الدولة القرمطية([1])
عبد الرسول الجشي * - 24 / 3 / 2011م - 7:21 م - العدد (60)

تمهيد

كثيرون أولئك الذين حاولوا أن يدرسوا مبدأ هذه الدولة وأنظمتها، وكثيرون أولئك الذين حاولوا أن يفهموا حركتها وحوادثها؛ ليكتبوا من هذا وذاك تاريخاً كاملاً يمثلها للأجيال الآتية كما هي، ولكن أحداً منهم لم يوفق لبلوغ هدفه، ولم يتوصل لاكتناه حقيقتها، فقد كان أولئك المؤرخون ينظرون إليها – وهم غرباءُ عنها بالطبع – ينظرون إليها نظر الضد للضد، أو العدو لعدوه، وهم، مع ذلك كله، يحاولون أن يسجلوا التاريخ كما هو.

وتوفر علينا عناء البحث عن هذه الحقيقة عندما نلقي نظرة واحدة على ما كتبه الكتاب والمؤرخون في هذا الموضوع منذ نشوء هذه الدولة حتى الآن، فإنا لا نجد لها ذكراً في كتابٍ مَّا إلا وهو مقرون بالنبز والوقوع والتهم الشنيعة بما ينبو عن تصديقها الذوق السليم والفكر المتثبت.

ورأْيُنا هذا لا يعني أننا ننكر أن لهذه الدولة بعض الشذوذ، ولكن الحقيقة ليست من الفظاعة بحيث تجعلها في مصاف الدول الفوضوية، فتنكر أن لها أخلاقاً فاضلة، ونظماً اجتماعية على جانب عظيم من السمو.

ومن الغريب أن نرى بعض الكتاب والمؤرخين ينبزها بأنها إباحية محضة لا تخضع للنواميس البشرية أجمع، بينما يقرر الرحالة الفارسي ناصر خسرو – وقد كان عاشرها وخبرها – أن القرامطة في البحرين يترفعون عن شرب الخمر، وإتيان الزنا واللواط، وغيرها من المنكرات المنافية للأخلاق العامة، وهم – مع ترفعهم هذا- على جانب كبير من الصفات الفاضلة التي لا توجد عند غيرهم، فمنها تعاونهم لدى الضراء، وإخلاصهم في الصداقة، وحسن المعاشرة مع من يحسن العشرة معهم.

ونحن نعود بهذه التهم الفظيعة إلى تأثير نفوذ السلطة العباسية، وسيطرتها على أقلام الكتاب والمؤرخين، فليس بدعاً أن تتخذ من أقلامهم سلاحاً ماضياً تحارب به هذه الدولة الجديدة، بعد أن عجزت عن مقاومتها في ميادين الكفاح، فهذه وسيلة كثيراً ما لجأت إليها في شتى المناسبات، ومن ذلك: القرار الذي اتخذته ضد الخلفاء الفاطميين، القاضي بتزييف نسبهم، والطعن فيه، بعد اندحارها وعجزها عن مقاومة التوسع الفاطمي في مصر وسوريا.

ولسنا متبرعين عندما نسجِّل هذه الحقائق التي لخَّصنا منها هذا الموضوع، بل إننا نستمدها من شتى التواريخ العربية التي لا يظن بها الظنون.

وخوفاً من أن يُظَنَّ أننا تبرعنا ببعض الحوادث، أو تمحَّلنا لبعض الآراء أسباباً تافهة، فإننا سنورد - ها هنا – ذكر بعض المصادر التي اعتمدنا عليها، وإلى القارئ الكريم هذا البعض:

1 - الأمم والملوك للطبري.

2- الكامل لابن الأثير.

3 - المبتدأ والخبر لابن خلدون.

4 - سفر نامة (فارسي) للرحالة ناصر خسرو.

5 - دائرة المعارف الإسلامية ترجمها عن الانجليزية جماعة من المصريين.

6 - أنوار البدرين في تاريخ البحرين للشيخ علي القطيفي[2] .

7 - شذرات الذهب، لأبي فلاح عبد الحي بن العماد.

8 - تاريخ الجزيرة العربية للشيخ محمد خليفة النبهاني.

9 - من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام لبندلي جوزي.

10 - التنبيه والإشراف للمسعودي.

