عادات الزواج والأحزان وطبيعتهما في الأحساء
بحث انثر بولوجي سوسيولوجي
سعيد محمد القريشي * - 17 / 10 / 2007م - 4:24 ص - العدد (40)

الزواج سنة كونية، وحاجة ملحة للبشرية فسيولوجياً، وسيكولوجياً، والطريق الوحيد للتكاثر، فهو معروف عند الإنسان منذ قدم البشرية. وحتى أول إنسان على وجه البسيطة خلق الله له زوجاً كي يأنس بها، ويسكن إليها،ويكوِّنان النواة الأولى لحياة الإنسان في هذه الأرض، ويعمراها بتوحيد الله. لهذا فإن الزواج كما هو سنة كونية، كذلك هو سنة إلهية شجعت عليها الأديان السماوية، والتشريعات الأرضية بغية التكاثر والقوة والعدد، ولإعمار الكون.
أما الزواج في الأحساء، فهو شيء مقدس ومحترم يحسب له الفرد الاجتماعي في هذه المنطقة منذ الصغر، حتى إذا وصل إلى السن المناسبة للزواج أقدم عليه دونما تأخير، حتى لا يقع تحت منظار النقد الاجتماعي، وهذا الزواج في مراسيمه متميز عن المدن الأخرى في العالم. إلاّ أن مراسيم هذا الزواج اعترتها تبدلات كثيرة بعد اكتشاف البترول وتحسن الأحوال المعيشية والرفاهية.. لذلك سنقوم بدراسة هذه المراسيم وما طرأ عليها من تغيير في الحاضر والماضي.
وقد اعتمدنا في تكوين هذا البحث على الملاحظة الميدانية، والمقابلة الشخصية، والمصادر المكتوبة.
الخطبة:
إن مفهوم الخطبة في الأحساء من السعودية، لا يختلف في جوهره عن مفهوم الخطبة في المدن المتحضرة في العالم سوى ما يميزه من الطابع الإسلامي، والعشائري.. حيث تجد تلك الصبغة مطبقة على سلوك الأفراد في حركتهم نحو الزواج، ومن يحاول القفز على مفاهيم المجتمع في حركة الخطبة، لاشك سيلقى مجابهة اجتماعية صارمة تتمثل في الرفـض الاجتماعي، أو العزل الاجتماعي في الحالات المتطرفة، أو البراءة منه نسبياً، وأحياناً يكون القتل نصيب من يحاول الخطبة مرة أخرى في حال كان متزوجاً من قبيلة قوية ذات نفوذ، وفي حـال الخطبة من الأجنبية فربما أقول لك: إنه بنسبة ثمانين في المائة يرفضون ذلك رجالاً ونساءا، وإن كان هناك من يخطب ويتزوج من الخارج ـ أي من خارج السعودية ـ لأنه منصهر في بوتقة الأعراف، ولا نقول: هذا شيء سيء ولكن هذا واقع ملموس.
أما في خطوات الخطبة يقول عبد الله السبيعي: >كان الزواج في الغالب محصوراً داخل الأسرة..حيث ابن العم هو العريس المفضل لأبنة عمه. وكان الزواج من الخارج قليل الحدوث. فمتى ما بلغ الابن سن الرشد شعر والده بمسؤوليته في إيجاد عروس له<(1) و لكن في العصر الحاضر مع دخول وسائل الإعلام إلى كل بيت و استلهام ثقافة المجتمعات الأخرى حدثت حالة تمرد على هذه الفكرة الموروثة حيث صار الشاب في كثير من الأحيان يطمح إلى الجديد و الغريب، الغريب من داخل المجتمع و من خارجه.. حيث يعلق أعذاره على الطب الحديث و تارة أخرى الأخوة بينه و بين قريبته. و يقول السبيعي أيضاً: « و بما أن الزواج كان محصورا داخل الأسرة فإن العروس المختارة تكون معروفة لأهل العريس خاصة لوالدته»(2) و نرى جلياً في هذه الفكرة مدى عمقها في العقلية العربية و على الخصوص عرب الجزيرة حيث يعتدون بالنسب و مما لا شك فيه ضرورة معرفة العروس لضمان إنجاب العرق الطاهر النقي النجيب، وإن كان هناك في هذا الزمان