اللهجات المحلية في الخليج (17)
(اللهجة في القطيف مثالاً)
السيد شبر علوي القصاب * - 17 / 10 / 2007م - 10:39 ص - العدد (39)

أسماء الألوان
كانت الغالبية من أهل الواحة في ما مضى تستعمل لفظ: (رَنْگْ) الفارسي بمعنى اللون الخارجي للشيء، أو اللون المادي المحسوس، ويجمعونه على: (أَرْنَاگْ) كما في قولهم: (أَشْكَالٍ وُْأَرْنَاگْ)، أما لفظ (لون) لذات المعنى فهو محدث في اللهجة لم يكن معروفاً إلا مع وجود المدارس النظامية الحديثة، وقد شاع هذا اللفظ المحدث الآن حتى كاد يغلب القديم، ولاسيما عند المحدثين.
والألوان في اللهجة منها ما هو معروف في اللغة مثل: (أَبْيَضْ)، (أَسْوَدْ)، (أَزْرَگْ) (أَزْرَكْ)، (أَصْفَرْ)، (وَرْدِيْ)، (أَسْمَرْ)، (أَخَضَرْ)، (أحْمَرْ)، وينطقان: (خَضَرْ)، و(حَمَرْ) بحذف الهمزة من أولهما في لهجة بعض النواحي كما سبقت الإشارة إليه في الحلقة الأولى من هذا البحث، وبما أنها محل اتفاق بين اللهجة، واللغة فلا حاجة لبيانها، وإنما يلزم التطرق إلى أسماء الألوان التي اختصت بها اللهجة، أو الموجودة فيها من اللغة، ولكنها قد تكون غائبة عن أذهان بعض الناس، ولاسيما المحدثين، فلربما عدت تسميات عامية، وهي في الأصل فصيحة، وفي ما يلي بيانها، وأبدأ بما وجدت تفسيره في اللغة مطابقاً للهجة، أو قريباً منه:
* (أَسْحَمْ)، والأسحم في اللغة: الأسود، وقال الليث: السُّحْمَةُ: سواد كلون الغراب الأَسْحَمِ، وكل أَسود أَسْحَمُ(1).
* (أَفْحَمْ)، ويعني في اللهجة: الأسود الغامق، والفاحِمُ في اللغة من كل شيء: الأَسود بَيِّن الفُحومة، ويُبالَغ فيه فيقال: أَسود فاحم(2)، وأنت ترى أن المعنيين متقاربان.
* (أَدْغَمْ)، والدَّغْماءُ في اللغة من النِّعاج: التي اسودت نُخْرتُها، وهي الأَرْنَبَةُ، وحَكَمَتُها، وهي الذَّقَنُ، وفي الحديث: أنه ضَحَّى بكبش أَدْغَمَ؛ وهو الذي يكون فيه أدنى سواد، وخصوصاً في أَرْنَبَته وتحت حَنَكِه؛ وقيل: الأسود مع عِظَمٍ(3).
* (أَطْلَسْ)، والأَطْلَسُ في اللغة: الأَسودُ، والوَسَخُ، وذئب أَطْلَسُ: في لونه غُبْرةٌ إِلى السواد وكل ما كان على لونه فهو أَطْلَسُ(4).
* (أَمْلَحْ)، أي: كلون الملح المغبر، ويقابله الرمادي الآن، أما الأَمْلَحُ في اللغة فهو ما كان بياضه تشوبه شعرات سود(5)، وأنت تعلم أن اللون الرمادي عنصراه اللونان الأسود والأبيض.
* (أَرْبَدْ)، والرُّبْدَة بالضّمّ الغُبْرَة، أَو لَونٌ إلى الغُبْرَةِ، وقال أَبو عُبَيْدةَ: هو لَوْنٌ بين السَّوادِ والغُبْرة والرَّبداءُ من المَعَزِ: السَّوْداءُ المُنَقَّطَةُ بِحُمْرةٍ(6).
* (أَبْرَگْ)، وهو في اللهجة كما هو في اللعة: كلُّ شيء اجتمع فيه سواد وبياض(7) فهو أبرق.
* (أَشْهَبْ)، والشُّهْبةُ في اللغة: لَونُ بَياضٍ يَصْدَعُه سَوادٌ في خِلالِه؛ وقيل: البَياضُ الذي غَلَبَ على السَّوادِ(8).
* (أَرْگَطْ)، والأَرْقَطُ في اللغة: هو الذي فيه سواد يشوبُه نُقَطُ بَياضٍ، أَو بياضٌ يشوبُه نُقَطُ سوادٍ، ودجاجة رَقْطاء إذا كان فيها لُمَعٌ بِيضٌ وسُود(9)، ومنه قول أهل اللهجة لغزاً في الرسالة: (دْيَاجَتِيْ يَا الرَّگْطَا تْنُطْ البَحُرْ فِيْ نَطَّهْ). وقد يقال في اللهجة (لِمْرَنْگَطْ)، وهو المرقط، وفك الإدغام بإبدال أحد التضعيفين نوناً فصار كما ترى.
* (أَدْخَنْ)، أي: كلون الدخان، وهو الرمادي الفاتح المشوب بزرقة خفيفة، وهو نادر الاستعمال، وفي اللسان: أَصل الدَّخَن أَن يكون في لَوْن الدابة أَو الثوب كُدْرة إلى سواد؛ ولا أَحسبه إلا من الدُّخان(10).
* (طهما)، ولم اسمع له في اللهجة بمذكر، ومنه قولهم في الأحجية عن الجحة في رواية بعض النواحي: (غُِبَّةٍ طَهْمَا وُْدَاخِلْهَا عَبِيدْ)، يريدون بذلك: أنها كلجة البحر السوداء التي لا يعرف قرارها، وأولها من آخرها، وقد يستعمل للخيل، فيقال: (فَرَسْ طَهْمَا)، وعن أبي سعيد: الطُّهْمَةُ والصُّهْمَةُ في اللون: أن تُجاوِزَ سُمْرَتُه إلى السواد، ووَجْهٌ مُطهَّمٌ إذا كان كذلك(11).
* (أَعَطرْ)، وهو الأشقر المشوبة شقرته بحمرة، ولا يبعد هذا المعنى في اللغة، فقد قال أَبو حنيفة: المُعْطِرات من الإِبل التي كأَنَّ على أَوبارِها صِبْغاً من حُسْنها؛ وقال ابن الأَعرابي مِعْطِيرٌ: حمراء طيّبة العَرَق(12)، وتسهل همزته عند ذوي الانتماء القبلي فيقال: (عَطَرْ)، وقد يقرن عندهم بلفظ: (حَمَرْ) فيقال: (حَمَرٍ عَطَرْ) في وصفهم للمليح الصافي البشرة، وأكثر ما يستعمل عند البقية من أهل اللهجة: للمعز، ومنه قولهم في الشتم: (لا يَا وَلْدْ العَطْرَا)، ومن أهازيج الأطفال في المطر: (مَطَرَتْ الَْمَطْرَهْ عَلَى شَبَابْ الْعَطْرَهْ)، والمؤنث من هذه الأسامي المتقدمة كلها على وزن: (فعلا)(فعلاء) كمثل آخرها.
* (سِنْگَاحْ)، ويعني الأسود القاتم، والانثى: (سنگَاحه)، وهو مختص بألوان البشر، وكان السيد جعفر الأسود بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الإمام موسى الكاظم A يلقب بـ(زنقاح)، وفي بعض الكتب مثل: (الغدير): الأسود الملقب بارتفاح(13)، ولعله تصحيف بسبب النقل أو النسخ.
* (مْبَرْگَشْ) بالگاف الفارسية، أو التميمية، والبَرْقَشَة كما هي في اللغة: شبه تَنْقيش بأَلوان شَتَّى وإِذا اختلف لون الأَرْقَشِ سُمي بَرْقَشَةً، وأَصله من (أَبي بَراقَشَ)، وهو طائر منقط بألوان النقوش يتلون في اليوم ألواناً يضرب به المثل في التلون، ويشبه به المتلون، فيقال: (كأنه أبو براقش)(14).
* (مْبَگّعْ)، والبَقَعُ والبُقْعةُ: تَخالُفُ اللَّوْنِ، وقيل: الأَبقع ما خالَط بياضَه لونٌ آخر، وغُراب أَبقع: فيه سواد وبياض، ومنهم من خص فقال: في صدره بياض، وقيل: البَقْع التي اختلطَ بياضها وسوادها فلا يُدْرَى أَيُّهما أَكثر، والبَقَعُ في الطير والكلاب: بمنزلة البَلَقِ في الدوابّ(15).
* (فَوَّتِيْ) بلفظ المنسوب إلى الفوة، أي: كلون الفوة، و(الفُوَّة) تعربب للفظ (بُوَيَهْ) الفارسي، وهو عُروق نبات يستخرج من الأَرض يُصبغ بها، في رأْسه حَبٌّ أَحمر شديد الحمرة كثير الماء يكتب بمائه وينقش(16)، وهو كما ترى في اللغة بضم القاف، بينما في اللهجة بفتحها، وقد سقط عند المحدثين، أو كاد حتى عند أبناء الجيل السابق، وحل محله: الـ(بنفسجي).
* (مْزَرْيَبْ) بصورة اسم المفعول، أي: المطوق بالزِّرْيَابُ، والزرياب بالكَسْر: الذَّهَبُ أَو مَاؤُه، فهو مُعَرَّبٌ من زَرْآب بالفتح، أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ياءً للتَّعْرِيب(17)، وكان يستعمل للأواني الخزفية والزجاجية، وقد سقط عند المحدثين، أو كاد حتى عند أبناء الجيل السابق.
* (قُرْمُزِيْ)، بلفظ المنسوب إلى القرمز، وهو بالقاف الفصحى في لهجة الغالبية، وقد يقال بالكاف، أو الگاف الفارسية في لهجة بعض النواحي، والقِرْمِزُ في اللغة: بالكَسر: هو صِبْغٌ إرْمَنِيٌّ أَحمَرُ يقال إنَّه يكون من عصارَةِ دودٍ يكون في آجامِهم، فارسيٌ مُعَرَّبٌ، وقيل: هو أَحْمَرُ كالعَدَس مُحَبَّبٌ، ويقال له بالعريية: دودة الصباغين، ويطلق القرمز أيضاً على ضرب من الحبوب يقال له بالتركية: (قرمز تخمي) أي: (بزر القرمز)، ويصبغون به الحرير(18)، وهو كما ترى في اللغة بكسر القاف، بينما في اللهجة بضمها، وكان يصبغ به محيط العينين، والوجنتان ليضفي على الوجه جمالاً، وقد كان طفل الجيل السابق يصبغ به البقعة البيضاء من وجنتي البلبل الذي يتلهى بتدريبه، ومما يذكر أيضاً: أن لفظ (المقرمزين) جمع (مقرمز) أي: المصبوغ بالقرمز كان يطلق على أهل إحدى النواحي الشمالية، إشارة إلى أنهم (حليوين)، ومتأنقون يتجملون بوضع القرمز على وجناتهم، وحول عيونهم، وهو مما كان يتندَّر به أهل الناحية المجاروة لهم من الجنوب يوم كانت النواحي تتبادل التندر والتشنيع كل واحدة على الأخرى، وربما تابعهم في ذلك بقية أهل الواحة، ويبقى السؤال مطروحاً: ما حاجتهم إلى صبغ مستعار إذا كان الصبغ ربانياً؟! بينما (المقرمزون) يسمون أهل الناحية المغايرة بـ(الملحان) جمع (أملح)، وقد تقدم معناه.
