قراءة في عصر التكوين من الإبداع إلى الاتباع (2 - 2)
محمد الحسين الطاهر - 19 / 5 / 2008م - 4:59 م - العدد (12)

توطئة

أحدث تأخر التراث المكتوب (= عصر التدوين) في تاريخ الفكر الإسلامي اختلافات وتنوعات عديدة، فقد اعتبرت الشفاهية أساس الثقافة العربية الإسلامية، حتى ذكرت كخاصية من خواص التكوين الذهني العربي، حيث انفرد العرب عن غيرهم بمقدرتهم الفائقة في الحفظ، ولذلك قيل: "ليس بعلم ما حوى القمطر.. ما العلم إلا ما حواه الصدر"، وقد عد امتياز أحمد أسماء بعض الرواة الذين حفظوا مئات الآلاف من أبيات الشعر ومن هؤلاء حماد الراوية، والشعبي، والأصمعي.. وغيرهم، وهناك تم إيجاد مبرر علمي لقوة الحافظة "وحقيقة أن حفظ علماء الحديث لعدد كبير من الأحاديث ليس موضع استغراب لو نظرنا إليها من منظور تاريخي. فالقانون الطبيعي يقول: إن الاستخدام المستمر لملكات إنسانية معينة يجعلها أقوى وأكثر استجابة، لأن العرب الأوائل أعطوا اهتماماً للحفظ"[1] .

لقد قدّمت شهادات عديدة من قبل رموز كبار في تاريخ المسلمين على تنزيه جيل الصحابة الذي عاش مرحلة الوحي لحظة بلحظة، وكان أول دفعة مسّها الوحي، وخاضت تجربته العملية، وبالتالي فهي أولى من يتكفل بحفظه، وكان الاعتقاد بأن رجال هذا الجيل كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية "يتمتعون بقوة الذاكرة والعقل النافذ في مسائل الدين، كما يتمتعون بنفاذ البصيرة في مسائل التفسير والتأويل.."[2] .

يمكن هنا نقل كلام الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في هذا الصدد، بما نصه: "إن أول زمن التصنيف وتدوين السنن وتأليف الفروع بعد انقراض دولة بني أمية وتحول الدولة إلى بني العباس.. ثم كثر ذلك -أي التدوين- في أيام الرشيد، وكثرت التصانيف وأخذ حفظ العلماء ينقص فلما دونت الكتب اتكل عليها، وإنما كان قبل ذلك علم الصحابة والتابعين في الصدور، فهي كانت خزائن العلم لهم"[3] .

ورغم التزكيات الصادرة عن أعلام الفرق والمذاهب الإسلامية بحق جيل الصحابة، بكونه يمثل الصفوة الطهرانية والمستودع الأمين لرسالة الأمة وتراثها السماوي، إلا أن ذلك لم يحجب الوقائع المدونة في مصنفات الأقدمين وسجلاتهم الرجالية وإضباراتهم التاريخية، فهذا ابن قتيبة (213 - 276هـ) يثبت بصراحة في كتابه (تأويل مختلف الحديث) أن الصحابة كانوا "يدلسون"[4] ، ويقرر الذهبي هذه الحقيقة ويضيف بأن تدليس الصحابة "كثير ولا عيب فيه"[5] ، وقد طعن كثير من التابعين في بعض الرواة من الصحابة والحفظة، حتى نزعوا الثقة عن بعض المشهورين منهم[6] .

وحيث ظل المسلمون أمام مرجعية التراث الشفهي المحفوظ في قلوب وعقول الرجال، أصبح هذا التراث ساحة للتحديات والمناظرات وامتحانات الحافظة (من الحفظ)، وكان التراث الشفهي المطلوب حفظه والإبقاء عليه كما هو دون نقصان أو تحريف قد أصبح صعباً للغاية، مهما بلغت قوة الحافظة وعدد الحفظة حيث لابد من انخفاض في منسوب التراث الشفهي بسبب عامل الزمن وتراخي الذاكرة البشرية على امتداد ما يربو على القرن من الزمن، وهذا الفاصل الزمني الطويل بين انقطاع الوحي وبداية التدوين سيترك -بلا شك- تأثيره في مستوى الأول على دقة الألفاظ، إن لم يكن تبدل المضامين والفحاوى.

إن بداية عصر التدوين يمثل بوادر تشكّل الظواهر الفرقية الانشقاقية داخل المسلمين، والحافات المبكرة للتمذهب في التاريخ الإسلامي، وهذا يحيلنا -لاحقاً- إلى الانفتاح على البدايات الأولى للتشكل المدرسي والتياري في تاريخ حركة الفكر الإسلامي.

يضاف إلى ذلك، التطور الدراماتيكي الحاصل داخل المسلمين بعد وفاة الرسول حيث اندلعت الصراعات بين البيوتات العربية الكبرى في الحجاز، وما رافقها من استقطابات حادة على قاعدة الاستحقاق السياسي، وانشداد كل جماعة إلى خلع المشروعية على مزاعمها، وكان من الطبيعي التوسل بالتراث النبوي حقاً أم باطلاً من أجل توفير وتأكيد تلك المشروعية الضرورية، وقد ساهمت هذه الصراعات في تصدع الموثوقية وتفرّقها بين عدة مصادر، كما سمح الصراع السياسي بظهور الوضع في الأحاديث المنسوبة إلى النبي ، بحيث أصبح الولاء السياسي والانضواء المذهبي عاملاً رئيسياً ومقياساً أساسياً من مقاييس التوثيق والتضعيف الرجالي.

وكان اعتيادياً، أن نقرأ عن بعض الصالحين والزهاد، وهو يمارس عملية الوضع، تقرباً للَّه، اعتقاداً منه أن هذا الوضع لا يتعارض مع الورع والزهد. فوضع الحديث لم يكن محصوراً في فئة الكذّابين أو الفسقة فحسب، بل كان شعار الصالحين وعمل الزاهدين، مادام ذلك يقوي من شوكة المذهب، ويعضد رمزية الإمام، ويفت في عضد الخصم. فقد روى الخطيب البغدادي عن الرجالي المعروف يحيى بن سعيد القطان قوله: "ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث"[7] ، وروى جلال الدين السيوطي (ت 911هـ) عن القطان نفسه قوله: "ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينتسب إلى الخير والزهد"[8] .

وفي الجانب الشيعي، هناك ثمة طائفة من الروايات القادحة بصراحة في بعض الرواة المنتحلين التشيع، فقد طعن الإمام جعفر الصادق (80 - 148) في المغيرة بن سعيد، وقال عنه: إنه "دس في كتب أصحاب أبي (=الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين) أحادث لم يحدث بها أبي، فاتقوا اللَّه ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربِّنا وسنة نبينا محمد". وقال الصادق : "إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس"[9] .

لذا نجد أن الكذب عن رسول اللَّه قد كثر في عهد التابعين بسبب تكوّن الفرق الإسلامية[10] ، ويرصد القاضي عياض مواصفات الكذَّابة ومسوغات الكذب بما نصه: "هم أنواع، منهم من يضع عليه -على الرسول - ما لم يقله أصلاً، إما ترافعاً واستخفافاً، كالزنادقة وأشباههم، وإما حسبة (بزعمهم) وتديناً، كجهلة المتعبدين، الذين وضعوا الأحاديث في الفضائل والرغائب، وإما إغراباً وسمعة كفسقة المحدثين، وإما تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة، ومتعصبي المذاهب، وإما اتباعاً لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه، وطلب العذر لهم فيما أتوه، وقد تعين جماعة من كل طبقة من الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال، ومنهم من لا يضع متن الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً، ومنهم من يقلب الأسانيد أو يزيد فيهان ويتعمد ذلك أما للإغراب عن غيره، وإما لرفع الجهالة عن نفسه، ومنهم من يكذب ويدعي سماع ما لم يسمع، ولقاء من لم يلق، ويحدث بأحاديثهم لينسبها إلى النبي "[11] .

وقد كثر الوضع في زمان الدولة الأموية (41 - 132)، يقول الشيخ محمد أبو زهرة: "فإن من حكام الأمويين من كانوا يقربون إليهم من ليس للدين مقام في قلبه، ولا يمتنع عن الكذب لأجلهم، ولا يكون حاجزاً لمن يبيع آخرته لدنياه ولدنياهم"[12] . وكلما تمادى الزمن كثر الوضع "ولما ذهب عصر المجتهدين الأولين كان الكذب يفشو بين الناس بمقدار تباعد عهدهم - عهد المجتهدين.."[13] .

ولذلك ظهر علم مصطلح الحديث بعد أن كثرت المنازعات حول صحة الروايات وأسانيدها[14]  وأخبار الآحاد (المروية من طريق واحد)، وتدخل العقل لتسوية الخصومات مذ بدأ عصر التراث المكتوب الذي لعب فيه العقل دوراً محورياً في تنظيم التراث ومنهجته وموضعته في السياق الفكري والتاريخي للأمة.

فقد اتخذت مصادر التشريع لدى المذاهب الإسلامية طابعاً ثنائياً إلهي - بشري، فهناك مصدران (الكتاب والسنة) يصدق عليهما أنهما القانون المقدس الذي لم يمسه بشر، وهناك مصدران إنسانيان هما: القياس والإجماع الذي يجيز للعنصر الإنساني بالتدخل في العملية التشريعية، ولذلك نشأ أصول الفقه من أجل وضع الأسس العقلية التي تساعده في استنباط الأحكام الشرعية، فجرى تقسيم الأحكام إلى:

أ- قطعي الثبوت.
ب- قطعي الدلالة.
جـ- قطعي الثبوت والدلالة.
د- ظني الثبوت.
هـ- ظني الدلالة.
و- ظني الثبوت والدلالة.

كما اعتبر الاجتهاد بأنه: استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظن بحكم شرعي"[15] . بل قال الفقهاء: "إن الفقه أكثره من باب الظن لابتنائه غالباً على ما هو ظني الدلالة أو السند"[16] .

وجاء علم الرجال كآلية ضرورية في العملية التشريعية "للتمييز بين الثقة والضعيف والوضّاع والمذموم والممدوح من الرواة، وظهر علم الجرح والتعديل في القرن الثالث الهجري، حيث وضع الحافظ عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي (240 - 327هـ) في كتابه (الجرح والتعديل) ترجمة ما يقرب من عشرين ألف شخص، ثم جاء من بعد مصنفون آخرون اقتفوا أثره مثل ابن الأثير (ت 630هـ) في (أسد الغابة)، وشمس الدين الذهبي (ت 748هـ) في (تذكرة الحفاظ) و (ميزان الاعتدال في نقد الرجال)، وجمال الدين يوسف بن الزكي المزي (ت 724هـ) في (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) وابن حجر العسقلاني 0ت 852هـ) في (الإصابة في تمييز الصحابة).

وهنا لابد من إلفات الانتباه إلى نقطة جوهرية تؤسس المنطلق الحقيقي لمشروع "التدوين"، وهي أن تفاقم حركة وضع الأحاديث والخوف من اختلاط الصحيح بالسقيم من المرويات والسنن، صعّد من الحاجة إلى تدوين الحديث، يقول الشيخ مصطفى عبدالرازق: "ومما أكد على الحاجة لتدوين السنن شيوع رواية الحديث وقلة الثقة ببعض الرواة وظهور الكذب في الحديث عن رسول اللَّه لأسباب سياسية ومذهبية.."[17] .

إننا هنا سنواجه الإشكالية الفراقية "بين المعنى الثابت والجوهري المضمونة صحته من قبل اللَّه، وبين آثار المعنى الناتجة عن السرد والممارسات المنطقية والاستدلالية التي تختلف وتتغير بحسب النظام المعرفي المأخوذ بعين الاعتبار"[18] .

ومن الناحية التاريخية، وتجاوزاً للتورخة التي وضعها السيوطي لتدوين الحديث في عهد الخليفة الأموي عمر بن العزيز[19] ، سُجّل عام 143هـ كتورخة لانطلاق عصر التدوين (السني) أي ما يربو على قرن كامل يفصلنا عن الوحي والوقائع التي جرت داخل تجربة الوحي (أي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام)، وقد ذكر الذهبي بأن في هذا العام "شرع علماء الإسلام.. في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريح بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة. وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة رحمه اللَّه الفقه والرأي. ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب. وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس". وقبل هذا التاريخ يقول الذهبي: "كان أئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة"[20] .

ويظهر في هذا النص، هنّات ووهن كبيرين، فهو ينطوي على اختزالات معميّة يحذف من حساباته تراثنا مدوّناً ثرياً، سوى كونه لم يحصل على "فسح" و "إجازة" من الدولة (العباسية هنا) التي أخضعت عملية التدوين تحت إشرافها (في زمن المنصور العباسي الذي ولي الخلافة ما بين 136 - 158)، ولذلك تعرض كل تراثات المدارس الفكرية والمذاهب العقدية والكلامية غير المتصالحة مع الخلافة العباسية وأيضاً مع المذهب الذي ينتمي إليه الذهبي، إلى إهمال ونبذ مقصودين.

لقد ناقش المفكر المغربي محمد عابد الجابري بقدر معقول من التجرد هذه المسألة، حين تعرض إلى المسكوت عنه في نص الذهبي وقال: "لقد سكت النص عن تدوين العلم وتبويبه" لدى الشيعة. وإذا عرفنا أن جعفر بن محمد الصادق الإمام الشيعي الأكبر قد توفي سنة 148هـ وأنه تم في عهده تدوين الحديث والفقه والتفسير من وجهة نظر الشيعة، وبعبارة أخرى تم في عهده وبإشرافه تنظيم الفكر الشيعي وصياغة قضاياه الأساسية صياغة نظرية، إذا عرفنا هذا أدركنا خطورة السكوت على الأجيال اللاحقة"[21] .

ففي هذه الفترة، نشط متكلمو الشيعة في مجالس المناظرة والجدل والترويج للمعتقد الشيعي، ويعد هشام بن الحكم (190هـ) وكان من كبار أصحاب الإمام جعفر الصادق ، واشتهر ببراعة متميزة في المناظرة والجدل، حتى قال عنه الشهرستاني: "وهذا هشام بن الحكم صاحب غور، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة"[22] ، وعدّه في مقدمة مؤلفي كتب الشيعة[23] ، فله من المصنفات الكثيرة منها: الرد على هشام الجواليقي، والرد على أصحاب الطبايع، الشيخ والغلام، التدبير، الميزان، الميدان، الرد على من قال بإمامة المفضول، اختلاف الناس في الإمامة، الوصية والرد على من أنكرها، الجبر والقدر، في الحكمين، الرد على المعتزلة في أمر طلحة والزبير، القدر، الإلطاف، المعرفة، الاستطاعة، الثمانية، الأبواب، الرد على شيطان الطاق، الإخبار، الرد على أرسطاطاليس في التوحيد، الرد على المعتزلة (آخر)، وكتاب الألفاظ (في أصول الفقه)[24] .