الحاضر تجاوز كبير لهذه الفكرة رغبةً في الحصول على الجمال مهما كان نسبه فنرى بعض الشباب الطامح يتزوج من هنا ومن هناك من البلاد الغربية والشرقية المخالفة لعادات العرب اجتماعياً وفكرياً و هذه الفكرة التي يحملها الشباب الطامح لهذه الفكرة يكون محارباً اجتماعياً، فزوجاتهم الأجنبيات لا يستطعن الاندماج مع نساء مجتمعنا بسهولة ويسر وغالباً يكون السبب من الطرفين -أي من نساء المجتمع والأجنبية- بسبب تضارب الثقافتين. و يقول السبيعي أيضاً: «وكان عبء مسؤلية القيام بالخطبة يقع على والد العريس الذي يفاتح والد العروس برغبته بخطبة ابنته وكانت الخطبة واتمام عقد النكاح (الملكة) تتم سراً حيث يستدعى المملك (المأذون) إلى منزل والد العروس والعادة أن لا يؤخذ رأي الفتاة في خاطبها كما أنه من العادات الطريفة أن تختفي الفتاة عن أعين الرجال و كافة النساء إلا الفتيات الصغيرات حتى ولو كانوا من أقرب المقربين لها طيلة الفترة التي تعقب الخطبة حتى ليلة الزفاف»(3) هذا - أي عدم أخذ رأي العروس في خاطبها – كان موجوداً قديماً وإن كان ليس على نحو مطلق كذلك هو في نفس العصر الحاضر ليس على النحو المطلق، بل مع انتشار الوعي الديني والحريات التي تسود العالم فالمرأة في الأحساء من السعودية بنحو 80% أو أكثر تختار زوجها بتمام رغبتها دون معارض إلا فيما يخالف الدين والعرف والمصلحة العامة.
 بينما نجد اختلاف في مجتمع القطيف المجاور حيث «كان من العادات القديمة المميزة لمجتمع القطيف في مناسبات الزواج إرسالهم كمية من الأسماك إلى بيت الخطيبة إبان الخطوبة ليتم توزيعها على الجيران والأصدقاء»(4) و لكن هذه العادة تغيرت الآن مع الثورة النفطية.
المهر:
يعتبر أهم مفصل من مفاصل الزواج فمن خلال وجوده في يد العريس يتحدد سرعة الزواج أو تأخيره و ربما يكون هو السبب الرئيس في تأخير الزواج حيث يعتبر غلاؤه من أكبر العوائق في طريق الزواج ومن هنا ينفتح شلال المشاكل الاجتماعي، فكلما كانت العادات الجاهلية البدوية منغرسة في فكر أهل العروس كان المهر أكثر غلاءً حيث لا يهنأون إلا بالزبرجات العرفية الجاهلية وفي الوقت الحاضر شنت حملات توعية لخلع هذه الفكرة من الأذهان التي تعتبر الزواج مشروعاً تجارياً، أو صفقة من صفقات العمر حيث من خلاله تتم نقلة نوعية مادية إلى الأمام وفي واقع الأمر إن هناك كثيرا من العوائل الكثيرة الكريمة التي استجابت لهذه الحملات التوعوية الإسلامية وأيضا في المقابل قامت مؤسسات دينية متمثلة في وكلاء المراجع وأئمة المساجد المخلصين لمجتمعهم بإنشاء الزواج الجماعي الذي حل كثيرا من عقد المهر الغالي فنجد من نظرة ميدانية أن هناك إقبالا على هذا النوع من الزواج فهذا الزواج قد أقيم في أغلب مناطق الساحل الشرقي من السعودية و بعض هذه الزيجات ضمت مائة وخمسين عريساً.
أما في الماضي «كانت المهور في الفترة السابقة لاكتشاف النفط والأحوال الاقتصادية السيئة تتراوح ما بين 30 ريالاً إلى 100 ريال»(5).
 أما الآن فالمهر في المتوسط العام عند الشيعة فيصل ما بين 15,000 ريال إلى 30,000 ريال أما عند السنة فيفوق هذا المبلغ بكثير حيث العادات القبلية مترسخة أكثر في مجتمعهم.