مؤسس الدعوة القرمطية

لو قُدِّر لك أن تعيش في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، وقُدِّر لك أن تتجوَّل في أرياف مدينة واسط من العراق؛ لوجدت هنالك شيخاً هرماً تبدو عليه آثار الزهد، وتلوح عليه سمات التقشف، يعيش من كدِّه، ويعمل في أطيان غيره سعياً وراء الكسب؛ ليستطيع الحصول على ما يسدُّ به الرمق. ذلك هو حمدان الملقب بقرمط، مؤسس المبدأ السياسي الخطير الذي عُرِف في التاريخ الإسلامي بالمبدأ القرمطي نسبة إليه.

كيف نشأت الفكرة القرمطية؟

لم يكن لحمدان قرمط كثيرُ أهميَّة من قِبل زملائه الفلاحين، فقد كان رجلا عاديًّا، يعمل كما يعملون، ويجهد كما يجهدون، يشاركهم في خصبهم، ويشمله ما يشملهم من جدبهم. غير أن الأقدار شاءت أن يصاب هذا الرجل بداءٍ أقعده عن العمل، وأحوجه لمعونة بقَّال كان بجواره، وكان هو أحد زبائنه، فأخذ هذا يتعاهده بالقوت والدواء، ولما كان يشاهد عليه آثار الزهد وسمات الورع، وظواهر العبادة، فقد راح يواظب على برِّه به، وإحسانه إليه، وأخيراً أحسَّ في نفسه عجزاً عن القيام بكل ما تتطلبه حالة هذا المسجَّى، فراح يستنجد بإخوانه الفلاحين، ويشرح لهم ما هو عليه من الزهد والصلاح، فغذى ذلك قلوبهم بالحنان عليه، وأصبح إعجابهم بعبادته وتقاه، وعطفهم عليه يدعوهم لمساعدته وعيادته. واغتنم حمدان قرمط إعجاب زملائه وثقتهم به فراح يمني نفسه بتحقيق فكرة كانت تملك عليه فكرَه، وتسيطر على شعوره، وتسترعي انتباهه في كل حين، ولدى كل مناسبة. ثم أخذ يستغلُّ الوضع الذي يعيش فيه أولئك الفلاحون المضطهدون، ويمنِّيهم بالثورة ضد أسيادهم الملاَّكين الذين أثقلوا كواهلَهم بالشروط المرهقة إزاء عملهم في إقطاعاتهم، ويدعوهم - مع ذلك - للتحرر من الضرائب الباهظة التي تفرضها عليهم السلطة المستبدة آنذاك. ونظراً إلى أن أكثر سكان هذا الريف في ذلك العهد (كانوا) مستائين من حالتهم الاجتماعية، وميَّالين إلى كل دعوة من شأنها أن تخفف عنهم عيشهم المرهق، وتدعو إلى العطف والإشفاق؛ فقد وجدت كلمات حمدان قرمط في قلوبهم أرضاً صالحة لبذر الثورة والتمرد، وقد آتت أكلها بعد حين.

جوهرية المبدأ القرمطي

لم يكن المبدأ القرمطي - في بدئه - مبدءاً دينيًّا، فهو بعيد عن الطابع الديني كل البعد، بل كان دعوةً سياسية كل ما ترمي إليه هو محاربة السلطة المستبدة حربَ أعصاب يرجى من ورائها إضعافها وإعدادها للفناء عندما تخرج هذه الفكرة من شكلها السلمي إلى صورتها الثورية المسلحة، كما حدث ذلك - بعد حين - على يد أبي القاسم يحيى بن زكرويه سنة 289 في العراق، وعلى يد أبي سعيد الجنابي سنة 286 في البحرين. غير أنه لمَّا لم يكن لمثل هذه الفكرة المجرَّدة من اللغط الديني كثير أهمية في ذلك القرن وما شارفه من القرون، فقد ارتبط زعماء هذه الفكرة - حمدان قرمط - بالخلفاء الفاطميين (G) ارتباطاً صوريًّا، وهدفهم جذب النفوس المستوحشة من هذه الفكرة وأشباهها، والتي لا ترى لمثلها معنى.