* (أَزْرَگْ سَمَاوِيْ): بلفظ المنسوب إلى السماء أي: كلون السماء، وهذه التسمية لها أصل قديم في اللغة، ومنها قول ابن نباتة المصري:
قالت صبابة مشغوف بزرقتها
دعها سـماويةً تمضي على قـدَر
ويعني: أزرق فاتح، ويسمى الآن: (مَائِيْ) نسبة إلى لون الماء في الطبيعة.
* (خمري) بلفظ المنسوب إلى الخمر، أي: كلون الخمر، أي البياض المشرب بسمرة خفيفة مع حمرة، كما يحكيه الشاعر العراقي: (لَُونْ خَمْرِيْ لا سَمَارْ وُْلا بَياضْ)، وهو قليل الاستعمال الآن.
أما بقية أسماء الألوان الموجودة في اللهجة فهي:
* (مْگَلَّمْ)، وهو الملون بأكثر من لون، سمي بذلك لأن الألوان فيه تكون خطوطاً على هيئة القلم، وهو مختص بالقماش، وإذا كان الخط عريضاً سمي: (فِحّ)، وسمي قماشه: (مْفَحَّحْ).
* (أَچْلَحْ)، والأْچْلَحْ هو المغبر الذي ذهبت نضارته، وخبا بريقه، وأصل اللفظ: (كالح)، والأكلح بالكاف، وقد يتبع بلفظ: (أَمْلَحْ) على طريقة الإتباع اللفظي فيقال: (أَچْلَحْ أَمْلَحْ).
* (أَدْحَمْ)، (في الكويت: أَدْعَمْ)، والحاء، والعين تتعاقبان في الكلمة، وهو الأسود المغبر، أو الأسمر القاتم المغبر؛ والمؤنث من هذين الاسمين على وزن: (فعلا)(فعلاء)، كمثل ما تقدم.
* (أَسْوَدْ طَمْسْ)، وهو الأسود الخالص الذي لا يتخلله ولو جزء يسير من أي لون آخر، ولاسيما الأبيض، وكأنما طمس نوره فصار مظلماً قاتماً.
* (نَبَاتِيْ)، وهو المنسوب إلى النبات، أي: كلون النبات، وهو أبيض مائل إلى الصفرة، والنبات: رحيق يعصر من القصب، ويجمد بعد عقده بالنار دون تكرير(19).
* (بَصَلِيْ) بلفظ المنسوب إلى البصل، أي: كلون البصل: أبيض مشرب بحمرة، أو صفرة، وذان اللونان خاصان باللؤلؤ، وما جاء مشابهاً له، وربما لا يعرفهما إلا أهله.
* (حَلَبِيْ)، أو (حَلِيبي) بلفظ المنسوب إلى الحليب، أي: كلون الحليب الأبيض المشرب بصفرة الدهن، أو الشاي، ويعني الأصفر الفاتح، ويقابله الآن الاسم الإنجليزي: (بيج) (Beige)، ويسميه بعضهم (سكري) أي: كلون السكر.
* (أَصْفَرْ رَارَنْجِيْ)، أو (أَصْفَرْ لُومِيَّهْ)، بلفظ المنسوب إلى الرَّارَنْجْ، أو اللومي، أي: كلون (النارنج)، أو لون الليمون الناضج، وتعنيان: الأصفر الفاتح، وقد جاءتا في قصص (ألف ليلة وليلة) في قول الصباغ أبي قير: >وأنا أصبغ... ألواناً مختلفة كـ(نارنجي)، و(ليموني)<(20).
* (قَهْوَائِيْ)، أو (قَهْوَاچِيْ)، بلفظ المنسوب إلى القهوة، أي: كلون القهوة، والأول منهما فارسي أصله: (قهوه إي)(قهوه ئي)(21)، وأما الثاني فهو بزيادة اللاحقة التركية (چي)، والأصل: (قَهْوهْ چِيْ)، وهو إما أن يكون فارسياً أصيلاً، أو تركياً، ولا أدري إن كان قد دخل من اللغة التركية مباشرة، أم من الفارسية عن طريق اللغة التركية؟ والألف فيهما حادثة بالإبدال من الهاء الصامتة، وهما ينطقان في الغالب بالقاف العربية، كما جاءا عن أصلهما اللغوي، أما نطقهما بالگاف الفارسية فهو نادر، وقد سقطا الآن من الاستعمال، وحل محلهما لفظ (بني غامق)، أو (بني) مجملاً، ولا يعرفهما إلا من تقدم من أبناء الجيل السابق.
* (بَرَنْجُوشِيْ) (بَرَنْيُوشِيْ) بلفظ المنسوب إلى البَرنْجُوشْ (البَرَنْيُوشْ)، أي: كلون العيش البَرنْجُوشْ (البَرَنْيُوشْ)، وهو الأرز المحمر المطبوخ بالدبس، وهو لفظ فارسي مؤلف من مقطعين: (بَرِنْجْ) بمعنى: رز، و(جُوشْ) بمعنى: مغلي، ويعني حرفياً: الرز المغلي، ولكنه انصرف في اللهجة إلى المعنى المتقدم، ويقابله الآن: (بني فاتح).
* (شَرْبَتِيْ) بلفظ المنسوب إلى الشربت، أي: كلون (الشربت)، والـ(شربت): لفظ تركي من أصل عربي من (شربة)، يعني العصير عامة، وينصرف في اللهجة إلى عصير الليمون البلدي (القطيفي) بصفة خاصة ما لم يذكر نوع العصير، وهو ينطق كما جاء من لغته الأصلية: (شربت)، وهو لون مغبر، وغالباً ما يوصف به قماش من نوع الشاش رقيق يشف عما تحته كان يلبس صيفاً لخفته، ومما جاء في أقوال النساء:
عَبَّاسْ شَدّ حْمَارَتِهْ رَاحْ الْمَنَامَهْ
شَارَتْ عَلَِيهْ مْرَيَّتِهْ خِدْ لُِكْ عْمَامَهْ
خِدْ لُِكْ وْزَارْ مْشَخْبَطِ حَگْ تِسْتَوِيْ حْلَِيوْ
خِدْ لُِكْ فْوَِيبٍ شَرْبَتِيْ حَگْ نَُومَةْ اللَِّيلْ
* (خَاكِيْ): وهو لفظ فارسي يعني اللون الترابي المنسوب إلى التراب(22)، وهو من الوان القماش.
* (حُنْطِيْ)، أو (حنطاوي): بلفظ المنسوب إلى الحنطة، أي: كلون الحنطة، ويعني في اللهجة الأسمر المشرب بحمرة خفيفة، وهو من ألوان البشر، وهو حديث الاستعمال لم يكن معروفاً من قبل، وقد يشكل على البعض فيجعله مرادفاً لـ(لِخْضَارِيْ)، غير أنك تجد بينهما فرقاً لو عقدت مقارنة بين التعربفين المثبيتن هنا، والأظهر أنه يرادف الـ(خمري) المتقدم.
* (أَزْرَگْ بَِيدَجَانِيْ)(بَِيدَيَانِيْ) بلفظ المنسوب إلى الْبَِيدَجَانْ (البَِيدَيَانْ)، أي: كلون الْبَِيدَجَانْ (البَِيدَيَانْ)، أي: الباذنجان.
* (أَزْرَگْ نِيلِيْ) ويعني في اللهجة: (أَزْرَگْ غَامُگْ) يميل إلى السواد، أي: أزرق داكن.
* (أَخْضَرْ گَتِّيْ)، أو (أَخْضَرْ بَگْلِيْ)، بلفظ المنسوب إلى (اِلْگَتّ) (اِلْجَتّ)، أو (اِلْبَگِلْ)، أي: كلون (القَتّ) البرسيم، أو (الكراث)، وهو أخضر داكن، ويقابله الآن في لهجة المحدثين (زيتوني؟).
* (أَحْمَرْ بِنْدَِيرَهْ)، ويعني اللون الأحمر القاني، وهو من ألوان القماش وحسب، والـ(بنديره) لفظ إيطالي أصله: (Baneral)، ويعني العلم، ولما كانت كل أعلام إمارات الخليج يغلب عليها اللون الأحمر، لذا سمي القماش الأحمر، وكذلك العلم بنديره(23)، وقد يكون من: (Banderole) الإنجليزية على رأي الأستاذ عدنان العوامي بمعنى: راية صغيرة، أو شريط، أو عصابة مكتوب عليها كلامٍ مَّا، واستعمال هذه الاسم في الواحة عن طريق البحرين، لأنهم كانوا يستوردون كثيراً من البضائع عن طريقها، وقد سقط تداوله أو كاد الآن.
* (رَصَاصِيْ)، أو (فُضِّيْ) بلفظ المنسوب إلى الفضة، أو الرصاص، أي: كلون الفضة، أو الرصاص.
* (دَهَبِيْ) بلفظ المنسوب إلى الدهب (الذهب)، أي: كلون الذهب، وهما محدثان في اللهجة.
وهناك بعض التسميات التي جاءت على صيغة: (مْفُوعُلْ)، أو (مْفُوعِلْ) للدلالة على تمازج الألوان، أو ميل أحدها للآخر، وقد ورد منها في اللهجة على هذا النحو ما يلي: (مْصُوفُرْ)، (مْحُومُرْ)، (مْخُوضُرْ)، (مْزُورُِگْ)، (مْبُويُضْ)، (مْسُووِدْ)، أو (مْسَاوِدْ)، وهي تقابل في اللغة على التوالي: مصفر، محمر، مخضر، مزرق، مبيض، مسود، ومثاله على الأولى: (أَبْيَضْ مْصُوفُِرْ) أي: أبيض مصفر، ومثاله على الأخيرة قول الشاعر الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة: (وُِالْحِنَّا لَِيْ خَطًَّوهْ وُْسَاوَدْ عَلَى الْچَفََِّينْ)، بالإضافة إلى: (مْلَُّولِحْ)، أو (امُّوَُلِحْ) (مُمَوْلِحْ)، (مْسُوُمُرْ)، وهما تعنيان الذي علته غبرة الملح، والمائل إلى السمرة، ولم أجد لهما مقابلاً في اللغة.
كما يستعمل لفظ: (رَادْ) للدلالة على الميل، أو التشرب، أو الضرب، من (رَدّ)، والرد كما في اللسان: صرف الشيء ورَجْعُه(24)، وأقدر في اللهجة إنما قيل ذلك لانصرافه عن جهته إلى جهة أخرى، كما في قولهم: (رَادْ بِزْرُوگَهْ)، أما لفظ: (شْوَيَّهْ) فيعني: قليلاً، أو بعض الشيء، كـ(أَبْيَضْ رَادْ بِحْمُورَهْ)، أي: مشرب بحمرة، أو ضارب إلى الحمرة، وغالباً ما يكون اللون المائل إليه على وزن: (فْعُولَهْ)، غير أنه محصور بقولهم: (رَادْ بِحْمُورَهْ)، و(رَادْ بِزْرُوگَهْ)، و(رَادْ بِخْضُورَهْ)، ولا يتعداه إلى بقية الألوان؛ كما يستعمل لفظ: (غَامُگْ) للدلالة على الثقل في اللون، وقد عده الزبيدي في تاج العروس عامياً حيث قال: >وأما الغامِقُ، والغَميقة، بمعنى الثّقل في الألْوانِ فعامِيّة، ومن سجعات الأساس: لا يتْرُك الرُّطَبَ الى المُغَمَّق، إلا كُلُّ مُحمَّق<(25)، أما: (بَاهِيْ) في اللهجة فيعني العكس، أي: خفة اللون، أو اللون الفاتح، كما يعني: (الباهت) ويرادفه: (بَالُِگْ)، أي: باهت، وقد تقدمت أمثلة لهما، أما: (كَشَفْ) فيعني: نَصَل أي تغير لون الشيء إلى درجة أخف من درجته الأصلية، وعكسه: (صَبَغْ)، و(صَابُِغْ)، ويعني: تغير لونه إلى درجة أثقل من الأصلية، وأما (ضَنَسْ)، و(مُضْنِسْ)، وأحسبه من (الدنس) أي: الكدر، والوسخ فيعني: قتم واسود، أما (گَلَبْ) (كَلَبْ) أي: قلب فيعني: تبدل إلى لون غير لونه الأصلي، كما في قولهم في الدعاء على الشخص: (گَلَبْ (كَلَبْ) اللهْ كِشْرُِكْ)، أي: بدل لونه، والكشر هو القشر أي: الجلد، والبشرة أو الصبغة، وقد يعني هنا الهيأة، وهذا المعنى موجود في اللغة أيضاً، فالقَلْبُ كما في لسان العرب: تَحْويلُ الشيءِ عن وجهه.
