موقف الأعراف السائدة في منطقة الأحساء من الأنظمة العثمانية (1907 - 1913)

قدّم د. عبدالعزيز بن عبدالرحمن الشعيل، مدير عام مهرجان التراث والثقافة السابق، بحثاً حول منطقة الأحساء، في ندوة تاريخية عن الخليج العربي عقدت في مصر في أواخر عام 1996. وكنا في مجلة (الواحة) قد قمنا بتغطية الندوة ونشرنا بعض الدراسات التي قدمت خلالها (انظر الواحدة العدد السابع).

عنوان بحث الشعيل كان مغرياً: موقف الأعراف السائدة في منطقة الأحساء من الأنظمة العثمانية خلال الفترة من 1907 - 1913. ولكن من يقرأ البحث بعين التمحيص سيجد نفسه مرغماً بالرد عليه ونقده، دون بقيّة البحوث، التي تحوي في الغالب قليلاً من الأخطاء التي يمكن تجاوزها، أو تركها للقراء للرد عليها، وإبداء ملاحظاتهم بشأنها.

أما بحث الدكتور الشعيل، فكان (كتلة) من الأخطاء، يصعب الرد عليها كلها، وقد وضعنا دراسة الشعيل أمام القراء والباحثين لينقدوها لما فيها من أخطاء يصعب المرور عليها مرور الكرام، ومساحة الرد ستكون متوفرة في قادم الأعداد.

إن بحث الشعيل في مجمله ابتداءً من العنوان وانتهاءً بالمراجع، كتلة من الأخطاء، مروراً بالمعلومات الخاطئة والتحليلات الخاطئة والنقل الخاطئ، بل والأخطاء في الكتابة والتعبير التي يصعب إصلاحها كلها، دون تغيير جذري في تركيب الجمل والفقرات لكي تكون مفهومة ومترابطة. لذا كان أنسب شيء يمكن فعله: نشر ما جاء به الباحث، والرد عليه، بأسرع ما يمكن الرد، لأن التوقف عند كل جملة سيفتح لنا أبواباً من البحث والنقاش، في المنهج والتفاصيل.

ولأن الأستاذ الشعيل يتولى منصباً (ثقافياً) رسمياً، ويبدو أن اهتمامه (تراثي) خاصة وأن رسالته في الماجستير من جامعة الزقازيق تتعلق بالدولة العثمانية في الأحساء، أي يفترض أن الرجل متخصص بكل ما في الكلمة من معنى، ولأن ما جاء في بحثه الذي نشره اتحاد المؤرخين العرب الذي يعد الشعيل عضواً عاملاً فيه، خرق كل قواعد البحث الرصين وتضمن (إساءات) لسكان المنطقة، ولتاريخهم، وثقافتهم، خاصة وأنها جاءت من مواطن (سعودي).. لمثل هذه الاعتبارات وغيرها، رأينا فسح المجال للرد على بحثه دون غيره.

تمهيد

يتفق علماء الاجتماع والسكان على أن الأعراف في المجتمعات تشكل مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال قوة ونفوذاً وارتباطاً لا تختلف في بعض الأحيان عن قوة وصرامة القوانين والأنظمة التي تسنها الحكومات لتنظيم الشعوب، بل يكون لأعراف الناس أحياناً من النفوذ النفسي الداخلي وغير المرئي ما يزيد عن فعل القوانين والانضباط بموجبها. ولعل التاريخ يحدّثنا طويلاً عما كانت عليه الأعراف ولازالت إلى يومنا في المجتمعات العربية، سواء قبيل الإسلام، أو بعد انتشاره وامتداده على قارات العالم. ومن الطبيعي أن تأخذ الأعراف أبعادها المتنوعة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، عندما تبدأ الإدارة المركزية في الضعف والدخول في صراع خارجي أو فتن داخلية، ويترتب على ذلك غالباً ضعف وتخلف الناحية التعليمية والتوجيه الديني، وضعف الصلات الاجتماعية بين الشعوب والمناطق.

ومن هنا يمكننا القول: إن الفترة منذ عام 1907، شهدت في إقليم الخليج تغيرات دولية وتغيرات عثمانية خاصة، فالتغير الدولي تمثل في ولادة التطبيق الاستعماري في منطقة الخليج العربي، وذلك بعد المؤتمرات الدولية لاقتسام تركة الدولة العثمانية وبشكل خاص مؤتمر الوفاق الودي بين فرنسا وبريطانيا عام 1904، والمؤتمر الاستعماري الذي رعاه البريطاني كامبل باترمان عام 1907، والذي أطلق يد المستعمر الأوروبي في مختلف أنحاء ممتلكات الرجل المريض، ليجهز عليها ويتقاسمها، كل حسب قدراته وطاقاته[2] ، وقد تحققت التنبؤات الاقتصادية للمنطقة خاصة بعد اكتشاف النفط في إيران، وبداية تنافس الدول الاستعمارية كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا على المنطقة، ودخول الدولة العثمانية في مرحلة الضعف السياسي لانشغالها في حرب ضد روسيا وحروب في منطقة البلقان، وتطلع بعض المناطق إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية[3] ، وطموح فارس ورغبتها في أن تكون الدولة الأقوى في المنطقة، وخاصة بعد توقيع كل من البحرين وعمان والكويت اتفاقيات حماية مع بريطانيا، لرغبة التشكيلات السياسية في المنطقة الاعتماد على قوة سياسية تحقق لها الأمن السياسي والاقتصادي. هذا فضلاً عن اتجاه بريطانيا إلى إيقاف مشاريع الدولة العثمانية الاستراتيجية، والمتمثلة في مشروع سكة حديد بغداد، حيث عارضت بريطانيا بأي شكل من الأشكال امتداده إلى الخليج العربي، ثم بداية التمهيد للحرب العالمية الأولى التي كانت المواجهة العسكرية في أوروبا بين القوى السياسية وخاصة مع الدولة العثمانية[4] .

أما المتغيرات العثمانية الخاصة فتمثلت في فشل محاولات الإصلاح التي حاولت الدولة العثمانية عن طريقها استعادة توازنها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. وقد استمرت تجارب المحاولات أكثر من 150 عاماً، حيث بدأت بإصلاحات الشؤون العسكرية في عهد السلطان مصطفى الثالث 1757م، أما الإصلاحات الإدارية وأساليب الحكم فقد بدأت في عهد السلطان عبدالمجيد 1839م، وسميت باسم التنظيمات، تلاها مرحلة المشروطية التي بدأت في عام 1876م، وانتهت ببدء عهد المشروطية الثانية عام 1908م، واستمرت حتى قيام الحركة الكمالية وإعلان الجمهورية التركية في 1923م[5] .

وبالرغم من طول مدة تجارب الإصلاح التي تجاوزت أكثر من أربعة أجيال وشملت معظم النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية إلا أن هذه التجارب لم تؤت بالثمار المرجوة منها، نتيجة لتضافر أسباب الضعف الخارجي العامة، والتي تمثلت في الغزو الخارجي الفكري والاستعماري، ومحاولات كل من إنجلترا وفرنسا وروسيا اقتناص أجزاء مهمة من جسم الدولة العثمانية[6] .

لقد أثرت كل المظاهر السياسية للدولة على ولاياته، خاصة البعيدة عن مركز الحكم في استانبول، ومنها الأحساء التي تعد من مناطق المنافسة في تلك الفترة، مما أعطى القوى المحلية فيها دوراً هاماً في توجيهها للمحافظة على قدراتها الذاتية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان أن تنافست القبائل المحلية في المنطقة فحاولت الاتصال بدول ذات قوة ونفوذ كبريطانيا، لخلق بناء سياسي واجتماعي يعبر عما تعانيه الدولة العثمانية من ضعف، مما أتاح تنفيذ خطة نفوذ دولية في ظل ضعف السلطة المركزية ورغبة القبائل في التحرر من القيادة الاسمية التي أضحت عقبة في سبيل استقرار المنطقة وتطورها مما أدّى إلى تدهور أوضاعها[7] . وهكذا برز نفوذ محلي في المنطقة معارضاً للنفوذ الأجنبي حيناً ومعتمداً على النفس والمواجهة أحياناً، ومتحدياً السلطة المركزية ممثلة في الدولة العثمانية في كثير من الأحيان، مما ميّز المنطقة في بنائها السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن بقية مناطق الخليج العربي المجاورة[8] .

وكان للحرب العالمية الأولى دورها في أن تجعل المنطقة ذات خصوصية ملامح اجتماعية واضحة، سبقها ببعض الوقت تفكك السلطة المحلية المتمثل في الخلاف السعودي أثناء صراع أبناء الإمام فيصل بن تركي، إلى أن وصل الملك عبدالعزيز إلى المنطقة عام 1913[9] . كل هذه المظاهر السياسية المحلية والدولية أسهمت في نشوء نسيج اجتماعي لمنطقة الأحساء ظل يعيش في مرحلة النشأة على الأنظمة المحلية، يمزجها ببعض الأنظمة والقواعد التي سبق أن طبقتها الدولة العثمانية في مرحلة قوتها، وقدرة بعض قوادها الأقوياء وخاصة بعد مجيء حملة مدحت باشا واستقرارها في الأحساء، وذلك قبل عام 1908 عندما طبقت الدولة نظم المشروطية الثانية[10] .

ومنطقة الأحساء التي يطلق عليها واحة الأحساء، والتي اخترناها موضوعاً لهذه الدراسة الجديدة، لها خصوصيتها التي تتمثل فيما يلي:

1- التركيب السكاني الذي تشكل فيه البادية نسبة كبيرة.

2- البيئة الزراعية التي تعتمد على الإنتاج الزراعي الذي لا يكاد يفي بالاستهلاك المحلي[11] .

3- قيام العلاقات المباشرة بين السكان ودول أخرى كالهند وإيران والعراق على أساس المصالح الذاتية والجوار، ولم يكن هناك رعاية قوية ورسمية لهذا التعامل[12] .

4- عدم وجود الوعي الوطني الذي أسهمت الأحداث المتتالية في تفتيت هذا المفهوم.

