قـــراءة فـي كــتـاب
القطيفي والشيرازي في معترك أصول الكافي
حسين منصور الشيخ * - 16 / 10 / 2007م - 5:00 ص - العدد (44)

الكتاب: القطيفي والشيرازي في معترك أصول الكافي.. دراسة مقارنة بين شرح صدر الدين الشيرازي، وشرح الشيخ محمد آل عبد الجبار القطيفي
تأليف: عبد الغني أحمد العرفات
نشر: مؤسسة البقيع لإحياء التراث، ودار المحجّة البيضاء ـ بيروت
الطبعة: الأولى 1427هـ ـ 2006م.
القطع والصفحات: وسط × 103 صفحات.
مقدمة
علم الكلام هو أحد العلوم الإسلامية التي نشأت، في الأساس، داخل البيئة الإسلامية وتطورت ضمن نفس هذه البيئة، فهو من العلوم الإسلامية الأصيلة.
وكأي علم آخر استفاد من بقية العلوم الأخرى في إثبات قضاياه والاستدلال عليها، فهو لصيق الصلة بالعلوم الإسلامية مثل: علم الحديث، والرجال، والفلسفة الإسلامية، والعرفان الإسلامي، والمنطق، والتفسير، وذلك في خصوص الآيات التي تتحدث عن بعض القضايا الكلامية، بالذات ما يتّصل منها بعصمة الأنبياء ، وصفات البارئ جلَّ وعلا.
فعلم الكلام موضوعه هو ـ كما يعبر الكلاميون ـ المبدأ والمعاد، وكلا هذين الركنين من الأمور الغيبية، ولمعرفة تفاصيلهما يحتاج المسلم إلى اللجوء إلى النصوص الشرعية من قرآن وسنة موثوقة، ولذلك يحتاج الكلاميُّ إلى القرآن الكريم وما يقوله المفسرون في الآيات ذات الصلة بعلم الكلام، وكذلك يحتاج إلى السنة بخصوص ما يتعلّق بنفس القضايا، وبما أنه يحتاج للاستدلال في آرائه إلى السنة، فإنه يحتاج إلى علم الحديث، وكذلك علم الرجال؛ لإثبات صحة الحديث؛ لأن القضايا الكلامية ـ وفقًا لرأي أكثر الكلاميين ـ لا تثبت إلا بالقطعيات، سواء العقلية منها أو المروية، وبعد تداخل العرب مع غيرهم من الأقوام الأخرى، واعتناق هذه الأقوام للدين الإسلامي، دخلت الفلسفة اليونانية بقوة إلى المجتمع الإسلامي، ونشأت الفلسفة الإسلامية، وكان للنظريات الفلسفية دور كبير في إثبات القضايا الكلامية، خصوصًا عندما تبنّت بعض الفرق الإسلامية العقل وسيلةً أساسية لإثبات ما تؤمن به كلاميًّا (المعتزلة أبرز مثال).