وقد يعبر أهل اللهجة عن الأسمر المائل إلى السواد بـ(الأَخْضَرْ)، والأنثى (خَضْرَا)، وقد يقال: (خْضَارِيْ)، والأنثى: (خْضَارِيَّهْ) كما في الأغنية المشهورة التي تغنى في الأعراس:
يَا عَِينْ مَالِيَّهْ يَا عَِينْ مَالِيَّهْ
هَدِيْ سَبَبْ عِلَّتِيْ السَّمْرَا لِخْضَارِيَّهْ
وهو خاص بلون البشر، وهذا التعبير له أصل قديم في اللغة، ومنه تسمية العرب رستاق العراق وضياعها بالسواد، سمي بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار، لأنه متاخِم لجزيرة العرب التي لا زرع فيها ولا أشجار، فكانوا إذا خرجوا من أرضهم ظهرت خضرة الزروع والأشجار فيسمونه سواداً، كما إذا رأيت شيئاً من بعد قلت: ما ذلك السواد؟ وهم يسمون الأخضر سواداً، والسواد أخضر، كما قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وكان أسود:
وأنا الأخضـر من يعـرفني؟
أخضر الجلدة من نسل العرب(26)
وقد يعبر عنه بـ(الأَزْرَگْ) إذا كانت سمرته تشع منها بعض زرقة، كما يعبرون عنه بصورة الجمع فيقولون: (زْرُوگَاتْ)، قال ابن سيده في تفسير قوله تعالى: ﴿نَحْشُرُ المُجْرِمينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً إِنما قيل زُرْقاً: لأَن السواد يَزْرَقُّ إذا ذهبت نواظِرُهم، كما يعبرون عن الأبيض ناصع البياض: بـ(أَبْيَضْ فُگْشْ)، كالشي الذي فقش (فقس) فخرج بياض بطنه، وربما كانت كلمة (فُگْشْ) تعني لب الكوفرا (جوز الهند؟)، ويقابله في اللغة (أبيض يقق)، ويستعملون (أفعل) التفضيل للدلالة على قوة اللون والمبالغة، كما في أقوالهم السائرة: (أَصْفَرْ مِنْ عِلْبْ الْكُرْكُِمْ)، و(أَحْمَرْ مِنْ الضَّوْ)، و(أَسْوَدْ مِنْ النِّيلْ)، و(أَزْرَگْ مِنْ النِّيلْ) إلخ... كما تقدم في الحلقة الثالثة من هذا البحث، ونلاحظ أن لون (النيل) متردِّد بين الاسود، والأزرق القاتم، وقد وردت لهم بعض التسميات بلفظ المنسوب إلى المزيد بالألف، والنون على وزن (أَفْعَلَانِيْ)، والمسموع منها: (أَبْيَضَانِيْ)، و(أَحْمَرَانِيْ)، و(أَسْمَرَانِيْ)، وهي ترادف: (أَبْيَضْ)، و(أحْمَرْ)، و(أَسْمَرْ)، وذي الثلاث خاصة بألوان البشر، كما وردت لهم تسميتان للألون على وزن (فَعَّالِيْ)، وهما: (بَرَّاگِيْ) كما في قولهم السائر: (مَا فَارُِگْ بَِيتْكمْ وُِالتَّمْرْ بَرَّاگِيْ)، أي: النضير كثير اللمعان، والبروق، و(بَلَّاگِِيْ) عكسها كما في قـولهم السائر: (شْبِعْ مِنِّهْ وُْسَمّاهْ البَلَّاگِيْ)، وقد تقدمت بعض التسميات التي جاءت عن طريق النحت في الحلقة السادسة من هذا البحث.
اسم الجنس
من الأمور المتسالم عليها بين أهل اللهجة واللغة: أن الاسم يقسم من حيث الجنس إلى قسمين: (مذكر)، و(مؤنث)، لكنهم اختلفوا في الخنثى الذي لا يخلص لذكر، أو لأنثى، وإن اتفق الجمعان على عدم تميزه من الناحية الشكلية بمعاملة تخصه من حيث هو جنس ثالث مستقل، فإن أهل اللغة تعاملوا معه معاملة المذكر، والمؤنث في آن واحد، وألحقوه بكلمة (خنثى) بالألف المقصورة، وهي من علامات التأنيث، كما قالوا: رجل خنث، وأمرأة خناث(27)، بينما عده أهل اللهجة جنساً حائراً بين الجنسين، وهو عند الغالبية منهم: (خَنْفَىْ) بفتح الخاء، وبالفاء بدل الثاء، كما في قولهم السائر: (خَنْفَىْ لا هُوْ ضَكَرْ وَلا هُوْ اِنْفَىْ)، أي: خنثى لا هو ذكر ولا أنثى.
 ومن الراجح أن حمل الأشياء على المذكر، أو المؤنث مجازياً كما يقول الدكتور إسماعيل أحمد عمايرة أمر منوط بتصورات الشعوب لهذه الأشياء، فما اقترب في شكله، أو صفته، أو قرينة تربطه بالأنثى الطبيعية جعلوه مؤنثاً، وإن اقترب من المذكر في أذهانهم عاملوه معاملة المذكر الحقيقي(28).
مما يذكر أن جمعاً من الآباء الكرام كانوا جالسين ذات مرة في مجلس فانجر الحديث إلى جنس الأسماء فقال رجل من القوم متعجباً: (سُبْحَانَ اللهْ!! مَا فِي شِيْ فِي الدِّنْيَا شِفْنَاهْ ضَكَرْ بِدُونْ نَفْيَهْ،كِلْ شِيْ ضَكَرْ وُْنَفْيهْ)، فقلت له على سبيل المداعبة: (صدقت يا عم، وأزيدك من الشعر بيتاً أن الأمر ليس مقتصراً على ما فيه روح... بل يتعداه إلى الجماد، خد على سبيل المثال: الگدو ضَكَرْ، وُِالنَّارْجِيلَهْ وُْنْفَيهْ)، فقال: (صَحِيحْ).
ولم يختلف أهل اللهجة مع أهل اللغة إلا في ألفاظ يسيرة، فقد وردت في اللغة ألفاظ مجردة من علامة التأنيت، وهي مؤنثة، مثل: (البئر)، و(الفخذ)، و(الساق)، و(الكبد)، و(الكاس)، و(الكتف)، و(الحال)، و(القوس) كما في قولهم: (إعط القوس باريها)، بينما هي في اللهجة مذكر، كما لم يختلف أهل اللهجة في ما بينهم في جنس الاسم إلا في إثنين، وهما: (محل)، و(فوب) (ثوب) حسب علمي فهما عند الغالبية مذكر، بينما هما في نواحي قليلة مؤنث فيقولون: (هْنَا مَحَلٍ زَِينَهْ)، و(فََوبِيْ جَدِيدَهْ)، والأول في مثل القديح، والثاني في مثل سنابس، وتاروت الديرة وما حولها، والربيعية، وسمعت من يقول لي إن أهل صفوى، والآجام يؤنثون هذا الموصوف، وكذا اللفظ: (مكان) تبعاً للوصف، فيقولون: (مَحَلَّةٍ زَِينَـ)، و(مَكَانَةٍ زَِينَـ).
ولما كانت أذواق الناس تتفاوت كما تتفاوت عاداتهم، وتتمايز تقاليدهم، وأعرافهم رأينا أن اللغات تختلف باختلاف الأمم في اختلافها على تذكير الأشياء أو تأنيثها مجازياً، وقد تختلف الأعراف في اللغة الواحدة فنجد ألفاظاً يجوز فيها التذكير، والتأنيث, ومن أمثلة ذلك في العربية أن الريح تؤنث كقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيِحَ عَاصِفَةً، وتذكر كقوله تعالى: ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ(29)، وربما وجدت في اللهجة شيئاً من هذا القبيل وإن كان قليلاً ومن ذلك لفظ (السوق) الذي يذكر ويؤنث، ولكنه يختلف بحسب الاستعمال، فإن استعمل بمعنى المكان المخصص للبيع والشراء جاء مذكراً، وإذا استعمل بمعنى حركة البيع والشراء أنث، كما في قولهم: (إنْ چَانْ هَادِيْ سُوگْنَا).
أسامي الموصول
كما هو معروف في اللغة أن الأسماء الموصولة تنقسم إلى قسمين: (خاصة)، ويقصد بها ما تختص بحالة من حالات التذكير، والتأنيث، والإفراد، والتثنية، والجمع، مثل: (الذي)، و(التي)، و(اللذين)، و(اللتين) و(الذين)، و(الألى، و(اللاتي)، و(اللائي)، و(اللواتي)، و(مشتركة)، وهي ما كانت لجميع الحالات، نحو: (جاء من نحبه)، و(جاءت من نحبها)، و(جاء من نحبهم)(30).
ولا خلاف في أسامي الموصولات المشتركة فهي معروفة، بلفظها وعددها في اللهجة وتستعمل كما تستعمل في اللغة، فـ(من) للعاقل، وينطق (مَنْ) بفتح الميم كما هو اللغة في لهجة ذوي الانتماء القبلي، وبكسرها في لهجة الغالبية كما لو كنت تنطق (مِنْ) الجار، ومنه قولهم السائر: (هَاتْ مِنْ يِگْرَا گَالْ هَاتْ مِنْ يِصْطَبِيْ)، و(ما) لغير العاقل: نحو: (بِيعْ مَا عِنْدُِكْ)، و(أي) لكل الأحوال الثلاثة، ويلزم آخره السكون أبداً سواء أضيف، أم لم يضف، شأنه شأن: (أي) الاستفهامية، وهو جامد على صورته المذكرة، ولا يعرفه اللهجة بصورته المؤنثة إلا نادراً جداً، كقول الشاعر حسن خلف المرهون من أم الحمام بالقطيف:
اِلْجَمَاعِيْ مَا شِفِتْ مِثْـلِهْ أَبَدْ
جَـامْع اِلْجُمْهُـورْ مِنْ أَيَّةْ بَلَدْ
ولا بد له من مضاف إليه يأتي بعده فلا يستغني عن الإضافة كما في اللغة، فلا يقال: (أيٍ) بالتنوين مثل: (كلٍ) التي تستغني عن الإضافة، وإضافته إلى الضمائر المنفصلة في اللهجة غير واردة سوى ضميرين هما ضميرا الغائب المفرد المذكر، والمؤنث، (هو)، و(هي) فيقال: (أَيْ هُوْ)، و(أَيْ هِيْ)، وإضافته إلى ضمير الغائب المفرد المذكر، والمؤنث المنفصل عندهم محمول على أن المتكلم منهم يريد أن يعين الواحد من جنسه المجموع، لذا جاء مفرداً، أما إضافته إلى المتصل فمقصورة على ضمير الغائبين: (هم) فيقال: (أَيْهمْ)، والأكثر أنهم يتوصلون إلى تعيينه بالاسم الظاهر: (واحد) إذا كان المراد مذكراً، أو (وَحْدَ)(واحدة) إذا كان المراد مؤنثاً، ويكون الضمير المعين كالمتعلق من جار ومجرور فيقال: (أَيْ وَاحِدْ فِيهمْ)، أو (أَيْ وَاحِدْ مِنْهمْ)، و(أَيْ وَحْدَهْ فِيهمْ)، أو (أَيْ وَحْدهْ (مِنْهمْ)، و(أَيْ وَاحِدْ فِينَا)، أو (مِنَّا)، و(أَيْ وَاحِدْ فِيكمْ)، أو (مِنْكمْ). كما يتفق الاثنان في امتناع إضافته إلى المتكلم المفرد، والمخاطب المفرد: مذكراً، أو مؤنثاً، فلا يقال: (أَيي)، أو (أَيُِّكْ)، أو (أَيِّشْ)(اَيِّتسْ) (أَيِّچْ)، لأنه لتعيين المتشاركين، ولأن كليهما مفرد، والمفرد واحد، والواحد لا يبعض كما تقدم في الحلقة السابقة.