ويقول السبيعي: «وكانت العادة أن يقدم الحضري إلى عروسه قبل دخوله بها ثوبين وعباءة (دفة) و لوازم وليمة الزفاف وفرش النوم الخاصة بليلة زفافه وبعض الأقمشة غير المخيطة وفي بعض الحالات يتضمن المهر (الدفع) مجموعة من الحلي وكانت تلك الأشياء تحمل إلى بيت العروس قبل الزفاف بليلة واحدة وتسمى تلك الليلة (ليلة الحفلة) وكانت الأقمشة وبعض الحلي تحمل في صرة (بقشة). ومن الطريف أن جهاز العروس المحمول إلى بيت أهل العروس كان يتضمن صندوقاً خشبياً خاصا بملابس العريس الخاصة والهدية (الصباحة) التي سيقدمها إلى عروسه صبيحة يوم زفـافه وكذلك بعض اللب والمكسرات»(6)، أما الآن فهذه الأمور لا زالت موجودة ولكن زيد عليها أشياء كثيرة من قبيل العطورات الفرنسية بالإضافة أنه قد جهز شقة أو غرفة في بيت مفروشة فرشاً كاملاً حسب مستوى العريس المادي والمياه الغازية (البيبسي) حيث الناس تعشق هذا المشروب والمكسرات اليابانية والكعك والمياه المعدنية والفواكه وأمورا كثيرة تختلف من عائلة إلى عائلة وأصبحت محل تنافس وتفاخر لا سيما في المجالس النسائية. وقبل فترة وجيزة كانت في مخدع النوم يجهز بـ(ـغدنة) بدل غرفة النوم المتعارف عليها اليوم وهي أي الغدنة فراش وثير مع ستائر تعزله عن باقي الغرفة.
«أما البدوي فيكتفي بتقديم جمل وسجادة (زولية) وفراش وتكون وليمة الزواج عبارة عن خروف أو اثنين لإكرام الضيوف القليلين»(7) أما الآن مع قيام الملك عبد العزيز بمشروع توطين البدو وفق الملاحظة الميدانية نرى أنه قد انسحبت عليهم الصبغة الحضرية بحيث صاروا يقلدون الحضر في مراسيم الزواج فصار البدوي يقدم أشياء مشابهة لما يقدمها الحضري في زواجه والبدوي الآن، المهر عنده مكلف جداً حيث يبلغ السبعين أو المائة ألف ريال و غير ذلك من المحسوبيات والأعراف التي تورطه في مصاريف باهظة.
العانيّة:
إن المجتمع الإسلامي في الأحساء متكافلٌ بشكلٍ كبير ولله الحمد ونلاحظ من خلال الواقع الملموس في أغلب المجتمعات أن الشاب في بداية حياته يجد صعوبة في الانطلاق في بناء عش الزوجية فالمجتمعات التي تفتقد التكافل الاجتماعي ينتحر فيها الشباب على مذبح الشهوات لصعوبة إيجاد المال الكافي للزواج حيث الرأسمالية المتغلغلة في مناحي الحياة الاقتصادية، فحتى في أرقى الدول المتقدمة اقتصادياً نجد هذه المشكلة شامخة مشمرة عن ساعديها وفقهاء الاقتصاد والاجتماع يبذلون الجهد لحلِّ هذه المعضلة، فمن دولة إلى أخرى حسب إخلاص العاملين للقضاء على هذه المشكلة يتحدد حجمها.
أما في مجتمعنا «كان من العادات الشائعة والخاصة بمناسبة الزواج وبعد تحديد موعد الزفاف مبادرة أقارب العريس وأصدقائه بتقديم مساعدات سواءً أكانت نقوداً أو خرافاً أو أكياس رز أو سكراً أو بُناً وكانت تلك المساعدات تتكدس وتساعد على تحمل نفقات الزواج، وهي ماتسمى ( عانية ). وكانت لكثرتها وخاصة الخراف تستدعي قيام أهل العريس ببيع الزائد عن احتياج المناسبة بعد انتهائها. أما بالنسبة إلى هدايا العروس فإنها تأتي من قريباتها وصديقاتها كل واحدة حسب قدرتها حيث كانت تتكون من حلي ذهبية أو جنيهات ذهبية أو أقمشة غير مخيطة ويكون تقديمها ليلة الخامس عشر بعد رحيلها إلى بيت الزوج»(8). ولازالت العانية مغروسة في قلوب أهل المنطقة الشرقية بل زادت وتنوعت فالآن يوجد مساعدات الزواج الجماعي وسلفة البنوك ومساعدة علماء الدين المقتدرين مادياً، فمثلاً الزواج الجماعي عند الشيعة مفتوح للجميع وهناك أيضاً الجمعيات الخيرية التي تمدُّ يدَ العونِ.