ولهذا فعلم الكلام مزيج من الحديث والرجال والتفسير والفلسفة والعرفان، وتداخل هذه العلوم يتجلّى، بشكل واضح، في شرح أحاديث أصول الكافي، باعتبار أن الكافي ـ الذي ألفه ثقة الإسلام الشيخ الكليني ـ موزع على ثلاثة أنواع، أحاديث في أصول الدين (أي تتناول القضايا الكلامية) وأحاديث في فروع الدين (تتناول القضايا الفقهية)، وروضة الكافي (تتناول الأحاديث المتعلقة بالأخلاق والآداب الإسلامية). فالشرح الذي يتناول الجزء المتعلق بأحاديث الأصول سنجده يتناول القضايا الكلامية ممزوجة بالحديث، والرجال، وكذلك بالفلسفة، لأن شرح بعض المسائل الكلامية يُتوسل فيه بالفلسفة، خصوصًا إذا كان المتصدي للشرح من الفلاسفة المسلمين، وهو الغالب، فشرّاح أصول الكافي هم من صنف الفلاسفة في الأغلب، والدراسة التي بين أيدينا هي أبرز مثال على ذلك، فالشيخ القطيفي وكذلك صدر الدين الشيرازي ـ اللذان تتناول الدراسة شرحيهما بالمقارنة ـ من هذا النوع، ولأن كل من هذين العلَمين ينتمي إلى مدرسة فلسفية مختلفة، كان شرحهما مكانًا ملائمًا لبيان آرائهما في المسائل موضع الخلاف، وهذا ما دفع بالمؤلف الأستاذ عبد الغني العرفات للإقدام على هذه الدراسة؛ سعيًا منه لتبيان هذه المسألة، وذلك من خلال المقارنة بين هذين الشرحين القيّمين، وقد رأيت أن أعرض لنقاط هذه الدراسة، مُجَلِّيًا لأهم ما ذكره الأستاذ العرفات، ومثنّيًا بعد ذلك بذكر بعض ما لاحظته من بعض الهَنات فيها.
أولاً: عرض الكتاب
1-1: المقدمة
يبين الأستاذ العرفات في المقدمة الدوافع التي كانت وراء ولادة هذه الدراسة، والتي كان من أهمها: معرفته الجيّدة بتراث الشيخ العبد الجبار القطيفي، وذلك من خلال حصوله على مخطوطات كثيرة تعود للقطيفي، أعطته صورة جيدة عن آرائه ومتبنياته في العلوم العقلية والشرعية، وكذلك من الأمور التي دفعته لعقد هذه الدراسة هو ترسيخ فكرة «أن لغة الحوار والنقاش ليس لها خطوط حمراء، وأن استخدام أساليب التشنيع والتهويل لا طائل من ورائها، وأن كثيرًا مما عُدَّ من المسلمات ليس إلا مما تبانى عليه عدة أجيال فقط؟! ولنعرف أن رواج مدرسة فكرية مهما كانت قوية في مبانيها لا يعني كمالها، وأنه ليست لديها نقاط ضعف...» ـ ص 9.
1-2: مبررات الدراسة
يبين المؤلف في هذه النقطة الأسباب التي دفعته لعقد الدراسة، وذكر منها:
1. ظهور الكتاب لأول مرة: إذ إن نية عقد هذه الدراسة كانت مبيتة قبل خروج الكتاب للنور ـ كما يذكر المؤلف، عندما كان لا زال مخطوطًا، ولذا بمجرّد ظهوره مطبوعًا كان من المناسب جدًّا إخراج الدراسة للعلن.
2. اتخاذ القطيفي للنقد طريقة أساسية. فالقطيفي من خلال شرحه لأحاديث الأصول كان ينقد النظريات والآراء التي تخالف منطلقاته الفلسفية والكلامية، وهذا مبرر جيّد لعقد مقارنة بين الشرحين، لكون كل منهما يمثل خطين فكريين متغايرين.
3. أهمية أصول الكافي: وذلك باعتبار أصول الكافي من أهم المصادر المعتمدة في «صياغة العقيدة والفكر الإمامي، والذي لا غنى لباحث عن قراءته والتزوّد منه» ـ ص 16.
1-3: نبذة مختصرة عن القطيفي
يترجم المؤلف لصاحب هدي العقول، فيحدد نسبه، فهو: الشيخ محمد بن الشيخ عبد علي بن الشيخ محمد بن عبد الجبار القطيفي البحراني، توفي بعد عام 1250هـ.
بعد ذلك يذكر نبذة عن كتابه موضوع الدراسة، فيشير إلى ما ذكره صاحب أنوار البدرين بأن شرح القطيفي أطول شرح لأصول الكافي، وينبه إلى أن مما أطال في الشرح هو استطرادات المؤلف في غير موضوع الكتاب في كثير من الأحيان.