وإنما الخلاف في الأسماء الخاصة التي لا يعرف منها في اللهجة بلفظها سوى ثلاثة في موارد نادرة، كإذا كانت ضمن أسلوب أدبي، أو قول سائر، أو ما نقل عن أصله من اللغة، وهي: (الذي) للمفرد المذكر، و(التي) للمفرد المؤنث، و(الذين) للجمع المذكر، ومن النصوص التي جاء فيها القسم الأول قولاهما السائران: (اَلْحَمْدِ للهْ الذِّي رَجَّنَ دْيَاجَةْ جَدِنَا)، و(صَارْ الَّذِيْ صَار وَامْرَ اللهْ عَلَِينَا جَرىْ)، والقولان السائران المنقولان من اللغة: (كُلُّ إِنَاءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَنْضَحُ)، و(صَاحِبُ الدارِ (البيتِ) أَدرى بالذي فِيهَا (فِيهِْ)، وأما (التي) فلم أسمعه إلا في قولهم: (بعد اللتيا والتي)، وهو منقول عن اللغة، وأما (الذين) فلا يعرفونه إلا حين الشتم، أو اللعن، نحو: (اِبْنْ الَّذيِنْ)، أو (يَا بْنَِ الَّذِينَ)، أو (آه يَبْنَِ الَّذِينَ)، ويراد بها: (الذين كفروا)، أو (الذين أساءوا السوء)، أو (فسقوا) ونحوه اقتباساً من الآيات القرآنية.
وقد اجتزأ أهل اللهجة عن هذه الأسماء الخاصة جملة باسم موصول واحد لجميع الأحوال للمفرد بنوعيه، والمثنى بنوعيه، والجمع بنوعيه: المذكر، والمؤنث، وللعاقل، وما لا يعقل، وهذا الاسم الموصول المعني بالبحث هو (اللِّي) فيقال: (الْوَلَدْ اِللِّيْ غَابْ)، و(الْمَرَه اِللِّيْ غَابَتْ)، و(الْوَلَدَِينْ، أو الأوْلادْ اِللِّيْ شِفْتْهُمْ)، و(الْبَنَاتْ الفِنْتَِينْ، أو النِّسْوَانْ اِللِّيْ رَاحَوْا)، و(البَگَرَهْ، أو البَگرتين، أو الْبَگَرْ اِللِّيْ شَرَِيتْ)، وقد يقوم مقام الاسمين (ما)، و(من) أيضاً، نحو: (بِيعْ اللِّيْ عِنْدُِكْ)، أي: بع ما عندك، وقول المرأة لولدها: (يَا خَلَفْ اِللِّيْ رَاحَوا وَلا جَوا (يَوْ)، أي: يا خلف من مضوا ولا جاءوا، كما تقدم في الحلقتين الحادية عشرة، والسادسة عشرة من هذا البحث، كما قام مقام (ذا) التي قد تستعمل في اللغة كإسم موصول بمعنى (الذي)(31)، نحو: (وَِيشْ اِللِّيْ جَابُكْ (يَابُِكْ)، أي: (ماذا جاء بك؟)، بمعنى: (ما الذي جاء بك؟).
وهذه الظاهرة ليست ظاهرة محلية، وإنما تكاد تكون عامة في غالب البلاد العربية، وإن كان أهل عمان قد يستعملون لفظ: (بو) مكان (الذي) أحياناً فيقولون في المثل: (بُو الْبابْ اِللِّيْ تِجِيكْ مِنهْ الرِّيحْ سِدهْ وُْاسْتَرِيحْ)، أي: الباب الذي تجيئك منه الريح سده واسترح، إلا أنهم يشتركون مع بقية البلاد العربية في استعمال الاسم الموصول مدار البحث.
وهذا الاستعمال الواسع لهذا الاسم في البلدان العربية في الوقت الحاضر قد فسره بعض الباحثين اللغويين بأنه ربما تكون له جذور في إحدى اللهجات العربية لم تروها لنا في المعاجم، لكنهم اختلفوا في الأصل الذي جاء عنه، فمنهم من ذهب إلى أنه موجود في لهجات الكلام القديمة بصورته المحكية الآن، وأنه وأمثاله من المشتركات تدل على أن للعرب لغتين: لغة للأسلوب الأدبي، ولغة للخطاب، ومنهم الدكتور إبراهيم أنيس الذي يقول: >ويبدو من هذا المثال ونحوه من عناصر مشتركة بين لهجات الكلام الآن صحة ما رجحناه من قبل وما ندعو إليه دائماً من أنه كان للعرب القدماء لغتان مستقلتان يصطنعون إحداهما في الأساليب الأدبية، ويصطنعون الأخرى في الحديث العادي، وإلا كيف نتصور أن اسم الموصول يتخذ الآن في كل البلاد العربية صورة واحدة هي (اللي)، بدلاً مما نألفه في اللغة النموذجية الأدبية من كلمات متعددة مثل: الذي، التي، الذين، اللاتي، اللائي؟ بل حتى ما نظنه أحياناً من التطورات الحديثة، نراه مشتركاً بين كثير من لهجات الخطاب الآن، ونستطيع بعد التأمل أن ننسبه إلى أصل قديم كان شائعاً في بعض لهجات العرب القدماء(32)< أ.هـ، ومنهم من قال بأنه كان بصورة أخرى، ثم تطور إلى الصورة المستعملة الآن، كما اختلفوا في الأصل الذي تطور عنه، فمنهم من ذهب إلى أنه صورة مخففة عن اسم الموصول (الذي)، أو (اللَّذْ) كالدكتور إبراهيم السامرائي الذي يقول: >إن كلمة (الذي) مرت بمراحل حتى صارت الذين، وقد جاء في التنزيل: ﴿وَخُضّتمْ كَالَّذِي خَاضُوا(33)، ولم تُستعمَل (الذين)، وجاء في الشواهد الشعرية: (أولئك أشياخي الذي تعرفونهم)، ويؤيد هذا قول الأخفش النحوي: >إن الذي حكمه حكم (من) في أن يكون للمفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد< وأقول: ولعل (اللي) التي تستعمل في الدارجة لجميع الأحوال ربما تكون منحوتة منها، نحت منها الذال فصارت (اللي)، والمتتبع لهذه المادة في النصوص والاستعمال ربما وصل إلى الأصل في هذا الاسم هو (اللذْ) بسكون الذال<(34).
أما الدكتور مناف الموسوي فقد ذهب فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: ويؤيد فيه رأي الدكتور السامرائي الذي يذهب فيه إلى أن أصل هذا الاسم الموصول هو (الذي) حيث يقول: >إني أرى أن اسم الموصول (اللي) هو تطور لاسم الموصول (الذي) الذي تحول إلى الصيغة الجامدة في جميع الأحوال، وهي (اللي)، حيث أن اللهجات المولدة قد مالت إلى التيسير، وإن الإنسان يميل بطبعه إلى المجهود العضلي، ولأجل أن يرتفع اللسان ارتفاعاً واحداً بدلاً من ارتفاعين قطعت الذال لأن نطقها يحتاج إلى ارتفاع اللسان مرة أخرى بعد أن ارتفع في المرة الأولى مع اللام، وحيث أن اللام صوت لثوي، أي: ينطق بأن يتصل طرف اللسان باللثة، ويرتفع الطبق فيسد المجرى الأنفي عن طريق اتصاله بالجدار الخلفي للحلق، وإن الذال صوت أسناني، أي: ينطق بأن يوضع طرف اللسان بين أطراف الثنايا، ويرتفع الطبق ليسد المجرى الأنفي بأن يلتصق بالحائط الخلفي للحلق، لذا قطعت الذال اختصاراً للمجهود العضلي كما أن نظرية السهولة تميل إلى الابتعاد عن المخارج المتقاربة، قال ابن دريد: >إن الحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللسان منها إذا تباعدت<، وإن نظرية السهولة، والاقتصاد في المجهود العضلي من النظريات التي اعترف بها المحدثون في التطور الصوتي، يضاف إلى ذلك أن كثرة الاستعمال استعمال الموصول أدى إلى تخفيفه وتسهيله في النطق، وإن الذال من الحروف الثقيلة على ألسنة العرب، فقد قال ابن دريد عن استعمال العرب للحروف: >إن أقل ما يستعملون على ألسنتهم لثقلها الظاء ثم الذال ثم الثاء<، لهذه الأسباب ترى أن اسم الموصول (الذي) قد شاع في أغلب اللهجات الحديثة بصورته الحالية (اللي)(35).
الثاني: أن يكون أصله الاسم الموصول (اللاء) الذي يستعمل لجمع الإناث بمعنى (اللاتي)، وبعضهم يرى أن بعض القراء قد قرأ بتخفيف الهمزة من (اللاء)، وقياسها أن تجعل بين بين، وإن تخفيف الهمزة من (اللا) أخف على اللسان من نطقها مهموزة (اللاء)، ومثل هذه القراءة انساقت إليها الدارجة بعد إمالتها فأصبحت (اللَّي) بدلاً من (اللَّا) وصارت اسماً يدل على المفرد.
الثالث: أن يكون أصله (أل) ثم حرف، كما رجحه بعضهم، ونحاة العرب لا يختلفون في اعتبار (أل) موصولة بمعنى الذي؛ بيد أن الشيخ كمال أبو مصلح لا يعجبه هذا القول وينكر أن تكون كذلك فيقول: >ومن سخافة بعض النحاة أن عدوا (ألـ) اسماً موصولاً، واستشهدوا له الأمثلة المستكرهة المصنوعة الجوفاء، وفي رأينا أنها لغة العامة على قاعدة الاختصار اللفظي بغية التخفيف كما نرى في لغتنا العامية اليوم، ومثله شائع في اللهجات اليومية الغربية؟!<(36)، ومعنى كلامه هذا: أن (ألـ) المستعملة كاسم موصول لم تكن اسماً موصولاً قائماً بذاته كما ذهب هؤلاء النحاة، وإنما هو اختصار لاسم آخر، فهو يشارك ضمناً من تقدم في القول بتطور هذا الاسم الموصول.