ولما كان الفاطميون في فجر حياتهم السياسية، ودعوتهم لا تزال في دورها الأول، مع ما فيها من الطموح لمناوأة خصمهم النفوذ العباسي الممتد على عامة البلاد الإسلامية امتداداً مباشراً؛ كما في بغداد والعراقين، وغير مباشر كما في مصر وسوريا. فقد رحبوا بهذه الكتلة المتحببة التي عقدت النية على تبييت الثورة القاضية لعدوهم المشترك، وشملوهم ببعض القبول، ولكن هذا الترحيب لم يكن ترحيباً مباشراً له ميزاته الدبلوماسية، بل كان ترحيباً مقتضباً يلوح عليه شيء من الفتور، وقد ظهر هذا الفتور جليًّا بين الطرفين عندما احتل الفاطميون الشام من بني طغج سنة 362، واصطدمت مصالح الجانبين حتى اضطر القرامطة لغزو الفاطميين في الشام، فجهزوا جيوشهم بقيادة زعيمهم الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي، الملقب بالأعصم، وزحفوا على الشام فاحتلوها، وقتلوا جعفر بن فلاح، عامل الفاطميين فيها، ثم واصلوا زحفهم على مصر فحاصروا القاهرة، وكادوا يفتحونها لولا أن لجأ قائد الفاطميين جوهر الصقلي إلى إرشاء زعماء القبائل التي انضمت لجيوش القرامطة طمعاً في الغنائم.

حصل كل هذا الفتور من أجل مبلغ زهيد من المال كان بنو طغج يرسلونه للقرامطة اتِّقاء غزوهم إياهم، فلما فتح الفاطميون الشام قطعوا عنهم هذه الإتاوة، فحملهم ذلك على غزو الشام، وقتال الفاطميين. وليس هذا بالشيء الذي يضطرهم إلى قطع الصلة لو كانت وثيقة، وعلى أسس من العقيدة الدينية، كما يزعم البعض.

وعلى كل حال فقد وجد الفاطميون في هذه الكتلة أعواناً ومناصرين تضطرهم ظروفهم الخاصة إلى قبولهم ماداموا متفقين، جميعاً، على مبدأ واحد هو إحباط النفوذ العباسي، والقضاء عليه بكل وسيلة وبكل أداء.

وقد نال الفاطميون ما يرمون إليه، فقد أشغلت الثورات المتكررة التي قام بها القرامطة في العراق والبحرين ساسة الدولة العباسية، وأربكهم توسع نطاقها في قلب بلادهم، وخلف أسوار عاصمتهم، وعلى طول المسالك والمناهج، فلم يعودوا يستطيعون التفكير في شؤون أفريقيا، أو مساعدة بني الأغلب أمرائها. وهكذا كل ما يتمناه الفاطميون، فقد تمكن داعيتهم أبو عبد الله الشيعي من المضي في ثورته، واكتساحه دولة بني الأغلب بجيوشه، وتأسيس الدولة الفاطمية في المغرب.

ولم تكن فائدة هذا الحلف الصوري قاصرةً على الفاطميين فحسب، بل كان للقرامطة فيها نصيب وافر، فقد بلغوا - بذلك - غايتهم المنشودة؛ إذ إنهم تمكنوا - بهذا الانتساب الصوري - من استفزاز النفوس الثورية، والسيطرة على الأفكار المتبرمة بوضع الدولة العباسية، التي لم تعد - لهرمها - تستطيع المحافظة على اتِّزانها فتنظر إلى الرعية نظر السياسي الخبير.

كيف بدأت الدعوة القرمطية انتشارها

لما نجحت الفكرة القرمطية في أرياف واسط في الموضع المعروف بالنهرين؛ اختار حمدان قرمط جماعة من ثقات رجاله لنشر دعوته في أنحاء السواد الممتد بين الكوفة فالبصرة، ثم أخذ يبثهم بين الفلاحين من العرب والنبَط والسودان الذين كان أصحاب المقاطعات الواسعة يجلبونهم من أفريقيا للعمل في مقاطعاتهم، واستغلالها مقابل شروط معلومة. أخذ الدعاة في بث الدعوة التحريرية بوسائل شتى، متحدة في جوهرها، مختلفة في صورها حسب الحاجة. فكان شأنها شأن كل فكرة تنشأ فتلقى أمامها أعداءً ومناصرين، فتقذف بهؤلاء في وجه أولئك، ثم تقف موقف المتفرج الذي لا يعنيه من الأمر شيء؛ لترقب - عن كثب - نتيجة المعركة الفكرية التي أحدثها ظهورها على مسرح الحياة، فإن غلب أنصارها فهي ماضية في سبيلها، تواصل انتشارها، وإلَّا فتعود إلى جرثومتها الأولى، فتكمن فيها حتى تسنح الفرصة المناسبة.

