الموت والألم قدر على هدير الصمت
قراءة في ديوان ( هدير الصمت )
عون علي آل مهنا * - 2 / 11 / 2007م - 3:54 ص - العدد (47)

للشاعر / سعيد محمد حسن العصفور “رحمه الله“


ولد الديوان بأكفان الموت وكانت ولادته إيذاناً بالرحيل وإيغالاً في اللا نهاية، قراءة بعد قراءة أنتجت عنها أشباح أبيات لبست عباءة الاحتضار على مسار الألم وفجيعة الوداع.
نلمح من قراءة ( هدير الصمت ) صورة قاتمة تحمل الموت قدراً لا ينفك عن صاحبه من إحساس بالضعف والسقم الذي طغى على معظم القصائد والأبيات وهنا سأحاول رسم الصورة التي لصقت في مخيلتي وروحي شكلتها أشعة ظلام الموت والألم المخيمة على ( هدير الصمت ) وهدير الصمت لوحة بكائية منهكة الألم غارقة الدموع رسمها الشاعر من وحي شعوره لا تكلفاً، ولعله لم يكن يعي هذه الصورة القاتمة طوال ديوانه فجاء يحمل اليأس لولا قليل من الأمل قد تناثر في زوايا الديوان.
وصف الشاعر ضعف بدنه وذكر سبب هذا الضعف من الألم والسقم والمرض حتى بدا وكأنه هيكل عظمي فيقول:
* فارقتني سلامتي واقتداري
واغتدى الوهن سالكا في انقطاع
* قالت أراك نحيلاً قلت من سقمي
وأردفت أشيباً فاستفرغت ألمي
أجابت أختها الصغرى برعب
أهذا الهيكل العظمي شاعر
ولم ينس شاعرنا صباه المتصرم الذي أبلاه المرض والدهر فقال:
* ترملت مقلتاه والجوى حمم
وعنفوان صباه بات محترقا
* عنفوان الصبا انقضى وتوالت
نزعات الردى بدرب الضياع
فسار شاعرنا بعمر أبلاه السقم والمرض وكلما مضى عام أحس بظلمة الألم ومرارة السقم. فقال:
* لم أنتفع أبدا بالعمر ترهقني
أيامه السود في سقم وفي علل
* أواه يا زمن الإخفاق يرهقني
ويا هموم حياة تختلي كمدا
* يا ضنى الأشجان رحماك فقد
طالت الأيام والدنيا شجون
* ويمر عام بعد عام تنقضي
الأيام في عصف الرعود
* هوى يخالج إحساسي على مضض
وينثني قد تداعى من ضنى سقمي
* وامتطى الشيب مفرقي واعترتني
رعشة الجسم من ضنى الأوجاع
ألم، وعمر، وسقم، وعلل كلها مفردات أرقت شاعرنا فعاشها بمضاضة أرهقته فما شعر بلذة إلا الألم جاث على صدره. وإذا كان الليل مستودع أسرار العاشقين فإنه لشاعرنا عذاب الألم والحزن:
* إنها الدنيا خلاف للمنى
بل هي الآهات في ليل خفي
* هكذا نحن وجود سرمدي
في ليالي الحزن ترمينا الجراح
* فلي كل يوم محنة تستهينني
وفي كل ليل هزة ونوازع
ولم ينته الليل في تجربة الشاعر عند الألم والحزن بل صاحبه حتى الشعور بالموت والاحتضار:
* وحين يهل في الآفاق بدر
ينير الليل أحتضر احتضارا
* يا هوى النفس علام
الليل عنوان احتضار
* والليل يسلب روحي
يشلها الإضراب
هذا الإحساس بالضعف والألم والمعاناة من المرض والسقم جعلته يطلق صرخات صامتة في مسمع السأم واليأس فقال:
* وجود في مهب الريح يذوي
وعمر في كتاب اليأس يذوي
* مضى الزمان بأحلام يسفهها
لم يبق لي غير حزن دائم الأزل
* يا شرود الوقت إن اليأس
والأحزان والآلام عنوان احتضار
* سئمت من الدنيا ومن شر أهلها
وحسبك من دهر به الكل خانع
فلم يبق أمام الشاعر في زحمة الدروب المتخمة بالحزن والألم. والموت والاحتضار والضعف واليأس غير الحيرة والخوف:
* ولا أمل من الأحلام يرجى
وهذا العمر لغز لا يحل
* لا تأمن الدهر كم من ضائع رحلت
به خطاه فضل الدرب وانزلقا
* لا تسلني ربما موتي وشيكا أو بعيدا
فما زال هاجس الموت هو الهاجس الأكبر والاحتضار قدر أمام عينيه مخيم على كل تفكيره والرحيل قريب منه، هكذا ضجت أبيات ديوانه واستعدت للرحيل فلبست أنغامها السوداء:
* أتيت من غابر الأزمان ممتطيا
ركب المنون وبالآلام في عجل
* أمست قوادم أيامي موزعة
بين التدني وبين العيش في القلل
* فمن قادم للحياة
ومن راحل مسرع
* واستغلي غفلة الموت إذا
حام طير الإثم يغري باشتهاء
* إن للأعمار يا سيدتي
من قديم العهد بدء وانتهاء
* أهكذا الموت لا يرعى لنا ذمما ؟
حفنت بنا من ثنايا ليله السدم
* هكذا الأعوام أيام تجد
السير نحو اللا نهاية
ومن فكر بالموت والاحتضار لا ينسى محطة السفر إلى العالم الآخر... القبر:
* ماذا رأوا في ظلام القبر من قدر
أولئك القوم من شبوا ومن هرموا
* كل عيش قد تمادى مستقل
طاب أو طال سيقبر
فالموت فلسفة تحمل الخوف والأمل على عتبات العالم الآخر:
* كلما طالت ليالينا فإن الموت إشراق جديد
* في انقضاء هذه الأعمار
والأجسام حق قد تجلى
* أمعنت يا موت فتكا فالمدى حمم
ها أنت تكرع من كاساتك الأمم
* الموت حق للورى والحساب
والبعث فرض من خبايا التراب
ورغم هذا الإيمان الكامل بالقدر وبالموت والإحساس المتنبي بدنو الأجل إلا أنه لم يخف خوفه من الموت فخاطب الأربعين التي كانت محطته الأخيرة بعد أن استعرض حياته وآلامه وشقاءه:
* هذي حياتي فكوني أنت عادلة
في الحكم أو لا تكوني خطفة الأجل
وفي نهاية هذه الصورة البكائية عن عالم الموت وصحبة الحزن والألم يكملها شاعرنا بريشة الفنان وبإيمان الإنسان عن رغبة في الموت وإعلان عن الرحيل:
* وددت لو أن هذا العمر قد نفدا
لما أسفت على شيء مضى أبدا
* وصلت لحد القطاف وأعلنت
عن رغبتي صادقا في الرحيل
ولم يكن صمتاً في ديوانه بل موجاً هادرا من الشكوى والألم، ولواعج من حزن وشكوى، هزت سامعيها، وألوت مسامع الصمت بالهدير الخالد.

 

أديب
289823