وهذا الاسم الموصول مدار الحديث قد يستعمل في بعض الأحيان بصورة (اللَّا)، والأولى أكثر شيوعاً، وأما الثانية فهي محصورة بلهجة أهل القطيف، والأحساء، والبحرين، وما والاها على ما أظن، ومع ذلك فهي أقل استعمالاً من أختها حتى في المحيط الذي تستعمل فيه، وتختلف كل صورة منهما باختلاف أسلوب الجملة، فعلى سبيل المثال إذا كان أسلوب الجملة استفهامياً كان بصورة: (اللا)، أما إذا كان أسلوباً إشارياً فهو بصورة (اللي): (يَا خَلَفْ اِللِّيْ رَاحَوا وَلا جَوا(يَوْ)، أو بالأحرى يستدل على نوع الأسلوب بإحدى الصورتين.
وما أدري إن كان أصل الصورة الثانية (اللا) من ذات الأصول المحتملة المتقدمة، أم من غيرها؟ وأن يك من أصل محتمل لها أقرب إلى الواقع فهو الاسم الموصول (اللاء) المتقدم، ذلك أننا لو قارنا بينها وبينه لوجدنا بينهما تقارباً ملموساً، ولاسيما أن أهل اللهجة يسهلون الهمزة إما بحذفها، أو بقلبها واواً، أو ياءً كما تقدم، فإذا حذفنا الهمزة منه تبعاً لهذه الظاهرة يصير (اللا)، وهو عين ما ذهب إليه الدكتور مناف الموسوي في الثاني من احتمالاته المتقدمة، والله أعلم.
الإضافة
والإضافة في اللهجة تسير وفق الترتيب المعروف في اللغة، فالمضاف يسبق المضاف إليه، سواء كانت الإضافة إلى اسم ظاهر نحو: (بَِيتْ عَبْدْ اللهْ)، أو إلى ضمير نحو: (بَِيتُِكْ)، وتجتمع اللهجة مع اللغة فيها في جوانب، وتختلف معها في جوانب أخرى، فمما تجتمع فيها الأولى مع الثانية: عدم جواز دخول الألف واللام على المضاف إضافة معنوية، أو محضة كما سماها ابن عقيل، فكما لا يصح لك أن تقول: (هذا الغلام زيد)، لأن الإضافة منافية للألف واللام، فلا يجمع بينهما(37)، فكذلك لا يصح لك أن تقول في اللهجة مثل ذلك، كما لا يصح في اللهجة إضافة اسم نكرة إلى ضمير منفصل، فلا يقال: (حَالْ انْتَ) بدون ضمير متصل، كما لا يقال ذلك في اللغة، بل يقال: (حَالُِكْ اِنْتَ) للتأكيد، فإذا قال شخص ذلك دل على أنه غريب عن اللهجة، واللغة على السواء، ركيك العبارة، كما أن أهل اللهجة يحذفون التنوين من المضاف جرياً على عادة أهل اللغة، فحينما يقول أهل اللغة: (صاحب محمد) بدون تنوين للمضاف يقول مثل ذلك أهل اللهجة، وإن وجدتَّ في اللهجة اسماً نكرة منوناً، وهو في الغالب يكون منوناً تنويناً ملازماً للكسر، كما في قولهم: (وَلَدٍ زينْ)، أو وجدت اسم فاعل منوناً جاء بعده اسم نكرة كما هو الحال عند ذوي الانتماء القبلي على الأغلب كما في قولهم: (شَايفٍ رَجَّالْ)، أو اسم فاعل منوناً جاء بعده ضمير متصل فذا لا يعني أنه اسم منون مع وجود الإضافة، حيث لا يجتمع هذا وهذا، لأنه ليس من هذا الباب وإنما هو إما اسم فاعل عامل عمل فعله، أو هو اسم موصوف كما تقدم في الحلقة الخامسة من هذا البحث، وكما سيأتي في بابه، كما أن المضاف قد يحذف في اللهجة، كما يحذف في اللغة، ويكتفى بالمضاف إليه كقولهم في الترحيب: (حَيَّا اللهْ رُوحِيْ)، أي: عديل روحي، ومثاله في اللغة قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِيْ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، أي: (حب العجل)(38).
كما أنه إذا كان في الكلام اسمان مضافان متماثلان في اللفظ والمعنى، وأحدهما معطوف على الآخر فإن الثاني يحذف منهما في اللهجة استغناء عنه بالأول، كما يحذف في اللغة(39) نحو: (مَا كِلْ سَُودَا تَمْرَ، وَلا بَِيضَا شَحْمَـ)، أي: ولا كل بيضاء شحمة، وكذلك إذا كان في الكلام اسمان مضاف إليهما متماثلان في اللفظ والمعنى وأحدهما معطوف على الآخر يحذف الأول منهما استغناء عنه بالثاني، نحو: (جَا (يَا) خَلِيصْ وُْخَلِيصَةْ حَسَنْ)، والأصل: (جَا (يَا) خَلِيصْ حَسَنْ وُْخَلِيصَْتِهْ)، أي: جاء شقيق حسن وشقيقته.
وإذا كان المضاف المذكر في اللغة قد يكتسب من المضاف إليه التأنيث على شرط أن يكون المضاف صالحاً للحذف ويفهم منه ذلك المعنى نحو: (قطعت بعض أصابعه)، فصح تأنيث (بعض) لإضافته إلى (أصابعه)، وهو مؤنث لصحة الاستغناء بـ(أصابع) عنه، وإن لم يصلح المضاف للحذف، والاستغناء بالمضاف إليه عنه لم يجز التأنيث، فلا تقول: (خرجت غلام هند) إذ لا يقال: (خرجت هند)، ويفهم منه خروج الغلام(40)، فإن هذا الإجراء والشرط معمول به في اللهجة أيضاً.
أما (أل) التي تدخل على المضاف المثنى أو المجموع جمعاً سالماً أو المضاف لما فيه (أل)، أو المضاف إلى اسم مضاف نحو: (جاء المكرما سعد)، و(المكرمو سعيد)، و(الدارس النحو)، و(القارئ كتاب الصرف)(41) فإن أهل اللهجة يستعيضون عنه بالاسم الموصول (اللي)، ومثاله على الأخير: (جَا (يَا) اللِّي دَارِسْ النَّحُوْ)، أما حينما يكون المضاف إليه مصدراً مؤولاً بفعل مسبوق بظرف كما في: (جئتك حين جاء زيد) فإن أهل اللهجة يتبعون الفعل بـ(ما) الظرفية فيقولون: (جِيتُِكْ (يِيتُِكْ) حِينْمَا جَا(يَا) زَِيدْ)، أو يعرفون الظرف الذي قبل الفعل، ويدخلون الاسم الموصول (اللي) بعد الظرف، ويدخلون حرف الجر قبل الظرف وبعد الفعل فيقولون: (جِيتُِكْ (يِيتُِكْ) فِيْ الْوقْتْ اللِّيْ جَا (يَا) فِيهْ عَمْرو)؛ أما الإضافة إلى الضمائر المتصلة فقد تقدم الحديث عنها في الحلقة الخامسة، والرابعة عشرة من هذا البحث فلا حاجة للإعادة.
وقد عد أهل اللغة أسماء كثيرة تلزم الإضافة، وقسموها إلى قسمين، الأول يلزم الإضافة لفظاً ومعنى، فلا يجوز قطعه عنها مطلقاً، والثاني يلزمها معنى دون لفظ، فيجوز أن يستعمل مفرداً بلا إضافة(42)، وساقتصر على ذكر الأسماء المستعملة في اللهجة؛ فمن القسم الأول: (عند)، و(وسط)، و(بين)، و(شبه)، و(مثل)، و(سوى)، و(غير)، و(وحد)، و(سائر)، ومن القسم الثاني: (أول)، و(دون)، و(تحت)، و(فوق)، و(يمين)، و(شمال)، و(قدام)، و(خلف)، و(وراء)، و(قبل)، و(كل)، و(بعض)، و(غير)، و(جميع)، و(أي).
فأما (غير) فإنه قد يستغني عن الإضافة، كما في قولهم: (اِنْتَ غَِيرْ)، أي: أنت شكل آخر، وكذلك (سوى) إذا جاء بمعنى (جميع) نحو: (گََامَوا سَوَى)، أي: جميعاً.
وبعض الأسماء إذا قطعت عن الإضافة نونت، وتنوينها غالباً ملازم للكسر على عادة أهل اللهجة، ومنها: (كل)، وهو أكثرها استعمالاً بهذه الصورة، كقولهم السائر: (كِلٍ يْمُوتْ وْحَاجَتِهْ مَا گَضَاهَا) أي: كل واحد، و(بعض)، نحو: (بَعْضْ النَّاسْ أَحْسَنْ مِنْ بَعْضْ)، أي: بعضهم، و(جميع)، نحو: (جَا (يَا) الأَوْلادْ جَمِيعْ (يَمِيعْ)، وقد يقال: (جميعاً)، أي: جميعهم، إلا (أي) فإنه لا يستغني عن الإضافة كما في اللغة، ولا ينون، فلا يقال: (أيٍ) كما تقدم في أسامي الموصولات.
أما المواضع التي تفترق فيها اللهجة عن اللغة:
الأول: عدم ظهور حركة الإعراب كما تقدم بيانه في الحلقة الخامسة، فإذا وجدت حركة فتح، أو ضم، أو كسر على المضاف فإنما هي ناتجة عن إتباع آخر المضاف بحركة ما بعده.
الثاني: عدم حذف نون التثنية، ونون الجمع من المضاف، وإبقاؤهما حتى بعد الإضافة، فيقال: (رْيَالَِينْ حْسَِينْ)، و(عَدِيمْينْ لِمْرُّوَه)، في حين أنهما حسب القاعدة في اللغة تحذفان حين الإضافة.
الثالث: توسيط أحد اللفظين الآتيين بين المتضايفين أحياناً:
(1) (حَگْ) الذي يعني في الأصل: ملك، أو يخص، أو العائد، وهو ثابت على هذه الصورة في جميع الأحوال، أما تأنيثه بصورة: (حَگَّةْ)، وجمعه بصورة: (حَگّاتْ) في اللهجة فهو طارئ محدث.
(2) (مَالْ)، وهو اسم مؤلف من اسم الموصول (ما) بمعنى (الذي) في اللغة، و(اللي) في اللهجة، وحرف الجر (اللام) + ضمير متصل مناسب إذا كان مضافاً إلى الضمير، ويجب أن تراعى حالة المضاف إليه بعده في التذكير والتأنيث، والجمع، فإذا كان المقصود مفرداً مذكراً جاء كذلك فقيل: (مال)، كما في: (كتَابْ مَالْ بَِيتْ صَالِحْ)، وإذا كان المراد مفرداً مؤنثاً جاء مثله فقيل: (مَالَةْ)، نحو: (غَرْشَهْ مَالَةْ مَايْ)، وإذا كان جمعاً جاء جمعاً، فقيل: (مَالاتْ) كما في: (اللَّيتَاتْ مَالاتْ الشَّارُِعْ)، وقد يقال: (مَالَةْ) باعتبار لفظ الجنس كما تقدم.