5- عدم وجود نقلة حضارية تسهم في الاهتمام بالتفوق الحضاري للمجتمع مما جعل الاهتمام بالموروث البيئي الخاص والاعتماد عليه كأحد المظاهر ذات الأهمية.

6- التباين في النسيج الاجتماعي لأهالي الأحساء، فهناك الوافدون والبادية والسكان غير الأصليين[13] .

7- المذهب الشيعي ودوره في جعل هذه الأقلية تحاول إثبات وجودها على حساب البناء الاجتماعي الموحد[14] .

8- عدم الاستقرار السياسي والأمني خلال فترة التأهب لترتيب الأوضاع السياسية العالمية مما خلق لدى الناس فقد الأمل والتردد في الانتماء السياسي[15] .

9- عدم قيام أو استمرار حكومة متمكنة قادرة على تنفيذ التنظيمات الاجتماعية، قادرة على حمايتها[16] .

10- عدم قيام علاقات إقليمية متقاربة متمثلة في المصالح الاقتصادية تستدعي الحرص على إقامة قوانين تنظيمية إيجابية النتائج يمكن تجربتها وتطبيقها.

11- نظراً للاضطرابات والضعف السياسي ظهرت هناك تكتلات اجتماعية متمثلة في عائلات يجمعها النسب القبلي أو المجال المكاني أو الحي أو المهنة، مما أدّى إلى رغبة هذه التكتلات في الحفاظ على أنماط وتنظيمات عرفية تسهم في تنظيم العلاقات بين هذه المجموعات وتحفظ حقوقها في ظل غياب الحكومة القوية[17] .

12- خلو الساحة الاقتصادية من رؤوس الأموال غير المحلية التي تحتاج إلى قوانين ونظم والتزامات تعاقدية تقوم بحمايتها الحكومة المركزية، بل اقتصر الاعتماد على رأس المال المحلي الذي ارتبط بالنسيج الاجتماعي السكاني والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والذي من السهل تحريكه في أي وقت وبأي قدر[18] .

13- سعي الحكومة البريطانية التي إفشال مشروع إعادة السيطرة على المنطقة بعزل الجزيرة العربية عن الدولة العثمانية، وذلك بالتعامل المباشرة مع السكان وشيوخ القبائل إضافة إلى تأكيد التواجد البريطاني في مصر والهند[19] .

من هنا جاءت أهمية دراسة أو تقديم بعض ملامح أو موقف العرف المحلي من الأنظمة العثمانية والتي تعدّ جزءاً مهما وسبباً من الأسباب الرئيسية في تكييف الوجود السياسي في منطقة الأحساء وكيفية هذا الوجود، وبالتالي يوضح ذلك الملامح الأساسية للمجتمع الأحسائي ومدى قدرته على مقاومة سلبيات السياسة المطبقة في المنطقة.

موقف العرف من الأنظمة الاقتصادية

تعرضت منطقة الخليج العربي مع نهايات القرن التاسع عشر لمواجهة متغيرات خرجت عن مألوفات السيطرة من قبل القوى في المنطقة فأصبح الصراع السياسي موجهاً لأنماط التفاعل الاقتصادي. من ذلك أن منطقة الأحساء، ساهمت ظروفها الاجتماعية ووضعها السياسي وتركيبها السكاني في قيام نظام اقتصادي خاص بها التزم بالعرف أحياناً ومحاكاة الأوضاع الأخرى المجاورة أحياناً أخرى[20] .

وهذا النظام وإن حاول التكيف مع الأنظمة الحكومية المركزية التي صدرت لتنظيم شؤون الاقتصاد من: قوانين تجارية وعملات وأنظمة جمركية ومكاييل ذات قدرة فعلية لمواجهة هذا الوضع الاقتصادي الخاص بمنطقة الأحساء. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الأنظمة والقوانين -وخاصة التجارية منها- بحاجة إلى متابعة مستمرة لضمان كفاءة وفاعلية تطبيقها[21] ، وهذا يتطلب نفوذاً وقوة وقدرة سياسية وهو ما كانت تفتقده الدولة العثمانية في ذلك الحين. هذا إلى أن النشاط الاقتصادية يعتمد على حركة رؤوس الأموال وليس على رأس المال الثابت المرتبط بثوابت تجارية كالمصانع وإنتاج المواد الخام، مما يسهل سرعة انتقاله بخفة مخترقاً كافة القيود والأنظمة التجارية العثمانية. وبالرغم من تعدد أوجه التعامل الاقتصادي المحلي إلا أن هناك مظاهر اقتصادية ارتبطت بشكل مباشر بحياة العامة، ويبدو من خلال استعراض بعض ملامح هذه المصادر موقف العرف في منطقة الأحساء من النظام الاقتصادي.

أولاً: النقود

تنوعت النقود في منطقة الأحساء، ولها حساباتها المحلية الخاصة والخاضعة للمتغيرات الاقتصادية، بحيث تختلف قيمتها في كثير من الأحيان عن قيمتها المتعارف عليها، بل وعن قيمتها الرسمية، ويضاف إلى ذلك أن قيمتها في تغير مستمر لارتباطها بالأوضاع الاقتصادية للدولة المجاورة، وتبعاً لتوفر أو قدرة المسكوكات الذهبية والفضية في السوق[22] . ذلك أن العلاقة بين ما هو مطروح في السوق من عملات، والعملة الرسمية العثمانية (الليرة) كانت متفاوتة بشكل مستمر ولا علاقة لها بالقدرة الاقتصادية وقوة الليرة أو ضعفها، ويجدر بالذكر أن دائرتي الجمرك في الهفوف وميناء العقير كان التعامل الرسمي فيهما بموجب الليرة العثمانية، إلا أن التجارة كانت تعتمد على الروبية الهندية.

لهذا كانت الحسابات تتم بموجب الروبية ويتم التسجيل في الدفاتر بالليرة العثمانية والقرش وأجزائها، وحسب سعر الصرف الرسمي[23] . أما التعامل التجاري المحلي فلم يكن بالقرش، إنما كانت للأسواق أعرافها الخاصة في عالم التجارة، وهذا دليل ملموس على التفاهم العرفي حول عامل النقود.

كذلك كانت قيمة العملات الرسمية تقل عن قيمتها في السوق، ولكن المشتري في النهاية كان يدفع حسابه بالعملات المحلية المستخدمة محلياً بعد أن تتم عملية التحويل التي تمت بالصفقة بموجبها، وفق جداول خاصة يمتلكها الدلالون والصرافون والباعة. وكان ذلك مصدر معرفة للبائعين بأسعار تمورهم بعيداً عن تذبذب العملات المختلفة. وقد أولت السلطة المركزية هذا الموضوع أهمية خاصة، حيث احتوت نصوص الدستور العثماني عدة مواد صريحة بخصوص فتح محلات الصيرفة، وعمل ترخيص لها يجدد كل ستة أشهر[24] . إلا أن العديد من هذه المحلات في الأحساء كانت تزاول هذه المهنة بطريقة خاصة وبدون ترخيص. وقد صدر في 11 رمضان 1332هـ قانون يلزم الناس بتداول العملات النقدية الورقية التي يصدرها المصرف العثماني كنقود بلا فرق، وجرى تداول هذه العملات بين الناس وبين الدولة. وحرصت الدولة على ضمان هذه العملات وأصدرت عملة (الباتكوت) الورقية في صورة نصف ليرة، وليرة. وفي 18 رمضان سنة 1332هـ أصدرت مقداراً آخر بموجب قانون 5 ذي القعدة سنة 1333هـ، وكذا أصدرت قانوناً في 8 جمادى الأولى سنة 1334هـ، ألزمت التداول به كنقد بلا فرق[25] .

أما النقود العثمانية بأنواعها: الذهبي والفضي فقد مرّت بمراحل مراجعة وتقويم لأسعارها منذ أن تمّ إصدار فرمان بضربها عام 1256هـ، حدّد فيه الهدف من ضرب النقود وطريقة التأدية لها وتعيين عقوبات على المخالفين، وكانت أول عملة ذهبية قد ضربت سنة 1259هـ وسميت (المجيدي) نسبة إلى السلطان عبدالمجيد، ثم سمي المجيدي بالليرة العثمانية في عهد السلطان عبدالعزيز عام 1277هـ وشاعت بهذا الاسم، في حين استمر اسم المجيدي يطلق على الفضة. وتساوي الليرة الذهبية خمس مجيدي. وإثر ذلك كانت الدولة تعلن بين حين وآخر قيمة وأسعار النقود القديمة. وقد لحق ذلك تغيرات عدة على النقود المتداولة إلى الحرب العالمية الأولى، فمنها ما اندثر ومنها ما ظل يستخدم حتى بعد الحرب، وألزمت السلطة المتعاملين رسمياً بالقيمة المحددة في قوائمها، كما عيّنت أوزان النقود الذهبية والفضية وعيارها، ولكن سعر الذهب والفضة خضع لظروف السوق والعرض والطلب، واضطرت الدولة إلى إبقاء العملات المغشوشة والقديمة وغير الفضية والذهبية، وكانت أسعارها متغيرة من منطقة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر، ولم يجد نفعاً إعلان الدولة أو  التعليمات بخصوص استعمالها.

ومن أهم هذه القوانين الخاصة بالنقود والقريب من فترة البحث:

- قانون النقود الذي سمي بقرار المسكوكات الصادر في 23 ربيع الأول سنة 1297هـ وقد حدد في القانون تعيين سعر النقود المغشوشة.

- قانون 11 جمادى الأولى عام 1332هـ، والذي نص على رفع ضرب المتاليك وكذلك النقود القديمة المضروبة أيام السلطان محمود التي مددت سنة واحدة بموجب قانون سنة 1333هـ.

- قانون 1326هـ، والذي نص على ضرب نقود من النيكل[26] . وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت العملات النقدية في الأحساء خليطاً من العملات ذات المصادر المختلفة، كان أكبرها ريال ماريا تريزا الذي شاع استخدامه في ذلك الوقت، وكانت أصغر عملة عثمانية من فئة الخمس بارات وأجزاء أخرى من البارة، والعشر والعشرين والأربعين بارة، والبيزة الحمراء العمانية التي كانت تساوي عشر بارات[27] . وهذا مما دفع إلى إصدار توجيهات إلى المتصرفين بمتابعة فرض استخدام العملة العثمانية الرسمية في المعاملات الرسمية وغير الرسمية.