1-4: مقارنة بين شرح القطيفي وشرح الشيرازي
بسبب عوامل الزمن لم يكن بالاستطاعة الحصول على جميع الأجزاء التي دوّنها الشيخ القطيفي في شرح أصول الكافي، فما هو موجود لا يتعدّى شرح أحاديث أبواب: كتاب فضل العلم وكتاب التوحيد، والأبواب من الـ 41 إلى 110 من كتاب الحجة.
وعندما نقارن ذلك مع شرح صدر الدين الشيرازي للأصول نجد أن الموجود من كتابه يغطي شرحه لأبواب كتاب العقل والجهل، وفضل العلم وكتاب التوحيد، وأول أحد عشر بابًا من كتاب الحجة، مما يعني أنهما يلتقيان في كتاب فضل العلم وكتاب التوحيد فقط.
1-5: معالم مدرسة القطيفي في أصول الفقه والرواية والدراية
عرض المؤلف لبعض آراء القطيفي في أصول الفقه، في مسألة حجية الإجماع، وكذلك رأيه في تربيع الأحاديث، وطرق تصحيح الأحاديث في علم دراية الحديث وغيرها من الآراء لما لها من شديد الصلة في بعض القضايا الكلامية التي تعتمد النقل في إثباتها.
1-6: معالم مدرسة القطيفي في العقائد وما يتصل بأصول الكافي
هذه النقطة من المفترض أن تكون مدخلاً لموضوع الدراسة، حيث يعرض فيها المؤلف لمعالم مدرسة القطيفي العقلية، وذلك لارتباطها بشرحه على أصول الكافي. وقد ذكر المؤلف بعض ما وقف عليه، من ذلك:
1. قبوله لخبر الآحاد في إثبات المسائل العقدية: وهذا مغاير لما تسالم عليه علماء الكلام في التدليل على مسائلهم الكلامية، فالرأي الغالب أن العقيدة لا تثبت إلا بدليل قطعي، وخبر الآحاد لا يورث اليقين والقطع. والقطيفي في هذه النقطة عندما يخالف الرأي المشهور لا يقبل خبر الآحاد في القضايا العقدية مباشرة، بل يشترط أن يوافق خبرُ الآحاد القرآنَ أو ما صح من السنة.
2. عدم التعارض بين العقل والنص الشرعي: رغم أن الشيخ القطيفي يعارض بعض آراء مدرسة الشيرازي الفلسفية، إلاَّ أن المؤلف يشير في هذه النقطة إلى تقاطعهما في قاعدة مهمة، مفادها أن الدين في نصوصه الثابتة لا يتعارض مع القوانين العقلية التي تثبتها الفلسفة.
3. تبني أفكار الفلاسفة: مع رفض القطيفي لكثير من آراء مدرسة الحكمة المتعالية، إلا أنه يتبنى كثيرًا من آراء الفلاسفة، والمؤلف يشير في هذه النقطة إلى بعض هذه الآراء، من ذلك أن القطيفي يقسّم العقل إلى: عقل بالقوة (عقل هيولاني)، وعقل بالفعل، وعقل مستفاد (عقل بالملكة). ومنها تقسيمه الحكمة إلى: نظرية (ما ينبغي أن يعلم) وعملية (ما ينبغي أن يعمل).
1-7: مآخذ القطيفي على مدرسة الحكمة المتعالية
«فهرس القطيفي مآخذه على مدرسة الشيرازي في التوحيد في عدة أمور- ذكرها في جـ3: 16 - وهي:
- وحدة الوجود.
- إثبات واسطة غير الحدوث والقدم وهو الوجود المنبسط.
- إثبات الأعيان الثابتة.
- بسيط الحقيقة هو الله تعالى.
- الجمع بين الجبر والتفويض.
- الجمع بين التنزيه والتشبيه.
- عينية الإرادة، أي إنها من صفات الذات، وليست من صفات الفعل.
- تبعية العلم للمعلوم.
- كون الله خالقًا بذاته.