حمّام العريس:
ويسمى (يوم الغسول) وهذه عادة ظريفة عميقة الجذور في الزمن الماضي حيث يؤخذ العريس في صباح يوم الزفاف إلى أحد عيون الأحساء، ومن هنا نلاحظ اهتمام أهل الأحساء بالنظافة الجسدية لأن العيون العامرة بالمياه العذبة المنسابة في جداولٍ كثيرة قريبة من الأهالي فكانوا يغدون إليها صباحَ مساء لقضاء حاجاتهم المتعلقة بالنظافة وممارسة رياضة السباحة فأهل الأحساء يعشقون الاستحمام في العيون وهذه العادة، أو النمط من السلوك مستمر إلى الآن وهذا يعتبر من أرقى المظاهر الحضارية الكثيرة مثل عين (أم سبعة) و(الحارّة) و(الخدود) و(الحقل) وهذه تعتبر من أكبر العيون المشهورة في الأحساء. أما في جارتها القطيف فيؤخذ إلى عين(ملحم)و (داروش) و (الحمام)، فإذا وصلوا إلى العيون ينزلون إليها بسرعة فرحين مرددين للأشعار والأهازيج. وكانت عند البعض تقام حفلات الطرب والغناء المعروف محلياً باسم (مجيلسي)(9). ولكن مع امتداد الوعي الديني قضي على هذه العادة المحرمة في الشرع. ومن المظاهر المرافقة (ليوم الغسول) تمشية العريس بالسيارات المتراصة على شكل موكب مع استخدام المزامير الموجودة في السيارات حول أحياء الأحساء وقراها وفي شوارعها الواسعة وفي العادة أحياناً تحدث حوادث مرورية بسبب السرعة الهائلة من بعض الشباب المتهور. وبعد انتهاء الدوران بالعريس في المنطقة يرجع به إلى البيت وينثر عليه القروش والحلويات فتنتهي مظاهر حمّام العريس(10).
ليلة الطيب:
وهي مشهورة عند السنة في المنطقة بهذا الإسم أكثر من الشيعة وهي نفس الليلة الموجودة عند شيعة المنطقة. وهذه الليلة عبارة عن حضور المدعوين بعد صلاة المغرب من ليلة الزفة إلى بيت العريس. وكانت هذه الليلة قديماً بهذا الشكل:« يتوافد المدعون من الأقارب والأصدقاء وسكان الحي إلى منزل والد العريس بعد صلاة المغرب مباشرة من ليلة الزفاف والتي تسمى (ليلة الطيب) وكان من العادات الطريفة المتبعة أن يحضر المدعو معه فانوساً يحمله في تلك الليلة لإنارة الطريق وإضفاء البهجة على الحفل وكان بعض الميسورين يستأجرون من يحمل لهم الفانوس وكان المدعوون في حالة عدم ملكيتهم للفانوس لا يجدون غضاضة في استعارته من الأصدقاء والأقارب وبعد تناول القهوة العربية ورش العطور التي كانت تسكب وتخلط في وعاءٍ يسمى (المرشّ) يصاحبون العريس ووالده في موكب يسيرون فيه على الأقدام يتقدمهم العريس وأمامه حملة مباخر العود وفوانيس الإضاءة إلى بيت والد العروس حيث مقر الزفاف»(11) أما في العصر الحاضر فقد جرت عادة الشيعة في الأحساء بدعوة الناس على حفلة عشاء تكون في ليلة الزفاف بعد صلاة المغرب ويتكون العشاء في الأعم الأغلب من الرز واللحم والمرطبات ثم بعد ذلك بساعتين يحضر المدعون في مكان تجمع العرس وعادة يكون إما في حسينية أو في بيت كبير وفي الوقت الحاضر ظهرت عادة استئجار صالات الأفراح(12).