على أن العرف في منطقة الأحساء التزم إلى حد ما باستخدام العملة الرسمية في المعاملات والكشوفات ونماذج المعاملات المالية الحكومية. أما المعاملات العامة فقد استمر العرف والتعامل الخاص بين السكان هو الوسيلة الرائجة بين الناس والتجار[28] .

وقد درج بين العامة أسلوب المقايضة بمكاييل نوعية من الإنتاج الزراعي، إضافة إلى استخدام عملات أخرى، بالرغم من ارتفاع قيمة الليرة العثمانية التي تساوي 100 قرش ذهبي. ولكن القرش، وهو جزء من الليرة، لم يكن متداولاً في السوق. وكان العرف سائداً باستخدام عملات مختلطة ومختلفة واستخدم الريال الفرنسي الفضي (ماريا تريزا) بصورة أكثر وبصفة شعبية[29] .. هذا فضلاً عن استخدام النقد الهندي على نطاق واسع، مما جعل الروبية الهندية يتم تقويمها العرفي بسعر أكثر من التقويم الرسمي لها، حيث قوّمت بصفة رسمية بـ525 من القروش الذهبية بينما بلغت قيمتها في السوق 5/ 7 (خمسة أسباع) الريال.

وكان الريال وحدة عرف محلين وليس جزءً من العملة الرسمية (الليرة أو القرش) وإنما جزّئت العملة المستخدمة عرفاً تداولها حيث بلغت قيمة القش رسمياً عُشر الليرة[30] . أما عرفاً فقد بلغت قيمته في السوق حسب العملة المستخدمة في السوق وحسب العرض والطلب. وقد قبلت الحكومة العثمانية التعامل بهذه العملة عند جباية الضرائب، كما قبلت الروبية الهندية على أساس صرفها الرسمي المعتمد، إضافة إلى العملة الرسمية العثمانية. ولجأ كثيرون إلى الاعتماد على دفع الضرائب بالعملات المحلية عند تسديد الضرائب، وذلك لاختلاف قيمة صرف العملة المحلية المتداولة عرفاً مقابل العملة الرسمية المحدد قيمتها بسعر أعلى[31] .

والجدير ذكره هنا وجود عملات إيرانية وهندية وعملات محلية متوارثة، كالطويلة التي قوّمت من الجهات الرسمية العثمانية في المنطقة وقدرت قيمتها 11/ 124 من القرش الذهبي، وظل سعرها واحداً بالمائة 1% من الريال، وتتراوح ما بين 1/ 70 إلى 1/ 120. وكانت تستخدم إلى بدايات القرن العشرين[32] . وكدليل على تذبذب العملة واختلاف سعرها يذكر لوريمر أن الطويلة قيمتها 11/ 24 من القرش الذهبي في حين يذكر فيدال أن سعرها حسب القائمة الرسمية 150 طويلة مقابل "ريال ماريا تريزا". أما سعرها العرفي في السوق فكان 75 طويلة مقابل الريال. ويعود حفظها إلى أن الدولة العثمانية سحبت الطويلة من التداول في السوق وصهرتها ليستفاد من محتوياتها الفضية، وقدّرت قيمة عشر بارات بطويلة واحدة، ولذا عرفت الخمس والعشر بارات والأربعين بارة بربع طويلة ونصف وهكذا. وكانت بيزة مسقط تساوي نصف طويلة. والواضح أن قيمتها متذبذبة، وكان التجار في البحرين يقبلون الطويلة بتردد وذلك لانخفاض قيمتها في أوقات متقاربة[33] .

وقد أدّى الوضع الاقتصادي في منطقة الخليج العربي واعتماد التجار على عملة ذات قيمة مشتركة كالعملات الذهبية والفضية، أدّى ذلك إلى ضعف العملات المحلية المتداولة عرفاً، وهذا يعزى أيضاً إلى ضعف العرف التجاري الاقتصادي في المنطقة ويعود بطبيعية الحال إلى تكوين الاقتصاد في المنطقة بصورة عامة.

ثانياً: المكاييل والموازين والمقاييس

اشتمل القانون العثماني وقانون المشروطية على تحديد الموازين والمكاييل المستخدمة في الولايات العثمانية، وبنهاية القرن التاسع عشر حاولت الدولة العثمانية توحيد الموازين بموجب النظام العشري، وأصدرت قوانين الأوزان الجديدة على أساس: أن الحقة تساوي غرامً واحداً، وأن كل عشر حقق تساوي بطمانا واحداً، وكل عشر بطماتا تساوي قنطاراً وكل عشرة قناطير تساوي طغاراً. ولكن السكان في منطقة الأحساء استمروا على استخدام وحدات أوزانهم العرفية، كالمن الذي يختلف حسب نوعية الموزون[34] . ومن الأوزان العرفية التي استمرت حتى بعد فرض وحدات الوزن العثمانية الجديدة، الربعة والثمين والحقة والقياسة والمثقال الشيرازي والتولا الهندية والموسمية والوزنة.

ومن الأوزان المستخدمة في وزن التمور القلة وكان يتم تجزئتها إلى ½ قلة و ¼ قلة، ويتم ذلك غالباً عند التعامل التجاري في بعض التمور الغالية الثمن، إضافة إلى الوزن بالمن الذي لا يزال مستخدماً إلى اليوم في المنطقة بالرغم من تطبيق الأوزان بالكيلو.

أما وحدة القياس المستخدمة وعلى نطاق واسع، فهو الذراع وهو مساو لطول ذراع البحرين، ويختلف عن الذراع العثماني، وقد حرصت الدولة العثمانية على إصدار توجيه بأن يكون الذراع هو القياس المعتمد المعمول به في المنطقة[35] . على أن قوة العرف المحلي وعدم قدرة الإدارة على تطبيق قوانين تفرض استخدام العملات والأوزان إضافة إلى المقاييس، أدت إلى أن يستعمل الناس قياس يتعارفون عليها ويلتزمون بها. ولكن السجلات والمعاملات الشعبية ظلت متوارثة وحافظت على ملكيتها بموجب هذه المعاملات. كذلك استخدم في قياس الأراضي الزراعية عرفاً المغرس الذي يتكون من خمسة عشر ذراعاً والذراع يساوي قدماً ونصف القدم أي ما يقارب اثنتي عشرة خطوة قصيرة من جانب واحد[36] . وكان النخيل يستحسن أن تزرع على مسافة خمسة عشر ذراعاً بين كل نخلية وأخرى.

ويحدد المغرس بأربع نخلات تكون كل واحدة في زاوية المغرس، ومن هنا كان يصعب على الإدارة العثمانية مقابلتها بالأوزان والمقاييس الجديدة، مما يحتاج إلى قدرة وقوة إدارة ورأس مال لتطبيق المتغيرات التي اشتملت عليها القوانين العثمانية، لذا ظل الوضع بالنسبة لهذه الموازين والمقاييس مستمراً عرفياً، واعترفت الدولة العثمانية بهذه المقاييس الموازين المستخدمة عند جبايتها للزكاة، وإن ظلت سنداتها وسجلاتها مكتوبة بما يعادلها رسمياً، خاصة بالنسبة للمكاييل والموازين والمقاييس.

أما بالنسبة للجمارك والضرائب فقد صدرت الأنظمة العثمانية بتحديد نسبة الجمارك والضرائب في جميع الولايات، ومنذ أن دخل مدحت باشا إلى الأحساء حدد أسلوب التعامل الجمركي والضريبي الخاص بالأحساء، وذلك لظروفها وهدف الدولة من التواجد بها[37] ، ولكن التعامل الجمركي والضريبي في المنطقة تأثر بمعطيات إدارية منها:

1- عدم اهتمام الدولة بالأحساء، وإطلاق يد المتصرفين والولاة في الكسب من خلال الضريبة العامة على الأراضي والإدارة والجمارك[38] .

2- استطاع الأحسائيون ممارسة التعامل العرفي التجاري الخاص، مما فوّت على الإدارة العثمانية الاستفادة من الضرائب، وذلك عن طريق الضغط عسكرياً على الولاة والمتصرفين في سبيل إسقاط بعض الضرائب ورشوة بعض الولاة لتحقيق عدم دقة المعلومات التجارية.

3- إخفاء المعلومات الخاصة بالأراضي والإنتاج الزراعي والتجاري، وقد استطاع الوسطاء الاستفادة من أسلوب التطبيق العرفي الجمركي والذي يتم مصالحة بين الموظفين في الجمارك والضرائب وبين المواطنين على أساس التقدير الإجماعي لهذه النسب وإهمال ما نصّت عليه الأنظمة العثمانية[39] .

المعاملات التجارية

يتأثر المفهوم الاقتصادي العام بكل تعامل تجاري سواء كان ذلك الإجراء عبر نظم وقوانين أو من خلال تعامل غير منظم، وجرت العادة أن يطلق عرفاً على أي تعامل إذا أصبح سائداً بين فئة وأخرى أو بين المستفيدين والتجار. وقد أتاح الوضع الاقتصادي للسكان في الأحساء الفرصة لأن يكون عملهم التجاري شبه متحرر في معظم جوانبه. ويلعب نوع التجارة ونوع رأس المال دوراً هاماً في تحديد نوعية المعاملات التجارية فيها. فمن هذه المعاملات التجارية صرف النقود الذي يتم من خلال المظاهر التالية:

1- التبادل النقدي المختلف من خلال الصرافين غير المنتظمين حيث يتم صرف العملات وتغييرها من خلال معرفة البضاعة المطروحة في السوق، ومن حيث نوعها وكثافتها والمعلومات التي ترد للصيارفة ممن تربطهم بهم علاقة نوعية في المناطق المجاورة وخاصة البحرين[40] .