وبذل السيد حسين الصدر، من خلال مجهود مليء سعياً جاداً في إثبات أسبقية الشيعة في عملية التدوين، مقرراً: "أن الشيعة أول من تقدم في جمع الآثار والأخبار، في عصر خلفاء النبي المختار، عليه وعليهم الصلاة والسلام، واقتدوا بإمامهم أمير المؤمنين عليه السلام.. وأول من دون الحديث من شيعة أمير المؤمنين بعد أبو رافع مولى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله" استناداً إلى رواية النجاشي في فهرس أسماء مصنفي الشيعة بما نصه: "ولأبي رافع كتاب السنن والأحكام والقضايا"[25] . ثم تتبع آثار المدونين الأوائل فقال بأن سلمان الفارسي: "أول من صنف في الآثار" وأبو ذر: "أول من صنف الحديث والآثار بعد المؤسسين" ثم يأتي الإصبغ بن نباتة، وعبيد اللَّه بن أبي رافع ثم زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام (ت95هـ)[26] ، وقد ذكرت كتب السيرة والتراجم أن الإمام علي أملى على أبي الأسود الدؤلي في النحو، فضلاً عما أنجزه أبو الأسود بهذا الخصوص[27] .

ويقول الشيخ المفيد -تأكيداً لما سبق-: "وصنف الإمامية من عهد أمير المؤمنين -عليه السلام- إلى عصر أبي محمد العسكري -عليه السلام- أربعمائة كتاب تسمى الأصول"[28] ، ويرد البحاثة الشيعي آغا بزرك طهراني هذه الأصول إلى عصر الإمام الصادق لكونه "عصر ضعف الدولتين الأموية والعباسية وهو -هذا العصر- من أواخر ملك بني أمية إلى أوائل أيام هارون الرشيد، أي من سنة 95 عام هلاك حجاج بن يوسف إلى عام 170 الذي ولي فيه هارون الرشيد[29] ، ولكن هذه الأصول ضاع كثير منها، فبعضها التهمته ألسنة اللهب بعد ورود طغر بيك على بغداد سنة 448هـ، وبعضها بدده الإهمال، فتلف لقلة العناية به، والبعض الآخر مجهول المصير، سوى ما عثر بعض المهتمين على جزء بسيط منه فجرى تحقيقه وطبعه في السنوات الأخيرة.

وعوداً إلى نص الذهبي ثانية، نجد ضرورة هنا إلى الغوص قليلاً في أبعاد هذا النص (الذهبي)، وعلاقة التدوين كعملية شاملة ومقصودة جرت بصورة دفعية، أي انطلقت في فترة زمنية واحدة، وتحديداً في عهد المنصور، فما هي يا ترى ملامح هذا العهد؟ وما علاقة ذلك بعملية التدوين؟

إننا هنا أمام معطيات مختلفة في هذا العهد نشير إليها على وجه السرعة:

- بدأ المنصور عهده بقتل أبي مسلم الخراساني صاحب دعوة بني العباس والممهد لمملكتهم. وقتل من أجل استقامة ملكه خلقاً كثيراً. وضرب أبا حنيفة على القضاء ثم سجنه فمات بعد أيام وقيل أنه قتله بالسم لكونه أفتى بالخروج عليه. وفي سنة 140هـ شرع في بناء مدينة بغداد. وفي 143 انطلقت عملية التدوين، وفي عهده تمت أولى عمليات الترجمة للكتب السريانية والأعجمية إلى العربية، ككتاب كليلة ودمنة، واقليديس ويعتبر المنصور "أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين.. وكانوا قبل شيئاً واحداً.."[30] .

إن أول ما يتبدى من تحليل هذه المعطيات أننا نشهد أول عملية تدوين رسمي للتراث الإسلامي الذي يجري تسجيله من قبل رهط يحظى بعضه برعاية السلطة ومباركتها، وبعضه يلتقي معه في الخطوط الكبرى المدرسية بدرجة أساس، يلبي عبره جزءاً من التطلع السياسي للسلطة، ونشهد في هذا العهد المفصلة الكبرى التي سترسم ملامح تاريخ الفرق ومعابرها الرئيسية والفاصلة على الخارطة الاجتماعية والتاريخية، بكلام آخر إن عملية التدوين شكلت المرجعية الكبرى والأساسية للأجيال المسلمة في الأزمان اللاحقة، مرجعية تعضّد مؤسسة السلطة وتمدها بالمشروعية الدينية، مرجعية متصالحة مع المعادلة السياسية القائمة، وفي مقصدها النهائي إحالة الدين إلى مشروع سلطوي بعد سحب طاقة التغيير والإصلاح بداخله. وكان إلغاء التشيع كجماعة سياسية، وكفكر ثوري بعد وصول بني العباس إلى السلطة، قد أفضى إلى طمس جانب التغيير في الدين.

ويخطئ د. الجابري حين يساوي بين مسؤولية ووزر الذهبي وعلماء المدرسة السنية، في السكوت عن علوم الشيعة ومعارفهم، في عملية التدوين، وبين مسؤولية ووزر علماء الشيعة الذين التزموا موقفاً مماثلاً حين سكتوا عن "تدوين العلم وتبوبيه لدى أهل السنة"[31] . وواقع الحال، أن السكوت الشيعي عن التراث السني جاء كرد فعل لا على السكوت السني عن التراث الشيعي بهذا التعبير المطلق والصارم، فنحن هنا أمام قضية مختلفة معقدة يختلط فيها المعطى السياسي، بالمعطى السيسيولوجي، بالمعطى المذهبي - الإيديولوجي، فالشيعة تحولت في مرحلة مبكرة من عمر الدولة العباسية، وتحديداً منذ تولي الخليفة الثاني في دولة بني العباس، المنصور العباسي، تحولت إلى جماعة منبوذة سياسياً ومناوئة مذهبياً، ومهددة اجتماعياً، فالتشيع مثل، ومن الناحية الواقعية، مذهب المعارضة، فيما مثل التسنن، بالمعنى الفرقي للكلمة، مذهب السلطة، فهنا تخضع نظرتنا إلى قوانين الصراع بين المعارضة والسلطة، ونوعية العلاقة التي تحكم الطرفين، وما ينتج عنها من مواقف وانحيازات وتمثلات، ولذلك يبدو من غير المعقول الانتظار من المعارضة تبني مهمة الترويج لتراث بات جزءاً من وجود السلطة ومشروعيتها، ونفس الشيء يصدق على السلطة في موقفها من تراث المعارضة، وبهذه الطريقة يمكن وعي عملية التدوين ودورها في بناء المرجعية النهائية التي عضّدت على الدوام مؤسسة السلطة طيلة التاريخ الإسلامي. وفي ذات الوقت، هي نفس المرجعية التي تحولت إلى مصدر الشقاق الأكبر بين المجتمعات المسلمة نتيجة إضاءة جزء من التراث وطمس جزء آخر مغضوب عليه.

دورة الأفكار: الحركة الانسية في التاريخ الإسلامي

نشّطت حركة الترجمة التي نظّمها ورعاها الخليفة العباسي المأمون عبداللَّه بن هارون الرشيد (تولى عام 198هـ حتى عام 218)، من مستوى الجدل في المجال الفكري الإسلامي، في مرحلة برزت فيه ملامح التيارات الثقافية المتنوعة داخل جماعة المسلمين.

وقد أنشأ المأمون، تحقيقاً للغرض، بيت الحكمة، الذي يعتبر أول مؤسسة علمية في تاريخ المسلمين، أراد منها أن تكون جامعاً للعلوم والمعارف الإنسانية، وكان المأمون كتب إلى ملك الروم يسأله الإذن بإنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة والمدخرة ببلاد الورم، فأجاب إلى ذلك، فأخرج المأمون جماعة لذلك منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلما صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل وقال محمد بن إسحاق: من عنى بإخراج الكتب من بلد الروم، محمد وأحمد والحسن بنو شاكر المنجم.. وأنفذوا إسحاق بن حنين وغيره، إلى بلد الروم، فجاؤوهم بطرائف الكتب وغرائب المصنفات في الفلسفة والهندسة والموسيقى والاثماطيقي والطب" وكان بنو المنجم يقاضون جماعة من النقلة، منهم إسحاق بن حنين، وحبيش ابن الحسن وثابت بن قرة، وغيرهم في الشهر نحو خمسمائة دينار المنقل والملازمة[32] .

كما أحضر إسحاق بن حنين، وكان من المترجمين الناشطين في بيت الحكمة، والمشهورين بالمعرفة التامة باللغة اليونانية، وبالمهارة في الترجمة إلى العربية، وطلب منه نقل ما يقدر عليه من كتب الحكماء اليونانيين.. فنقل إسحاق بن حنين كتب أرسطوطاليس: المقولات، والعبارة، وأصلح ما نقله تيادورس من كتاب تحليل القياس، كما نقل كتاب الكون والفساد، وكتاب النفس، وكتاب السماع الطبيعي.. ويقول ابن أبي أصيبعة أنه رأى عدد من كتب جالينوس وغيره بخطه الأزرق كاتب حنين، وعلى بعضها هوامش بخط حنين باليوناني، وعلى تلك الكتب علامة المأمون، وقيل أن ما ترجمه حنين من كتب جالينوس إلى السريانية جاوز المائة كتاب، وما نقل منها إلى العربية تسعة وثلاثون كتاباً، وهي في الطب والفلسفة[33] .

ولكن هذا الغرض العلمي المحض، لا يلغي ما تنطوي عليه الأهداف السرية من حركة الترجمة برعاية الدولة العباسية، من أغراض سياسية، وبخاصة ما يتعلق منها، وبدرجة أساسية، بمسألة الفكر الشيعي الذي أخذ ينشط في هذه الفترة، محمولاً بالزخم الثوري الحاف بالحركة العباسية إبان انشغالها بالإطاحة السياسية بالدولة الأموية، حيث كان الشعار العباسي متلفعاً بالمظلومية العلوية، والمطالبة باستعادة الحق المستلب من آل البيت النبوي، مما ذوى معه المنطق الأموي، وأضعف من قدرة الكلام السني على المواجهة، فكان العباسيون بعد إعلانهم الصريح عن هويتهم الحقيقية، ومنذ تخليهم عن الشعار الشيعي الذي رفعوه في مواجهة خصومهم الأمويين، وبعد وصولهم إلى السلطة، في مسيس الحاجة إلى خطاب سياسي وديني بديل، ينافس نظيره الشيعي، فقد أصبح المطلب الشيعي الذي توسل به العباسيون للوصول إلى السلطة، عائقاً في وجه استقرارها، ومعارضاً لدوداً لوجودهاً، ففتحوا الباب لحركة الترجمة كيما تحد من انتشار الفكر العلوي الثوري (فكر المعارضة) وإحلال مكانها فكر السلطة والطاعة.

ولعل من الآثار المباشرة والساطعة لحركة الترجمة،ما انبثق في نشاط عقلي كاد يصل ذراه لولا إعلان حالة الاستنفار القصوى التي شهدتها الدولة العباسية في عهد المتوكل من أجل إخماد الحركة العقلية وإطفاء كل محركاتها بالكامل، بعد أن وصلت في تهديدها قلب السلطة السياسية، وفي الواقع جاء التدبير القمعي الذي لجأ إليه المتوكل بعد أن استنفذت حركة الترجمة أغراضها، فقد عطلت انتشار الفكر الشيعي الثوري، وسمحت بقمع وتهميش رموزه، وبات الامتلاء الفكري في الساحة الإسلامية خلواً من أي بعد سياسي واضح، فالحركة العقلية لم تصل، حتى في ذرى انتعاشها وتوهجها، إلى حمل أية أغراض سياسية تهدد السلطة المركزية.

لقد طرحت الحركة العقلية في الزمن المبكر للإسلام ممثلة في تيار الاعتزال كأول تيار عقلاني في التاريخ الإسلامي، في القرنين الثاني والثالث الهجريين، موضوعات على درجة كبيرة من الحساسية، وقد ساعد هذا التيار في الاتساع، عوامل رئيسية:

الأول: الكفاءة العلمية لدى قادة هذا التيار ورموزه، وتوافرهم على مهارات الاحتجاج المنطقي، مثل واصل بن عطاء الذي اشتهر بغزارة العلم ورجاحة العقل، والقدرة على الجدل والمناظرة، إضافة إلى كونه خطيباً مفوّهاً وخبيراً نفسياً، يتعرف على نقاط ضعف خصمه من أول مطارحة، وأبو الهذيل الذي قال عنه المبرد: "ما رأيت أفصح من أبي الهذيل.." وإبراهيم بن سيّار النظام، الأديب والشاعر، الذي ضاهى في حدة ذكائه أستاذه هشام بن الحكم، كما برز من مدرسة الاعتزال ثمامة بن أشرس النميري وكان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق، حتى بلغ من قوته أنه، كما قيل عنه، أثر على المأمون وحسب البغدادي، "وقيل: إنه هو الذي أغوى المأمون بأن دعاه إلى الاعتزال"[34] .

ومما ساهم في الصعود بالجدل إلى ذراه والخروج من تقاسيم التفكير الكلاسيكية، استيعاب الفلسفة اليونانية داخل مجال النشاط الجدلي الإسلامي، وكان تسرب المقولات الفلسفية قد ارتقى بالجدالات العقدية إلى مستويات عليا، تجاوزت بمسافات بعيدة الحافات المرسومة للمعتقد، واختراق المحظورات العقدية، وراحت تخوض في أكثر الموضوعات حساسية، وقد أكسبتهم المطارحات الكلامية التي خاضها المعتزلة ضد المانوية في أواخر الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، كسبتهم قوة ومشروعية.

لقد أخضعت حركة الجدل لدى المعتزلة لمرجعية ثقافية مزدوجة مستندة على النقل (= الإسلام النصّي) والتراث الفكري الإغريقي، وكانت هذه الحركة على استعداد لأن تهب العقل سلطة مطلقة تتجاوز مساحة الشرع، وأصبح العقل مستقلاً في دوره، ومالكاً لأزمّة أفعال الإنسان، ومعياراً نهائياً في التمييز بين الخير والشر، وهذه المعيارية البشرية تجعل الإنسان قادراً على تقويم أفعاله، وفق معيارية عقلية، دون حاجة لتوسط الشرع في هذه العملية، بل وذهبت هذه الحركة إلى إخضاع عقيدة التوحيد للجدل، وقررت بأن أفعال اللَّه سبحانه محدودة بفعل الخير، وأنه قضى على نفسه ألا يفعل الشر والعبث أو الظلم، وكادت هذه الحركة تأخذ مدى اجتماعياً واسعاً وتفتح داخل حركة الفكر الإسلامي آفاقاً جديدة وواسعة، لولا ردود الفعل الشديدة التي قوبلت بها هذه الحركة.

الثاني: دعم السلطة السياسية: استعانت الدولة العباسية في سبيل كبح جماح القوى الأخرى المعارضة للخلافة العباسية، بتقريب رموز المعتزلة من منازل السلطة، ومنح تسهيلات واسعة، فكان للمأمون مجلس للمناظرة يتصدره أبو الهذيل العلاّف، كما بلغ أبو بشر بن ثمامة بن أشرس النميري، وكان من جلة متكلمين المعتزلة، من المأمون منزلة جليلة وأراده على الوزارة فامتنع[35] . كما صارت في عهده لقاضي القضاة أحمد بن داود حظوة لم ينل من قبل مثلها أحد من القضاة أو العلماء، حتى أن المأمون أوصى أخاه المعتصم في حلول وفاته بأن يشرك أبا داود في أمره، ومازال مقرباً أثيراً إلى أن جاء المتوكل فنكّل به أشد تنكيل، وصادر أمواله وأموال أهله.