دار الهجرة والضرائب السنوية

لاقت الدعوة القرمطية - في كافة أنحاء العراق، وعلى الأخص المناطق القريبة - نجاحاً باهراً، فتهافت الألوف على الانتماء إليها، واعتناق مباديها التحريرية. فأسس حمدان قرمط - قرب الكوفة - داراً أسماها دار الهجر، حيث يجتمع إليه - في كل جمعة - كل من اعتنق المبدأ الجديد لاستماع المواعظ، والنظر في شؤونهم الاجتماعية والاقتصادية. وقد رأى حمدان قرمط أن من الواجب ضرب ضريبة على جميع من ينتمي لمبدئه؛ ليستطيع، بواسطتها، إعانة فقرائهم، والصرف على دار الهجرة، وليضمن لمبدئه الانتشار السريع. وكان أهم هذه الضرائب ما يلي:

أولاً - ضريبة مقدارها درهم واحد على كل من يروم الانتماء إلى مبدئه الجديد.

ثانياً - ضريبة مقدارها دينار واحد على كل منتمٍ للمبدأ، يدفعها عند رأس كل سنة وتسمى الفطرة.

ثالثاً - ضريبة بملغ من المال غير معين، يسلمها كل منتم عند رأس كل سنة، وتسمى عندهم بالهجرة. فكانوا يؤدونها عن طيبة خاطر؛ أملاً في الخلاص بواسطة هذه الضرائب البسيطة من إرهاق الضرائب الكبرى التي وضعتها عليهم حكومة بغداد لتنفقها على القيان والغلمان وأقداح الراح وأسباب الملاهي وجوائز الشعراء والمتملقين، وكان الرجل منهم، إذا عجز عن دفع ما عليه من الضرائب، بادر الآخرون لدفعها عنه بكل اغتباط.

ولم يكتف حمدان قرمط بهذا القدر من الضرائب لمساعدة المعوزين من أتباعه، بل فرض على أتباعه كافة أن يوافيه كل فرد منهم بجميع ما يملك من مال وثياب وأثاث وحلي، حتى لم يعد أحدهم يملك غير ما عليه من الثياب، وما يتقلده من السلاح، ثم فرق ما تجمع لديه من ذلك على كافة أتباعه على السواء.

انتقال الدعوة إلى البحرين

ذكرنا في العدد 153 من مجلة الغري الغراء كيف استطاع زعماء القرامطة في الكوفة وعلى رأسهم حمدان قرمط بث دعوته في أنحاء السواد، وكيف استجاب له الفلاحون طلباً للتحرر من قيودهم التي ما زالوا يرسفون بها، وعرضنا للأساليب التي اتخذوها في جلب القلوب واستمالتها حتى تهافت الناس على الانخراط في سلكهم والالتحاق بجمهرتهم، فكان في كل هذا الإقبال والتهافت مشجع لحمدان قرمط على نشر دعوته في خارج العراق مقدراً لها نجاحها الذي لقيته في السواد. ولم يتماهل حمدان في تنفيذ هذه الخاطرة، فقد دعا إليه أحد أتباعه الأمناء، ويعرف بأبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، فأناط به القيام بشؤون الدعوة هناك. وكان حمدان مُوفَّقاً في اختياره هذا، فقد دلّت أعمال أبي سعيد وتصرفاته على حكمة جديرة بالإعجاب، وحنكة تكاد تغالب القدر، ولا دليل أكبر من استيلائه على ذلك القطر العظيم، وقد غزاه بجيش من الثقة وحسن التصرف وتقدير العواقب والتفنن في أساليب الدعوة الخفية حتى ظهرت نتائجها بشكل مريع، أرجف بالدولة العباسية أيَّما إرجاف، وشتت جموعها أيَّما تشتيت، وكاد يأتي على آخر نفَس من أنفاسها لولا أن يفاجئه القدر فيتيح له غلامين صقلبيين يغدران به وهو يستحم مفرداً على غرة مما يكيدان.

وهنا يجب أن نتساءل: لماذا اختار حمدان قرمط التحول عن الكوفة؟ ولماذا فضَّل البحرين على غيرها من البلاد؟ هذان سؤالان نجيب على الأول، ونرجئ الثاني لبحث آخر؛ لأنه يعتمد على تقديم مقدمة لا بد منها.