2- التبادل السلعي والشراء بالنقود حيث يتم الشراء بعملات مختلفة، فيقوم التاجر بتغيير العملات من خلال سعر الصرف في السوق المحلي مع أخذه في الاعتبار الحيطة من احتمال تذبذب سعر الصرف في السوق المحلية أو من مصادر تجارية قيمة الصرف بموجب أقل سعر يتوقعه ليكون في مأمن من الخسارة[41] .

3- التبادل النقدي عن طريق أصحاب البضائع والتجار الذين يقومون بصرف العملة حسب حاجتهم لنوعية معينة من النقد، فهم يقومون باستلام الريال الفرنسي، إذا كانوا في حاجة لهذه النوعية من النقد، أو بالليرة التركية وغير ذلك مما يرونه مناسباً لمصالحهم[42] .

4- التحويل النقدي (الصرافة) عن طريق العرق (بأسلوب المحرِّج) الذي يقوم بعرض العملات المختلفة على زبائنه من تجار وغيرهم. وفي هذه الحالة يخضع سعر العملات للعرض والطلب المحلي. ويضاف إلى ذلك أن الطرف الراغب في الشراء هو الذي يحدد سعرها بناء على تنبؤاته الاقتصادية أو حاجته، وهذه عملية تحتاج إلى ذكاء وقدرة على معرفة التغيرات الاقتصادية للبضائع ونوعيتها وهي شبيهة بعملية الاتجار بالأسهم[43] .

التعامل التجاري

أما مظهر التعامل التجاري فهناك التعامل العرفي بطريقة (المسابعة) وهي: أن يقوم التاجر بتسليم أحد الموزعين جزءاً من البضاعة فيقوم بتسديد قيمتها أو جزء من قيمتها -حسب حركة البيع- بعد سبعة أيام، علماً بأن هذه التجارة كانت عرفاً خاصاً بالموزعين المعروفين والموثوقين[44] . أما الإقراض المؤجل فهو المعتمد على تسليم الراغب في القرض نوعاً من السلع المتوفرة لدى التاجر ويقوم بشرائها ويتم تسديده لها إما إقساطاً شهرية أو سنوية. وغالباً ما يكون المبيع على مواد استهلاكية كالتمر والسمن والقمح والأرز، ليسهل بيعها في السوق. وفي كثير من الحالات تحدد قيمتها من التاجر، ويقوم هو بشرائها مرة أخرى بسعر أقل، بعدما يتم عرضها في السوق لكل الراغبين. ثم يتم تسجيلها بإقرار عليه، موقع بشهادة اثنين من الشهود يلتزم فيها بالتسديد، وغالباً لا يحتاج التاجر أو المقرض إلى كفالة شخصية أو مادية من عقار أو غيره.

يضاف إلى ذلك أن (المسابلة) كانت تعتبر نموذجاً عرفياً ساد في منطقة الأحساء، لأن أطراف التجارة فيه محلية بين صاحب راس المال في المدينة أو القرية، وبين البدوي المتجول في الصحراء، على أن يكون المقابل للبضاعة نقداً جزئياً أو مادياً من جلود وأصواف تودع لدى التاجر الذي يحدد القيمة للبدوي بما يقابل ذلك نقداً يحتفظ به في سجلاته في  شكل ائتمان بين التاجر وصاحب البضاعة، ويقوم بالسحب منه على فترات بشكل نقد أو مواد تموينية يسلمها للبدوي[45]  وقد أدى أسلوب السوق التبادلي سواء سلعياً أو نقدياً إلى تذبذب الأسعار وإلى زيادة قدرة التعامل العرفي، وارتباط الظواهر الاقتصادية بما يمارسه هذا المجتمع من عادات وتقاليد من حيث مستوى العلاقات وقوتها وكثافتها وقدرتها[46] . كما تدخل عامل الرشوة التي يدفعها أصحاب التجارة للموظفين المشرفين على الموانئ أو كانت إثراء لبعضهم في قيمة السلعة وعرضها[47] . أما أتاوة الحماية فهي غير محددة يتم الاتفاق مع الأدلاء بخصوصها قبل سير الحملات التجارية[48] .

ويمكن للمعني بتاريخ المنطقة والتركيبة الاجتماعية التي سبقت الإشارة إليها من بدو وحاضر أن يتلمس بوضوح اعتماد التجارة البدوية على الدورة الموسمية المرتبطة بدورة الغزو ودورة الرعي ودورة المسابلة. وقد أثر هذا بطبيعة الحال على المعطيات التجارية والاقتصادية في المنطقة وأوجد كياناً اقتصادياً عرفياً في التعامل التجاري لمنطقة الأحساء اعتمد على اعتبارات هذه المواسم بغض النظر عن القوانين التجارية والأنظمة التجارية التي تعتمد على معدلات ثابتة في الإيرادات. وقد مارس أهالي الأحساء بناء على هذه الاعتبارات أسلوباً تجارياً يتكيف مع هذه الدورات[49] .

أما المناطق الساحلية فإن المواسم الطبيعية، مثل هبوب الرياح المرتبطة بحركة السفن في البحر، ونضوج التمور، هي التي ارتبطت بها دورة التجارة العالمية وعلاقتها بالتجارة المحلية. فعندما يقرر التجار من خلال بورصة التمور أو غيرها منتجة محلياً، فإن هذا يعني خروجاً عن القانون التجاري الحكومي. ويلعب العرف والعادات والتقاليد دوراً في تحديد الأسعار وأسلوب التعامل.

وتجارة المضاربة اعتمدت على البيع والشراء بكميات محدودة لمدة منظمة ومحكومة بالظاهرة الموسمية، بحيث يتحكم الطرفان في مساحة السوق المعينة على العرض والطلب، وتوفير البدائل الاستثمارية في حالة نقص المعروض أو ارتفاع بعض السلع[50] ، لأنها في الخليج العربي والجزيرة العربية تأثرت بارتفاع تكلفة الأتاوات العرفية التي يدفعها التجار لحماية تجارتهم في البحر والبر بشكل يفوق كلفة النقل والرسوم.

وقد عرف الأهالي أسلوب الائتمان النقدي الذي يعتمد على قيام وكلاء في جميع المدن والمناطق الرئيسية للتجارة، ولا يحمل المضارب مبالغ نقدية كبيرة، بل يكتفي بالتحويل حيث يتم دفع المبلغ له نقداً في البلد الذي يصل إليه أو إلى التاجر المرسل للبضاعة عن طريق هذا الوكيل. على أن هذا الأسلوب أدى إلى ظهور تعامل نقدي عرفي يحدد فيه المتعاملون أسعار العملات إضافة إلى أنه فرصة للتهرب من الضرائب التي حددتها الأنظمة والقوانين على التحويلات النقدية فتكون الضريبة مأخوذة على البضاعة الواردة فقط[51] .

والملاحظ أن نسبة عمولة التأجيل تختلف من تاجر إلى آخر ومن مقترض إلى ثانٍ حسب رؤية صاحب رأس المال، وهو الذي يبقى بيده إقراره القرض أو عدم إقراره[52] .

الزراعة

حرصت الأنظمة العثمانية على تطبيق قواعد خاصة بالزراعة في منطقة الأحساء، وذلك لتحقيق الاستقرار والإفادة من الواردات، بالرغم من صدور أوامر استثنائية للصرف على الأحساء من واردات ولاية البصرة، بعد أن أصدرت الحكومة العثمانية قانوناً يقضي بعدم الصرف من واردات ولاية إلى ولاية أخرى، إضافة إلى الاستفادة مما صدر من أنظمة وقوانين تخص مديريات الزراعة التي أشارت إلى أن يكون هناك وكيل لكل مدير زراعة في كل ولاية أو سنجق أو قائمقامية في النواحي والقرى، يختار من أفراد الأهالي. وهؤلاء الوكلاء لا يدفع لهم رواتب، كذلك عدم جواز إيقاف المزارع لمطالبات مالية سواء للأفراد أو الدولة ولا يجوز حبسهم في القضايا. ويتم الفصل في القضايا الزراعية في نفس المديرية للزراعة. وهذه الأنظمة أدت بالتالي إلى استغلال الأهالي في الأحساء سواء من مزارعين أو تجار في التحويل في التعامل، وذلك لفقد الرقابة المخلصة. فوكلاء مديري الزراعة في النواحي أصبحوا أصحاب مصالح خاصة بالإمكان رشوتهم، وأصحاب رؤوس الأموال أصبح التعامل المالي بخصوص الزراعة خاصاً بهم، حيث يضطر أصحاب رؤوس الأموال إلى الاستيلاء على الأراضي عرفاً لعجز المزارعين عن تسديد مستحقاتهم وعدم سماح القانون لهم بأخذ مستحقاتهم. كذلك أدى القانون الزراعي إلى زيادة المشاكل الخاصة بين الأهالي حيث يأمن المزارع من السجن بمقتضى القانون[53] . وقد استطاع أهل الأحساء بفرض أنظمته العرفية في التعامل الزراعي والصناعي الإفادة من هذا الاستثناء وذلك عن الطرق التالية:

- عدم رجوع الأهالي إلى المتصرف عند نشوب خلاف على السقيا الزراعية وتنظيمها، وقد حدد الأهالي فيما بينهم عرفاً، أسلوب الري الخاص بهم.

- استخدام الأوزان المحلية عند وزن المنتجات الزراعية، خاصة الأرز والقمح والتمور، وهذا يظهر الاختلاف في كمية الوزن المراد دفع الضريبة عليه[54] .

- عدم تسجيل الأراضي الزراعية لدى المحاكم الشرعية سواء عند الإرث أو البيع أو التنازل وغيرها.

موقف العرف من أنظمة الحكم والإدارة

النظام السياسي:

أدى أسلوب الحكم والإدارة في منطقة الأحساء إلى قيام تكتلات سياسية، زاد من قوة تأثيرها: انصراف السياسة العثمانية عن المنطقة وانشغالها بأمور أخرى في قلب الدولة، فضلاً عن عدم قدرة التنظيمات المحلية على القيام بتدابير سياسية ذات فاعلية على المنهج السياسي العثماني في المنطقة مما ساعد على تمحور التجمعات المحلية حول نفسها واتخاذها لذاتها منهجاً إدارياً وسياسياً خاصاً منعزلاً عن أساليب المواجهة المباشرة أو إجراء اتصالات سياسية بدول أخرى.

