جـــلال العلـــي في ديوانه (الحناجر تموت ناطقة)
مفردات شعرية مبتكرة مليئة بالألم والطموح
جعفر عمران * - 17 / 10 / 2007م - 4:39 ص - العدد (40)

يتخفف الشاعر جلال العلي في ديوانه (الحناجر تموت ناطقة) من النبرة العالية والصوت العالي والصراخ المتمثل في قصائده في ديوانه الأول (صوت العرب)، قصائده المليئة بالشكوى والألم مما يواجهه الإنسان والإنسان العربي بشكل خاص.
ويتضح للقارئ الفرق بين ديوانيه (صوت العرب) الصادر عام 1997م عن دار الخليج العربي في لبنان و(الحناجر تموت ناطقة) الصادر عام 2004م عن دار الرافدين في لبنان، إلا أن ديوانه الأول الشكوى من الخارج السياسي الاجتماعي، بينما في ديوانه الثاني تأتي الشكوى والخذلان واليأس بنبرة هادئة، وصوت أقل خفوتاً ولكن بشكوى ناضجة يانعة، ارتوت وأينعت من السنين وهي شكوى أكثر ألما وأعمق الآتي من الداخل،من الروح كمن يئن ويتوجع ولكن لا يريد لأحد أن يسمعه بعد أن تعب من الصراخ والكلام في ديوانه الأول، بعد أن أدرك أنه لا مجيب (لا حياة لمن تنادي)، ففضل أن ينطوي على ذاته وعلى ألمه فيصدر صوتاً خفيضاً، عميقاً بالألم واليأس، ولم يبق لديه سوى الأنين لأنه (يخفف الوجع) فلم يعد يأنس إلى القريب في إشارة إلي الغربة الموجعة الغربة في الوطن بين الأهل والأحباب وهو أشد العذاب يقول جلال العلي في قصيدة (كرمته جوانحي).
هكذا محض الهموم إخائي مذ جفاني -كما جفوت- القريبا
ليس أدنى من الهموم  إلى المرء إذا لم ير القريب قريبا

وفي القصيدة نفسها هذا البيت:
وأنا الهم جاثم في فؤادي كحبيب يلقى أخاه الحبيبا

و بين إصدار ديوانيه الأول والثاني تقع مسافة 7 سنوات كانت كافية ليعود الشاعر منهكاً من محيطه ومجتمعه وآماله وطموحه في أن يرى هذا العالم النور ويكتسي بالسلام والحب إلا أنه يزداد بؤساً وجوعاً ومهانة يوماً بعد آخر كما تحكي قصائده عن ذلك في (الحناجر تموت ناطقة)، فلم يعد يسلى هذا الشباب لهو ولا طرب يقول جلال في قصيدة >أريد نهجاً<:
تضاءل الكون في عينيه وانحسرت روح الشاب فلا لهو ولا طرب
وغادر الأرض لم يألف بها سكناً يأوي إليه به الأطماع والرتب

و لكن الألم والجراح التي يحملها في جوانبه، لا لأجل حبيبة أو عشيقة فارقت، ولا لأمنية لم تتحقق، ولكنه الواقع الذي يلطمه في كل حين، الهزيمة والانكسار الذي يرزح تحته المجتمع، العز الذي تحول إلى ذل وخذلان، وذلك التافه الخامل الذي يسود القوم فأصبح عزيزهم:
تجدر في الهوان بريق تبر وأغلى -رغم معدنه- التراب
وأظمأنا الورود فكان أحنى على أكبادنا الأمل السراب
تمرغت النفوس فلا انتفاض يغاذيها الإباء ولا انقلاب
وارتج من فناء العز باب وفتح من خناق الذل باب

ويمضي جلال العلي مبحراً في جراحه وعذاباته في إيقاع سريع، وهذا أيضاً فارق بين ديوانيه، فـتأتي قصيدته في ديوانه الثاني أسرع ايقاعاً بكلمات أقل، مختصرة ومنتقاة بقافية جديدة، ليست متكررة عند الشعراء الآخرين، قصيدة متماسكة ومشدودة، بمفردات شعرية مبتكرة، مفردات تنعى حاله وتبكي ألمه وطموحه، مفردات تعينه على شموخه وعزيمته التي لا تنثني، والتي لن ترضيه سوى دار الأقمار:
أرقى ويجذبني التراب لحضنه فأبيع فيه النجم بالأحجار
هيهات لن يرضى شموخ عريكتي بأقل من دار على الأقمار
سجنى سأسجنه بصلب عزيمتي سيدك بأسي ألف الف جدار

كاتب صحفي
267488