- اتحاد العلم والعالم والمعلوم.
- الامتناع الذاتي في قبال الوجود الذاتي.
- تجلي الله لخلقه بذاته.
- إن الصفات كلية شاملة.
- إن الذات مبدأ اشتقاق الأسماء والصفات.
- إن الغاية: الذات الأحدية.
- إن الاسم نفس الذات» ـ ص 49.
والمؤلف اختار من هذه النقاط الكثيرة ثلاثة عناوين بحثها في ما يقرب من ربع صفحات الدراسة، وهي: القول بالأعيان الثابتة، القول بوحدة الوجود، التصوّف.
1-8: بعض ما احتواه كتاب القطيفي
بعدما أشار المؤلف إلى مؤاخذات القطيفي على مدرسة الحكمة المتعالية، ينقل في هذه الدراسة بعض الملاحظات التي وجدها على الشرح، من ذلك:
1. نقل القطيفي من كتاب «الهداية الكبرى» للخصيبي: وقد ضعّف علماء الرجال مؤلفه، لذا يؤخذ على القطيفي اعتماده في النقل على مؤلف غير موثوق.
2. نقل بعض الأفكار دون ذكر مصدرها، فالقطيفي في بعض مواضع الشرح يذكر بعض التقسيمات والآراء دون نسبتها إلى أصحابها.
3. اعتبار الخطبة التطنجية والافتخار وكتاب مشارق أنوار اليقين، وهي مرويات لم يعتبرها العلماء.
4. استخدام عبارات الكفر والضلال، فكتاب القطيفي مليء بعبارات التكفير والتضليل لمن يخالفه في الرأي، وهذا مما يؤخذ على نقده لمدرسة الحكمة المتعالية.
1-9: القطيفي ومدرسة الشيخ أحمد الأحسائي:
انفرد الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي بآرائه في الفلسفة والكلام، وقد تصدّت مدرسة الحكمة المتعالية للرّد على أكثر نظرياته، والشيخ القطيفي باعتباره من تلامذته تبنّى بعض آرائه التي انفرد بها، ومن ذلك:
1. القول بأصالة الوجود والماهية معًا، ولم يقل بذلك غيرهما (الأحسائي والقطيفي).
2. القول بالمعاد الجسماني، والأحسائي يذهب في هذا الرأي إلى أن الجسم الذي يعود به الإنسان يوم القيامة يكون أصفى.
3. القول بالإجماع.
ثانيًا: الملاحظات على الكتاب
2-1: عنوان الدراسة
ذيَّل المؤلف عنوان دراسته بالعبارة التالية: «دراسة مقارنة بين شرح صدر الدين الشيرازي وشرح الشيخ محمد آل عبد الجبار القطيفي»، وكذلك عقد عنوانًا خاصًّا في دراسته للمقارنة بين الشرحين، عدد فيه الأبواب التي يلتقي فيها الشرحان.
وهذا يوحي بأن الدراسة موضوعها الأساس المقارنة بين الشرحين، ولكن هذا الأمر لم يلتزم به المؤلف في أغلب عناوين الدراسة، بل كانت معظم هذه العناوين حول القطيفي وشرحه لأصول الكافي.
لذا فالعنوان هنا لا ينطبق على ما عُنْوِنَ له، وكان المفترض من المؤلف اختيار عنوان آخر، أو تغيير أكثر عناوين الدراسة.
وهذا الأمر سيتضح أكثر عند مناقشة تبويب الدراسة.
2-2: مقدمة ومبررات الدراسة
ذكر المؤلف في تقديمه للكتاب الدوافع التي دفعته لعقد هذه المقارنة، تتلخص هذه الدوافع في: إلمامه الجيّد بآراء الشيخ القطيفي، وكذلك بهدف إبراز نقطة مهمة، وهي الإشارة إلى أن الاختلاف العلمي أمر طبيعي في جميع العلوم، وعلى الجميع تقبّل فكرة الاختلاف العلمي.