الثالث: المحازبة الصلبة: تحول تيار المعتزلة إلى ما يشبه جماعة فكرية منظمة، متماسكة البنية متآزرة فيما بينها، تشدها تلك النزعة العقلانية التحررية، حتى ضرب المثل بهم في الاعتداد بالانتماء لهذه الجماعة الفكرية، فكان يقال عن المعتدّ برأيه :"اعتداد المعتزلي بالمعتزلي".

وقد ظهرت تلك المحازبة المعتزلية بوضوح في قصة خلق القرآن التي قادها أبو داود[36]  وساق إليها الخليفة العباسي المأمون، الذي أرسل بإيعاز من رموز المعتزلة لولاة الأمصار بأن يكتبوا على المساجد (لا إله إلا اللَّه رب القرآن المخلوق..).

لقد انبثقت من مجالس المعتزلة حركة الجدل بنشاطية غير عادية، ورغم قصر مدة ازدهار هذه الحركة، منذ رفع الخلفاء والأمراء الغطاء الرسمي عنها والحماية الأمنية، وانحسار ظلها الاجتماعي لصالح التيار الجديد الذي قاده أبو الحسن الأشعري (ت 324 - 936م) المسنود من مؤسسة الخلافة، حيث أعاد الأشعري الاعتبار للنص والنقل مقابل الاجتهاد والعقل، وأضفى على الشريعة قدسية نهائية وسلطة مطلقة إلا أن موضوعات الجدل المعتزلي ظلت محبوسة في مكان ما من العقل الإسلامي، بانتظار الفرصة المناسبة لانفلاتها واستعلائها، فيما كان الكلام المعتزلي يحتفظ بأثره الفاعل في تحفيز البحث الكلامي والفلسفي في الإسلام.

ولعل أكبر ثغرة بحثية تعترض المهتمين بتراث المعتزلة، رغم الأصداء الواسعة التي تحيط بهم، هو اندثار مصنفاتهم الكبرى، التي وضعها رؤساء المعتزلة الأوائل، وزاد الطين بلة أن واضعي كتب الفرق نقلوا إلينا من تراث المعتزلة ما فيه من التزوير والتحريف والدس الشيء الكثير على معتقدات القوم، فأكثر كتب الفرق والملل والنحل صنفت في فترة صراع وتنابذ وحملات كراهية مما أفقد الكثير من هذه الكتب أمانة النقل العلمي المجرّد، وتغليب فرقة على باقي الفرق، بل إلصاق التهم والافتراءات ضد بعض الفرق، ولعل هذا السبب وراء وضع الأشعري كتابه (مقالات الإسلاميين) حيث ذكر في مقدمته: "ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات، ويصنفون في النحل والديانات، من بين مقصِّر فيما يحكيه، وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه، ومن بين متعمد للكذب في الحكاية، إرادة التشنيع على من يخالفه ومن بين تارك للتقصير في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به.."[37] .

ورغم ما ينطوي هذا الكشف على تحذير من الانحيازية وخيانة الأمانة العلمية، إلا أن الذين جاؤوا بعده حذوا أولئك النفر الذين نقدهم الأشعري، ولعل كتاب (الفرق بين الفرق) للبغدادي (ت 435) يندرج في القائمة ذات المواصفات التي ذكرها الأشعري، حتى لم نعد نفرّق بين ما ينقله وما ينطبع به وينفعل منه، لكثرة ما دس في نقولاته عن رؤساء الفرق وأئمتهم من انطباعات وتحميلات.

ولذلك يجد الباحث صعوبة بالغة في العثور على نصوص مجردة لم تخضع لحملات الكراهية المتبادلة، وكان من الضروري العودة إلى مصادر متعددة حتى يطمئن الباحث إلى أمانة المنقول والناقل، وباستثناء ما نقله القاضي عبدالجبار المعتزلي (ت 415هـ) الذي حفظ القسم الأهم من التراث الفكري المعتزلي، إلا أن الفاصلة الزمنية بين القاضي عبدالجبار ومؤسسي مدرسة الاعتزال واصل بن عطاء (ت 131هـ) وحتى أبي هذيل العلاّف (المتوفى سنة 235هـ)، تجعل النصوص الأولى الأصلية ضرورة بحثية بالغة الأهمية، للحيلولة دون إعمال آليات التحليل العقلي والربط التعسفي بين الموضوعات، والتوسل بالافتراضات الكثيرة سعياً وراء التوصل إلى حقيقة المعتقد الاعتزالي وجذوره الفكرية والاجتماعية والسياسية.

ولكن لحسن الحظ احتفظ كثير من الفرق العقدية والمذاهب الإسلامية المتأثرة قليلاً أو كثيراً بالفكر الاعتزالي ببعض هذا التراث، سواء عبر نصوص المناظرات، أو المقارنات، والاختلافات، أو كتب الطبقات والسير، مما جعلنا نحرز قدراً من الاطمئنان، يريحنا قليلاً من عناء البحث مع اعترافنا المسبق بالعجز والقصور عن امتلاك زمام المعرفة المباشرة والرئيسية، إذ لا سبيل أمامنا سوى كتب المناظرات والردود التي صنفت لمجابهة أفكار المعتزلة.

إننا هنا سنحاول تلمس مسيرة النشاط المعرفي في شكله الجدلي الخاص، من خلال كتب الفرق وما ترصده لنا من تطورات في هذه المسيرة، ومما يظهر في كتاب (الفرق بين الفرق) للإمام عبدالقاهر بن طاهر بن محمد البغدادي (ت 435) أن موضوعات بالغة الحساسية ثار حولها الجدل، لا تقف عند حد، ومن خلال رصد إجمالي عشوائي لعناوين موضوعات الجدل، تظهر أمامنا  القائمة التالية من العناوين: العدل، التوحيد، النبوة، الإمامة، الوعد والوعيد، القدر، الاستطاعة، تقدير الخير والشر، الهداية والضلالة، الإرادة، والمشيئة، الرؤية، الإدراك، صفات اللَّه عز وجل، وأسمائه وصفاته، التعديل والتجويز..

ويرسم البغدادي في كتابه مسيرة الاختلاف - الجدل داخل أمة المسلمين وتطوره، فيقول: اختلفوا في البدء حول موت النبي ثم دفنه، ثم الإمامة وفدك، ومانعي الزكاة وقتال طلحة ومسيلمة الكذاب وسجاع الأسود، والمرتدين،وقتال الروم والعجم، وفي هذه الأثناء بدأ الاختلاف الفقهي في ميراث الجد مع الإخوة والأخوات من الأب والأم أو من الأب ومسائل العول والكلالة والرد، وتعصيب الأخوات من الأب والأم أو من الأب مع البنت أو بنت الابن، وكاختلافهم في جرِّ الولاء، وفي مسألة الحرام ونحوها مما لم يورث اختلافهم فيه تضليلاً ولا تفسيقاً وكانوا على هذه الجملة في أيام أبي بكر وعمر وست سنين من خلافة عثمان، ثم اختلفوا في أمر عثمان وأمر علي[38] .

ثم تنكب الجدل من ميدان الفقه إلى ميدان الفكر والعقيدة، حيث "حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني (ق سنة 80هـ) وغيلان الدمشقي (ق سنة 105هـ) والجعد بن رهم.."[39] .

الشيخ أبو الحسن الأشعري، مؤسس المذهب الأشعري صاحب التجربة الثرية مع موضوعات الجدل مدة أربعين عاماً -حسب رواية ابن عساكر- منذ كان عضواً فاعلاً في جماعة المعتزلة، وتلميذاً لصيقاً للشيخ أبي علي الجبائي، الذي أخذ عنه مذهب الاعتزال، ثم إقلاعه عنه في توبة علنية في المسجد الجامع بالبصرة، ظل الأشعري يحتفظ بسجل مليء من موضوعات الجدل التي انبثت عبر مجالس المعتزلة، ففي ثبته لقائمة الموضوعات الخلافية يتصدر ما يلي: العدل والتوحيد والنبوة والإمامة كموضوعات عقدية كبرى، ثم يتنزل الخلاف إلى موضوعات: القدر، القرآن، أعمال الإنسان، الإرادة، النظر الغياب، عذاب الأطفال، سبي النساء، الجزء الذي لا يتجزأ، حقيقة الجسم، الإيمان والكفر، مرتكب الكبيرة، اجتهاد الرأي، الخروج على الأئمة، البداء، تخليد الكفار في النار، الصغائر والكبائر، معاصي الأنبياء، حكم التأويل، الرؤية، ماهية الباري عز وجل، المكان، الأسماء والصفات، الكلام مخلوق وغير مخلوق، الملائكة، وهل هم أفضل من الأنبياء، الحسن والقبح الشرعيين والعقليين، الاستطاعة والقدرة، نعيم الجنة، الشهادة، والهدى والضلال، العصمة، النصرة، الخذلان، الولاية، العداوة، اللطف.

وعدّد الأمام الأشعري ما يربو على ثلاثمائة اختلاف وقع بين الكلاميين الإسلاميين، نوجزها باختصار: ماهية الجسم، الجواهر والأعراض بكل متوالياتها، وخاض المتكلمون في هذه المسألة طويلاً وأسرفوا إسرافاً ذريعاً في نقاشها والبحث في أبعادها وسبر أغوارها القريبة والبعيدة، ابتداء من الحواس وإدراك المحسوس، والمعلوم والمجهول وارتباط المحسوس بالمعرفة، وعلاقة الثبوت بالنفي، والأمر بالنهي، والتولد،والسبب والمسبب، والطاعة والمعصية،وثقل السموات والأرضين، وماهية ظل الشيء، وهل القتل يضاد الحياة، وأصل الحياة، وكلام الإنسان، وماهية الصوت، والخواطر، عذاب القبر، هل الجسم الموات يتحرك من غير دافع؟ ما الهواء هل هو معنى؟ وهل يجوز أن يرتفع من حيز الأجسام، والجن وأحوالهم مع البشر، الشيطان وماهيته وطبيعة وسوسته، هل الإنسان أفضل أم الملائكة، الدنيا ما هي، الصدق والكذب، الخاص والعام، المقطوع والموصول، إنكار المنكر والأمر بالمعروف، الإمامة نصباً واختياراً، الخروج على السلطان، منكر ونكير، المكاسب، التقية، الفرائض، العلوم والمعارف، العشرة المبشرون بالجنة، الصراط، الميزان، الحوض، الشفاعة، تخليد الفسّاق في النار، الجنة والنار، التوبة، النسخ في القرآن والسنة، ومن هو المقدّم، الاجتهاد والشريعة، تعارض النصوص..

وهذه القائمة تلفت انتباهنا إلى أن هذا التراث الجدلي بكامل حمولته (منذ بدأ يتكون ويتجمع في القرنين الثاني والثالث الهجري) يمثل المصدر الرئيسي لكل النقاشات المثارة في امتداد تاريخ الفكر الإسلامي، فقد رصد الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (ت 413هـ) ما يقرب من 144 مسألة كلامية عقدية وقع الخلاف فيها بين الشيعة والمعتزلة، مما يجعل الرأي القائل باندغام الشيعة في المعتزلة متهافتاً لا سند قوي يعضده، وبخاصة إذا ما طالعنا طبيعة الموضوعات الخلافية بينهما، والتي تطال الأصول والفروع في العقائد إضافة إلى اللطيف من مسائل الكلام[40] ، وما كتاب (تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد) والذي كان الشيخ المفيد "انتقد فيه شيخه الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفي سنة 371هـ على حد هبة الدين الشهرستاني إلا محاولة جريئة وجادة لإزالة ما علق في التراث العقدي الشيعي من النكت الاعتقادية المعتزلية، ولذلك صحح الشيخ المفيد، في هذا الكتاب، وبأسلوب نقدي التأويلات التي عقدها الصدوق استناداً على المنهج الاعتزالي لبعض الآيات القرآنية مثل: معنى كشف الساق، اليد، نفخ الأرواح، المكر والخدعة من اللَّه، ومعنى اللَّه يستهزئ بهم، نسبة النسيان إلى اللَّه، صفات اللَّه. كما نقد المفيد في مسألة أفعال العبد، والتي ذهب فيها الصدوق مذهب المعتزلة بتقريره أن "أفعال العباد مخلوقة.."[41] ، وسرى نقده إلى المسائل الكلامية الأخرى المطروحة في السياق الفكري الاعتزالي مثل الجبر والتفويض والمشيئة والإرادة، والاستطاعة، والفطرة، واللوح والقلم، العرش، النفوس، الأرواح، العدل، الأعراف، الصراط، العقبات، الحساب، الميزان،الجنة والنار، نزول الوحي، نزول القرآن..

وإجمالاً، إن ما تكشف عنه، كتب الفرق بما حوت من مسائل خلافية ومناظرات مازلنا نتغذى على مائدتها، أن الحركة العقلية التي قادها المعتزلة هي التي شجعّت ظهور الفرق العقدية والكلامية، فلولا موضوعات الجدل التي أثارها المعتزلة، لم تُعرف الأشاعرة والمرجئة والقدرية وغيرها من الفرق العقدية.

إن جذر الاشتقاقات الفرقية يرتد من خلال مطالعة متروية في قائمة موضوعا الجدل، وما طرحته مجالس المعتزلة إلى السؤال الجوهري حول ماهية العلاقة بين العقل والإسلام، كان ذلك السؤال المدخلي، للعثور على مفتاح المعرفة في بداية المشوار الكلامي لدى المعتزلة، كبداية لتحقيق الربط بين العقل والإسلام، وعلاقة كل منهما بالآخر، ومدى صلاحية كل منهما.

تاريخياً، يعتبر القول بالقدر، المسألة الخلافية الأولى التي أسست لانشقاق الفرق الكلامية، وكان القول بالقدر مندغم في القول بالاعتزال، وهذان القولان يعدان في تاريخ الإسلام المبكر مذهباً واحداً، انشق لاحقاً عن مذهبين (القدرية) و (المعتزلة)، مع أن القول بالقدر بقي أساساً محكماً لدى المعتزلة وخصوصاً المتأخرين منهم[42] .

وكانت فكرة القدر تمثل عقيدة السلطة، دافعت عنها، وهددت بها، واستعملتها أداة من أدوات الضبط السياسي، وفي إخضاع الجمهور للسلطة الحاكمة، وما يشير إلى ذلك رواية ابن سعد في طبقاته "أن أيوب الراوي وهو من أصحاب الحسن البصري يقول: "نازلت الحسن في القدر غير مرة حتى خوفته السلطان" فقال الحسن البصري: "لا أعود فيه بعد اليوم". ويروى عن أيوب أيضاً أنه قال: "ما أعياني الحسن في شيء ما أعياني في القدر حتى خوفته بالسلطان"[43] ، وسعياً إلى مجابهة فكرة الجبر والقدر الأموية اتخذ النضال السياسي لدى المعتزلة طابعاً أيديولوجيا قبل أن يتحول إلى مذهب فكري خالص[44] ، فتبنوا أصلاً عقيدياً يقول بقدرة الإنسان على أفعاله وخلقه لها.