فنقول في جواب السؤال الأول أن غرض حمدان قرمط من اختياره الابتعاد بدعوته عن الكوفة هو تكوين مركز ثابت للدعوة يجعلها بمنجاة من غوغاء المعارضين، وفي منأى من نفوذ العباسيين ومقر جيوشهم. وقد استطاع - بهذا البعد - أن يضمن لأتباعه الطمأنينة والدعة ثم الخلاص من عنت العباسيين ودسهم.

وهذه خطة محكمة لجأ لها كل ذي فكرة خطرة تروع من جوارها وتبث في صفوفهم القلق، فيفزعون للسلاح يحتمون به من تيارها [وإن يكن الفشل نصيب ما يحتمون به في أكثر الأحيان]، وعندما يكثر أذى المعارضين يعتصم ذوو الفكرة وأتباعها بالبعد عن مركز العدوان. وهي الخطة التي اختطها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لنفسه، فهاجر ليثرب من مكة حذر البطش به وإيقاع الأذى بأتباعه الذين حذوا حذوه في الهجرة فسُمُّوا بالمهاجرين.

وممن أخذ بهذه الخطة الحكيمة زعماء الخوارج بعد محاولتهم قلب العرش الأموي، واستئصال دولتهم من جذورها، فلما لم ينجحوا في محاولتهم منه، وأثخن فيهم قواد الأمويين، ولم يطيقوا البقاء في جوارهم، عند ذلك نزحوا إلى عمان على ضفاف الخليج الفارسي من الجانب الغربي، واتخذوها مركزاً عامًّا لهم، ومقرًّا دائميًّا لخلفائهم. وقد نجحت هذه الخطة عند كلا الفريقين: الخوارج في عمان، والقرامطة في البحرين. غير أن القرامطة - وإن أبدوا جلداً على الحرب، واستطاعوا أن يمدُّوا نفوذهم على جزء كبير من الدولة العباسية يمتد من حدود مصر إلى مشارف اليمن، ومن أقاصي الحجاز إلى ضفاف الخليج الفارسي، ومن أعالي ا لفرات إلى منتهى حدود عمان من جهات حضرموت وهي مساحة واسعة تتكون من القسم الأوفر من جزيرة العرب وعامة مدائن سوريا وشواطئ الفرات وجزائر الخليج بما فيها جزيرة قيس وأوال ودارين - إلَّا أنهم - مع هذا النفوذ العظيم والسيطرة المطلقة - لم يستطيعوا أن يضمنوا لدعوتهم البقاء والاستمرار، فجُرَّت عليهم ذيول النسيان، ومُحيت آثارهم، إلَّا القليل، فلم يكد يطل القرن السادس الهجري حتى لم يعد يسمع لهم في أرجاء المعمور صوت، ولم يبق لهم ذكر، بينما ظل الخوارج في عمان محافظين على مركزهم الحصين حتى اليوم.

ومرجع ذلك، فيما أعتقد، إلى أنهم - أي الخوارج – تمكنوا، بما عندهم من أساليب الزهد والتقشف، أن يؤثروا على مواطنيهم، فأشركوهم في مبدئهم، وأصبحوا - بفضل ذلك - أمة واحدة ذات مبدء واحد فكانوا في منجاة من الثورات الداخلية. أما القرامطة فهم على العكس من هؤلاء؛ إذ إنهم لم يستطيعوا إخضاع مواطنيهم من حيث العقيدة والنظام إلَّا بمقدار ما يخضع الضعيف لسيطرة القوي المستبد، حتى إذا أحس موطناً للضعف في صفوف خصمه أخذ يعمل على إيجاد ثغرة يتسنى له بفضلها التغلغل إلى ذخائل خصمه؛ ليعرف من أين تؤكل الكتف. وقد ظل أهل البحرين طيلة قرنين، أو أكثر، متضايقين من أولئك الدخلاء، ومن نظامهم الاشتراكي، حتى أتيح لهم الأمير عبد الله العيوني الأحسائي، فقاد لحربهم ربيعة بجميع قبائلها، وبدأ يشن الغارات العنيفة على أطراف البلاد، ثم على العاصمة نفسها في غير رفق ولا هوادة، مدفوعاً بدافع العقيدة الصادقة، وكان الأهلون - داخل البلاد - يمهدون له السبيل في هجماته الموفقة، حتى قضى على القرمطية وسط حصنها المنيع.