وكان على المؤلف ألاَّ يقتصر على هذه النقطة في التقديم، بل يشير إلى منهج وتبويب الدراسة، وكذلك الإشارة إلى دراسات وتجارب سابقة على تجربته إن وجدت.
والملاحظة الأهم بخصوص المقدمة هو إفراده لِـ«مبررات الدراسة» تحت عنوان مستقل في قبالها، وكان الأجدر به أن يُدخله ضمن العناوين الفرعية للمقدمة، فهذه النقطة من المفترض ـ منهجيًّا ـ أن تكون من نقاط التقديم لأي دراسة أو بحث، لا أن تفرد بعنوان مستقل.
كما أن الملاحظ أن التقديم متداخل شيئًا مّا مع هذا العنوان، فالمؤلف ذكر، في البداية، الدافع الذي دفعه لعقد هذه الدراسة، ثم في هذا العنوان يكمل بقية الدوافع، وكان من المفترض أن يضم الجميع عنوان فرعي واحد في المقدمة، هو: مبررات الدراسة.
2-3: النبذة المختصرة
نَسَبُ القطيفي وتعدادُ المناطق التي عاش وتنقّلَ بينها (تعدادها فقط) والتاريخُ التقريبي لوفاته وتعدادُ مؤلفاته هو ما ذكره المؤلف في ما لا يتجاوز الصفحة والنصف في هذه النبذة المختصرة، ثم ينتقل بعد ذلك ـ في صفحتين ونصف ـ للتعريف بكتابه (هدي العقول)، ويشير بعد ذلك إلى أن من أراد الاستزادة في الترجمة فليراجع كتاب أنوار البدرين.
وهي ترجمة يسيرة جدًّا للقطيفي، وأظن سبب ذلك راجع إلى أن المؤلف اعتمد على ما ذكره صاحب أنوار البدرين فقط، وكان الأجدى أن يعتمد على مصدر آخر، فما ذُكر لا يفي بترجمة المؤلف. مع أنه بإمكان الأستاذ العرفات أن يرجع إلى ما ذكره محقق الكتاب موضوع البحث، فبالتأكيد أن الشيخ المرهون محقق (هدي العقول) اعتمد على أكثر من مصدر لترجمة القطيفي، فهو الحائز ـ على مستوى الجمهورية الإسلامية الإيرانية ـ على جائزة أفضل تحقيق في هذا الكتاب.
لذا كان من المفترض أن يعتمد المؤلف على هذه الترجمة الوافية، وكذلك أن يُرْجِع إليها لا إلى ترجمة صاحب أنوار البدرين، فما ذكر فيه قليل.
وبما أن المؤلف عرّف بالكتاب في عَرْضِ تعريفه بالمؤلف كان من المفترض أن يكون العنوان لهذه النقطة شاملاً للقطيفي ومؤلَّفه، بأن يكون العنوان ـ مثلاً ـ: «نبذة مختصرة عن القطيفي وشرحه». وهناك خلل آخر وقع في هذه الترجمة، فالمؤلف في آخر عنوان من هذه الدراسة يشير إلى علاقة الشيخ القطيفي بمدرسة الأحسائي، وأن القطيفي من تلامذته وينبّه إلى الشواهد الدالّة على ذلك، وهي نقطة لم يذكرها في الترجمة، وكان من المفترض أن يكون هذا العنوان (المؤلف ومدرسة الشيخ أحمد الأحسائي) من النقاط الفرعية في ترجمة القطيفي، لا أن يكون عنوانًا مستقلاًّ في آخر الدراسة. فمن المناسب ـ منهجيًّا ـ أن يترجم المؤلف للقطيفي، ويذكر في هذه الترجمة أساتذته، ويشير إلى أن أهم الأساتذة الذين تأثر بهم القطيفي الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي، ومن ثم يشير إلى أبرز النقاط التي يمكن من خلالها القول بتأثره بهذه المدرسة، وهي ما ذكره المؤلف في آخر الدراسة.