وأرى أن لهذا الاستعمال مسوغاً، لأن الإضافة في اللغة أساساً هي نسبة اسم إلى آخر على تقدير حرف الجر، وإذا نظرنا إلى: (حَگْ)، أو (مَالْ)، وفرعيه: (مَالَةْ)، و(مَالاتْ)، ونظرنا إلى حرف الجر المقدر الذي يكون كثيراً (من) إذا كان المضاف إليه جنساً للمضاف نحو: (سوار ذهب)، ويكون قليلاً (في) إذا كان ظرفاً له نحو: (صلاة العصر)، ويكون غالباً اللام في ما سوى ذلك عند حميع النحويين، نحو: (كتاب سعد)، واللام يمكن إظهارها كما في هذا المثال، إذ يمكنك أن تقول: (كتاب لزيد)(43)، لذا فإن المعنيين في اللغة، واللهجة متطابقان، لأن مثل جملة: (مِفْتَاحْ حَگْ الگُفِلْ)، وجملة: (اِلسَّيَّارهْ مَالَتْكْ) تعنيان: (مفتاح للقفل)، و(السيارة لك)، كما تعنيان: (مفتاح القفل)، و(سيارتك)، فهما وإن كانتا لا تعنيان الإضافة صراحة فإنهما تعنيانها ضمناً.
على أن هذا الاستعمال وإن كان له مسوغ كما تقدم، فإن استعماله لدى الغالبية قليل، وعلى هذا فإن مثل: (بَِيتْ عَبْدَ اللهْ) يستعمل أكثر من: (البَِيتْ مَالْ عَبْدَ اللهْ) على الرغم من أن هذا التركيب ليس خطأ كما يقول المستشرق جونستون(44)، وأكثر ما يحصل هذا إذا أضيف اسم إلى اسم مضاف، نحو: (غْطَا غَرْشةْ مَايْ) الذي يصير حين إضافة أحدهما مثل (مال): (غْطَا مَالْ غَرْشةْ مَايْ)، وإذا كان الاسم الذي قبلهما معرفاً بـ(أل) كما في المثال المتقدم فإن جملتهما في الغالب لا تعني الإضافة، وإنما تعني التأكيد، وزيادة الإيضاح، فإن مثل: (مال) هنا هو بدل اللفظ المحذوف الذي كان من المفروض أن يكرر، فاستعيض عن تكراره بهذا اللفظ، وكأن الأصل هكذا: (الْبَِيتْ بَِيتْ عَبْدَ اللهْ)، كما أن إضافة اسم يدل على عاقل مثل: (صاحب)، و إليهما أمر شاذ في لهجة الغالبية، فلا يقال: (عَمْ مَالِيْ)، ولا (صَاحبْ حَگِّيْ)، أو (الصَّاحبْ مَالِيْ)، وإن كان أهل العراق، وبعض نواحي البحرين، والكويت، وبعض نواحي هذه الواحة مثل: (الزور)، و(دارين) يقولون ذلك لئلا يتبادر الذهن إلى معنى آخر غير المقصود، فإذا قال: (صَدِيگْ مَالِيْ)، أو (صَدِيگْ حَگِّيْ) لربما فهم منه أنه يريد عضوه التناسلي، لأنه يكنى عنه بـ: (حَگْ)، و(مَالْ)، لكن يصح أن يضاف أحدهما إلى اسم يدل على عاقل فيقال: (هَادَا حَگْ عَمِّيْ)، أو (مَالْ صَاحْبِيْ)، وفي بعض الأحيان يستعمل الثاني: (مَالْ) إلى جانب لفظ: (أَهلْ)، و(رَاعِيْ)، للدلالة على نسبة شخص ما إلى بلد سكناه، فيقال: (حَسَنْ مَالْ التَّوبِيْ) إذا لم يعرف لقبه، ولا يصح في اللهجة إضافة هذين اللفظين إلى ضمير منفصل، لأنهما نكرة، والنكرة لا يضاف إلى ضمير منفصل فلا يقال: (حَالْ حَگْ انْتَ)، و(حَالْ مَالْ انْتَ)، فإذا قال شخص ذلك دل على أنه غريب عن اللهجة، ويمتنع مجيء الأول في أسلوب إضافة إذا كان حرف الجر المقصود مقدراً بـ(في) إذا كان ظرفاً له نحو: (صَلاةْ حَگّ العَصُرْ)، بينما اللفظ الثاني يصلح للأحوال الثلاثة.
ولا بد للمضاف المنتهي بتاء التأنيث في الحالة العادية أن تنطق تاؤه كما هي حتى تتحقق الإضافة على الوجه الصحيح، فيقال: (غَرْشَةْ مَايْ)، ولا يقال: (غَرْشَهْ مَايْ)، ونقصد بالحالة العادية هي التي تجري فيها الإضافة كما هي في اللغة دون توسيط أي من اللفظين المتقدمين، على العكس منه إذا توسط أحد هذين اللفظين فلا تنطق تاءً، بل تنطق هاءً، فيقال: (غَرْشَهْ مَالَةْ مَايْ) ولا يقال: (غَرْشَةْ مَالَةْ مَايْ)، وإنما الذي تنطق تاؤه كما هي هو اللفظ نفسه كما تلاحظ، إذا كان اللفظ الموسط بصورة (مَالَةْ).
أما تقسيم الإضافة إلى قسمين معنوية، ولفظية(45)، وإن كان لا يعرف في اللهجة بلفظيه هذين المعروفين في اللغة فالأمثلة المشابهة في اللهجة للأمثلة الموجودة في اللغة تدل على وجوده.
ذلك أننا لو رفعنا الأمثلة الممثلة هنا، وأقمنا بدلاً عنها أمثلة من اللهجة، أو حورناها على النحو المحكي في اللهجة لم نجد أدنى فرق، ولعرفنا صدق هذا الكلام.
الوصف
ويسمى في اللغة أيضاً النعت، وأنا أميل إلى استعمال الاسم الأول أي: الوصف، حيث أن أهل اللهجة يفرقون بين الوصف، والنعت، فيجعلون الأول لمطلق الوصف سواء كان لمدح، أو ذم، أو خير، أو شر، والثاني لما هو محمود، ومن ذلك قولهم السائر: (رَجَّالْ (رَجِلْ) تِنْعَتِهْ لَا بُدْ تِعْتَازْ (تِحْتَاجْ) لَمْدَمَّتِهْ)، وقول الملاية أم نادر خديجة بنت الشيخ فرج العمران:
بِتِّي شَاطْرَ(هْ) مَا نَاعْتَـ لْهَا
وَاللهْ بْزوَُدْ عَمَّتْهَـا وُْرَجِلْهَا(46)
فلم لم يكن (تِنْعَتِهْ) في القول السائر، و(نَاعْتَـ) في بيت الشعر يعنيان المدح والثناء لكان ذلك وصفاً مبهماً، ثم أن الفعل: (تِنْعَتِهْ) في القول السائر جاء مقابلاً لـ(مذمته)، مما يدل على أنه للمدح، وبالتالي فإن النعت خاص بهذا المعنى؛ وهذا التفريق له أصل في اللغة، وإن كانت أكثر المصادر لا تلتفت إليه، وما وجدت من تنبه إليه سوى الحافظ جلال الدين السيوطي حيث قال في المزهر: >النعت وصف الشيء بما فيه حسن ولا يقال في السوء<(47).
وتجتمع اللهجة مع اللغة فيه في جوانب كثيرة، وتختلف معها في جوانب أخرى نادرة، فمما تجتمع فيه الأولى مع الثانية أن الوصف يأتي بعد الموصوف دائماً، وشذ عنه الموصوف بلفظين لا أعلم لهما ثالثاً، وهما: (وَاجِدْ)(48)، و(خَُوشْ)، فإن الأول قد يقدم، والثاني لابد له أن يسبق الموصوف، فيقال: (وَاجِدْ زَينْ)، و(خَُوشْ وَلَدْ)، والسبب في ذلك أن: (وَاجِدْ) في كثير من الأحيان هو إلى المفعول المطلق أقرب منه إلى الصفة في المعنى، فهو هنا بمعنى: (جداً)، فيكون مدلول: (وَاجِدْ)(وَايِدْ) زَينْ): طيب جداً، أو جميل جداً، ويمكن معرفة ذلك بالنظر لما يأتي معه، سواء قبله أو بعده، فإذا كان وصفاً فإنه للتأكيد، وكذا إذا جاء مكرراً فإن الثاني يعني جداً، نحو: (حْلَِيوْ وَاجِدْ)، أو (وَاجِدْ حْلَِيوْ)، و(وَاجِدْ وَاجِدْ)، أي: كثير جداً، أما إذا كان فعلاً، أو اسماً، أو أداة تشبيه، فإنه وصف بمعنى: (كثير) كما في: (عَطَانِي وَاجِدْ)، و(حَچِيْ النَّاسْ وَاجِدْ)، و(مِفْلُِكْ واجد)، أما إذا كان بمعنى: (كثير)، أو اسم مفرد يدل على الجمع فلا يتقدم عليه، فلا يقال: (وَاجِدْ كَثِِِِِِيرْ)، أو (وَاجِدْ صِدْگْ)، أو (وَاجِدْ خَِيرْ)، بل يكون سبيله سبيل الأوصاف المجراة على القاعدة اللغوية، كما في قولهم السائر: (يْفُوتُِكْ مِنْ الچَّدَّابْ صِدُگْ (وَاجِدْ)، وقولهم: (خَِيْرْ وَاجِدْ)، ولا يوصف به المفرد فلا يقال: (وَلَدْ وَاجِدْ)، لأنه يدل على الكثرة، والمفرد قلة يتنافى معه، إلا إذا كان الموصوف به في صورة المفرد وهو يدل على الكثرة مثل: (صِدْگْ) المتقدمة، كما لا يجتمع مع الوصف التالي أعني: (خَُوشْ) لا قبله ولا بعده، فلا يقال: (خَُوشْ وَاجِدْ)، أو (وَاجِدْ خَُوشْ)، فإذا قال شخص مثل هذي العبارات دل على أنه ركيك، أو غريب عن اللهجة.