الزفاف والدّزة:
بعد أن يتم عقد الزواج يتفق أهل العروسين على موعد الزفاف والدخلة وعادة يكون يوم الخميس ليلة الجمعة وهذا ما نقصد به ما يسمى الزفاف فتكون مراسم الزفاف في ثلاثة أيام عادةً يكون فيها الزفاف والمباركة للعريس. أما العروس فيحتفل بها في هذه الأيام التي تسمى أيام الحنّاء أيضاً حيث تنقش على يدي العروس ورجليها أحلى نقوش الحنّاء كما تجلس العروس في وسط المجلس المخصص للنساء مرتدية رداءً أخضر مزيناً بالزري يسمى (ترمللي) ويتم الإحتفال عند النساء بدق الطبول والدفوف وترديد الأهازيج الشعبية وفي الأغلب ما يكون صديقات العروس متجمهرات حولها يرفرفن برداءٍ مزين بالزري على رأسها يمسكنه من أطرافه الأربعة يرفعنه وينزلنه في حركة منتظمة(13). أما حديثاً ومع امتداد الوعي الديني وتطور الحضارة فقد حذفت الأغاني من مجالس النساء في ليلة الزفة إلا في بعض المناطق والبيوت فتكون مراسم الزفة بأن يقام حفل للعريس في حسينية أو بيت كبير أو باحة واسعة يخيم فيها أو صالة أفراح والنساء يكن جالسات فيبيت العريس ويقمن بالاحتفالات للعرس وبعد أن ينتهي حفل الرجال يزفون العريس إلى مقر حفل النساء ثم يجلس على المسرح، أي المكان المخصص لجلوس العريسين، ثم بعد ذلك يؤتى له بعروسه وتقعد بجانبه حيث يقتسمان الكعكة وتغسل أيديهم بماء الورد والزعفران وتقرأ بعض الموالد وفي بعض الأعراس التي تعتبر خارجة عن عرف المنطقة ترقص فيها بعض النساء وفي بعضها يرقص والد العريس ووالدته(14). ثم بعد مضي فترة أو إلى منتصف الليل تزف العروس والعريس إلى غرفة نومهما المعبر عنها بالدخلة.
الطرارة:
وهي من العادات القديمة والتي لازالت إلى الآن موجودة عند من يجلبن المغنيات وهي عبارة عن قيام هذه المغنيات بضرب الدفوف أمام وجه العريس لكي يدفع ما تجود به نفسه من مال (15)وهذه منتشرة عند السنة في المنطقة أكثر من الشيعة. والشيعة وإن كانت لا تستخدم الطرارة للمغنيات بل تعطى لقارئة الموالد ولها اسم آخر وهو(النقوط).
الصباحة:
الصباحة وهي صباح اليوم التالي ليوم الزفاف حيث يقوم العريس بتقديم هدية لعروسه وهذا مقتضى العرف السائد إلى الآن وأيضاً يقوم بتقديم هدية لأم العروس يتقدمها تقبيل رأسها والكشف عن وجهها(16) وحجم الهدية يختلف من الحضر إلى البدو وسمعت ممن أثق فيه أن البدوي يقدم هدية لأم عروسه باهظة جداً قد تصل إلى مائة ألف ريالٍ سعودي وأيضاً يقوم العريس في يوم الصباحة بعمل حفلة غداء مكونة من الرز واللحم للعائلة والأقارب.
يوم الفرّة:
وهو اليوم الثاني للزواج حيث تقوم العروس بالجلوس أمام النساء فينصب صيوان كبير في فناء المنزل (الحوي) استعداداً للحفلة الخاصة بالنساء بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم حيث يحرص النساء على الحضور ويرتدين أجمل حللهن وعادة في هذه الحفلة إذا كانت المرأة من خارج عائلة العروسين يحضرن متغطيات (مغاتير) وهؤلاء النسوة يحضرن من غير دعوة. وكان أيضاً في العادة الحسنة حضور المدعوات ومعهن دلال القهوة وأباريق مليئة بالحليب الممزوج بالزعفران وقوارير العطر وفي هذه الحفلة تجلس العروس لأول مرة بكامل زينتها وعباءتها الجوخ (هيلة) متزينة بالحنّاء والديرم ـ وهو نبات يستخدم كأحمر شفاه ـ ويخصص مكان قريب من العرس لقريباتها وفي العادة أن تغطي العروس وجهها بمنديل وتنظر باستمرار إلى الأسفل في حياءٍ ودلال وتقوم إحدى النساء كما في العادة بنزع المنديل عن وجه العروس وأمور أخرى(17).
يوم الطلعة:
وهو اليوم الثالث للزواج وهو يوم مغلق لا دعوات فيه يسمى يوم الطلعة حيث يخرج العريس إلى السوق من الصباح لشراء الحلوى واللب والمكسرات وحين يخرج تغني المغنيات بصوت هادئ وهذا عند السنة فقط(18).