2-4: تبويب الدراسة
أشرْتُ في أول نقطة من الملاحظات على الدراسة إلى عدم انطباق عنوان الدراسة على محتواها، فالعنوان يوحي بعقد مقارنة بين شرحين لكتاب أحاديث أصول الكافي، بينما سَلَكَتْ عناوين الدراسة منحىً آخر، ولكي يتضح هذا الأمر أحتاج إلى إعادة عرض هذه العناوين، فهي ـ بعد المقدمة ـ كالتالي:
1. مبررات الدراسة، وتنحصر هذه المبررات حول كتاب (هدي العقول) تقريبًا ومؤلفه، فالمبررات هي: صدور (هدي العقول) لأول مرة، اتخاذ المؤلف (القطيفي) طريقة النقد طريقة أساسية، أهمية أصول الكافي.
2. نبذة مختصرة عن القطيفي، وهذه النقطة واضحة في تركيزها على القطيفي فقط. ولو كانت الدراسة دراسة مقارنة فعلاً لعقد المؤلف بعد هذه النقطة مباشرة عنوانًا آخر تحت اسم: «نبذة مختصرة عن الشيرازي»، وذلك لتحقيق التوازن في هذه المقارنة.
3. مقارنة بين شرح القطيفي وشرح الشيرازي، وهي النقطة الوحيدة في مجموع عناوين الدراسة التي قارن فيها بين الشرحين، وهي لا تعدو أن تكون مقارنة عددية، لا تحقق شيئًا من مفهوم المقارنة الذي يوحي به عنوان الدراسة.
4. معالم مدرسة القطيفي في أصول الفقه والرواية والدراية، وهي نقطة واضحة في تركيزها على القطيفي فقط، ولو كانت الدراسة دراسة مقارنة لعقد عنوانًا مشابهًا لمعالم مدرسة الشيرازي في الفقه وأصوله والحديث ورجاله.
5. معالم مدرسته في العقائد وما يتصل بأصول الكافي، وهذه النقطة تركّز على معالم مدرسة القطيفي دون ذكر لمعالم مدرسة الشيرازي.
6. مآخذه على مدرسة الحكمة المتعالية، ويقصد هنا مآخذ الشيخ القطيفي على مدرسة الشيرازي، ومما يثير الانتباه أن هذه المآخذ لم يقتبسها المؤلف من كتاب (هدي العقول)، في أغلبها، بل اقتبسها من كتب أخرى للقطيفي. والمؤلف في هذه النقطة يذكر مؤاخذات القطيفي على عموم آراء مدرسة الحكمة المتعالية، وليس على ما ورد منها في شرح الملاّ صدرا لأصول الكافي، فهو إلى الآن لم يعقد المقارنة التي وعد بها في المقدمة.
7. بعض ما احتواه كتاب القطيفي، وهي نقطة خاصة بكتاب القطيفي. وكان المفترض بالمؤلف أن يذكر هذه النقطة بعد أن يذكر جميع ما أخذه القطيفي في كتابه (هدي العقول) على شرح الشيرازي لأصول الكافي، لأن المؤلف في هذه النقطة يشير إلى ملاحظاته على «نقد» القطيفي لمدرسة الشيرازي في كتابه (هدي العقول). والمؤلف لم يذكر لنا إلى الآن هذا النقد.
8. المؤلف ومدرسة الشيخ أحمد الأحسائي، وهذا العنوان واضح أيضًا في خصوصه بالقطيفي.
9. نتائج مما سبق، فالمؤلف في هذا العنوان يشير إلى أن عموم عناوين الدراسة يمكننا أن نستنتج منها أن القطيفي فيلسوف ومتكلّم. وهي نتيجة تخصّ القطيفي ولا علاقة لها بالشيرازي.