ورغم تعرّض الحكم المحلي للمنطقة لعوائق ذاتية بسبب تأثير الخلافات السياسية التي امتدت منذ وفاة الإمام فيصل بن تركي إلى قبيل الحرب العالمية الأولى[55] ، ثم فقدان عنصر القيادة القادرة وتأثير التركيب السكاني للمنطقة على قيام قيادة موحدة تنقذ المنطقة من المساوئ، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود محاولات اتخذت من الأعراف في سلوكها السياسي منهجاً، لمحاولة التخلص من الحكم العثماني[56] .

ولكن هذه المحاولات لم تظهر في شكل نزعة سياسية أو منهج واضح وإنما اكتفت بردود فعل محلية ذات مظهر عرفي ضد المظاهر أو الأنظمة العثمانية التي طبقت على المنطقة. وقد عُيِّن طالب النقيب لإنقاذ متصرفية الأحساء، ولكن لم يتغير في عهده من أسلوب الحم أو الإدارة شيء، بل استمرت الأوضاع في تدهور. لذا أخذت تتوالى ردود الفعل العرفية المعارضة للحكم مباشرة وغير مباشرة، وكان لها أسبابها ومدلولاتها[57]  التي منها:

1- عدم تعامل الناس مع الأتراك خشية اختلاطهم بهم مما يؤدي إلى كشف المعلومات الخاصة بأعرافهم الدفاعية[58] .

2- عدم قبول الناس بقانون التجنيد الإجباري ورفعهم الشكوى إلى ولاية البصرة بعدم قبول ذلك، إضافة إلى تحرير 14 مظلمة ذهب بها الشيخ عبدالعزيز بودي أحد أعيان الأحساء[59] .

3- إحساس الناس أن مجلس المبعوثان هو مجلس وضعي وأن الهدف من هذا المجلس تعطيل الشريعة الإسلامية مما جعل الناس ينصرفون عنه[60] .

4- معارضة الأهالي لقانون إحصاء النفوس، وذلك عن طريق إخفاء المعلومات عن بعضهم البعض بالرغم من صدور نظام باستثنائهم من التجنيد. لذا جاءت المعلومات الإحصائية عن المنطقة تقديرية، مما انعكس على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، وقد جاء في الدستور العثماني تفصيل خاص بالنسبة لقانون اشتمل على عدّة مواد هامة يلزم جميع سكان الولاية بتسجيل المواليد[61] .

5- تكون قوة من السوارية غير متجانسة من بادية العراق وأهل الأحساء مما أتاح الفرصة للبادية لأن يكرروا اعتداءاتهم على الأحساء خاصة وأن هذه القوة لا تمتّ لهم بصلة قبلية[62] .

6- عدم إتاحة الفرصة لتوظيف أهالي المنطقة في مناصب إدارية عليا قيادية، بل اقتصر الأمر على بعض العرب والعراقيين، ومنهم محمد أفندي من الموصل وإبراهيم أفندي مسؤول جباية الزكاة. وهذا جعل الحضر يشكون من تواطؤ هؤلاء لتطبيق سياسة ليست في مصلحتهم، فكان تعاونهم فيما بينهم من أجل مصالحهم المشتركة[63] .

7- عدم اهتمامهم بحل المشكلات عند لجوء الأهالي أحياناً إليهم عند حدوث خلافات اجتماعية وغيرها، مما اضطروا معه إلى حل مشكلاتهم عرفاً دون الذهاب للإدارة الحكومية خشية الظلم أو يكون القصاص مباشراً[64] .

8- عدم السماح لأهالي الأحساء بالاختلاط بالعثمانيين حتى أن دخول الناس لقصر إبراهيم باشا اقتصر على يوم الجمعة فقط ولا يسمح لكافة الناس والغرباء بدخول المسجد داخل القصر[65] .

9- قيام بعض الولاة بالاتصال ببعض القبائل ودفعهم إلى إثارة الفوضى في المنطقة، كأسلوب من أساليب معرفة القبائل المناصر بعضها لبعض للقضاء عليها أو لتحريض قبيلة ضد أخرى لمواجهتها وإشغالها[66] .

كل ذلك أدى إلى ظهور المعارضة لأنظمة الحكم والإدارة. وقد جاءت تلك المعارضة في شكل مظاهر عرفية منها:

ألف- خروج بعض الأهالي عن النظام العثماني ومناصرة بعضهم لبعض. ومثال ذلك عندما رفض أهالي بلدة العيون دفع الزكاة، وعندما قرر المتصرف سجنهم، لم ير أهل العيون سبيلاً إلا الاجتماع عرفاً والذهاب إلى القصر حتى أخرجوا المساجين[67] .

باء- إجبار أهالي الأحساء وموظفي الجوازات على القبول بالكفالة للمسافرين عرفاً من قبل الأشخاص الثقات، وهذا مخالف للأنظمة والتعليمات والقوانين[68] .

جيم- استمرارهم في شراء السلاح وبيعه في المنطقة بشكل كبير وبطريقة خفية، إما مقابل المال أو التمر أو الأرز، بالرغم من محاولة الدولة العثمانية عدم انتشار السلاح، إلا أن العرف يقضي بالحرص على السلاح وجمعه حتى بلغ الحدّ بهم أن كل شخص في الأحساء كان يملك بندقية[69] .

دال- قيام بعض القبائل بمحاولات الاتصال السياسي بقبائل أخرى في شكل تجمعات قبلية عرفية، أو محاولة الاتصال الخارجي من أجل إثبات ذات القبيلة أمام القبائل الأخرى، أو الحاجة إلى السلاح لاستخدامه في الداخل ضد الحكم العثماني الذي يناصر قبيلة ضد أخرى[70] .

هاء- ظهور مجموعات من الحاضرة مناصرة بعضها لبعض للقيام بأعمال التهريب للتجارة، ثم تكوين مجموعات عمل في البحرين. وعندما هاجرت هذه المجموعة معترضة على الوضع استطاعت أن يكون لها تأثيرها على أسلوب الحكم، وعند محاولة الدولة العثمانية تخفيف أعمال المراقبة تمكن هؤلاء من العودة إلى الأحساء[71] .

واو- عندما حدث خلاف بين أهالي الهفوف والعجمان قرر أهل الأحساء عدم دخول العجمان للهفوف، بالرغم من صدور قانون لا يسمح بمنع أحد من الرعية دخول أي منطقة أو بلد أو مدينة. وقد تحامى أهالي الهفوف ضد العجمان، كما تناصر البادية مع العجمان والمناصير وغيرهم وسكان الحزم، ضد أهالي الأحساء، وقاموا بأعمال انتقامية ضد أهالي النخيل، مما أدى إلى إعلان الحرب ضد العجمان من قبل أهل الأحساء إلى أن تم الاتفاق بينهم على الصلح على أن تعود الأمور إلى سابق عهدها بأن يمتار العجمان من الأحساء[72] .

سين- اجتماع أهل الأحساء ضد المتصرف وقيامهم بالإضراب ورفعهم السلاح ضد الأتراك، وذلك بعد أن قرر المتصرف الحرب ضدهم عندما قتل محمد الكردي من عسكر الدولة العثمانية، وسجن المشايخ والتجار. قد طلب العلماء في المبرز من المتصرف آنذاك (أبو سهيل) أن يفك المسجونين، فلم يلتفت لقولهم، فأوعز العلماء إلى الأهالي بالإضراب عن البيع والشراء، ولم يأبه المتصرف لذلك فثار الأهالي لمهاجمة المتصرف، وسرعان ما طلب الصلح عن طريق العلماء وأمر بفك المسجونين وأسقط بعض الضرائب وخفف بعضاً منها[73] .

شين- قام المتصرف محمود ماهر بمهاجمة أهل المبرز لشكوى أهل الهفوف من اللصوص على الطريق بين المبرز والهفوف. وعلم أهل المبرز بذلك فرصدوا للعسكر، وعند خروج مجموعة منهم هجم عليهم الأهالي، واستخدم العسكر المدافع ضد الأهالي. واستطاع رجل من أهل المبرز أن يرمي العسكر في قصر المبرز، وهزم العسكر، ونهبهم الأهالي، ففوض المتصرف الشيخ أبا بكر للتوسط لإخماد الفتنة. وتم عقد مجلس عرفي في المبرز وقرر الشيخ غرامة ثمانمائة ريال قيمة الأطعمة والذخيرة، وضرب الرجل ضرباً صورياً، وكتب محضر يتضمن بأن يذعن أهل المبرز للسمع والطاعة لأوامر الدولة.

صاد- لم يكن أهل المبرز راضين عن وضعهم وأراد المتصرف أن ينتقم من تجمعهم ضد الدولة فأخذ يوعز للبادية بقطع الطريق إلا أنهم تمكنوا في عام 1327هـ من قتل المتصرف[74] .

المظهر الاجتماعي

عندما سيطر العثمانيون على الأحساء لم تكن الغاية من هذه السيطرة واضحة الهدف لمنفذي الخطط السياسية، بل كان الطموح لدى الدولة العثمانية ضم كامل نجد وساحل الخليج العربي. ولكن هذا الطموح اصطدم بالقوى المسيطرة في الخليج[75] ، مما أدّى إلى عدم قيام مفهوم اجتماعي أو تخطيط لمفهوم اجتماعي واضح من قبل المنفذين لهذه السياسة. وزاد هذا من هوة الاختلاف بين الواقع التطبيقي للسياسة والخطط المرسومة. ولذا بقيت الساحة الاجتماعية في الأحساء تعاني من عدم وجود قيادة أو سلطة مركزية منظمة، وساعد كل ذلك على أن تكسب الأعراف الاجتماعية قوة وقدرة على توجيه السكان بمختلف فئاتهم، وبالتالي تأثرت المظاهر الاجتماعية الأخرى كالتعليم والقضاء وقطاع الخدمات المتمثل بالخدمات البلدية.