أما السبب في تقدم الوصف الثاني على الموصوف فلأنه متسرب من الفارسية، لذا يجري في اللهجة مجرى أمثاله في لغته الأصلية، لأن الوصف في هذه اللغة قد يسبق الموصوف لتسمع: (خوش بو)، أي: رائحة طيبة، ولكن أهل اللهجة قد يقولون: (وَلَدْ خَُوشْ)، و(وَلَدْ مُوْ خَُوشْ)، أي: ولد طيب، وولد غير طيب، وهو هنا لم يصف لفظ (وَلَدْ) الظاهر، وإنما وصف المحذوف المقدر بعده، وكأن أصل الجملتين هكذا: (وَلَدْ خَُوشْ وَلَدْ)، و(وَلَدْ مُوْ خَُوشْ وَلَدْ)، وهو جامد لا يتصرف حسب شكل الموصوف به من الإفراد، والتذكير، والتأنيث، والجمع، بل يبقى كما جاء من لغته الأصلية على صورة واحدة لجميع الأحوال نحو: (خوش مرد): رجل طيب، (خوش دختر): بنت طيبة، و(خوش مردان): رجال طيبون، ولذا تسمع صاحب اللهجة يقول: (خَُوشْ وَلَدْ)، و(خَُوشْ مَرَه)، و(خَُوشْ أَوْلادْ)، و(خَُوشْ بَنَاتْ)، وهو لا يجتمع مع وصف من الأوصاف، ولاسيما إذا كان الوصف بمعناه مثل: (زين)، و(طيب)، و(حليو)، و(جميل)، لا قبله، ولا بعده، فلا يقال: (زَِينْ خَُوشْ)، أو (جَمِيلْ خَُوشْ)، لأنه وصف، وأنى للوصف أن يصف وصفاً آخر، فهو إنما وضع ليصف الاسم، ومن المواضع التي تتفق فيها اللهجة مع اللغة: أن الوصف قد يحذف في اللهجة، ويبقى الموصوف نحو: (جَايْ (يَايْ) مِنْ زَمَانْ)، أي: منذ أمد بعيد، وقولهم: (حَالَتْنَا حَالـَ)، أي: (حالة سيئة) أو رديئة، لأنهم قد يصرحون بالوصف أحياناً فيقولون: (حَالْتْنَا حَالـَ گَشْرا)، ومثاله في اللغة قوله تعالى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ أي: البين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي: الناجين(49)، وقد يحذف الموصوف ويقام الوصف مكانه، ومن ذلك قولهم عند الترحيب: (حَيَّا اللهْ الأجَاوِيدْ (الأيَاوِيدْ)، أي: الناس الأجاويد، ومثل ذلك حاصل في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ أي: دروعاً، وقد يحذف كل من الوصف، والموصوف معاً نحو: (لَا يَمُوتُ وَلَا يَحْيَا) أي: حياة نافعة(50)، ومثل هذا موجود في اللهجة أيضاً، كما أن الأوصاف إذا تعددت، وكانت واحدة في اللفظ، والمعنى فإن أهل اللهجة يستغنون عن التفريق بالتثنية، أو الجمع بالعطف فحينما يقول صاحب اللغة: (جاء شوقي وحافظ الشاعران)، أو (جاء الرجال الطيبون)، يقول صاحب اللهجة مثله، أو بلفظ قريب منه، وكذلك الأوصاف إذا اختلفت لفظاً ومعنى فإن أهل اللهجة يوجبون التفريق بالعطف بالواو، كما يوجبه أهل اللغة، يقال في اللغة: (جاءني رجلان كاتب وشاعر)، ويقول أهل اللهجة: (جَانِيْ (يَانِيْ) رَجَّالَِينْ (رَيَّالِينْ) كَاتِبْ وُْشَاعُرْ)، كما أن الوصف يأتي في اللهجة كما في اللغة جملة اسمية، أو فعلية، نحو: (مَرَِّيتْ بْولَدْ گَامْ أَبُوهْ)، أو (أَبُوهْ گَايِمْ)، والجملة الاسمية يأتي مبتدؤها اسماً ظاهراً، أو ضميراً، وقد تسبقها الواو فيقال: (وْأَبُوهْ گَايِمْ)، (وُْهُوْ گَايِمْ)، ولا يوصف بها إلا النكرة، لأنك لو وصفت بها معرفةً لصارت حالاً، لأن القاعدة في اللغة تقول: (بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال)(51)، كما أن اسم الجمع في اللهجة قد يوصف بالمفرد المؤنث باعتبار لفظ الموصوف، والجمع باعتبار معناه، ويستوي فيه العاقل، وما لا يعقل، فيقال: (الكَاسَاتْ اِلزَِّينَهْ)، ومنه قولهم: (حَاشَا لَجْواد وعْبادَ اللهْ الصَّالْحَـ)، كما يقال: (عْبَادْ اللهْ الصَّالْحِينْ), كما أن اللهجة واللغة تتفقان في وجوب مراعاة حال الموصوف في التعريف، والتنكير، والتذكير، والتأنيث، والإفراد، والجمع، مع مطابقة الفعل لو جئت مكان الوصف بفعل(52)، فحينما يقول صاحب اللغة: (مررت بقوم كرماء)، أو يقول: (مررت بزيد الكريم) يقول صاحب اللهجة مثله، أو بلفظ قريب منه، وإن وجدت ألفاظ تصلح لجميع الأحوال مثل: (خرطي)، و(خوش) المتقدم فهي قليلة، نحو: (هَادَا وَلَدْ خْرُطِيْ)، و(نَاسْ خْرُطِيْ) إلخ... ولا يصف المعرف بالنكرة، فلا يقول: (مَرَِّيتْ بْزَِيدْ كَرِيمْ)، ولا يصف النكرة بالمعرف فلا يقول: (مَرَِّيتْ بْرَجَّال (بْرَيَّالْ) الْكَرِيمْ) إلخ... وأما ما يحصل من حذف لأم التعريف من الموصوف أحياناً نحو: (وَرْدِْ الْجُورِيْ)، و(مِسْجِدْ (مِسْيِدْ) الرَّفِيعْ)، أي: الورد الجوري، والمسجد الرفيع، فإنما هو للتخفيف إذا أمن اللبس مع المضاف إليه، ومثل ذلك حاصل في اللغة أيضاً، ومنه: (بيت المقدس) التي أصلها البيت المقدس، على ما ذهب إليه المستشرق الألماني برجشتراسر(53)، ومن المحتمل جداً أن مثل: (حبة الحمقاء)، و(صلاة الأولى)، و(مسجد الجامع)، و(حق اليقين)، و(حب الحصيد)، و(دار الآخرة)، من هذا الباب، وإن كان علماء أهل اللغة قد عللوها بأن ظاهرها إضافة الموصوف إلى وصفه، وأولوها بأن المضاف إليه الموصوف بذلك الوصف قد حذف، وأقيم وصفه مقامه، وأن الأصل على التوالي: (حبة البقلة الحمقاء)، و(صلاة الساعة الأولى من زوال الشمس)، و(مسجد الوقت، أو اليوم الجامع)، و(حق العلم اليقين)، و(حب النبت الحصيد)، و(دار الساعة الآخرة)، فـ(الحمقاء): وصف للبقلة لا للحبة، و(الأولى): وصف للساعة، لا للصلاة، و(الجامع): وصف للوقت، أو اليوم لا المسجد، وهكذا(54)، وأقول: لم لا يكون (الحمقاء) وصفاً للحبة، و(الأولى) وصفاً للصلاة، و(الجامع وصفاً) للمسجد، وهكذا، ولم لا نحتمل أن أل التعريف من اللفظ الأول قد حذفت كما حصل لغيره من الألفاظ التي تتداول بكثرة، ومرده طلب الخفة؟! أليس الحذف للتخفيف أمراً معترفاً به في اللغة؟! ثم ضل أهل اللغة في التركيب فظنوه إضافة، وهو في الحقيقة وصف كما قال المستشرق الألماني برجشتراسر المتقدم ذكره ولاسيما وأن مثله كثير في العربية المتوسطة بين الفصيحة والدارجة(55).
أما وصف المثنى، والمؤنث الجمع في لهجة الغالبية في كثير من الأحيان بما يوصف به الجمع المذكر، نحو: (وَلَدَِينْ طَيْبِينْ)، و(نِسْوانْ طَيْبِينْ) أي: طيبان: وطيبات، ووصف جمع ما لا يعقل أحياناً بصفة جمع العاقل المذكر، نحو: (الكَاسَاتْ الزَِّينِينْ)، فكل هذه الأشكال قد تقع في اللغة، وإن كان الإجراء الأخير لا يحدث في اللغة إلا إذا أعطي ما لا يعقل صفة العاقل، وقد سبق الحديث عنه في الحلقة السابعة، والرابعة عشرة من هذا البحث، على أن ذوي الانتماء القبلي قد ينفردون عن بقية أهل الواحة بمعاملة ما لا يعقل كجمع المؤنث، فيقولون: (الكَاسَاتْ الزَِّينَاتْ)، وقد يقولون: (الزَِّينِينْ) كبقية الواحة، وقد يعامل أحياناً في اللهجة عامة معاملة المفرد المؤنث فيقال: (الكَاسَاتْ اِلزَِّينَهْ)، باعتبار معناه كما تقدم.
 وفي كثير من الأحيان تتم في اللهجة إضافة الوصف إلى الموصوف، ومن عباراتهم السائرة في هذا المجال: (گَلِيلْ (جِلِيلْ) الْحَيَا)، و(عَدِيمِينْ لِمْرُوَّهْ)، و(فْسِلْ الْحَضْ)، و(أَسْوَدْ الْوِجْهْ(الْوَيْهْ)، و(أَعْمَى الْگَلْبْ)، و(حَسَنْ لَخْلاگْ)، و(خَفِيفْ نَهْضَـ)، و(هَابْ رِيحْ)، و(هَدِيْ گَلْبْ)، والغرض من هذا الإجراء حصر الوصف بجزء من الموصوف، وتخصيص المعنى، فحينما نقول: (حَسَنْ لَخْلاگْ)، فالحسن يرجع إلى الأخلاق فقط، لا إلى غيرها، والغرض الثاني من هذا الإجراء هو الاختصار في اللفظ، ففيه فائدة لفظية، فبإمكان صاحب اللهجة أن يستعمل بعض الأسماء كـ(صَاحبْ) و(رَاعِيْ)، و(أَبوْ) التي بمعنى (ذو)، وأن يجرد الوصف من الإضافة، ويجعله بعد موصوفه، ويراعي حالة، وجنس الموصوف، إن كان معرفاً، أو مذكراً، أو مؤنثاً، أو جمعاً، فيحصل على نفس المعنى، كأن يقول: (صَاحبْ الْحَيَا الْگَلِيلْ)، و(أَبُوْ الْوِجْهْ الأسْوَدْ)، و(رَاعِيْ الأَخْلاگْ الْحَسَنَهْ)، وهكذا، ولكن لما كان الأسلوب الأول أزكي، وفيه اختصار، فقد فضله على الثاني، على أن الوصف المضاف إلى موصوفه لابد أن يكون جزءاً من الموصوف نفسه، وإلا لا تجوز إضافته إليه، فلا تقول: (أَخْضَرْ السَّيَّارَه)، تريد بذلك: (صاحب السيارة الخضراء)، لأن (الخضراء) وصف للسيارة، وليس لصاحبها، كما أنه ليس وصفاً لجزء منها.
وأما إذا سمعت البعض يقول: (مَحَلْ زَينَهْ)، أو: (فَوبْ جَدِيدَهْ)، فلأنها تعامل في لهجة بعض النواحي معاملة المؤنث، فلهذا توصف بوصف المؤنث كما تقدم في اسم الجنس.
أما تقسيم الوصف إلى قسمين: مشتق ومؤول بالمشتق، وتقسيمه بحسب أغراضه المعروفة في اللغة(56)، وإن كان لا يعرف في اللهجة بالفاظه هذه، فالأمثلة المشابهة في اللهجة للأمثلة الموجودة في اللغة تدل عليه، ذلك أننا لو رفعنا الأمثلة الممثلة له، وأقمنا بدلاً عنها أمثلة من اللهجة، أو حورناها على النحو المحكي في اللهجة لم نجد أدنى فرق، ولعرفنا صدق هذا الكلام.
أما تقسيمه إلى: لازم، ومنقطع فهو غير معروف في اللهجة، وإنما هو وصف في الجملة، ولأن القسم الثاني، وهو المنقطع لا أثر له في اللهجة، ذلك أن المنقطع إنما يميز من اللازم بوجود الإعراب، فإذا كان الوصف مخالفاً في الإعراب لموصوفه عد منقطعاً، وإذا كان الإعراب ساقطاً من اللهجة فكيف تستطيع أن تتبينه؟!