وأنت ترى ـ عزيزي القارئ ـ أن الدراسة خالية من أي ذكر ـ تقريبًا ـ للشيرازي أو شرحه لأصول الكافي، بل إن مما يثير الانتباه ـ أيضًا ـ أن المؤلف لم يذكر اسم الكتاب الذي شرح فيه الشيرازي أحاديث أصول الكافي إلا في قائمة المصادر فقط، ولا تجد أي ذكر له في الدراسة كلها. فأين هي المقارنة؟ كما أن المؤلف وعد القارئ ـ في المقدمة ـ أن يسمي الشارح الأول «القطيفي»، والشارح الثاني «الشيرازي»، وأنت ـ أيها القارئ ـ تلاحظ أن المؤلف في آخر عناوين الدراسة لم يلتزم بهذه النقطة، بل أخذ يسمي الشارح الأول بِـ «المؤلف»، وهذا إمعان أكثر في تخصيص الدراسة لأن تكون منحصرة في القطيفي وكتابه فقط. لذا من المناسب أن يتغيّر عنوان الدراسة إلى عنوان يخصصها بالقطيفي وشرحه لأصول الكافي، وذلك مراعاة للتبويب الحالي للدراسة.
2-5: الاختصار المخلّ في بعض نقاط الدراسة
بما أن المفترض من هذه الدراسة أن تعقد مقارنة بين شرحين لمدرستين متباينتين في الاتجاه الكلامي والفلسفي حاول المؤلف أن يشير إلى بعض أفكار كل مدرسة مع شيء من الشرح(1)، وقد اتسمت بعض الأفكار بالشرح الوافي، بينما شاب بعضها الآخر بعض الاختصار، وللتمثيل على ذلك أشير إلى مثالين:
المثال الأول: عند تعديد المؤلف للنقاط التي تؤخذ على كتاب (هدي العقول) ذكر من الملاحظات: نقل القطيفي من كتاب «الهداية الكبرى» للخصيبي، الرجل الذي لا يوثقه علماء الرجال، وناقش هذه الفكرة في سبع صفحات، والتوسّع بهذه الكيفية في هذه النقطة يمكن اعتباره إطنابًا مملاًّ خصوصًا في دراسة لا تتجاوز المئة صفحة، في نقطة فرعية مثل هذه، وعند عرضه للملاحظة الثالثة لم يتجاوز العرض ذكر العنوان فقط من دون أي شرح، فقال: «3. اعتبار الخطبة التطنجية والافتخار وكتاب مشارق أنوار اليقين: ج 3: 506». فالمؤلف هنا لم يشرح أي شيء بخصوص هذا العنوان، بل اكتفى بالإحالة إلى الكتاب فقط.
وإحالة القارئ إلى المصدر دون أدنى شرح للفكرة من الاختصار المخلّ، وهذا الأمر ينطبق على الملاحظة الرابعة، التي عبر عنها بِـ«عبارات الكفر والضلال» حيث أشار إلى أن الكتاب مليء بعبارات الكفر والضلال، بحيث لو نقل المؤلف كل عبارة منها لملأ منها عشرات الصفحات.
وكان الأجدر بالمؤلف أن يذكر ولو بعض العبارات التي تملأ الصفحات حسب تعبيره، وكذلك من المفترض أن يكون العنوان هو: «استخدام عبارات الكفر والضلال»، فالمؤلف في هذه النقطة اختصر حتّى في العنوان، وهو اختصار مخلّ بتوضيح الفكرة.
المثال الثاني: عندما انتقل المؤلف لتبيين العلاقة بين القطيفي ومدرسة الأحسائي نقل ثلاث نقاط التقيا فيها، أسهب في الأوليين منها، واختصر في الثالثة، فلم يتعدَّ ما ذكره فيها التالي:
«3. القول بالإجماع:
وهو مما وافق فيه القطيفيُّ الأحسائي - هدي العقول جـ1: 195- » ـ ص90.