فبالرغم من صدور أنظمة شؤون الحياة الاجتماعية ونصها صراحة على التنظيم، إلا أن المجتمع الأحسائي لم يكن ليقبل هذه النظم، خاصة بعدما أدرك عدم قدرة الدولة على حمايتها أو الاستمرار في متابعة تطبيقها[76] . يضاف إلى ذلك عدم الاهتمام والإهمال من قبل الدولة. كل ذلك أظهر قدرة العرف على البروز وظهوره كظاهرة اجتماعية مألوفة غير قابلة للاعتراض أو خاضعة لفلسفة إبداء الرأي. وقد أدرك السكان أن الأنظمة والقوانين في عصر التنظيمات أواخر القرن التاسع عشر مأخوذة من القانون الغربي، كل ولاية بحسب ما تختص به من مفهوم أقوى[77] .

فمثلاً القضاء العمثاني حددت واجباته وصنفت أعمال منسوبية وصدرت أنظمة ولوائح كافة شؤونه، خاصة وأن التشريع الإسلامي المعتمد عليه القضاء هو منهج الحكم العثماني، وقد اهتمت الدولة العثمانية بهذا الشأن اهتماماً جعل هذه الوظيفة ذات أولوية في الولايات والمتصرفيات العثمانية. إلا أنه يمكننا القول: إن الأحساء، فقدت حرص واهتمام الولاة بعد صدور نظام المشروطية 1908م، وخاصة أن التجربة الاجتماعية العثمانية في المنطقة فقدت قيمتها وقدرتها بعد ضعف الإدارة وظهور مساوئها. لذلك أخذ الأهالي ينظمون شؤونهم القضائية من تلقائهم دون أن يكون هناك أثر للأنظمة والقوانين. ومن ذلك:

1- تسجيل القضايا الشرعية لدى قضاة العرف دون الرجوع إلى السلطة المركزية، وبذلك كسب أصحاب الرأي وكبار العائلات والأعيان دوراً في التوجيه لقضاة العرب بتسجيل هذه المعاملات وتوثيقها، مما فوت على الدولة فرصة معرفة ورصد المتغيرات الاجتماعية والسكانية وغيرها[78] .

2- تسجيل الوكالات الشرعية والبيوع والصلح سواء كان عرفياً أو غير عرفي، شخصياً أو قبلياً أو اجتماعياً أو فردياً لدى أهل الرأي، ثم يتم توثيقها لدى القضاة والعلماء غير المعينين.

3- عدم حرص أصحاب المعاملات القضائية على استعمال الأوراق الرسمية المسجلة نظاماً من قبل الدولة العثمانية، وقد جرى التصديق عليها من العلماء والقضاة، فأخذت الصفة الرسمية عن طريق أسلوب العرف المحلي الخاص[79] .

4- اعتماد صلح القضاء الشرعي في النزاعات المحلية على مفهوم الشرف والعرف والالتزام الشفهي، وذلك لرغبة الأهالي في الاعتماد على منهجهم العرفي في إدارة شؤونهم الخاصة[80] .

5- ازدواجية العمل القضائي في منطقة الأحساء، فالعلماء والقضاة يتعاملون مع الدولة العثمانية حسب الأنظمة والتعليمات التي ترد إليهم لتنفيذها، كما يقومون بأعمال القضاة العرفي الخاص بشؤون تنظيم الحياة العامة كالبيع والشراء والصلح القبلي والمشاكل الاجتماعية، وغالباً ما كان يرجح أهل الأحساء خاصة في أوائل القرن العشرين التعامل القضائي العرفي عن الرسمي وذلك لعدم رغبتهم في استمرار الحكم العثماني[81] .

6- مما يؤكد رغبة الأهالي في استمرار التعامل القضائي العرفي أن الدولة العثمانية رغبت في تعيين مفتين وقضاة في الأحساء فلم تجد من يرغب في هذه الوظيفة، فكتبوا إلى الشيخ عبداللطيف أفندي بالبحث عن مفت لشغل الوظيفة[82] .

7- لم يأخذ العثمانيون جانب الاختلاف المذهبي بعين الاعتبار والأهمية، فتركوا للشيعة حرية التعامل المذهبي القضائي والإفتاء حسب مذهبهم، واختار الشيعة القاضي الخاص بهم، واعترفت الدولة العثمانية به. كذلك تم تعيين القاضي والمفتي السني من قبل الدولة، مما جعل السنة يطمحون في تعامل الدولة معهم كالشيعة، بل عينوا قضاة من العلماء ومفتين من علمائهم واعترفوا بهم دون الرجوع إلى الإدارة العثمانية[83] .

8- بروز طبقة الأعيان في المنطقة كأصحاب رأي وأصحاب سلطة اجتماعية من السهولة بمكان الاتصال بهم، وقدرتهم على حل المشكلات بسرعة وبطريقة مرضية للطرفين، وفيها التزام، وقدراتهم على المتابعة وخاصة أنهم من أصحاب رأس المال. وقد اعترفت الدولة العثمانية بهم وخاطبتهم في وثائقها الرسمية، مما أعطى العرف فرصة في أن يأخذ مكانته في المنطقة[84] .

التعليم

استمرت الحياة العلمية في الأحساء منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين وخروج العثمانيين منها على وتيرة واحدة. فالخلل الإداري والضعف الاقتصادي وغيرهما، أدّى إلى الانصراف عن الاهتمام بشؤون الحياة ومنها التعليم. وبالرغم من أن المصادر تحدثنا عن وجود مدرسة ألمانية[85]  بالقرب من قصر إبراهيم باشا، إضافة إلى مدرسة رشيدية واحدة عثمانية، ومدرسة ابتدائية واحدة أيضاً[86] ، إلا أن المصادر لم تذكر مدارس أخرى في المنطقة نفسها.

والواقع أن الأهالي أحجموا عن التعليم النظامي (التركي) الذي خشي الناس أن يكون بداية لإرغامهم على تعلّم اللغة التركية، التي لم يتقبّلها أهل المنطقة بالرغم من أنها لغة التعامل الضريبي والمحاسبي الحكومي ولغة الحكم المسيطر. يضاف إلى ذلك ظهور معالم قومية على الساحة السياسية جعلت بعض الناس يظنون ذلك الظن. كل هذا أدّى إلى قيام نظام تعليمي خاص، تميز بالمنافسة والتسابق العرفي بين العلماء والمهتمين بالأدب والتاريخ.

وقد حظي الفقه باهتمام خاص من قبل العلماء والمهتمين بالأدب والتاريخ، وذلك لوجود المذهبين السني والشيعي في مجتمع واحد. فعلماء الشيعة حرصوا على أساليب التعليم الخفية الخاصة بهم، وذلك لعدم اعتراف الإدارة العثمانية بهم، وخشية من أن تحدث المواجهة بين علمائهم وعلماء السنة فيتضح الكثيرة من الأمور غير الشرعية الخفية عن بسطاء الناس، وهذا مدعاة للتخلي أو التشكيك في المذهب. أما علماء السنة فقد بذلوا جهوداً خاصة في إيجاد نظام تعليمي خاص بهم بعيداً عن سياسة الدولة العثمانية وخططها التعليمية[87] ، هذا فضلاً عن أن الناس كانوا يفضلون إخفاء المعلومات عن أبنائهم خشية تجنيدهم عن طريق فصول التعليم.

وكان نظام الكتاتيب هو الشائع في مختلف مناطق شبه الجزيرة العربية، وهو الأسلوب التعليمي المتعارف عليه في منطقة الأحساء. واستطاع السنة أن يؤسسوا مدارس في القرى الكبيرة وبنفس الأسلوب التعليمي الذي يطبق في مدرسة الهفوف الخاصة بهم. بينما اقتصرت المدارس للشيعة على مدينة الهفوف في ذلك الوقت.

وقد حرصت الأنظمة العثمانية على تحديد مناهج التعليم ومواد الدراسة، وأكدت على كل الولايات بضرورة تطبيق هذا النظام. ولكن المناهج التي كان يتعلمها أهالي الأحساء كانت لا تمت بأي صلة لهذه المناهج التعليمية، بل هي مجموعة من المناهج المعتمدة على الجهود الشخصية من خلال الاتصالات بالمناطق المجاورة أو زيارات العلماء لمراكز العلم في الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، حيث توجد مراكز لتعليم الدراسات الشرعية في كل من المدينة المنورة ومكة المكرمة وبغداد والبصرة. هذا في حين نقل العلماء والمهتمون المناهج التعليمية الأخرى كالحساب وغيره من العلوم الدنيوية من الهند، وذلك عن طريق البحرين[88] . ومما تقدم يتضح أنه حتى التعليم لم تكن له قواعد وأنظمة مركزية محددة يتم تطبيقها وتنفيذها في أرض الواقع، وإنما غالباً ما كان للظروف الاجتماعية والحاجات الخاصة والأعراف المتبعة أثر كبير في نشر ذلك وتحديده. وهذا يعطي صورة جلية عن الأعراف ومدى تغلغلها في نفوس الناس وحياتهم الاجتماعية.

النظام البلدي والخدمات

نصت الأنظمة العثمانية على تحديد مسؤوليات إدارة البلديات وحددت مهام كل وظيفة في البلديات وعلاقتها بالتشكيل الإداري في الولايات، وقد تضمن الدستور تعليمات خاصة بترتيب مجالس الدوائر في المدن والقصبات داخل الولايات، وتم تعديلها حسب القانون الذي يتضمن تسعة بنود تحدد العلاقة بين إدارة الولاية ومسؤولي البلديات، إضافة إلى ستة عشر بنداً بالوظائف البلدية[89] . كذلك صدر نظام الطرق والأبنية ويتضمن تعليمات خاصة بتوسعة الأزقة واستقامتها وما يكون عليها من نوافذ على وجه الأبنية، وارتفاعها وأسماء الشوارع والأحياء وأرقامها وتعليمات الإنشاء، وقد جاءت مواد الدستور مكونة من تسعة وأربعين مادة شملت كافة التنظيمات البلدية[90] . أما رسوم المباني فقد تعددت وتنوعت، وشمل الدستور عدداً من التنظيمات الخاصة بها، ثم وضع نظام خاص للخبازين وغيرهم من أصحاب المهن[91] .