وانبعثت الموجه الكلامية بوتيرة عالية لتناقش المسائل الكبرى في الإسلام، وبدأت تطرح أفعال اللَّه -سبحانه وتعالى- وأفعال العبد، و حدودهما، فقال المعتزلة بأن "أفعال العباد مخلوقة لهم وليست مخلوقة للَّه تعالى، لأنها لو كانت مخلوقة للَّه لما جاز أن يعاقب عباده على فعلها لأن يكون عاقبهم على ما لم يفعلوا"[45] ، وطرحت فكرة أن اللَّه لا يفعل الشر، ويرجعون ذلك إلى سؤال وجّه إلى الرسول عن تفسير: سبحان اللَّه، فقال: هو تنزيهه عن كل شر، وكان يقول في بعض توجهاته في الصلاة: والشر ليس إليك[46] ، وتطور النقاش في هذه المسألة، كما تكشف الرواية التالية ملخصة، فقد قال ثمامة بن الأشرس، ويكنى أبا معن النميري، من جلّة متكلمي المعتزلة قال يوماً للمأمون: لا تخلو أفعال العباد من ثلاثة أوجه إما كلها من اللَّه ولا فعل لهم لم يستحقوا ثواباً، ولا عقاباً ولا مدحاً ولا ذماً، أو تكون منهم ومن اللَّه وجب المدح والذم لهم جميعاً، أو منهم فقط كان لهم الثواب والعقاب والمدح والذم"[47] .

وعلى أية حال، فقد انشقت عن مسألة أفعال العباد، مسائل أخرى، منها القول بالجبر، وبدأ الجدل يدور حول ما إذا كان الإنسان مسيّراً أم مخيّراً، وكان هناك رأيان:

الأول: كون فعل اللَّه متعلقاً بمشيئته وما شاء اللَّه يقع حتماً.

الثاني: كون اللَّه خالقاً لكل شيء حتى أفعال عباده، وإلا بطل التوحيد في الخالقية، وقد قال الحسن البصري (21 - 110هـ) في الاختيار: "فقد بيّن -أي اللَّه سبحانه- وأمر ونهى، وجعل للعبد السبيل على عبادته، وأعانه بكل وجه ولو كان عمل العبد يقع قسراً لم يصح ذلك"[48] .

وفتحت هذه المسألة النقاش في الإرادة فهي عند المعتزلة اعتقاد النفع أو ظنه، وقيل ميل يتبع ذلك وهو مغاير للعلم. هي ميل نفسي نحو جلب نفع أو دفع ضرر ومن ثم فهي في حاجة إلى مرجح، وهي عند الأشاعرة غير مشروطة باعتقاد النفع أو الميل إليه، وبالتالي يجوز إيجاب الإرادة الحادثة للمراد إذا كانت قصداً إلى الفعل فالقصد يتقدم على الفعل قبل العزم والجزم وبالتالي يسترد المعتزلة للإنسان ما سلبه الأشاعرة منه وأعطوه لغيره وهو "اللَّه"[49] .

وقد سال أبو العباس الحلبي أبا الحسين الخياط (ت 311هـ) المتحدر من الطبقة الثامنة من طبقات المعتزلة، وقال: أخبرني عن إبليس هل أراد أن يكفّر فرعون؟ قال:نعم، قال الحبلبي: فقد غلب إبليس إرادة اللَّه، قال أبو الحسين (الخياط): هذا لا يجب فإن اللَّه تعالى قال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً البقرة: 267، وهذا لا يوجب أن يكون أمر إبليس غلب أمر الله فكذلك الإرادة، وذلك لأن اللَّه تعالى لو أراد أن يؤمن فرعون كرهاً لآمن"[50] .

وقد ربط علم الكلام الإسلامي بين الإرادة والقدرة، فقال علماء الكلام بأن القدرة هي القوة والإرادة هي التنفيذ والتحقيق، فالقدرة هي الإرادة في حال تحققها، والقدرة هي قوة الإرادة[51] ، ومما يروى أن الحبّال الرازي سأل أبا القاسم العامري: لم قلت: إن القدرة لا تتعلق إلا بأن تخرج الشيء من العدم إلى الوجود؟ قال: لأنها لو تعلقت بغير ذلك لتعلقت بالقديم كالعلم فانقطع[52] .

وهكذا، نجد أن المسألة الكلامية الأولى حول التحسين والتقبيح العقليين، قد احتلت مكانة مرموقة في الأبحاث الكلامية، إذ بها أمكن معالجة الكثير من المسائل في الكلام: أفعال العباد، القضاء والقدر، الاختيار، الإرادة، القدرة..

ولعل أهم ما يفرّق المعتزلة عن الأشاعرة هو التعويل على العقل في وعي حقائق الإسلام، وقد رأى المعتزلة بتحكيم العقل على ظاهر الشرع، وإخضاع الدين إلى إعمالات العقل، حتى صاروا يتأولون ما لا ينطبق من الشرع مع الأصول العقلية، تعويلاً على مبدأ التحسين والتقبيح العقليين، وهذا ما صار دافعاً للشيخ الأشعري إلى التفريط بدور العقل والانكفاء المفرط على الحديث، كرد فعل احتجاجي على الاتجاه العقلي المعتزلي، الذي صعّد من فعالية العقل، وذهب إلى تأويل بعض النصوص القرآنية، كما في آيات الشفاعة، الدالة على غفران الذنوب بشفاعة الشافعين، وقال بأن المراد من الشفاعة هو رفع درجات الصالحين بشفاعة الشفعاء لا غفران ذنوب الفاسقين، ولذلك انفرد المعتزلة في القول بعدم شفاعة المؤمنين بعضهم في بعض، كما ذهب المعتزلة إلى نفي عصمة الأنبياء في غير مجال التشريع، وأنه قد يصدر منهم فعل الصغائر[53] ، وإن دافع عنهم الشريف المرتضى (355 - 436هـ) الذي نفى قولهم بغير العصمة المطلقة للأنبياء في توجيه عقلي متقن[54] .

في الواقع، إن موضوعات الجدل في حقل الفكر الإسلامي كما طرحها المعتزلة، وهي بالتأكيد تكشف عن جذور العلمنة في تاريخ الفكر الإسلامي، تميط اللثام عن الموقف العقلي المتحرر لدى المعتزلة من موضوعات دينية عديدة، فعلى الضد من الأرثوذكسية الإسلامية، التزم المعتزلة موقفاً تشكيكياً في صحة الروايات الخاصة بالكرامات والمعجزات، فقد أنكروا على "أن الخضر موجود في هذا الزمان، حي، كامل العقل"[55] ، كما أنكروا حديث محاربة الإمام علي الجن بأمر من الرسول ، وهذا الحديث روته مصادر الحديث عند المسلمين عامة، وقد شنّع الشيخ المفيد (ت 413هـ) من أعلام الشيعة الإمامية على المعتزلة لرفضهم هذا الحديث، بما نصه: "فإنها -أي المعتزلة- لميلها إلى مذهب البراهمة فتدفعه -أي الحديث- ولبعدها عن معرفة الأخبار تنكره، وهي سالكة في ذلك طريق الزنادقة فيما طعنت به في القرآن وما تضمنه من أخبار الجن وإيمانهم باللَّه ورسوله"[56] . وكان لهم أيضاً مواقف مفترقة حول: عدالة الصحابة[57]  وأجل المقتول[58]   وخلق الجنة والنار[59] .

إن هذه النزعة العقلانية لدى المعتزلة والتي تهب العقل صلاحية استثنائية موازية للشرع، وكأن العقل يعمل مستقلاً عن السمع (أي النقل = النص) تصلح مدخلاً لفهم موضوع العلم الذي ظل محبوساً ومزدهراً في نفس الوقت داخل إطار الأبحاث الكلامية الإسلامية، حيث قسّموا العلم -كلامياً- إلى إلهي وإنساني، والإنساني إلى ضروري يثبت بالمعرفة الحسية والبداهة العقلية والاستدلالي يثبت بالنظر الذي يعتبر أوّل واجبات المكلف عند المعتزلة[60] ، ومنه انبثقت نظرية التوليد، للرد على كيفية إفادة النظر للعلم، وكان هناك أربعة اتجاهات:

الأول: يقول بأن النظر يفيد العلم عن طريقة الرياضة النفسية، أي بالتأهيل النفسي لمستوى تقبل الفيض والإلهام، ويجعل مصدر الإلهام من خارج الشعور وليس من داخله "وهذا يجمع بين تصوري المعتزلة والأشاعرة لأنه يقوم على الوجوب، مثل المعتزلة، أي وجوب إفادة النظر للعلم ضرورة ولكنه وجوب من "العقل الفعّال" الذي منه يفيض العلم إلى داخل الشعور"[61] .

الثاني: قد يفيد النظر العلم عن طريق الوجوب لا عن طريق التولد: أي لزوم النتائج والمقدمات ضرورة، ويعني عدم التولد أن تكون هذه الضرورة خارجية وليست داخلية، لأن الممكنات كلها مستندة إلى "اللَّه" واللَّه لا يجب عليه شيء.

الثالث: يفيد النظر العلم، عن طريق العادة، بمعنى الإعداد أو الإفادة أو التضمين أو الاقتضاء طالما مارس الإنسان النظر أو العلم. وهذا هو رأي الأشاعرة، أي أن النظر يتحقق عن طريق ما يودعه اللَّه في الإنسان من علوم.

الرابع: النظر يفيد العلم عن طريق التوليد (وهي نظرية المعتزلة)، أي أن فعلاً يوجب فعلاً آخر، فالنظر فعل للإنسان يتولد منه فعل آخر هو العلم.. وهكذا.

والتوليد حادث في الشعور، فالشعور تيار مستمر تتوالى أفعاله فيتولد العلم، وهو الاستنباط الصوري أو استنباط النتائج من المقدمات ولكن على مستوى أفعال الشعور[62] ، والتوليد في نهاية الأمر هو فعل الإنسان المباشر المتولد عن فعله المباشر، أي الخضوع إلى مبدأ السببية المكوّن من السبب والمؤثر.

وهكذا، فإن موضعة المعتزلة، بوصفها الاتجاه العقلاني في الإسلام - ظهرت في مرحلة مبكرة، وربما ذهب البعض في تشريح هذه العقلنة، بما تستبطن من بذور علمنة حقيقية في الفكر الإسلامي، إلى القول بأن المعتزلة تقعّدت على الركنين الأساسيين اللذين قامت عليهما النهضة الحديثة في أوروبا وهما الشك والتجربة. هكذا وصف أحمد أمين، إبراهيم بن سيّار المعروف بالنظام (ت 221هـ) حيث ظهرت نزعة الشك عند النظام في قوله: "والشّاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى صار فيه شك، ولم ينتقل أحد من الاعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك..

أما التجربة -والكلام لأحمد أمين- فقد استخدمها -النظام- كما يستخدمها الطبيعي أو الكيمياوي اليوم في معمله"[63] .

وتتموضع مسألة التجربة ضمن خط التمايز بين المحسوس وغير المحسوس وما ينشأ عنهما من معرفة، فالعلم حسب سيّار: حسي ولا حسي، والحسي منه لا يصح العلم به إلا من جهته، وأما غير المحسوس فضربان: قديم، وعرض، وليس طريق العلم بهما الخبر، وإنما يعلمان بالقياس والنظر، دون الحس والخبر"[64] .

وما يمكن الخروج به من العرض السابق، أن في هذه النظرية (التوليد) تقبع الخلفية الكلامية للثنائية الجدلية بكل مترادفاتها: التقليد والاجتهاد، والنص والاجتهاد، والنقل والعقل في الإسلام.

وكان بالإمكان لحركة الجدل أن تأخذ طريقها في الأمة عن طريق مجالس المعتزلة، لولا الضربة القاصمة التي تعرض لها المعتزلة في زمن المتوكل الذي بدد تراثاً ثقيلاً ونشطاً للمعتزلة تشكل وتجمع منذ زمن المأمون العباسي (170 - 218هـ) الذي ناصر المعتزلة ووهبهم دعمه وتأييده، فبلغ نشاطهم الفكري مديات بعيدة، واستمر الحال في عهد المعتصم والواثق، إلى أن جاء المتوكل (تولى الخلافة عام 232هـ) حيث تعرض رؤساء المعتزلة للتنكيل والإقصاء، فيما وجد أهل الحديث طريقاً ممهداً وسهلاً، وأغلقت مجالس الجدل وتوقفت حركة المناظرات العقدية وأمر الناس بالتسليم والتقليد وأمر المحدثين بترويج الحديث وإظهار السنة والجماعة على حد المسعودي[65] .

لقد كتب على يد المتوكل العباسي نهاية الحركة الانسية في التاريخ الإسلامي، والتي تنامت خلال قرن من الزمن، فنكّل برؤساء المعتزلة وقرّب أهل الحديث يقول السيوطي "فأظهر الميل إلى السنة، ونصر أهلها ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك في سنة أربع وثلاثين -ومائتين-، واستقدم المحدثين إلى سامراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه نحو ثلاثين ألف نفس، وتوفر دعاء الخلق للمتوكل، وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له، حتى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه في قتل أهل الردة وعمر بن عبدالعزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة، وإماتة التجهم"[66] .

كما تعرض الشيعة لحملة كراهية مماثلة، وكان المتوكل شديد العداء لآل البيت ، فقد أمر في سنة 236هـ بهدم قبر الحسين حتى أثار حنق الشعراء وهجوه، كما يظهر في هذه الأبيات:

بالله   إذا  كانت  أمية  قد  iiأتت
فلقد    أتاه    بنو   أبيه   بمثله
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا


قتل   ابن  بنت  نبيهاً  iiمظلوما
هذا    لعمري    قبره   iiمهدوماً
في     قتله    فتتبعوه    iiرميما

ومما يروى أن المتوكل قتل إمام العربية يعقوب بن السكِّيت سنة 244هـ، فإنه إلى تعليم أولاده، فنظر المتوكل يوماً إلى ولديه المعتز والمؤيد، فقال لابن السكيت: من أحب إليك هما أو الحسن والحسين؟ فقال: قنبر -يعني مولى الإمام علي- خير منهما، فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات، وقيل أمر بسلِّ لسانه فمات[67] .

واقتفى سيرته من بعده الخلفاء العباسيون: المنتصر باللَّه (تولى سنة 247هـ) والمستعين باللَّه (تولى سنة 248هـ) والمعتز باللَّه (تولى سنة 252هـ) والمهتدي (تولى سنة 255هـ) والمعتمد (تولى سنة 256هـ) والمعتضد (تولى سنة 279هـ) والمكتفي (تولى سنة 289هـ) والمقتدر (تولى سنة 295هـ).

وظهر في غضون هذا الفترة (في ولاية المقتدر من 295 - 320هـ) الإمام أبو الحسن الأشعري (ت 324 - 936)، وكان مداوماً على الاعتزال مدة طويلة، ثم قدم توبة علنية، وكتب النقوض عليه، وأسس مذهباً معتدلاً ليس معتزلياً عقلياً ولا حنبلياً نقلياً، وإنما طريقة تقترب من أهل الحديث مع أفراد مساحة للعقل، ولذلك قيل عن العقيدة الأشعرية بأنها "عقيدة حنبلية معدّلة، وقد تصرفت في جميع ما كان غير مقبول في العقيدة الأم، وهي الحنبلية" وإن كان هذا الموقف لم يحل دون ظهور مخالفين للأشعري، ومنابذين لطريقته فابن حزم عدّه من الجبرية، لرأيه في أفعال الإنسان، ويعدّه من المرجئة في مرتكب الكبيرة[68] .