****

ذكرنا في نشرتنا الثالثة من مقالنا «الدولة القرمطية» كيف فكر حمدان قرمط في تكوين مركز جديد للدعوة القرمطية، وكيف قرَّر أن يكون ذلك المركز الجديد هو القطر العربي المعروف باسم «البحرين»، وتساءلنا فيها لماذا اختار الهجرة من العراق أولاً؟ ثم اختياره البحرين دون غيره من الأقطار ثانياً؟ وقد أجبنا على السؤال الأول في النشرة المذكورة، وأرجأنا الجواب عن الثاني إلى نشرة أخرى؛ لاعتماده على مقدمة لابد من تقديمها. والآن نأخذ في الجواب عليه.

يتطلب منا التوسع في البحث وإشباع الموضوع والإلمام بجميع نواحيه أن ندرس البيئة التي انتقلت إليها الظروف التي أعدتها لقبولها والوجهة التي قصدها حمدان من هذا المركز وتلك البيئة، وهذا يقوم على معرفة تاريخ البحرين، والظروف التي كانت تحوط به إبان انتقال الدعوة إليه. وها نحن نعرض لتاريخه على سبيل الاختصار.

(البحرين)

جزء من جزيرة العرب، تحده البصرة من الشمال، واليمامة من الغرب، وعمان من الجنوب، والخليج الفارسي من الشرق، وهناك -في الخليج - عدة جزر تعد جزءاً من البحرين أهمها أوال -المعروفة اليوم بالبحرين- ودارين مرفأ المسك وسوقه العربي قديماً. وسماهيج في طريق عمان، وجزر أخرى أقل أهمية. وتبعد البحرين عن البصرة ثلاثمائة ميل، وعن اليمامة مثل ذلك، وعن عمان ضعفها. وأرضها خصبة - على الأكثر - صالحة للزراعة، والمياه فيها متوفرة. وهذا ما أوجب خصبها، وتلك المياه الغزيرة تتحدَّر إليها من أعالي اليمامة فتسقي ربوع البحرين وتصب فضلاتها في الخليج.

وللبحرين من الزراعة ما لغيرها من البلاد العربية الزراعية، وتمتاز بالتمر ووفرته حتى ضرب بها المثل فقيل: «كناقل التمر إلى هجر». وتجارتها مستمرة منذ القدم حتى أيام القرامطة مع الأقطار الهندية وسواحل أفريقيا وغيرها من البلاد الأخرى، وكانت أساطيلها واسطة هذه التجارة حتى أصبحت سوقاً عامة، ومرفأ مهمًّا لجزيرة العرب، فكانت العرب تقصدها في العام مرتين، فتقيم في الأولى أسواقها في هجر عاصمة البلاد، وتبتاع منها الخُرصان[3]  التي كانت تقوم فيها حتى نسبت إليها فقيل لها: «الرماح الخطية».

وتقام السوق الثانية في دارين والشواطئ المعروفة بالخط، فيباع فيها المسك والعطورات الهندية والتجارة الهندية الأخرى، وكان لأوال في التجارة أهمية منذ القدم حتى الآن، ويعود الفضل في هذا لموقعها من الخليج، حتى وصفت بلؤلؤة الخليج، وكانت السفن الشراعية دائمة الإرساء عند موانيها في طريقها إلى البصرة.

أما سكان البحرين وبدء سكناها فلم يحدثنا التاريخ عن شيء قبل الأمة الفينيقية، ولكن التاريخ يقول: إن البحرين بدأت تأهل بالجنس البشري منذ فجر التاريخ، قبل ربوع بابل ومواطن آشور. ثم يحدثنا عن الأمة الفينيقية وسكناها لهذا القطر الذي لا يزال يحتفظ ببعض آثارها بعد أن اضطرها التوسع التجاري للهجرة حيث شواطئ البحر الأبيض المتوسط، بين الهند والشواطئ اليونانية سوقهم الرائجة. ثم يمر التاريخ دون أن يذكر عن سكان البحرين شيئاً حتى يلتقي بالأمم البائدة من العرب؛ كطسم وأخواتها، فيمر بها دون أن يبقي لها في ثناياه غير حوادث نزرة، تذكر للعظة والاعتبار. ويستمر التاريخ في ظلامه الحالك حتى تسطع عليه شمس الإسلام فيلقي لمؤرخيه بما تبقَّى لديه من تاريخ تلك القبائل العربية وأنسابها، وبدء سكناها، وتفاصيل حروبها وغزواتها.