على أن التطبيق العملي لقطاع البلديات والخدمات العامة، لم يكن سارياً في عموم مدن وقرى الأحساء وإنما اقتصر على مدينة الهفوف والمبرز فقط، وذلك لوجود الكثافة السكانية، والكثافة العسكرية العثمانية في هاتين المدينتين. وكان التطبيق لهذه الأنظمة شكلياً في كثير من الأحيان لاعتماد مصروفات النشاطات البلدية على ما يمكن تحصيله من السكان سواء في شكل ضرائب أو زكوات أو أتاوت[92] . لذا أصبح رد الفعل من قبل السكان مباشراً ضد الإجراءات البلدية والخدمات التعقيبية للسكان، إيماناً منهم بعدم أهمية هذه الخدمات فضلاً عن أنها تلقي على كاهلهم ضرائب إضافية. لذا لجأ العديد من السكان سواء التجار أو الصناع إلى ممارسة مهامهم التجارية والصناعية في منازلهم وإجراء المبايعات الخاصة في المساكن، مما فوّت على الدولة الكثير من الضرائب الجمركية على المبيعات[93] . أما نظافة الطرق وتخطيطها فقد لجأ السكان إلى النظام العرفي الذي يعتمد على المصالحة في تحديد طرق ومداخل المزارع وتغيير مساحتها، إما استمراراً لوضع سابق أو صلح خاص فيما بينهم. أما النظافة فقد عمد السكان إلى إهمال الممرات والطرق وذلك بقصد إعاقة لجان التفتيش وجباة الزكاة والضرائب من الوصول إلى كافة المناطق الزراعية[94] .

أما الاحتساب فقد نشأ من مبدأ إسلامي يعني بالنظر في الآداب العامة في الأسواق ومراقبة الوزان والأسعار والمواد المعروضة للبيع ومدى جودتها. على أنها في الفترة المتأخرة من العهد العثماني اقتصرت على مراقبة الأسعار والأوزان، وتخلى المحتسب عن بقية مهام الحسبة، في حين حرص المحتسب على جمع الرسوم المفروضة على الحوانيت لجمع راتبه ورواتب معاونيه، وهكذا تحولت وظيفة الحسبة في القرن التاسع عشر إلى نوع من الوظائف التي تُشترى بالرشوة من أجل الحصول عليها حيث يحصل المحتسب على وثيقة شرط نامه[95] .

وقد عانت الأحساء من مشكلات الفوضى الخاصة بالتنظيم البلدي، وخاصة فيما يدخل ضمن نظام ومهام المحتسب، الذي تداخلت مهامه مع أصحاب الوظائف الإدارية الأخرى، فلم يكن هناك نظام بلدي خاص بالمدن وخاصة الهفوف التي يلعب المختار، الذي هو من الأهالي، دوره في تنظيم هذه الشؤون دون الرجوع إلى التعليمات البلدية الصادرة إليه، بل إنه يتجاهل الكثير من المخالفات البلدية، خاصة في البناء. وغالباً ما يوعز في الخلاف الخاص بالبلدية والبناء إلى أهل الرأي وأعيان الحي لإنهاء المشكلة حسب مصالحهم وأعرافهم[96] .

الخاتمة

لعل العادات والأعراف والتقاليد، من أهم المجموعات المؤثرة في النشاط الإنساني، وتتوارثها الأجيال جيلاً بعد آخر بزيادة أو نقص. وقد زخر التاريخ العربي قبل الإسلام وبعده، بعادات وتقاليد وأعراف استقر الإجماع عليها، وبقيت فعالياتها ونفوذها قائماً على طول التاريخ العربي الإسلامي وإن كان ذلك بنسب متفاوتة.

وفي عهد الدولة العثمانية، الذي دام ما يزيد على 400 عام في البلاد العربية بصورة عامة، كان نصيب الخليج العربي الذي نحن بصدد الحديث عنه يتفاوت في هذه المدة بين السيطرة العثمانية والخروج عنها، ويمكن القول، إن الأعراف والعادات والتقاليد كان لها دورها الفعال في المجتمعات العربية والإسلامية التي كانت تحت الحكم العثماني، ذلك أن الإدارة العثمانية درجت أحياناً على اتباع سياسة مشاركة الأهالي في الإدارة المحلية كأحد أساليب السيطرة السياسية والاجتماعية، زيادة على أنها دولة ليست بغريبة عن تركيبة الجسم الإسلامي في مجمل معطياته وحضارته.

وقد تأكد أن مجموعة هذه الأعراف والعادات تتماشى ومصالح الناس وتدبير أمورهم فيما بينهم، إذ تلبي الكثير من حاجاتهم وتساعد على حل الكثير من مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية، حتى الأمنية والسياسية، وذلك دون الحاجة كثيراً إلى الرجوع إلى القوانين والأنظمة والسلطة المركزية، التي تقوم على وضع وتطبيق وتنفيذ هذه القوانين.

ونستطيع أن نؤكد أن هذه العادات والأعراف بمجموعها الكلي، لم يكن بينها وبين موروث الأمة الإسلامية أي تعارض أو تناقض واضح، بل إن بعض الأصوات المعارضة للسلطة المركزية والمؤيدة لمثل هذه الأعراف والعادات كانت تجد لنفسها مبرراً في الثبات على ما هي عليه، وذلك لاعتقادها أن الكثير من الأنظمة والقوانين العثمانية، وخاصة بعد حركة ما سمي بالإصلاحات الدستورية، كان مصدرها القوانين والأنظمة الغربية وثقافتها. ولذا كان الناس ينظرون إلى هذه الأعراف والتقاليد وكأنها منبثقة من ذلك الكم الكبير من تراث وموروث الآباء والأجداد، ولذا وجبت المحافظة عليها والتأسي بها، مع محاولة التجديد بعض الشيء أو المراجعة لبعضه الآخر نتيجة لظروف الزمان والمكان الذي يعيشه الإنسان العربي. ومن هنا نخلص إلى القول إن الأعراف والعادات المتداولة بين الناس هي نتاج عمل عقلي اجتماعي حضاري ترثه الأجيال وتورثه واحداً تلو الآخر. وهذا ما لمسناه حين وقوفنا على العديد من المراجع والمراسلات وكذلك من خلال اللقاءات والأحاديث الشخصية التي قمنا بإجرائها مع كبار السن من أهل المنطقة، والذين هم أحد الأعمدة الهامة في معرفة الأعراف والعادات وقد كشفوا بما لا يدع مجالاً للشك عن الآثار الإيجابية -غالباً- والبعيدة المدة، التي تركتها الأعراف والتقاليد على السلوك والنشاط المحلي بصورة خاصة.