وفي الواقع، أن الأشعري الذي حاول إظهار المبالغة في التمسك بالحديث، واقتفاء طريقة الإمام أحمد بن حنبل حسب نصه "ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل، قائلون ولمن خالف قوله مجانبون.." إلا أن أهل الحديث لم يقبلوا بمذهبه القائم على أساس التوفيق بين الشرع والعقل، إما لكونه متحدراً من التيار المعتزلي الذي تقلب فيه لعقود، وبالتالي تأثره بطريقتهم حتى بعد تنكبه عنهم، وإما لكونه يتوسل بالكلام في تنضيد الشريعة، وقد ذكر ابن الجوزي "أن الأشعري ظل على مذهب المعتزلة زماناً طويلاً، ثم تركه وأتى بمقالة خبط بها عقائد الناس". ولذلك ليس غريباً أن يتبطن الأشاعرة -فيما بعد- منهج المعتزلة، بعد أن خاضوا المناظرات المفتوحة مع رؤساء المعتزلة، وهم في ذلك يقتربون من طريقتهم ويستوعبون منهج تفكيرهم، وهذا ما جعل المتأخرون يحمّلون أبا الحسن الأشعري نفسه مسؤولية "الانحراف" الذي تعرضت له الجماعة، وهذا ما شجّع رموز مدرسة الحديث مثل ابن تيمية وابن الجوزي وابن حزم، على نقد الأشاعرة، والدعوة إلى العودة لطريقة السلف الأولى.

وكان أبو الحسن الأشعري يقول: "لا خالق إلا اللَّه، وأن أعمال العباد مخلوقة للَّه مقدورة، كما قال : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ الصافات: 96، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يخلقون كما قال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ فاطر: 3، وكما قال: ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ النحل: 20"[69] .

وواجه الأشعري، في رأيه هذا، انتقاداً حاداً على أساس أن القول بأن أفعال العباد مخلوقة للَّه سبحانه مستلزماً للجبر، وحاول الأشعري أن يعالج هذه الإشكالية بإضافة "الكسب" إلى الخلق، قائلاً بأن اللَّه هو الخالق والعبد هو الكاسب، إذ يصبح معيار الطاعة والعصيان والثواب والعقاب هو "الكسب" دون الخلق، فكل فعل صادر عن كل إنسان مريد، يترد بين بعدين "الخلق" و "الكسب" فالخلق والإيجاد من اللَّه، والكسب من الإنسان.

ولربما تسبق نظرية الكسب التي اشتهر بها الأشعري تاريخه، فقد ذكر القاضي عبدالجبار أن ضرار بن عمر (من رجال منتصف القرن الثالث الهجري)، كان يختلف إلى واصل بن عطاء، ثم صار مجبراً وعنه نشأ هذا المذهب: أنها (أي أفعال العباد) متعلقة بنا ومحتاجة إلينا، ولكن جهة الحاجة إنما هي الكسب، فقد شارك جهماً في المهذب، وزاد عليه في الإحالة[70] .

وقد مرت نظرية الكسب بمراحل ثلاث:

الأولى: مرحلة الدعوة والبيان، حيث حصلت على إسناد وتعضيد القاضي الأشعري أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ - 1013م)، إبان المجابهة الفكرية مع المعتزلة الذين تكاثرت مجالس مذاكراتهم في شيراز، إضافة إلى مجالسهم في العراق، فاستدعى عضد الدولة الباقلاني وكان عالماً بالبصرة، فحضر إلى شيراز ودخل في مناظرات مع رؤوس المعتزلة، وناصر المذهب الأشعري وهناك بشّر بنظرية الكسب.

الثانية: مرحلة التكامل والانتشار، وقد تحمل أبو حامد الغزالي (ت 505هـ - 1111م) (انظر: الاقتصاد في الاعتقاد) وسعد الدين التفتازاني (1312 - 1390م) (انظر: شرح العقائد النسفية)، ثم جاء الفقيه الحنفي ابن الهمام (ت 861هـ/ 1457م) الذي بلغت النظرية مدى اجتماعياً وفكرياً واسعاً وبخاصة في مصر.

الثالثة: مرحلة الإنكار والانكسار: وتمتد هذه المرحلة إلى الهجوم الكاسح الذي شنَّه إمام الحرمين الإمام أبو المعاد الجويني (ت 478هـ)، أستاذ الإمام الغزالي، وواصل الشيخ عبدالوهاب الشعراني (ت 973هـ/ 1565م) (انظر: اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر)، وأخيراً نقدها الشيخ محمد عبده في (رسالة التوحيد) وقال بأن: "الاعتقاد بكسب العبد لأفعاله يؤدي إلى الإشراك باللَّه وهو الظلم العظيم.." وقال أيضاً: إن الشريعة الإسلامية جاءت لـ"تقرير أمرين عظيمين. الأول: أن العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته، والثاني: أن قدرة اللَّه هي مرجع لجميع الكائنات وأن من آثارها ما يحول بين العبد وبين انفاذ ما يريده، وأن لا شيء سوى اللَّه يمكن أن يمد العبد بالمعونة، فيما لم يبلغه كسبه.."[71] .

وحقيقة، يتموضع رأي الشيخ عبده في منزله بين منزلتين (بين المعتزلة والأشاعرة)، فهو لم يذهب إلى القول بخلق الإنسان لأفعاله، أو حاصل قول الأشاعرة (الجبر + الكسب).

وعلى أية حال، فقد واصلت مدرسة الحديث تقدمها برعاية تامة وكاملة من السلطة العباسية فيما واصل، في المقابل التيار المعتزلي انحساره وتقهقره، وتنبّه تدابير السلطة إلى وجود ميل حقيقي وجاد نحو إعاقة تمدد حركة العقلنة عبر كسر تيار المعتزلة.

ففي منتصف القرن الرابع الهجري، وجد تيار المعتزلة فرصة ذهبية بعد ظهور الدولة البويهية في القرن الرابع الهجري، لاستئناف نشاطه الفكري، وكان للوزير الصاحب بن عباد (تولى الوزارة من 366 - 385هـ) دور رئيسي في نشر وإذكاء الفكر الاعتزالي، على مذهب أبي هاشم الجبائي، ويقول البغدادي (المتوفي سنة 429هـ) "وأكثر معتزلة عصرنا على مذهبه -مذهب أبي هاشم الجبائي- لدعوة ابن عباد وزير آل بويه إليه"[72] ، انطلاقاً من مبادرة عضد الدولة، وكان من أبرز وأعظم ملوك بني بويه (ت 372هـ)، وقد اشتهر برعايته للعلم والعلماء ومجالس الأدب، وقاد نهضة علمية وأدبية طار صيتها في الآفاق،وكان عضد الدولة أفرد في داره موضعاً للمدارسة والمناظرة بين الحكماء والفلاسفة، وقرّب من منزله أهل الاختصاص من كل فن وأدب، فكانت داره تحفل بالحوارات العلمية، استقطبت إليها بعض رموز المعتزلة، الذي احتسب خطوة عضد الدولة بمثابة إجازة سلطانية باستئناف نشاطه الفكري، فاجتهد بفعالية عالية في هذه المجالس، وبرز منهم أبي سعد، وبشر بن الحسين قاضي قضاة شيراز (ت 380هـ) رئيس المعتزلة ببغداد وأبي إسحاق النصيبيني رئيسهم بالبصرة، وأبي الحسن: محمد بن شجاع، وقد لاحظ عضد الدولة خلو مجلسه من أهل الحديث، مما أساءه كثيراً، فقال: هذا ليس مجلس عامر بالعلماء إلا أني لا أرى فيه واحداً من أهل الإثبات والحديث، أما لهؤلاء المثبتة من ناصر؟ فقال القاضي بشر: ليس لهم ناصر، وإنما هم عامة، أصحاب تقليد ورواية، يروون الخبر وضده، ويعتقدونهما جميعاً، لا يعرفون النظر والمعتزلة هم فرسان الجدل والمناظرة، فأصر عضد الدولة على حضور رجل من أهل الحديث، فأشاروا عليه باستقدام أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ)، وكان عالماً بالبصرة، وقد عرف عنه تطويله في المناظرة، ورغم نصح شيخه بعدم الذهاب إلى دار عضد الدولة خشية أن يقال: إنه أكثر من العلماء حوله، إلا أنه أصر على الحضور حتى لا يصيبه ما أصاب أحمد بن حنبل الذي رفض حضور مجلس المأمون فجرى عليه ما جرى، ولو ناظروه لكفى شرهم، وهانذا سأفعل فذهب إلى شيراز إلى دار عضد الدولة[73] ، فكانت له صولات مع رؤساء المعتزلة.

ولكن استدراج المعتزلة إلى مجالس المناظرة، والنزوع إلى التوهج ما لبث أن انتهى إلى انطفاءة سريعة منذ تولى القادر باللَّه الحائز على تعضيد بهاء الدولة - ابن عضد الدولة، الذي مكّن القادر من السلطة بصلاحيات واسعة بعد خلع الطائع، فتدخل القادر بصورة علنية ومباشرة في أوائل القرن الخامس الهجري لوضع حد للمناظرات المذهبية المحتدمة عام 408هـ، وصدر بيان من قصر الخليفة العباسي القادر (تولى 381هـ) يندد بفكر المعتزلة ويطالبهم بالتخلي عن الكلام، ووقف الترويج لأفكارهم، وتمجيد الماظرات وحملات الدعاية لفكر الاعتزال، بوصفها سلوكيات مخالفة للإسلام، وضمن البيان تحذيراً شديد اللهجة بإنزال أقسى العقوبات بمن يخالف مقتضى الأمر الخليفي، وقد استتاب القادر باللَّه فقهاء المعتزلة فاظهروا الرجوع وتبرؤوا من الاعتزال والمقالات المخالفة للإسلام وأخذت خطوطهم لذلك (= تعهدات خطية) وأنهم متى خالفو أحل فيهم من النكال والعقوبة.

ولقي التحذير قبولاً لدى بعض الولاة والسلاطين، فقد شنّ ثالث ملوك الغزنويين السلطان محمود بن سبكتكين (970 - 1030م)، امتثالاً لأمر الخليفة، حملات اضطهاد وحشية تضمنت القتل والنفي الحبس واللعن على المنابر في أعماله التي استخلف عليها من بلاد خراسان وغيرها لرجال المعتزلة وسرت إلى باقي الفرق التي تقع خارج مسمى (أهل السنة والجماعة) مثل الشيعة بكافة فرقها والجهمية وغيرهم[74] .

وفي الوقت نفسه، صدر كتاب سمي "الاعتقاد القادري" عام 433هـ، وأمر بتلاوته في الدواوين ووضع الفقهاء خطوطهم في هذا الكتاب تأييداً لما جاء فيه، وتحقيقاً للاصطفاف الشعبي حول العقيدة الرسمية الواردة في هذا الكتاب، ولذلك عدّوا التصديق بما جاء في هذا الكتاب إيماناً ومخالفته فسقاً وكفراً، ومما جاء من كلام في نبذ اعتقادات المعتزلة: "..وإن كلام اللَّه تعالى غير مخلوق، تكلم به تكلَّماً، وأنزله على رسوله صلى اللَّه عليه وسلم على لسان جبريل بعدما سمعه جبريل منه، وتلاه محمد على أصحابه، وتلاه أصحابه على الأمة، ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقاً، لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم اللَّه به، فهو غير مخلوق، وفي كل حال متلواً ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً، ومن قال إنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه"[75] .

وهكذا انتهت الحملة الرسمية المتصلة، بكل تدابيرها القاسية ودعاياتها المضادة، إلى أن يتحول المذهب المعتزلي مذهباً نخبوياً، ينتمي إليه ذوو الكفاءات العلمية والنزعات العقلية، فيما تحول مذهب الأشعري إلى مذهب الجمهور العام والسلطة سواء بسواء، أي مذهب الجماعة، وصار الجمهور جزءاً من أسلحة السلطة ضد مناوئيها المعتزلة، وشارك هذا الجمهور في الإجهاز على فلول المعتزلة في معاقلهم، ففي سنة 456هـ، كما يروي ابن الجوزي، هجم قوم في بغداد من أصحاب عبدالصمد علي أبي علي بن الوليد، مدرس المذهب المعتزلي، فسبوه وشتموه لامتناعه عن الصلاة في الجامع، وتدريسه للناس بهذا المهذب، وأهانوه وجروه، ولعنت المعتزلة في جامع المنصور[76] .

المذاهب الفقهية
فإثر نجاح العباسيين في تقويض دولة الأمويين نشطت الحركة العلمية في عدد من مراكز الدولة الإسلامية في المدينة المنورة والبصرة والكوفة، فانفرزت داخل الحركة العلمية مدرستان: مدرسة الحديث ومركزها المدينة المنورة، ومدرسة الرأي والقياس وكانت في العراق، وربما السبب في تمايز المدرستين أن الأولى احتفظت بموقعها كحاضنة للسنة لما ضمت من أهل الفتيا من أهل بيت النبي وجمع من الصحابة والتابعين، وبالتالي تحصنت قبالة حركة الترجمة للكتب الكلامية الإغريقية من اليونان عبر بلاد الشام ومصر ومن فارس عبر العراق، بخلاف مدرسة الرأي التي نشأت في العراق، حيث كان الحديث فيها قليلاً مما سمح لها بتعويض الفراغ عن طريق آليات جديدة لاستنباط الأحكام الشرعية إلى جانب الحديث. فكانت مدرسة الرأي تولي عناية بتحصيل الأحكام من خلال القياس بالرأي، ومن خلال المعنى المستنبط من الأخبار النبوية في حال غياب نص في الكتاب والسنة الصحيحة. أما مدرسة الحديث في المدينة المنورة فلم تجعل للقياس طريقاً لاستنباط الأحكام، بل وقف أقطاب مدرسة الحديث بشدة إزاء مدرسة الرأي والاجتهاد، وكان سندهم أن الاجتهاد طلب غلبة الظن فيما لا دليل عليه، والظن لا مجال له في الشريعة المبنية على أساس العلم.

وانقسم أهل الفتيا إلى فرقتين، وتمسكت كل فرقة بما هي عليه، وتطور الانقسام فيما بعد إلى ظهور المذاهب فكان مالك بن أنس (93 - 179هـ) على رأس فرقة الحديث وأنصاره سفيان الثوري (ت 161هـ) ومن وافقه من أهل الحجاز، ثم أخذ الشافعي (ت 204هـ - 820م) وأحمد بن حنبل (ت 241هـ) عن مالك ولكن الشافعي سلك منهجاً وسطياً بين أصحاب الرأي وأصحاب الحديث، فيما تزعم أبو حنيفة النعمان (80 - 150هـ) مدرسة الرأي في مقابل مالك بعد موت قطبها البارز إبراهيم النخعي عام 95هـ، وكان له أنصار كثر من أبرزهم محمد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف القاضي، وزفر بن الهذيل، وأبو مطيع البلخي، وبشر المريسي، وقد مهّدت مدرسة الرأي -التي تأثرت بالفكر المعتزلي- لعلم أصول الفقه قبل شروع الشافعي في تطويره وتعميمه.

وبسبب توفر المناخات العلمية الحرة في بعض عهود الدولة العباسية، أصبح في كل بلد إمام له مذهب ينسب إليه، وله أتباع يأتمرون بفتاويه، وقد احتل كل منهم مكانة مرموقة في نظر معاصريه حتى نالوا درجة رفيعة من الاحترام والتقدير، ولكن لم يكتب لمذاهبهم الديمومة لظروف ذاتية وموضوعية (= خارجية) فتلاشت فيما استقام أمر المذاهب الأخرى المعروفة اليوم، وقد أحصى المؤرخون نحو عشرين مذهباً انقرض القسم الأعظم منها وهي:

1- مذهب عمر بن عبدالعزيز (ت 101هـ).