وأهم القبائل، آنذاك، من ربيعة عدا قبائل ربيعة هناك عبد القيس بفصائلها الكثيرة كانت لها السيطرة والقوة والحول والطول، وقد أسلمت ربيعة والقبائل الأخرى في عهد الرسول سنة 8هـ بكتاب أرسله لأميرها من قبل الأكاسرة المنذر بن ساوى العبدي.

ولم تزل مقيمة على إسلامها معترفة لآل الرسول بالإمامة دون أن تخلع طاعة الخلفاء الأولين، أو تدافع سيطرة الأمويين حتى قام (من) الخوارج نجدة بن عامر سنة 67 فاستاق جيشه شطر البحرين، فاستولى عليها بعد قتال دام ستة أشهر. وافترق أهل البحرين في حكمه، فقالت الأزد: نجدة أحب إلينا من ولاتنا؛ لأنه ينكر الجور، وولاتنا يجوزونه، وأجمعت عبد القيس وقبائل البحرين على حربه بدافع الدين، وقالوا: لا ندع نجدة -وهو حرروي مارق - يجري علينا أحكامه. ولم يزل نجدة مسيطراً على البحرين حتى قلب له وزيره أبو فديك الخارجي ظهر المجن، وحرَّض عليه أتباعه، متهماً إياه بالمروق، فقتلوه سنة 72هـ، وولوا أبا فديك أمرهم. ولم يزل قابضاً على ناصية الحكم في البحرين واليمامة إلى سنة 73هـ، حين أرسل له عبد الملك بن مروان جيشاً قوامه عشرة آلاف فارس من كوفيين وبصريين تحت قيادة عبد الله بن معمر، فاقتتلوا معه في اليمامة، وانتهت المعركة بقتل أبي فديك، وتشتيت جموع الخوارج، فعادت البحرين إلى السلطة الأموية، ولم تزل ضمن سيطرتهم حتى قام فيها مسعود بن أبي زينب سنة 86هـ، فهرب الأشعث بن عبد الله بن الجارود والي الأمويين على البحرين، فاستولى مسعود عليها، ولم يبرح الحكم حتى قصد اليمامة غازياً، فاقتتل مع واليها سفيان بن عمرو العقيلي، فقتل مسعود، وقتلت زينب أخته، وذلك سنة 105هـ.

وظلت البحرين تابعة للأمويين حتى دب الخمول لدولتهم فاستولى عليها سليمان بن حكيم العبدي، وظل يسوسها حتى استقرت الحالة، وأسفرت عن نجاح العباسيين، فجهز المهدي العباسي 151هـ جيشاً بقيادة عقبة بن مسلم فقتل حكيم وأدمج البحرين في جسم الدولة العباسية الشاسعة.

[1]  تنشر الواحة هنا بحثاً عدته أربع حلقات، منشورة في مجلة الغري، الأعداد: 152 - 17، الثلاثاء، 4 شعبان، 1363هـ، 25 تموز (يوليو) 1944م، السنة الخامسة، وهي مجلة كانت تصدر في النجف الأشرف بالعراق، وتعرف نفسها بأنها: (علمية، أدبية، فلسفية، فنية، اقتصادية، اجتماعية، عامة، تصدر مرتين، في الشهر مؤقتا، وقد رمز الكاتب لاسمه في الجزأين 1، و2 من البحث بـ«ع. ر. ج».وفي الجزأين الأخيرين ذيله باسمه الصريح: (عبد الرسول الجشي)، وهذا الاسم هو الذي عرف به - فيما بعد - الشاعر عبد الله الشيخ علي الجشي (أبو قطيف F). الواحة

[2]  عنوانه: (أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين) للشيخ علي بن حسن البلادي البحراني، طبع في مطبعة النعمان، بالنجف سنة 1380هـ 1960م، باهتمام نجل المؤلف الشيخ حسين القديحي القطيف، ولعل الكاتب يشير إلى النسخة المخطوطة، إذ إن الكتاب لم يكن قد طبع وقت نشر البحث بعد. الواحة

[3]  الخرصان، جمع خِرْص، بكسر الأول وسكون الثاني في الجمع والإفراد: السنان والرمح الطيف، وبضم الأول في الجمع والأفراد كذلك: قناة الرمح وسنانه. الواحة
القطيف
182479