جدول يمثل معادلات الأوزان للمبيعات بالجملة والمفرق

[1]  عضو عامل باتحاد المؤرخين العرب، ومدير عام المهرجان الوطني للتراث والثقافة - الرياض.
[2]  ساطع الحصري، البلاد العربية والدولة العثمانية، دار العلم للملايين، ط3، ص113 - 117.
[3]  د. عبداللطيف محمد الحميد، سقوط الدولة العثمانية، دراسة تاريخية في العوامل والأسباب، الرياض 1416، ص65، 68.
[4]  حميد أحمد حمدان التميمي، دراسة في تطور الأوضاع السياسية في البصرة من 1908 إلى 1914، جامعة البصرة 1990، ص27.
[5]  ساطع الحصري، مصدر سابق، ص75.
[6]  د. عبداللطيف محمد الحميد، مصدر سابق، ص54، 63 - 65.
[7]  عبدالعزيز عبدالغني، أمراء وغزاة، دار الساقي لندن، ص246.
[8]  المصدر السابق، ص126 - 130.
[9]  مقبل الذكير، تاريخ الذكير، مخطوط الدفتر الرابع، ص28، 29.
[10]  عبداللَّه الخضير، ولاية الأتراك الثانية للأحساء، مذكرات غير منشورة، القسم الثاني، ص201.
[11]  علي حيدر مدحت، مدحت باشا، حياته السياسية، تبصرت عبرت، استانبول، ص117.
[12]  لوريمر، دليل الخليج، ج2، ص848.
[13]  المصدر السابق، ص821.
[14]  تقرير مدحت باشا، سبق ذكره، ص5 [لم يسبق ذكره؟!!].
[15]  عبدالعزيز الشعيل، الوجود العثماني في الأحساء، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الزقازيق، ص87، 88.
[16]  عبدالعزيز عبدالغني، مصدر سابق، ص127.
[17]  المصدر السابق.
[18]  د. خلدون حسن النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص88.
[19]  الصراع بين السياسيين العثمانيين والبريطانيين حول شبه الجزيرة العربية (1897 - 1906)، ص201.
[20]  في بعض السجلات الخاصة بالمعاملات التجارية في الأحساء طبق النظام المحاسبي في الهند.
[21]  صدرت عدة توجيهات خاصة بالمعاملات التجارية، بضرورة التعامل بالعملات العثمانية والمكاييل، انظر عباس العزاوي، تاريخ النقود العراقية، ص164، 165. وانظر لوريمر، مصدر سابق، ص849.
[22]  خلدون النقيب، مصدر سابق، ص42.
[23]  لوريمر، مصدر سابق، ص851.
[24]  الدستور العثماني، ج2، ص349، 351.
[25]  عباس العزاوي، تاريخ النقود العراقية، ص159، 160.
[26]  المصدر السابق، 163، 164.
[27]  ف. ش. فيدال، واحة الأحساء، ترجمة د. عبداللَّه ناصر السبيعي، الرياض 1991، ص218.
[28]  عباس العزاوي، مصدر سابق، ص165.
[29]  مقابلة مع الشيخ حماد ناصر الحماد. ودليل الخليج، مصدر سابق، ص750.
[30]  لقد تم التعامل بالقرش العثماني بصورة محدودة.
[31]  يلاحظ في سندات الواردات الحكومية توضيح المعادلة للقرش العثماني، ويتم تحويل العملة المقبوضة على السند نفسه، ولكن الإجماع يسجل بالعملة العثمانية.
[32]  فيدال، مصدر سابق، 218، 219.
[33]  المصدر السابق، ص219.
[34]  لوريمر، مصدر سابق، ص849. وانظر فيدال، مصدر سابق، ص218.
[35]  هناك ذراع قطيفي، ويبلغ طوله 19.75 إنشاً، وذراع أحسائي ويبلغ طوله 18.75 إنشاً، وقد حدد التعامل الذراع العمثاني والإصبع في بعض التوجهات الخاصة بالبناء. انظر الدستور ج2، ص446. وأيضاً عبدالعزيز الشعيل، مصدر سابق، ص131، 132.
[36]  فيدال، مصدر سابق، ص217.
[37]  علي حيدر، مصدر سابق، ص217.
[38]  مقابلة الشيخ عبداللطيف بودي.
[39]  محمد بن عبداللَّه الأحسائي، تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد، ص190.
[40]  مقابلة الشيخ حمد بن ناصر الحماد.
[41]  مقابلة الشيخ مبارك أبو غنوم.
[42]  المصدر السابق.
[43]  المصدر السابق.
[44]  مقابلة الشيخ حمد ناصر الحماد.
[45]  خلدون النقيب، مصدر سابق، ص39.
[46]  المصدر السابق، ص42.
[47]  المصدر السابق، ص36.
[48]  المصدر السابق، ص37.
[49]  المصدر السابق، ص43 - 45.
[50]  تجارة المضاربة هي أشبه بالتجارة المتجولة، وهي أن يدفع شخص ما، وغالباً ما يكون تاجراً رئيساً إلى تاجر المضاربة مالاً يتجر به على أن يقسم الربح بعد تسديد رأس المال أو البضاعة.
[51]  خلدون النقيب، مصدر سابق، ص42.
[52]  مقابلة الشيخ عبدالعزيز عبدالله السليم.
[53]  الدستور، ج2، مصدر سابق، ص281 - 283.
[54]  انظر الفقرة الخاصة بالموازين في هذا البحث.
[55]  محمد عرابي نخلة، تاريخ الأحساء السياسي، الكويت 1980، ص199.
[56]  حمد المغلوث، الشاعرية والعذوبة، جمع د. فهد حمد أحمد المغلوث، ص81، 82.
[57]  تحفة المستفيد، مصدر سابق، ص190.
[58]  مقابلة مع الشيخ عبداللطيف بودي.
[59]  الكسندر أدموف، ولاية البصرة، ص129، وكذلك مقابلة الشيخ عبداللطيف بودي.
[60]  سليمان البستاني، عبرة وذكرى، ص240.
[61]  الدستور العثماني، ص1244، انظر بشكل خاص المادة 1، 3.
[62]  مقابلة الشيخ عبداللطيف بودي. وعبدالله الخضير، مذكرات غير منشورة ص121. وانظر الكسندر أدموف، ولاية البصرة، ص129.
[63]  عبدالعزيز عبدالغني، مصدر سابق، ص126.
[64]  مذكرات عبداللَّه الخضير، ولاية الأتراك الثانية، ص4 - 5..
[65]  مقابلة الشيخ عبداللطيف بودي. وانظر عبدالعزيز عبدالغني، ص127.
[66]  مذكرات عبداللَّه الخضير، القسم الثاني، ص1.
[67]  مقابلة الشيخ عبدالعزيز عبداللَّه السليم.
[68]  مقابلة الشيخ حماد ناصر الحماد.
[69]  مقابلة الشيخ عبدالعزيز عبداللَّه السليم. ولوريمر، ج2، ص821.
[70]  لوريمر، مصدر سابق، ج2، ص821. ومقابلة الشيخ مبارك أبو غنوم.
[71]  تحفة المستفيد، مصدر سابق، ص189. وأيضاً، حمد المغلوث، مصدر سابق، ص86، 87.
[72]  تحفة المستفيد، مصدر سابق، ص189.
[73]  المصدر السابق.
[74]  المصدر السابق، ص190، 191.
[75]  عبدالعزيز عبدالغني، مصدر سابق، ص130.
[76]  عبدالرحيم عبدالرحمن، النظم الإدارية العثمانية في البلدان العربية، دارة الملك عبدالعزيز، العدد 1، السنة 9، ص112، 113.
[77]  كما أدرك السكان أن النظام الإداري قد اقتبس من الفرس والروم والسلاجقة فهو تشكيل عبر مفاهيمهم معقد التصنيفات والتدرج الهرمي في كل سلطة، وكان الوالي في رأس قمة الهرم الإداري بالنسبة للولاية ويجمع السلطتين المدنية والعسكرية. انظر زين نور الدين زين، نشوء القومية، ط4، بيروت 1986، ص37.
[78]  ربما يعود ذلك إلى كثرة الرسوم التي تفرض للقاضي بموجب الأنظمة العثمانية، فهناك رسم القسمة على مال المتوفى ورسم للمنقولات، وقد تحايل القضاة في زيادة هذه الرسوم، مثل رسم النكاح، ورسم الحجة، وغيرها من الرسوم. انظر تاريخ العراق الإدارية والاقتصادي ص240 - 241. ولذا كان من أهل الأحساء وأصحاب الرأي من يقوم بأعمال القضاة وهم غير رسميين ويرجع إليهم أكثر أهل البلد في حل قضاياهم والتوقيع على معاملاتهم (الصكوك) فمن السنة بعض آل ملا في الكوت، وآل مبارك في الرفعة والصالحية، وآل عمير في النعاثل، وآل عبدالقادر في المبرز، ومن علماء الشيخ الشيخ موسى بو خمسين وهو مرجع الشيعة، وكذلك ابن عيثان في العمران. انظر ولاية الأتراك الثانية، ص3.
[79]  وثيقة، جاء فيها: (المعروض إلى حضرة صاحب القنصلية نائب لواء نجد المشتري علي بن موسى الشايع بنفسه لنفسه من الرجل السيد هاشم بن السيد أحمد بوكالته عن الرجل عبداللَّه آل عبدالعظيم وذلك المبيع جميع وجملة النصف الشائع من عامة البيت الكائن موقعه في فريق الرفاعة تابع الرفعة المحدودة قبلة بيت جريد. وشمالاً بيت بنات أحمد آل علي، وشرقاً ملك المشتري وجنوباً بيت عبدالعزيز آل صفية وثمن المذكور أربعين ريال قبضها البايع من يد المشتري في محل البيع وشهود الوكالة عبداللَّه آل دويل وحسن بن مسلم وقد حررنا هذا للعلم والخبر. جمادى أول سنة 1318هـ. ختم/ ختم طابع.
[80]  مقابلة الشيخ العزيز السليم.
[81]  مقابلة الشيخ عبداللَّه بودي.
[82]  يأتي منصب المفتي بعد منصب القاضي ويتولى النيابة عن القاضي في بعض الأحيان ولم يكن يتناول راتباً معيناً، من الدولة، ويعين لمدة طويلة وأحياناً يكون المنصب وراثياً، انظر تاريخ العراق الإداري والاقتصادي في العهد العثماني الثاني، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، غير منشورة، ص279، 280.
[83]  عبداللَّه الخضير، ولاية الأتراك الثانية، مصدر سابق، 3.
[84]  لقد برز دور الأعيان في الولايات العثمانية من خلال أسلوب الحكم الذي هيَّأ لهذه الطبقة فرصة لأخذ مكانتها في التشكيل الإداري، وذلك من منطلق رغبة الدولة في إعطاء الأهالي فرصة المشاركة في الحكم، كما أن الدولة قد استعانت بالأعيان عندما اقترضت منهم أثناء أزمة الحروب مع روسيا، وقد أصدرت نظاماً خاصاً بالأعيان عن طريق منحهم، وثيقة الأعينية ومبلغاً من المال، وهم يعتبرون من ضمن أعضاء المجلس الاستشاري للولاية. انظر تاريخ العراق الإداري، مصدر سابق، ص122 - 126.
[85]  مقابلة الشيخ عبداللطيف بودي.
[86]  الكسندر أدمونوف، مصدر سابق، ص91. سيقتصر عرضنا لقانون أو نظام المدارس الرشيدية أو المدارس الصبيانية وذلك لعدم ذكر المصادر لغير هذين النوعين من المدارس في الأحساء، فقد نص الدستور في نظام المعارف العمومية في مواده (1 - 32) على قوانين التعليم العام. أما مايخص تفاصيل وأنظمة التعليم العام والخاص فيمكن الرجوع إلى الدستور المجلد الثاني، ترجمة نوفل أفندي نعمة اللَّه نوفل، ص156 - 260.
[87]  لقد نص نظام المعارف على شرط الحصول على رخصة خاصة من إدارة المعارف للولاية وأن تكون شهادة المعلمين مصدقة من إدارة المعارف وعرض جداول الدروس والكتب على إدارة المعارف وهذا لم يتم تطبيقه في الأحساء. انظر الدستور، ج2، ص257.
[88]  عبدالفتاح أبو عليه، الدولة السعودية الثانية، مكتبة الأنوار، ط1، الرياض، ص270.
[89]  الدستور، ج2، مصدر سابق، ص433، 438.
[90]  الدستور مصدر سابق ج2، ص431، 456.
[91]  بالإمكان الرجوع إلى المواد التنظيمية، مجمع الأعمال البلدية في الولايات في الدستور، ج2، من صفحة 457 إلى ص 490.
[92]  عبداللَّه الخضير، ولاية الأتراك الثانية، القسم الأول، ص4.
[93]  مقابلة الشيخ مبارك أبو غنوم، والشيخ حماد ناصر الحماد.
[94]  مقابلة الشيخ حمد بن ناصر الحماد.
[95]  خليل علي مراد، تاريخ العراق الإداري والاقتصادي في العهد العثماني الثاني، 282 - 285.
[96]  مقابلة الشيخ عبداللطيف بودي.
عضو عامل باتحاد المؤرخين العرب، ومدير عام المهرجان الوطني للتراث والثقافة - الرياض
117749