2- مذهب عامر بن شرحبيل الشعبي (ت 105هـ).

3- مذهب الحسن البصري (ت 110هـ).

4- مذهب أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش (ت 148هـ).

5- مذهب عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت 157هـ).

6- مذهب سفيان الثوري (ت 161هـ).

7- مذهب أبو الحارث الليث (ت 175هـ).

8- مذهب سفيان بن عيينة (ت 198هـ).

9- مذهب إسحاق (ت 238هـ).

10- مذهب أبي ثور (ت 240هـ).

11- مذهب داود الظاهري (ت 270هـ).

12- مذهب محمد بن جرير (ت 310هـ).

وأضاف بعض المؤرخين مذهب عائشة ومذهب عبداللَّه بن عمرو ومذهب عبدالله بن مسعود ومذهب إبراهيم النخعي ومذهب عبداللَّه بن أباض وغيرهم. ولكن جميع هذه المذاهب اختفت فيما واصلت المذاهب الأربعة سيرها متمثلة في مذهب أبي حنيفة النعمان (ت 150هـ) ومذهب مالك بن أنس (ت 179هـ) ومذهب محمد ابن إدريس الشافعي (ت 204هـ)، ومذهب الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت 241هـ)، وكاد أن يصيب المذهب الحنبلي ما أصاب المذاهب القديمة لولا تداركه الشيخ محمد بن عبدالوهاب ليكتب له تاريخاً جديداً في الجزيرة العربية.

وكانت طبيعة الظروف السياسية بما اشتملت عليه من مناخات فكرية مؤاتية وانتعاش للحريات المذهبية والمقالات الدينية قد دشّنت حركة التدوين والتاليف وسمحت بانتشار المذاهب الفقهية، التي كانت تتخذ من القضاء الشرعي في أقطار الدولة العباسية سبيلاً إلى الانتشار، وكانت حاجة الحكام العباسيين إلى إضفاء الصبغة الدينية على سلطانهم السياسي دفعت بهم إلى التقرّب من الفقهاء فآثروا تشجيع ونشر العلم الشرعي، وكانوا يفضّلون مذهب أبي حنيفة لقوله بالقياس والرأي، ولقربه من عاصمة الخلافة، فكان القاضي أبي يوسف الأنصاري (ت 182هـ) وكان على مذهب أبي حنيفة قاضياً لثلاثة من الخلفاء واستطاع من خلال منصبه في القضاء نشر مذهب أبي حنيفة حتى قال عمار بن أبي مالك لولا أبو يوسف لما ذكر أبو حنيفة.

أما المذاهب الفقهية الأخرى والتي تمثل أهل الحديث ومركزها الحجاز فكانت أقل حظوة وحظاً، بل نال رؤساؤها من الأذى والهوان ما جعل مالك بن أنس وهو من كبار الفقهاء وكانت تثنى له الوسادة في مجالس أهل العلم يضرب بالسياط ويجرّد من ثيابه لقولته: "ليس على مستكره بيعة"، والتي خضعت لتفسير سياسي، تعويلاً على تعاطف الإمام مالك مع العلويين الذين أكرهوا على مبايعة الخليفة العباسي، إلى أن قيّض له من يبصر قدره ويعين على نشر مذهبه في الآفاق، وتعرض أحمد بن حنبل للضرب والسجن لمخالفته رأي المأمون في حادثة خلق القرآن، وكان بعده عن السلطان ومخالفته له قد دعت أنصاره إلى الانتقال إلى مذهب أبي حنيفة - المذهب الرسمي للسلطة، وهكذا الحال بالنسبة للشافعية.

المذاهب بين الاجتهاد والتقليد
كان أئمة المذاهب -باستثناء المذهب الجعفري- يصدرون في الفتيا عن الاجتهاد الذي يعني لغة بذل الوسع فيما فيه كلفة وفي الاصطلاح الفقهي: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن غالب بحكم، والاجتهاد ملكة تتوفر في الفقيه تمكنه من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها أو مصادرها. فكان لكل مذهب مصادره التي قد تشترك في بعضها مع المذاهب الأخرى وقد تفترق في بعضها الآخر، فقد اتفق أئمة المذاهب على مصدرين أساسيين هما: الكتاب والسنة، واختلفوا في الثاني من حيث صحة الحديث وسنده وموثوقيته. فأخذ الإمام أبو حنيفة بإضافة الكتاب والسنة، الإجماع والقياس، والاستحسان، والعرف[77] . وأخذ الإمام الشافعي الكتاب والسنة والإجماع والقياس[78] . وأخذ الإمام أحمد بأصول خمسة الكتاب، والسنة، وإجماع أهل العصر من العلماء، قول الصحابي إذا انتشر ولم يعرف له منكر، والقياس (لضرورة) وأضاف بعضهم أصولاً أخرى ثلاثة هي المصالح المرسلة والاستصحاب والذرائع[79] . أما الأصول الفقهية عند الإمام مالك فهي تسعة: الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والعرف، وإجماع أهل المدينة، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع[80] . أما الشيعة الإمامية فقد أخذ الأئمة بالكتاب والسنة فحسب، وبعد غيبة الإمام المهدي في النصف الأول من القرن الثالث الهجري أضيف مصدر الإجماع، واستقام الحال حتى بداية القرن الخامس الهجري، وكان الأئمة وفقهاء الشيعة يحرمون الاجتهاد بوصفه "طلب غلبة الظن فيما لا دليل عليه، والظن لا مجال له في الشريعة، ولا يصح أن يطلب في الظن تحريم شيء منها أو تحليله لأن الشريعة مبنية على ما يعلمه اللَّه تعالى من مصالحنا"[81] ، ثم استكملت مصادر التشريع الشيعية شروطها بصورة عملية ونهائية في عهد الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن المعروف بـ(المحقق الحلي)، توفي سنة 676هـ، بعد أن تمت تسوية النزاع حول مسألة الاجتهاد[82] ، فأصبحت مصادر التشريع لدى الشيعة الإمامية أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل.

النزاع العلمي بين أئمة المذاهب
ساد المناخ العلمي ساحة الاختلاف بين أئمة المذاهب الإسلامية، فكانت المناظرات تنعقد بينهم بما لا يتجاوز طلب الحقيقة وحدود النقض العلمي لما ينتهجه الآخر، وكان سبيل كل إمام قدرته على الإقناع ومقارعة الحجة بالحجة والتزام أدب الحوار العلمي الحر، والنقد الرصين القائم على أساس الأمانة وتحري الإبانة للدليل الشرعي.

فكان اختلاف أئمة المذاهب في الرأي سبيلاً إلى نشاط علمي مثري يسوده الحوار الرفيع، والمناظرة العلمية التي تمحّص أدلة المناظرين وتخبر عن قوتها. ومن نماذج تلك المناظرات:

- روي أن أحمد بن حنبل ناظر الشافعي في تارك الصلاة، فقال له الشافعي:

يا أحمد أتقول: إنه يكفر؟

قال أحمد: نعم.

قال الشافعي: إذا كان كافراً فبم يسلم؟

قال أحمد: يقول: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه.

قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول ولم يتركه.

قال أحمد: يُسلم بأن يصلي.

قال الشافعي: صلاة الكافر لا تصح، ولا يحكم بالإسلام بها.

فانقطع أحمد وسكت[83] .

وروي عن عبداللَّه بن أبي شبرمة أنه قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد الصادق، فسلمت عليه وكنت له صديقاً، ثم أقبلت على جعفر وقلت له: أمتع اللَّه بك، هذا رجل من العراق وله فقه وعقل، فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه؟ ثم قال: أهو النعمان؟ فقال أبو حنيفة: نعم أصلحك اللَّه. فقال جعفر الصادق: اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره اللَّه بالسجود لآدم، فقال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.

قال ابن شبرمة: ثم قال جعفر الصادق: أيهما أعظم قتل النفس أو الزنى؟ قال أبو حنيفة: قتل النفس. قال جعفر: فإن اللَّه عز وجل قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنى إلا أربعة. ثم قال: أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ فقال أبو حنيفة: الصلاة، قال الصادق: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة. اتق اللَّه يا عبداللَّه ولا تقس، فإنا نقف غداً نحن وأنت بين يدي اللَّه فنقول: قال اللَّه عز وجل وقال رسول اللَّه وتقول وأنت وأصحابك: قسنا ورأينا، فيفعل اللَّه بنا وبكم ما يشاء[84] .

من جهة أخرى نجد أن أئمة المذاهب رغم الاحترام المتبادل فيما بينهم، فإن ذلك لم يقف حائلاً أمام نقد الآخر وبيان  الرأي فيما ينتهجه دون شطط لأن غاية نقدهم العلم لا النيل من الأشخاص، فقد سئل الإمام أحمد عن مالك بن أنس، فقال: حديث صحيح ورأي ضعيف، وسئل عن الأوزاعي، فقال: حديث ضعيف ورأي ضعيف، وسئل عن أبي حنيفة، فقال: لا رأي ولا حديث، وسئل عن الشافعي، فقال: حديث صحيح ورأي صحيح[85] .

ولم تذكر كتب السير أن أئمة المذاهب شهروا سيف البغي في وجه بعضهم أو حطوا من قدرهم أمام العامة، بل كانوا يجلون بعضهم ويرفعون من شأنهم تحكي بذلك تصريحاتهم، فقد قال الإمام أبو حنيفة عن الإمام جعفر الصادق ، بعد مسائل أعدها بطلب من الخليفة المنصور ليلقيها على الإمام جعفر، فلما أتى على الإجابة عنها كلها بحسب الآراء السائدة في عصره فكان يقول: "أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فقال عنه أبو حنيفة: اعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس"، وكان يقول الشافعي في أبي حنيفة: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة"، وقال أحمد فيه: "إن أبا حنيفة من العلم والورع والزهد وإيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد، ولقد ضرب بالسياط ليلى المنصور فلم يفعل، فرحمة اللَّه عليه ورضوانه"، وقال الشافعي في أحمد: "خرجت من العراق، فما خلفت بالعراق رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أتقى من أحمد بن حنبل"، وقال أحمد في الشافعي: "ما أحد مس بيدة محبرة ولا قلماً، إلا وللشافعي في رقبته منة، ولولا الشافعي ماعرفنا فقه الحديث، وكان الفقه قفلاً على أهله حتى فتحه اللَّه بالشافعي"، وقال الشافعي في مالك: "ما في الأرض كتاب مثل الموطأ".

بين الإبداع والاتباع
لقد بنى كل إمام طريقته في الاجتهاد على ما وضعه من أصول فقهية، وطالب الناس أن يتحروا الدقة فيما يجتهد فيه، وأن يعرضوا أقواله على الكتاب والسنة، كما تدل على ذلك تصريحات أئمة المذاهب فقد نهى الإمام مالك أصحابه عن تدوين فتاويه، وكان يقول عن الموطأ: هو رأي مالك، ونقل عنه قوله: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة"، كما كان ينهى أبا حنيفة عن كتابة فتاويه، وكان رأى تلميذه أبا يوسف يكتب ما يقول فقال له: "ويحك يا يعقوب أتكتب كل ما أقول، إني قد أرى رأياً اليوم، وأخالفه غداً، وقد أرى الرأي غداً وأخالفه بعد غد" وكان الشافعي يحث أصحابه على مخالفته إذا وجد حديثاً يخالفه[86] . ونقل عنه قوله: "اتباع الإنسان غيره فيما يقول، بقول أو بفعل، معتقداً فيه من غير نظر، وتأمل في الدليل، كأن هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه"[87] ، ونقل عن أبي حنيفة قوله: "هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحداً عليه ولا نقول: يجب على أحد قبوله بكراهية فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به"، وقال أحمد بن حنبل: "لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا"[88] ، ونقل عنه أنه كان يكره أن يكتب شيء من رأيه أو فتاويه، وقال الإمام أحمد: بلغني أن إسحاق الكوسج يروي عني مسائل بخراسان، اشهدوا أني قد رجعت عن ذلك كله[89] .

ولذلك نهى أئمة المذاهب الناس عن تقليدهم، حتى أن مالك حين وضع كتابه (الموطأ) بأمر المنصور، وقال له: ضعه فما أحد اليوم أعلم منك[90] ، امتنع مالك وقال: "يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم"[91] ، ولما طلب هارون الرشيد من مالك بتعليق الموطأ على الكعبة لحمل الناس عليه فقال مالك: "يا أمير المؤمنين أما تعليق الكتاب في الكعبة. فإن أصحاب رسول اللَّه اختلفوا في الفروع، وافترقوا في البلدان، وكل عند نفسه مصيب" وأضاف: "يا أمير المؤمنين: إن اختلاف العلماء رحمة من اللَّه على هذه الأمة. كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى وكل يريد اللَّه"[92] ، كما لم ينقل التاريخ عن أبي حنيفة كتاباً يحوي مسائله الفقهية سوى كتاب صغير يسمى (الفقه الأكبر) ليس فيه من الفقه شيئاً، وإنما تضمن بعض المسائل العقدية، فيما ذهب البعض إلى نسبة الكتاب إلى أبي حنيفة البخاري، وإنما دوّن أتباع أبي حنيفة فتاويه ثم بنوا عليه فتاوى أخرى لتشكل في مجملها مجموعة فتاوى المذهب، كما لم يذكر التاريخ أن وضع الإمام أحمد بن حنبل كتاباً في الفقه، رغم أنه أجاب كما قيل عن ستين ألف مسألة بقال الله تعالى، وقال رسول اللَّه، وبما أفتى به الصحابة وقد يضطر إلى استعمال القياس حين لم يكن مندوحة عنه[93] ، وباستثناء الشافعي الذي ألف في الفقه منها كتابه (الرسالة)، لم يدوّن أي من أئمة المذاهب الأخرى كتباً تكون مرجعاً لمن أراد تقليد هذا المذهب أو ذاك، وإنما وضعوا فتاوى معها بعض الأدلة، فبنى من بعدهم المذهب عليها[94] .

وهكذا فقد وعى أئمة المذاهب تماماً الوظيفة المطلوب أداؤها، والمساحة المقررة لهم لمزاولة مهمتهم الشرعية والانسية، بل وأدركوا حدود الفضاء التاريخي والاجتماعي الذي يجب أن تحلق فيه اجهاداتهم، وحذّروا من مغبة إعادة إنتاج وتوزيع تراثهم الفكري والفقهي، فهم في هذا الموقف براء مما وقع في الأزمنة اللاحقة.

ويخبرنا التاريخ أن أول من نقل مذهب أبي حنيفة إلى مصر، كان القاضي إسماعيل بن اليسع الكوفي عندما ولي قضاء مصر من قبل المهدي سنة 164هـ، ولكنه لم يحقق انتشاره والسبب أن القاضي إسماعيل بحسب لسان حال أهالي مصر "أحدث لنا أحكاماً لا نعرفها ببلدنا"، ولكن في ولاية الإمام أبي يوسف القضاء في عصر الرشيد بعد سنة 170هـ، حيث كانت له اليد الطولى في تنظيم جهاز القضاء وتأسيسه على قاعدة مذهبية، فكان أبو يوسف صاحب القرار في تولي القضاة في العراق والشام ومصر وخراسان وبعض البلدان الأخرى، فكان لا يولي إلا من هو على مذهب أبي حنيفة. فيما لعب يحيى بن كثير دوراً رئيسياً في نشر مذهب الإمام مالك في المغرب، وكان لتعضيد وإسناد السلطة السياسية تأثيرهما المباشر والفاعل في تعميم المذهبين الحنفي والمالكي حتى قال ابن حزم: "مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان الحنفي بالمشرق، والمالكي بالأندلس"[95] .