أما ما تنفرد به اللهجة فهو تنوين الموصوف النكرة تنويناً ملازماً للكسر كما تقدم في الحلقة الخامسة من هذا البحث، ولكنهم لا يفعلون ذلك دائماً بل يفعلونه للتمييز بين الموصوف، والمضاف، فعندما يقولون: (وَلَدْ زين) بدون تنوين فقد يتوهم السامع، أو على الأقل يخشون أن يتوهم أن: (زين) مضاف إليه، يريدون بذلك تمكين الوصف للموصوف، على غرار ما يحصل في اللغة، لكن بفارق واحد وهو أن اللغة تراعي موقع الموصوف من الإعراب، في حين أنه في اللهجة يلازم الحالة المتقدمة، لكنهم إذا أمنوا اللبس لا ينونون كما في: (وَلَد حْلَِيوْ)، أي: ولد وسيم زاكي الصفات، والغرض الثاني من التنوين طلب الخفة بإتباع الوصف للموصوف لاتساق المقطع الأخير من الموصوف مع المقطع الأول من الوصف، أما إذا كان أول الوصف مضموماً يبدأ بالساكن في اللهجة، وكذا إذا كان منفصلاً بمد، أو همزة قطع فلا ينون، لأن التنوين يضيع الغرض المنشود، وهو الخفة وينتقل إلى العسر، لذا لا يقال: (وَلدٍ حْليوْ)، أو (كْتابٍ أَحْمَرْ)، كما لا يفعلون ذلك إذا أردوا الإبهام للتورية، كقولهم عند المداعبة: (انْتَ وَلَدْ حْمَارِيْ) فلا يدرى أهي إضافة، أم وصف، لأنها تحتمل الإضافة بمعنى: (أنت ولَدٌ لحماري)، كما تحتمل الوصف بأن: (بشرتك تشوبها حمرة).
كما يمكنك التفريق بين أسلوب الإضافة، والوصف بالنظر إلى اللفظ الأخير دون الحاجة إلى هذا التنوين فإن لم يصلح للإضافة نحو: (فْلانْ وَلَدْ گَمَرْ) بمعنى: فلان ولدٌ لقمر، فـ(گمر) لا يكون إلا وصفاً، أما إذا كان الاسم الأخير اسم علم فلا يصلح لأن يكون وصفاً مثل: (فْلانْ وَلْدْ خْضُرْ)، فهو في هذه الحالة أسلوب إضافة، كما أن التصرف في حركات اللفظ الداخلية إذا كانت قابلة للتصرف قد يغني عن تنوينه، نحو: (فْلانْ وَلْدْ طَاهُِرْ) بسكون اللام فإنه يفهم من كلامك أن فلاناً ابن لشخص اسمه طاهر، فهو في هذه الحالة أسلوب إضافة، أما إذا حركت اللام بالفتح وقلت: (فْلانْ وَلَدْ طَاهُِرْ) لفهم من كلامك أنك تصف الولد بالطهارة، فهنا يكون أسلوب وصف على الأغلب، وإن كانت كثير من الأساليب مثل هذا الأسلوب مترددة بين الوصف والإضافة، وقد يحصل إبهام كما تقدم وتحتاج لبعض الإيضاح لفهم القصد، فقد يفهم من كلامك أن: (فلان إبن لطاهر) حتى مع تحريك اللام أيضاً، لذا عليك أن تقول: أقصد أن فلان طاهر من الطهارة، وليس إبناً لطاهر، وتلافياً لهذا الإشكال فعليك أن تعود إلى سيرتك الأولى، وتنون (ولد) حتى وإن كان محركاً لينتهي اللبس وينحصر المعنى بالوصف إذا كنت تقصده.
وما يقال عن الموصوف المذكر يقال عن المؤنث، لكن الموصوف المؤنث إذا لم ينون، وانفصل عن صفته بالوقوف على آخره بالسكون، فإن تاء التأنيث فيه تتحول إلى هاء تنطق كالهاء الصامتة في اللغة الفارسية، نحو: (نامه) بمعنى: رسالة(57)، فلا تظهر إلا حركة الحرف الذي قبلها، وهي في الغالب فتحة ممالة نحو الكسرة، فـ: (مرة أجودية) تنطق: (مرَ أَجْوَدِيَّهْ)، أما الموصوف بوصف معرف بأل فإن آخره يقتفي حركة ما بعده، فـ(الكتاب المفيد) ينطق: (اِلكتابِلْ مُفيدْ)، وهي هنا مائلة نحو الضم لأن الحرف الذي بعد أل التعريف مضموم؛ أما لدى ذوي الانتماء القبلي فينطق هكذا: (اِلكتابَلْ مُفيدْ)، لأن فتح أل التعريف غالب على لهجتهم.
ومما تنفرد به اللهجة عن اللغة: أن الوصف لا ينفصل عن الموصوف إلا مع (لا)، أو (أما) التي بمعنى (إما)، ويجب تكرارهما كما في اللغة، نحو: (هَادَا يَُومْ لا حَارْ وَلا بَارِدْ)، و(كِلْ وَاحِدْ لِهْ أَجَلْ أَمَّا گَرِيبْ وَأمَّا بَعِيدْ)، بينما يجوز في اللغة الفصل بينهما بغير هاتين الأداتين(58).
أما الوصف السببي في اللهجة فلا يتوصل إليه إلا بالاسم الموصول (اللّا)، (اللَّي)، فيقال: (الْوَلدْ اللَّي أَبُوهْ غَنِيْ)، أي: الغني أبوه، وأنت ترى أن الوصف قد صار في آخر الجملة، لأن ترتيبه في اللهجة هكذا.
الهوامش:
(1) لسان العرب، وتاج العروس (مادة سحم).
(2) نفسه (مادة فحم).
(3) نفسه (مادة دغم).
(4) نفسه (مادة طلس).
(5) نفسه (مادة ملح).
(6) نفسه (مادة ربد).
(7) نفسه (مادة برق).
(8) نفسه (مادة شهب).
(9) نفسه (مادة رقط).
(10) نفسه (مادة دخن).
(11) نفسه (مادة طهم).
(12) نفسه (مادة عطر).
(13) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 253 السيد أحمد بن علي بن عنبة الداودي الحسني، دار مكتبة الحياة بيروت، لا ط، لا تا، والغدير في الكتاب والسنة والأدب، ج 11 ص 308 للشيخ عبد الحسين الأميني، مط: دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ط: 4، س: 1397هـ.
(14) تاج العروس، ولسان العرب (مادة (برقش)، والمستطرف في كل فن مستظرف (مرجع سابق) ج 1 ص110.
(15) لسان العرب، وتاج العروس (مادة بقع).
(16) المعجم الفارسي الكبير إبراهيم الدسوقي شتا (مرجع سابق) ج 2 ص 2048، ولسان العرب (مادة فوا).
(17) تاج العروس، ولسان العرب (مادة زرب).
(18) معجم الألفاظ الفارسية المعربة للسيد أدي شير، وتاج العروس، ولسان العرب (مادة قرمز).
(19) الموسوعة الكويتية المختصرة (مرجع سابق) ج 3 ص 1524.
(20) ألف ليلة وليلة إعداد رشدي صالح، دار مطابع الشعب، لا ط، لا تا، ولا مكان.
(21) مفتاح اللغة الفارسية (مرجع سابق) ص 117.
(22) المعجم الذهبي (مرجع سابق) ص 232.
(23) من تراث البحرين الشعبي ص 114 صلاح علي المدني، وكريم علي العريض، لا مط، لا ط، لا تا، والموسوعة الكويتية المختصرة (مرجع سابق) ج 1 ص 229.
(24) لسان العرب (مادة ردد).
(25) تاج العروس (مادة غمق).
(26) معجم البلدان لياقوت الحموي مج 3 ص 272، مط: دار صادر، بيروت، لا ط، س 1397هـ.
(27) ظاهرة التأنيث بين اللغة العربية واللغات السامية دراسة تأصيلية ص 11.
(28) نفسه ص 19.
(29) نفسه، وسورة الأنبياء الآية 81، ويونس الآية 22.
(30) الوحيد في النحو الإعراب (مرجع سابق) ص 30، وص 32.
(31) مباحث لغوية (مرجع سابق) ص 36.
(32) في اللهجات العربية (مرجع سابق) ص 241.
(33) التـوبة الآية 69.
(34) فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 130، وص 131.
(35) نفسه.
(36) الوحيد في النحو والإعراب حاشية الصفحة 288.
(37) شرح ابن عقيل (مرجع سابق) ج 2 ص 46.
(38) نفسه ج 2 ص 76.
(39) القواعد الأساسية (مرجع سابق) ص 278.
(40) شرح ابن عقيل (مرجع سابق) ج 2 ص 50، وص 51.
(41) القواعد الأساسية (مرجع سابق) ص 273.
(42) نفسه ص 278، وشرح ابن عقيل (مرجع سابق) ج 2 ص 51.
(43) القواعد الأساسية ص 272، وشرح ابن عقيل ج 2 ص 43، وص 44.
(44) دراسات في لهجات شرقي الجزيرة العربية (مرجع سابق) ص 205.
(45) يسمى القسم الأول معنوية لأن فائدتها راجعة إلى المعنى من حيث أنها تفيد المضاف تعريفاً، أو تخصيصاً، فإن لفظ (كتاب) نكرة، فلما أضيف إلى (سليم) تعرف، ولما أضيف إلى (نحو) تخصص، أي: قل إبهامه وشيوعه، أما اللفظية فتسمى كذلك لأن فائدتها راجعة إلى اللفظ فقط بما تحدثه من التخفيف بحذف التنوين، ونوني التثنية، والجمع إن كان المضاف صفة مضافة إلى فاعلها أو مفعولها نحو: (هذا مستحق المدح)، و(حسن الخلق)، و(معمور الدار)، وما ألحق بهما فإن أصل التركيب في الأمثلة المتقدمة: (مستحقٌ المدح)، و(حسن خلقه)، و(معمورة داره)، (القواعد الأساسية (مرجع سابق) ص 273.
(46) قصيدة (حچايات زواج الأوليات) للشاعرة المذكورة مطبوعة بالكمبيوتر في كراس رقم الصفحة 10.
(47) المزهر في علوم اللغة والأدب(مرجع سابق) ج 1 ص 436.
(48) وهو لفظ شائع في كثير من البلاد العربية بهذا المعنى، وتبدل جيمه ياءاً في لهجة من يبدلون الجيم ياءاً، وأصله من الوِجْدانُ، أو الوُجْد؛ أو الوَجْدُ أو الوِجْدُ بمعنى: اليسار والسَّعةُ (راجع لسان العرب مادة وجد).
(49) شرح ابن عقيل (مرجع سابق) ج 2 ص 205.
(50) القواعد الأساسية (مرجع سابق) ص 285.
(51) نفسه ص 283، وشرح ابن عقيل ج 2 ص 195.
(52) نفسه ص 281، وص 282، وشرح ابن عقيل ج 2، ص 192، وص 193.
(53) التطور النحوي للغة العربية (مرجع سابق) ص 152.
(54) أمالي ابن الشجري ص 68، وشرح ابن عقيل ج 2 ص 49، والقواعد الأساسية ص 278.
(55) التطور النحوي للغة العربية (مرجع سابق) ص 152.
(56) المراد من المشتق اسم الفاعل، واسم المفعول، والوصف المشبه باسم الفاعل، واسم التفضيل، أما المؤول بالمشتق كاسم الإشارة، نحو: (زيد هذا)، أي: المشار إليه، والمنتسب، نحو: (مررت برجل قرشي)، أي: المنتسب إلى قريش، والمصدر: شخص ثقة أي: موثوق به، وما دل على عدد الموصوف، نحو: (جاء رجال خمسة)، أي: معدودون بهذا العدد، وما دل على تشبيه كما في: (رأيت ولداً حماراً) بمعنى: غبي، والاسم الموصول المقترن بأل، نحو: (جاء الرجل الذي نحبه)، والمراد بأغراضه: التخصيص، نحو: (زيد الخياط)، والمدح نحو: (زيد الكريم)، والذم نحو: (زيد الفاسق)، والترحم نحو: (زيد المسكين)، والتأكيد: (أمس الدابر). (شرح ابن عقيل ج 2 ص 195، ودليل الإعراب والإملاء ص 131.
(57) مفتاح اللغة الفارسية (مرجع سابق) ص 32.
(58) القواعد الأساسية (مرجع سابق) ص 284.

 

باحث
104952