الانتقال إلى بيت الزوجية:
كان من العادات المتبعة أن يبقى العريس في بيت أهل عروسه أسبوعاً ثم يغادر بعدها إلى منزله. وتقوم العروس بزيارة خاطفة إلى أهلها تسمى (بوقة) وتكون ليلاً. ومن المفروض أن يردَّ الأقارب والصديقات ووالدة العروس في ليلة الخامس عشر من انتقالها إلى بيت الزوجية أن يردوا الزيارة.
وتسمى الزيارة الأولى من الزوجة لأهلها خلال أول شهري زواج (زورة) وتقوم والدة العروس في هذه الزيارة بدعوة نساء العائلة كافة على حفلة غداء وقضاء يوم كامل(19).أما عند الشيعة فلا وجود لهذه العادة.
القسم الثاني: مراسم الحزن
مراسم الفواتح:
اعتاد أهل الأحساء أن يشارك بعضهم بعضا في الأفراح والأحزان وهذا من أجلى مظاهر التعاضد الاجتماعي.. حيث نجد ندرة هذه الظاهرة في المجتمعات الأخرى بسبب تغلغل روح المدنية الحديثة فيها. أما أهل الأحساء فبرغم الحضارة المستوردة إلا أن أصالة الماضي بخصائصها الروحية والدينية حاضرة دوماً في نفوسهم، فبمجرد إعلان وفاة شخصٍ من أهل المنطقة وحسب انتشار الخبر يتوافد الناس على المقبرة (مكان دفن الميت) بسرعة ومن شتى الأحياء وعلى الخصوص أقاربه وإن بعدت مناطقهم.. لأن هذا يعتبر واجباً دينياً وعرفياً يشكّل أهمية عظمى في نفوس أهل المنطقة. فالذي لا يواسي أهله في الأحزان قلّما يجد من يواسيه في مثل المصيبة. ولقد شكّلت وفاة الشيخ علي آل شبيث (1415هـ - 1995م) ثم وفاة ابنه الشيخ حسين (1419هـ - 1998م)، وكذلك وفاة الشيخ حسين الخليفة (1426هـ - 2005هـ) ظاهرة لافتة في التعاضد الاجتماعي في الأحساء ومرحلة هامة في تاريخ أهـل المنطقة حيث حضر تشييعهم الآلاف من أهلها.
أما مراسم الفواتح فهي على الشكل التالي:
عندما تعلن وفاة شخص تهب الناس إلى المقبرة حيث تشييعه وتغسيله فيقوم شخص معين لتغسيل الأموات بتغسيله وفقاً للتعليمات الإسلامية بعد ذلك يدرج في أكفانه ويحضر في مصلى المقبرة فيقوم أحد مشائخ المنطقة بالصلاة عليه ثم بتلقينه الشهادة الإسلامية ثم يحمله الحاضرون على الأكف وهم يهللون ويكبرون إلى قبره المحفور مسبقاً ثم ينزل عند القبر ويقوم شخصان من غير أقربائه بالنزول إلى القبر -حيث يراعى روعة أهل الميت وحزنهم- ثم يقومان باستلامه ولحده في اللحد ثم يقومان بوضع الحجر والطين لسد بوابة اللحد ثم يخرجان من القبر وتبدأ الناس بإهالة التراب لردم القبر ثم يصبون عليه الماء -حيث العقيدة الإسلامية تقول: مادام القبر رطباً لا يعذب صاحبه- بعد ذلك في اليوم التالي يبدأ أهل الميت بنصب العزاء عليه (الفاتحة) ويكون ذلك في إحدى الحسينيات المعروفة في المنطقة هذا (عند الشيعة فقط ). أما الفاتحة فمدتها ثلاثة أيام حيث يقرؤون القرآن لروحه ويتوافد الناس لتعزية أهل الميت وبعد الأيام الثلاثة تنتهي الفاتحة وعزاء الرجال. أما زوجة الميت فتبقى في البيت أربعين يوماً لابسة السواد حداداً عليه وأيضاً من عادات أهل المنطقة في الحزن على الموتى من أقاربهم أن لا يقيموا الأفراح إلا بعد مرور السنة تقريباً وهذا خاص بأهل الميت.
