدبي حاضرة ومتجددة، ولاسيما والصحيفة تولي اهتماماً كبيراً للشأن الأدبي، وتفسح صفحاتها لاستقطاب رموزه، والمعنيين به، مما ساهم - في حينه - في تفعيل الحراك الثقافي، عبر المقالات والسجالات الأدبية التي قامت الصحيفة بنشرها...)[18] .

وقال عنها عبد الله سالم القحطاني: (... وكانت تهتم بقضايا الأدب والتاريخ، كما كانت تهتم بأخبار المدينة المنورة، وقد ساعدت جريدة المدينة على إحياء التراث الأدبي في المدينة، فأصبحت المدينة مركزاً أدبياًّ لا يقل عن المركزين الأدبيين في مكة وجدة، فكانت ترعى وتهتم بالأدب في المدينة، كذلك تهدف إلى أن تصبح جريدة لهاويات فن الأدب من فتيات الشعب السعودي...)[19] .

ولهذا نجد غازي زين عوض الله يقول: (... وقد اهتمت المدينة المنورة بأخبار الأدباء اعتباراً من سنة 1373هـ، 1954م، ولكنها لم تخصص صفحة خاصة بالأدب، بل كانت المواد الأدبية تتخلل صفحات الجريدة...)[20] .

 

(ولقد خصصت المدينة المنورة اعتباراً من سنة 1383هـ، 1963م باباً أدبياًّ بعنوان: (اليوم.. شعر)، كانت تنشر فيه قصيدة لأحد الشعراء الذين كانوا، غالباً، من الشباب، كما خصصت كل يوم جمعة صفحة بعنوان (صفحة الفنون والآداب) كانت تضم الأبواب التالية:

- الأدب في أسبوع.

- أديب يتحدث.

كان يشرف على هذه الصفحة الأديب عبد الله الجفري...)[21] .

[1]  بحث ألقي في ملتقى العقيق الرابع بالمدينة المنورة: 1431هـ، 2010.

[2]  انظر: تطور الصحافة، مرجع سابق، جـ1/ 158.

[3]  انظر: تطور الصحافة، (قصة جريدة المدينة، عثمان حافظ)،مرجع سابق، ط1، جـ2/13-15.

[4]  انظر: تطور الصحافة، مرجع سابق، ص 16- 17.

[5]  تطور الصحافة، مرجع سابق، جـ2/112.

[6]  تطور الصحافة، مرجع سابق، جـ2/126 - 127.

[7]  تطور الصحافة، مرجع سابق، ص: 133.

[8]  نفسه، ص: 133.

[9]  نفسه، ص: 158.

[10]  تطور الصحافة، مرجع سابق، ص208/209.

[11]  تطور الصحافة، مرجع سابق، ص: 243.

[12]  تطور الصحافة، مرجع سابق، ص: 248.

[13]  ذكريات العهود الثلاثة، مرجع سابق، ص: 193/195.

[14]  معجم المطبوعات العربية، مرجع سابق، ص: 647.

[15]  الطباعة في المملكة العربية السعودية، عباس بن صالح طاشكندي، مكتبة الملك فهد الوطنية، ط1، 1419هـ، 1999م، ص: 227.

[16]  الصحافة في المدينة، مرجع سابق، ص: 150/151.

[17] في الأصل: الإيطالية، بطاء مشالة، ولعلها خطأ والصوابها الايصالية، من التواصل.

[18]  الصحافة في المدينة، مرجع سابق، ص: 157.

[19]  الكشاف الجامع لمجلة المنهل السعودية عبد الله سالم موسى القحطاني، ص: 24.

[20]  الصحافة الأدبية في المملكة العربية السعودية، غازي زين عوض الله، مكتبة مصباح، جدة، ط،1، 1409هـ، 1989م ص: 32.

[21]  البدايات الصحفية في المنطقة الغربية - الحجاز، محمد القشعمي، مرجع سابق، ص: 233، 234.
* باحث
182312