وأظنك ـ عزيزي القارئ ـ تتفق معي في أن هذه العبارة لا يمكن أن تكون كافية لشرح أي شيء من الفكرة.
2-6: التناقض بين المقدمة والمآخذ
أشار المؤلف في تقديمه للدراسة بأنه لن يسهب في تتبع المسائل التي يختلف فيها الفريقان بذكر المسألة والردّ وردّ الرد، بل سيكتفي بالعرض فقط، وذلك لأن هدف الدراسة ليس بغرض استعراض نقاط الخلاف ومناقشتها بقدر ما كان بهدف أن «نعرف أنَّ لغة الحوار والنقاش ليس لها خطوط حمراء - كما سيتضح من الدراسة - وأن استخدام أساليب التشنيع والتهويل لا طائل من ورائها».
بينما كان من المآخذ التي أخذها المؤلف على القطيفي هو استخدامه المفرط لعبارات التكفير والتضليل لمدرسة الحكمة المتعالية، لدرجة أن هذه العبارات تملأ عشرات الصفحات، ومن قساوة هذه العبارات اضطر المحقق أن يحذف بعضها، يقول المؤلف: «وقد قام محقق الكتاب بحذف العبارات القاسية، ولكن الباقي منها لا يقل قساوة, وكان هذا ديدنه (ره) في بقية كتبه».
لذا لا أظن أن المؤلف وُفِّق في تحقيق الهدف الذي نشد من ورائه هذه الدراسة، فالدراسة ـ بما أنها خلت من أي مقارنة بين شرح القطيفي وشرح الشيرازي، واختصت بالتعريف بالقطيفي وشرحه ـ لا تمثّل مثالاً جيّدًا للأسلوب العلمي في النقد، ما دام المؤلِّف الذي عقدت من أجله الدراسة يلجأ لأسلوب اتهام الآخرين بالكفر والضلال.
2-7: بعض العناوين الناقصة
فضلاً عن خلوّ الدراسة من أي عنوان يعرّف بشرح الشيرازي، ما عدا المقارنة التي عقدها المؤلف بين الشرحين لتعديد الأبواب التي يشرحها كل من الكتابين، فإن الدراسة كانت بحاجة لبعض العناوين الأخرى، وذلك مثل:
1. التعريف بكتاب الكافي، أصوله وفروعه والروضة، والتعريف بمؤلفه الشيخ الكليني.
2. التعريف بمنهج الشيخ القطيفي في شرحه لأحاديث أصول الكافي، وطريقة تناوله للمسائل الكلامية والفلسفية فيه، فالمؤلف ذكر أن الكتاب أطول شرح للكافي، وذكر في إشارة يسيرة إلى عدد أجزائه الثلاثة عشر. وهذا لا يعطي فكرة جيّدة عن الكتاب، خصوصًا أنه ذكر أن من الأسباب التي دفعته إلى عقد الدراسة هو اتخاذ المؤلف (القطيفي) لأسلوب النقد، ولم يبين هذه النقطة تحت عنوان مستقل.
3. المسائل الكلامية والفلسفية التي تعرّض لها في شرح القطيفي لأصول الكافي، فالقارئ من بداية الدراسة إلى أن يكمل قراءتها لم يتعرّف على المسائل التي طرقها القطيفي في كتاب هدي العقول.
وأخيرًا..
أجد من الضروري أن أشير إلى أن الملاحظات التي ذكرتها هنا، لا تقلل من أهمية الجهد الذي بذله المؤلف، خصوصًا في التعريف بأحد أعلام المنطقة، وبمنزلته العلمية، من خلال إبراز أهم معالم مدرسته الفلسفية.
الهوامش:
(1) وهذا أمر لم يلتزم به المؤلف ـ أيضًا ـ، فالآراء التي تعرّض المؤلف لشرحها كانت آراء مدرسة القطيفي فقط، ولم يتعرض لما يقابلها في مدرسة الحكمة المتعالية.

 

ناقد
117950