التحاريم:
كما أن مناسبات الفرح عند أهل الأحساء كثيرة فكذلك مناسبات التحاريم فمناسبات التحاريم عند أهل المنطقة لها أشكال متعددة فمثلاً يقام العزاء (اللطم) عند ذكرى وفاة كل إمام من أئمة الشيعة عليهم السلام ففي هذا الشكل يتفنن المعزون في إظهار مدى اللوعة على وفاة أئمتهم فيظهرونها على شكل قصائد عامية وفصيحة ثم يقومون بتلحينها بألحان متعددة وتلقى في أماكن معروفة والناس متحلقة تسمعها في نمط حلقات وهم يلطمون على الصدور. وهناك نمط آخر لإقامة التحاريم وهو المأتم الحسيني ويكون بهذا الشكل حيث يقوم أصحاب الحسينيات أو البيوت بتكليف خطيب من الخطباء الحسينيين بقراءة النواعي الحسينية ويضعون إعلانا لموعد هذه القراءة وتكون القراءة بالشكل التالي أن يقرأ الخطيب قصيدة من الفصيح العربي أو العامي بالتلحين بعد ذلك يقوم بإلقاء موضوع قد أعده مسبقاً (محاضرة) ثم يختم بقراءة نواعي أيضاً(20).
أما مناسبات التحاريم فهي على الشكل التالي:
>ففي أول المحرم وحتى العاشر منه تعقد مآتم تأبينية بمناسبة ذكرى شهداء الطف. وفي 25 منه يحتفل بذكرى وفاة الإمام زين العابدين. ثم في 7صفر بذكرى وفاة الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. وفي 17منه وفاة الإمام الرضا. وفي 20 منه بذكرى الأربعين لشهداء كربلاء. وفي 28 ربيع الأول وفاة الرسول K. وفي 8ربيع الأول وفاة الإمام الحسن العسكري. ووفاة الزهراء في 13جمادى الأولى ووفاة الإمام الهادي في 3رجب ووفاة الإمام جعفر الصادق في 15رجب، ووفاة الإمام موسى الكاظم في 25 رجب، ووفاة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في 21 رمضان، ووفاة الإمام محمد الجواد في 6ذي الحجة، ووفاة الإمام محمد الباقر في 7ذي الحجة<(21).
الخاتمة:
لعلنا قد أوضحنا خصوصية مراسيم الزواج في هذه المنطقة من الجزيرة العربية، التي ربما لم يطرأ عليها الكثير من التغير برغم الثورة النفطية العارمة، وكذلك الأحزان.
الهوامش:
(1) مقابلة مدير الجوازات الأسبق في المنطقة الشرقية. (السبيعي، عبد الله، اكتشاف النفط وأثره على الحياة الاجتماعية في المنطقة الشرقية، ط2، 1989م، مطابع الشريف، (د، م، ن).
(2) المرجع السابق، ص 105.
(3) مقابلة مع سيدة فاضلة فضلت عدم ذكر اسمها (نقلاً عن مرجع سبق ذكره، ص 105).
(4) مرجع سبق ذكره، ص 105.
(5) مرجع سبق ذكره، ص 106.
(6) مرجع سبق ذكره، ص 106.
(7) مرجع سبق ذكره، ص 106.
 (8) مرجع سبق ذكره، ص 111.
(9) مرجع سبق ذكره، ص 111
(10) استقينا هذه المعلومات من عدة مقابلات شخصية وكذلك خبرتنا الميدانية بذلك المجتمع.
(11) مرجع سبق ذكره، ص 111.
(12) مقابلة مع الشيخ مجتبى السماعيل من منطقة الأحساء.
(13) آل سلهام، حسين، من تاريخ سيهات ط1، دار الخليج العربي للطباعة والنشر، بيروت، 1997م، ص197.
(14) مقابلة مع بعض الأخوة الذين فضلوا عدم ذكر أسمائهم.
(15) مرجع سبق ذكره، عبدالله السبيعي، ص 116.
(16) مقابلة مع الشيخ مجتبى السماعيل من منطقة الأحساء.
(17) مرجع سبق ذكره، ص 117.
(18) مرجع سبق ذكره، ص 119.
(19) مرجع سبق ذكره، ص 119.
(20) مقابلة مع الشيخ مجتبى السماعيل من منطقة الأحساء.
(21) مرجع سبق ذكره، من تاريخ سيهات، ص 205.


 

كاتب - السعودية
113132