أما الإمام الشافعي فقد انبرى لنشر مذهبه في الشام، القاضي الشافعي أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي المتوفى سنة 301هـ، وكان لمذهب الأوزاعي غلبة في الشام في ذلك الوقت، فلما ولي أبو زرعة القضاء، جعل من المذهب الشافعي مرجعاً في القضاء الشرعي، فحكم به ونشره بين الناس، وكان يهب من يحفظ مختصر المزني مائة دينار، ومذاك تكاثر علماء الشافعية في بلاد الشام. أما الإمام أحمد بن حنبل فقد أرجع ابن خلدون سبب محدودية انتشاره "لبعد مذهبه عن الاجتهاد"، والحقيقة أن أسباب قلة مقلديه كثيرة أبرزها: أن المذهب الحنبلي لم يتحول إلى مذهب للدولة، التي تضطلع بربط استقرارها السياسي ومشروعيتها الدينية وتوطدها الاجتماعي بالمذهب، ثانياً: إن مذهب الإمام أحمد يأتي، من حين التسلسل التاريخي، في أواخر المذاهب الفقهية الكبرى، التي أتيحت لها فرص الانتشار واستحوذت على مساحات اجتماعية واسعة وهامة، وثالثاً: أن الإمام أحمد لم يؤسس لمذهب فقهي حقيقي، فقد كان يعرف لدى أهل زمانه والأزمنة اللاحقة القريبة منه بأنه محدّث وليس صاحب مذهب فقهي، ومن هؤلاء ابن جرير الطبري، الذي أغفل ذكر مذهبه في كتابه "اختلاف الفقهاء" كما لم يذكره الطحاوي والدبوسي والنسفي والأصيل المالكي ممن كانوا يؤلفون في الخلاف، كما لم يضعه ابن عبدالبر في كتابه "الانتقاء في فضل الثلاثة الأئمة الفقهاء"[96] ، ولكن قيض لمذهب الإمام أحمد رهط من الأتباع ممن أوتوا حظاً من العلم والوجاهة فأذاعوه وبثوا أحكامه، ثم كتب على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب نهضته الكبرى، وأصبح المذهب الرسمي للمملكة العربية السعودية.

قراءة نقدية
إن ما سبق عرضه بأكمله، يجيز لنا، الانفتاح، وبقدر كبير من الجرأة، على المسألة الكبرى في بحثنا، ألا وهي مسألة التشكل المذهبي، ومن منظور نقدي، حيث تبرز أمامنا أسباب مباشرة من أهمها:

الأول: نهاية مرحلة النص (انقطاع الوحي)، والذي بات واقعاً قائماً وتحدياً خطيراً منذ وفاة الرسول محمد ، في السنة العاشرة للهجرة، حيث لم يكن بالإمكان إملاء الفراغ الذي أحدثه انقطاع الوحي، أو الركون إلى مرجعية محرزة لإجماع الصحابة وجماعة المسلمين تعوّض مرحلة النص وتفوّض إليها صلاحية ابتكار نصوص جديدة متفرعة عن أو مشتقة من النصوص الأصلية، وبالتالي لم يكن سوى العقل -بحسب الجمهرة الغالبة من المسلمين- القادر على حسم الموقف فهو بنظرنا الوارث الطبيعي للشرع.

الثاني: انبثاث الحق بين أطراف ومصادر متنوعة، حيث لا موثوقية نهائية ومقطوعة، بالإمكان خلعها على مصدر محدد، عطفاً على أن جيل الصحابة الشاهد الأول والمباشر على تراث الوحي المنزل (الكتاب والسنة) لم يكن يحظى بإجماع اللاحقين (التابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم)، إذ اختلفوا في توثيق ما نقل أفراد هذا الجيل، إذ لم يكن سهلاً التأكد من أن ما نقله فرد أو عدة أفراد من هذا الجيل هو تماماً ما سمعه -سمعوه أو شهده- شهدوه.

وربما بسبب عدم التدوين الذي انقطعت محاولاته في فترة مبكرة ساهم في تناقص منسوب المعلومات وتصدع موثوثقيتها وصحتها، وجاء الصراع السياسي المبكر داخل جماعة المسلمين والانفرازات المنشعبة من باطن هذا الصراع وانحيازات تنزع إلى تغليب هذا الطرف على خصمه، ومن ثم دخلت الأفكار المتولدة من هذه الصراعات كعامل جديد في رسم ملامح الفرق العقدية الكبرى (المعتزلة، القدرية، المرجئة، الأشاعرة) والمذهبيات (السياسية) الأم (السنة والشيعة والخوارج)، والمذاهب الفقهية بكل تعدادياتها، والتي اتفقت جميعاً، على البحث في الذات ما يؤكد مزاعمها إفرادياً ونبذ ما يتنافر مع خطها الفكري العام.

وتدريجياً أصبح لكل مذهب تراثه النقلي، الذي يخلع عليه قداسة فوق بشرية، يرجع إليه في بناء معارفه وتدعيمها ودرء "مفتريات" خصومه، وعدّ هذا التراث (صحيحاً) ولم يتم نقد هذا التراث إلا بعد مرور قرون جرت الحاجة بعد أن بلغ التعارض بين النقل والعقل حداً يكاد بدوامه تتمزق الوشائج بينهما، ولم يعد هناك سوى طريقة واحدة للعلاج، تتطلب تفكيك النقل وإخضاعه للنقد والمراجعة والتصحيح.

ثم جاء العلماء (زعماء المذهب والاتباع من بعدهم) باجتهاداتهم لتكمل هذا التراث النقلي لتضاف إلى الكتاب + السنة، أقوال العلماء، وما يتلو ذلك من إضافات بحيث نجد بعد فترة طويلة من الممارسة المذهبية أن الجمهور المتمذهب يتلقى تراثه المذهبي -حسب صياغة أركون- على هيئة كل مركب تختلط فيه الحكايات الصحيحة بالحكايات المزورة، والمعطيات التاريخية بالتصورات الخيالية أو المخيالية، والزمكان المادي المحسوس بالزمكان الأسطوري، هذه السلسلة والتراتبية تتحول إلى خط الخلاص الأخروي الذي يرسمه كل مذهب لأتباعه، وصحيح تماماً ما خلص إليه أركون في تحليله للتكوين المذهبي بارتداداته الاجتماعية بما نصه: "التراثات المذهبية أو التراثات في المجتمعات المتمذهبة هي ليست فقط عبارة عن كل مكتنز بالشهادات التي خلفها رؤساء المذهب أومن صورهم الأخيرون على أنهم أولئك الذين مستهم روح الوحي عبر التاريخ (= الصحابة والتابعين والرموز الدينيين) وإنما هذه التراثات عبارة عن خلق جماعي يصنعه أو يشارك في صنعه كل أولئك الذين يستمدون منها هويتهم ويساهمون في إنتاجها وإعادة إنتاجها (تكرارها) باستمرار"[97] .

فإذا أصبحت هذه السلسلة مرتبطة بالسلطة فلك أن تتخيل كيف ستكون هذه السلطة "أليس رأسها سيكون ظل اللَّه في الأرض، وأنها المعبر الأرضي نحو السماء، وجسر الخلاص إلى الجنة" وإذا ارتبطت السلسلة بسلطة هذه حالها، لك أن تتخيل كيف يكون المذهب "أليس أتباعه هم الفرقة الناجية، والناجون من العذاب، الواردون الجنة بغير حساب".

وكيما تحتفظ كل فرقة بأتباع ومناصرين وخصوصاً إبان الصراعات العقدية والمذهبية، وحين يتعرض المذهب إلى تحدٍّ خارجي، يستهدف زعزعة إيمان وثبات صفوف المؤمنين والأتباع بجدارة اعتقاد ما تتجه كل الفرق إلى رفع ذرى العقائد الكبرى وتوسعة دائرة المقدس التي يجب أن تحتوي المؤمنين وإخضاعهم لدورة إيمانية نشطة تحبط التهديدات الخارجية، فيما تقوم بعمل كثيف لجهة بناء مستودعات الأسئلة المراد طمسها وإرمائها في دائرة المستحيل التفكير فيه، بحيث تتشكل مساحات ممنوع التفكير فيها حتى تصبح بمرور الوقت مناطق لا مفكر فيها لتحصين الأتباع من خطر زلازل التشكيك الناشئة بفعل خارجي بالدرجة الأولى، بل تحاول حجب الأضواء عن كل ما من شأنه الاقتراب من موضوعات المحظور التفكير فيها، حتى لا تتعرض للتفكير فيها من قبل الآخر/ الخصم.

وحينئذٍ يتوالى العقل، ويدخل الشعور العاطفي كعنصر فاعل وضروري في التكوين العقائدي والمذهبي للجماعات، وهي، أي العاطفة السبب في نشوء الازدواجية بل والصرامة العقلية والعقلية الدغمائية التي ترتكز أساساً على ثنائية ضدية من الإيمان أو العقائد/ واللا إيمان واللا عقائد، حسب المفكر الأميركي ميلتون روكيش[98] .

وهنا نأتي على واحدة من النقاط الحاسمة في موضوع التشكيلات المذهبية، فالتنوع المذهبي داخل الإسلام التاريخي انطلق تعبيراً عن اعتقاد بوجود مساحة كافية من الحرية داخل الإسلام تسمح بهذا التنوع، ولكن بمرور الوقت وبسبب الامتلاءات المذهبية، وما ينشأ عنها من إملاءات صارمة وإكراهات عقدية حدية، وتبلوّر، تبعاً لتلك الحدود الفاصلة داخل هذا التنوع، التي تحبس الأتباع وتشدهم داخل مجال التأثير المذهبي، نشأت احتكارات مذهبية، فكل مذهب رأى في نفسه المالك الوحيد للمعرفة المطلقة الحقة، والناطق الرسمي باسم رسالة السماء، والممثل الشرعي والوحيد للإسلام في الأرض، وهكذا تتنامى الادعاءات والمزاعم بطابعها الديني، وما يتلوها من مصادرات وإقصاءات متبادلة، حتى يتحول التنوع على أساس الحرية الإسلامية إلى سلوك باحتكار الحق المقدس والحقيقة المطلقة ونفي الآخر حقاً وحقيقة، فيصبح الإسلام العملي ضد الحرية والتنوع، بعد انقلاب الأتباع على المتَّبعين، فبينما صنعت الحرية في الإسلام مبدأ الاجتهاد وتالياً التعددية، صنع التعصب المذهبي معاشر المقلدين.

وبسبب اتّباع التلاميذ لشيوخهم، وتمذهب الدولة في التاريخ الإسلامي من الناحية العملية منذ القرن الثالث الهجري، ثم اندلاع الحروب الأهلية على قاعدة مذهبية، وتفاقم العصبيات المذهبية، ولا ننسى رمزية العصر المكتنز المليء بالثروة الفقهية في القرون الثلاثة الأولى، والذي شكل مرجعية ثرية يستند إليها الأتباع، أفضى ذلك إلى تشاغلهم وركونهم ركوناً نهائياً دون مراكمة وإثراء للموروث، فعززوا خيار الاتّباع والتقليد، ثم جاء القرار بإغلاق باب الاجتهاد بعد الأئمة إيذاناً بتشريع هذا الخيار الصارم والقهري في الأمة.

ولا نغالي في القول بأن كافة المذاهب الإسلامية كانت حين انطلاقتها مشاريع تحررية وتغييرية في زمانها، ورفضت التوسل بالإكراه في تعميم وفرض معتقداتها[99] ، ولكنها تحولت بسبب التعصب إلى حركة تقليد وترسيب للمعادلة والأوضاع القائمة وبالتالي إلى مشاريع جمود وبسبب المراكمات التاريخية من أحداث، وإكراهات عقدية، وتناحرات، وانتصارات تحولت المذاهب من حركات تحرير إلى حركات تقليد وتقييد.

ولعل من المفارقات الخطيرة التي ظهرت بفعل الاستقطابات المذهبية الحادة، أن اتجاهاً حثيثاً نشأ يجنح إلى تنزيه كل فرقة لتراثها المذهبي، واستعمال أدوات مزدوجة في التعامل مع الموضوعات الدينية، بحيث باتت الأدلجة سمة طاغية وغالبة على المقصد الأعلى للدين نفسه. فسنجد في موضوع الطبقات (طبقات القضاة والرواة..) أن ثمة معايير مختلفة تحكم هذا الموضوع، وفي الغالب لم يخضع لمعايير التجريح والتعديل التي يجري استعمالها مع الحديث من حيث كونه صحيحاً أو ضعيفاً أو مشكوكاً فيه، فكل كتّاب الطبقات من أتباع كل مذهب ينزّهون رجال طبقاتهم، فكاتب الطبقات الشافعية ينزه طبقاته، وهكذا الحنفي والمالكي والحنبلي والزيدي والجعفري وغيرهم.. مما يجعل من كل مذهب حقلاً نهائياً لأتباعه ومقفلاً في وجه خصومه، وتالياً إلغاء المشترك (= الإسلام) بينها، بكل مقاصده وأغراضه العليا والوظائف التي يتركها للمؤمنين به، واغتيال دور العقل لحساب الحضور العاطفي الممتلئ كآلية للاعتقاد والالتزام بالمعتقد، تكون مبرراً لتشكل إطارات اجتماعية تكتنف الأتباع وتخضعهم لمنظومة تعاليم وعادات وقوانين خاصة.

وهنا يصدق ما قاله المفكر الأميركي روكيش حول العقائد الدينية (وهنا بالنسبة لي المذهبية) التي تعوّض عن هشاشتها العقلانية عن طريق صرامة الضبط النفس والاجتماعي الذي يتحكم بهذه العقائد.

وهذا يحضر لنا التحول الجوهري في حركة الإسلام الاجتماعية والتاريخية، فقد مرت المنظومة الفكرية الإسلامية بمرحلتين: التأسيس الفكري المنفتح، كانت فيه المنظومة الفكرية حرة طازجة قريبة من منابتها، وكانت تسمح بحرية التفكير والممارسة والخلق والإبداع، وكانت الظروف التي تخوضها المنظومة تفرض عليها القبول بوجود الآراء المخالفة من أجل مجادلتها ومناظرتها.

الثانية: الاتباع والتقليد، أو كما يطلق عليها محمد أركون: المرحلة السكولاستيكية، والتي أصبحت فيها المنظومة الفكرية الإسلامية متخشبة وإكراهية وقسرية،ويذهب أركون إلى القول بأن هذه المرحلة: "توصلت في بعض الأحيان إلى شل حركة الفكر العربي والإسلامي بشكل تام[100] .

وهكذا تتحول المذاهب بتراثها وموروثها ومستودع تعاليمها إلى معابر قهرية وحيدة نحو الخلاص في الدارين (الأمن والسلامة في الدنيا والنجاه والفلاح في الآخرة) وهكذا تشكل نفسها في وعي الأتباع وتحبسهم ضمن هذه الدعوة الصارمة.

[1]  أمتياز أحمد، التوثيق المبكر للسنة والحديث، ترجمة عبدالمعطي أمين قلعجي، المنصورة - مصر 1990، ص ص189 - 190.

[2]  المصدر السابق، ص97.

[3]  السيد حسن الصدر، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، دار الرائد العربي بيروت 1401- 1981، ص279.

[4]  ابن قتيبة،تأويل مختلف الحديث، مطبعة كردستان العلمية، مصر 1326هـ، ص50.

[5]  شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، الجزء الثاني، ص437.

[6]  انظر: السيد علي خان الشيرازي، الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، مؤسسة الوفاء بيروت، الطبعة الثانية، 1403 - 1983.

[7]  الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، الجزء الثاني، ص98.

[8]  جلال الدين السيوطي، اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، الجزء الثاني، ص470.

[9]  الشيخ جعفر السبحاني، كليات في علم الرجال، دار الميزان، بيروت، الطبعة الأولى 1410 - 1990، ص26.

[10]  الإمام محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، القاهرة (د. ت)، ص256.

[11]  الشيخ محمد الخضري، تاريخ التشريع الإسلامي، القاهرة (د. ت)، ص87.

[12]  الإمام محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، القاهرة، (د. ت)، ص257.

[13]  المصدر السابق، ص258.

[14]  اضطلع علم مصطلح الحديث بعملية غربلة واسعة النطاق للأحاديث بعد أن أخضعها لعمليتي التجريح والتعديل، وقام باستبعاد آلاف الأحاديث واقتصر الصحيح منها على ما بين 6 - 8 آلاف حديث. انظر: توبي. أ. هاف، فجر العلم الحديث، الكويت، عالم المعرفة (219) 1997، الجزء الأول، ص190، للمترجم د. أحمد محمود صبيحي.

[15]  الجرجاني الحنفي، التعريفات، بيروت 1987، ص5. وانظر: العلامة الحلي، مبادئ الوصول إلى علم الأصول، المجلد الأول، ص239.

[16]  الشيخ جمال الدين الحسن العاملي، معالم الدين في الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم - إيران (د. ت)، الجزء الأول، ص26.

[17]  محمد أبو رية، أضواء على السنة المحمدية، مؤسسة الأعلمي بيروت الطبعة الخامسة (د. ت)، ص261 عن كتاب تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص195.

[18]  محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية 1992، ص62.

[19]  ناقش السيد حسن الصدر التأريخ الذي وضعه علماء السنة (السيوطي والذهبي) في تدوين الحديث، وقال: "وقد وهم الحافظ الجلال السيوطي في كتابه (تدريب الراوي) حيث زعم أن ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة قال: وأما ابتداء تدوين الحديث، فإنه وقع في رأس المائة في خلافة عمر بن عبدالعزيز بأمره، ورد ذلك الصدر بما نصه: "كانت خلافة عمر بن عبدالعزيز سنتين وخمسة أشهر..ولم يؤرخ زمان أمره ولا نقل ناقل امتثال أمره بتدوين الحديث في زمانه والذي ذكره الحافظ بن حجر من باب الحدس والاعتبار لا عن نقل العمل بأمره بالعيان، ولو كان له عند أهل العلم بالحديث أثر بالعيان لما نصوا على أن الأفراد لحديث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله كان على رأس المائتين كما اعترف به شيخ الإسلام.. السيد حسن الصدر، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، دار الرائد العرب، بيروت 1401 - 1981، ص278.

[20]  الإمام جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء، دار القلم بيروت، الطبعة الأولى 1406 - 1986، ص301.

[21]  محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة السادسة، بيروت 1994، ص66.

[22]  الشهرستاني، الملل والنحل، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى 1410 - 1990، الجزء الأول، ص217 - 218.

[23]  المصدر السابق، الجزء الأول، ص225.

[24]  شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الفهرست، سيهات - السعودية، منشورات مكتبة أحمد عيسى الزواد، الطبعة الثالثة 1983 - 1403، ص ص 207 - 208.

[25]  السيد حسين الصدر، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، مصدر سابق، ص269، 280.

[26]  المصدر السابق، ص ص 280، 281، 284.

[27]  انظر: د. عبداللَّه فياض، تاريخ الإمامية، مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الثالثة 1406 - 1986، ص180.

[28]  الشيخ جعفر السبحاني، كليات علم الرجال، مصدر سابق، ص483.

[29]  آغا بزرك طهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الجزء الثاني، ص131.

[30]  انظر: الإمام جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء، دار القلم بيروت الطبعة الأولى 1406 - 1986، ص299 وما بعدها.

[31]  محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، ص67.

[32]  ابن النديم، الفهرست، تحيق رضا تجدد، مطبعة دانشكاه طهران، إيران (د. ت)، ص303 - 304.

[33]  أحمد عبدالباقي، معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، بيروت 1991، ص ص 276، 277.

[34]  الإمام عبدالقاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، الفرق بين الفرق، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية 1417 - 1997، ص161.

[35]  محمد بن الحسن الطوسي، عدة الأصول، مؤسسة آل البيت للطباعة والنشر، قم (د. ت)، هامش ص114.

[36]  يرد الإمام أحمد بن حنبل أصل القول بخلق القرآن إلى الجعد بن درهم، وعلم ذلك الجهم بن صفوان، قتله خال بن عبداللَّه القسري بأمر من هشام بن عبدالملك بتهمة الكفر والإلحاد. انظر: أحمد بن حنبل، الرد على الجهمية والزنادقة، الرياض 1982، الطبعة الثانية، ص41 - 42.

[37]  أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت 1416 - 1995، الجزء الأول، ص33.

[38]  الإمام عبدالقاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، الفرق بين الفرق، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية 1417 - 1997، ص23.

[39]  المصدر السابق، ص25.

[40]  انظر: الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، مؤسسة أهل البيت بيروت 1408 - 1987.

[41]  الشيخ المفيد، تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد، مؤسسة أهل البيت ، بيروت 1408 - 1988، ص27.

[42]  أحمد بن يحيى بن المرتضى (1363 - 1437)، كتاب طبقات المعتزلة، بيروت الطبعة الثانية 1988، مقدمة سوزان ديوالد، ص ب، هـ.

[43]  حسن صادق، جذور الفتنة في الفرق الإسلامية، مكتبة مدبولي القاهرة الطبعة الأولى 1411 - 1991، ص150.

[44]  إن مؤسسي مدرسة الاعتزال كانوا ثواراً بدرجة أساس، وقد أسسوا فكرهم على نضال سياسي ضد السلطة الأموية التي توسلت بفكرة الجبرية والإرجاء، أي أن اللَّه قد قضى وقدر سلطان بني أمية على عباده، وأن مظالمهم مرجوة ليوم القيامة، فحارب المعتزلة هاتين الفكرتين، وقد شارك المعبد الجهني في الثورة التي قادها عبدالرحمن بن الأشعث (ت 85هـ) ضد بني أمية، ثم قتله الحجاج، كما دخل غيلان الدمشقي في مواجهة مباشرة ضد بني أمية، وقتله هشام بن عبدالملك، لأنه رفض مقولة هشام بأن ما في يد بني أمية من السلطة والسلطان هو عطاء من اللَّه لهم، وكان يقول: "أعوذ بجلال اللَّه أن يأتمن خواناً أو يستخلف الخلفاء من خلقه فجاراً، إن أئمته القوامون بأحكامه، الراهبون لمقامه، الذين كابدوا بالعدل الدول.. لم يول اللَّه وثاباً على الفجور، ولا ركاباً للمحظور، ولا شهادة بالزور، ولا شرّاباً للخمور، فأمر هشام بسجنه ثم قطع يديه ورجليه ولسانه حتى مات على الصليب. انظر: حسن صادق، جذور الفتنة في الفرق الإسلامية، مكتبة مدبولي القاهرة، الطبعة الأولى 1411 - 1991، ص149.

[45]  الشريف المرتضى (1015م)، المجازات النبوية، مكتبة بصيري، قم (د. ت)، ص11.

[46]  أحمد بن يحيى بن المرتضى، طبقات المعتزلة، مصدر سابق، ص120 - 121.

[47]  المصدر السابق، ص62.

[48]  مجلة دار الإسلام، عدد 21 سنة 1933 استنابول.

[49]  د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة (1) المقدمات النظرية، بيروت 1988، ص ص 502 - 503.

[50]  أحمد بن يحيى، طبقات المعتزلة، مصدر سابق، ص86.

[51]  حسن حنفي، مصدر سابق، ص503.

[52]  أحمد بن يحيى بن المرتضى، طبقات المعتزلة، مصدر سابق، ص102.

[53]  الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي، أمالي المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد)، القاهرة، الجزء الثاني، ص348.

[54]  ذكر الشريف المرتضى في قول المعتزلة في مسألة عصمة الأنبياء ما نصه: واعلم أن الخلاف بيننا -الإمامية- وبين المعتزلة، في تجويزهم الصغائر على الأنبياء صلوات اللَّه عليهم يكاد يسقط عند التحقيق لأنهم إنما يجوزون من الذنوب ما لا يستقر به استحقاق عقاب، وإنما يكون حظه نقص الثواب على اختلافهم أيضاً في ذلك، لأن أبا علي الجبائي يقول: إن الصغيرة يسقط عقابها بغير موازنة فكأنهم معترفون بأنه لا تقع فيهم ما يستحقون به الذم والعقاب. وهذه موافقة للشيعة في المعنى لأن الشيعة إنما تنفي عن الأنبياء عليهم السلام جميع المعاصي من حيث كان كل شيء منها يستحق به فاعله الذم والعقاب، لأن الإحباط باطل عندهم، وإذا بطل الإحباط فلا معصية إلا ويستحق فاعلها الذم والعقاب، وإذا كان استحقاق الذم والعقاب منفياً عن الأنبياء وجب أن تنتفي عنهم سير الذنوب ويصير الخلاف بين الشيعة والمعتزلة متعلقاً بالإحباط". انظر: الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء، بيروت 1989، ص17.

[55]  أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، أعلام الورى بأعلام الهدى، النجف - العراق 1970، ص472.

[56]  الشيخ محمد بن النعمان (الشيخ المفيد)، الإرشاد، شيراز - إيران (د. ت)، الجزء الأول، ص342.

[57]  الشيخ المفيد، الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين، مؤسسة البعثة، قم (د. ت)، ص81.

[58]  ناقش المعتزلة كون أجل المقتول هو الجل المقدر له، بحيث لو لم يقتل لعاش فترة أطول.انظر: محمد بن علي بن الحسين القمي (الصدوق)، التوحيد، طهران 1398، ص378.

[59]  للمعتزلة رأي مختلف في كون الجنة والنار قد خلقتا بالفعل، أو أنهما ستخلقان يوم القيامة.. فقد ذهب الأشاعرة وأبو علي الجبائي وبشر بن المعتمر وأبو الحسن البصري إلى أنهما مخلوقتان وهو مذهب أكثر علماء الإمامية، وأنكر أكثر المعتزلة ذلك كعبّاد الضمري وظهر بن عمر وأبي هاشم والقاضي عبدالجبار، وإليه مال الشريفان الرضي والمرتضى.وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا الآية، وباعتبار أن الجنة هي في السماء فلابد أن تطوى معها فكيف يصح، ولذلك تكون غير مخلوقة الآن. انظر: الشريف الرضي، حقائق التأويل ومتشابه التنزيل، دار المهاجر للطباعة والنشر، بيروت، الجزء الخامس، ص245.

[60]  حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، مصدر سابق، ص220.

[61]  المصدر السابق، ص301.

[62]  المصدر السابق، ص300 - 309. وانظر: محمد عمارة الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، بيروت، الطبعة الثانية 1980، الجزء الثالث، ص499.

[63]  أحمد أمين، ضحى الإسلام، القاهرة 1961، الجزء الثالث، ص112.

[64]  الإمام البغدادي، الفرق بين الفرق، مصدر سابق، ص135.

[65]  المسعودي، مروج الذهب، دار الأندلس بيروت (د. ت) الجزء الثاني، ص369.

[66]  السيوطي، تاريخ الخلفاء، مصدر سابق، ص391.

[67]  المصدر السابق، ص394.

[68]  محمد أبوزهرة، ابن تيمية عصره، وحياته، القاهرة 1394، ص192.

[69]  أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، مكتبة النهضة بمصر، 1969، الجزء الأول ص ص320، 325.

[70]  القاضي عبدالجبار الهمداني، شرح الأصول الخمسة، مصر 1384هـ، ص363.

[71]  محمد عبده، رسالة التوحيد، بيروت 1986، ص33.

[72]  د. عبدالرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، آذار/ مارس 1983، الجزء الأول، ص337.

[73]  أبو بكر محمد الطيب الباقلاني، إعجاز القرآن، دار المعارف بمصر، القاهرة الطبعة الثالثة، المقدمة.

[74]  انظر: ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي بيروت 1988، الجزء الثاني عشر، ص8.

[75]  أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، مصدر سابق، الجزء الأول، ص27.

[76]  ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، مصدر سابق، ج12، ص112.

[77]  وهبي سليمان غاوجي، أبو حنيفة إمام الأئمة والفقهاء، أعلام المسلمين (5)، دار القلم - دمشق، الطبعة الرابعة، 1987، ص132.

[78]  عبدالغني الدقر، الإمام الشافعي، دار القلم دمشق، الطبعة الثالثة 1987، ص ص 225، 229.

[79]  عبدالغني الدقر، الإمام أحمد بن حنبل،دار القلم دمشق 1987، ص ص 65، 69، 71، 72، وراجع أعلام الموقعين، ابن القيم الجوزية، الجزء الأول، ص29 - 32. عن دار الجيل بيروت ط 1973.

[80]  محمد أبو زهرة، في حياة مالك، ص255.

[81]  الشريف المرتضى، الشافي في الإمامة، طهران 1990، الجزء الأول، ص196.

[82]  انظر: الشيخ نجم الدين أبا القاسم جعفر بن الحسن، المحقق الحلي، معارج الأصول، إعداد محمد حسين الرضوي، مؤسسة آل البيت عليهم السلام للطباعة والنشر، قم، الطبعة الأولى عام 1403هـ.

[83]  عبدالغني الدقر، الإمام الشافعي، مصدر سابق، ص242 عن طبقات الشافعية، الجزء الثاني، ص61.

[84]  حلية الأولياء، الجزء الثالث، ص197، وأعلام الموقعين لابن القيم الجوزية، الجزء الأول، ص255- 256، ووفيات الأعيان، لابن خلكان، الجزء الأول، ص337، ترجمة 128.

[85]  عبدالغني الدقر، أحمد بن حنبل، مصدر سابق، ص254.

[86]  الإمام محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، مصدر سابق، ص288.

[87]  عبالغني الدقر، الإمام الشافعي فقيه السنة الأكبر، أعلام المسلمين (2)، دار القلم، دمشق الطبعة الثالثة 1987، ص232.

[88]  الآلوسي، جلاء العينين، ص107.

[89]  عبدالغني الدقر، أحمد بن حنبل، مصدر سابق، ص59.

[90]  الزرقاني، شرح الموطأ، الجزء الأول، المقدمة، ص8.

[91]  طه جابر العلواني، أدب الاختلاف في الإسلام، الدوحة، ص119 - 120، عن حجة اللَّه البالغة، ص307.

[92]  الأستاذ محمد حمزة، التآلف بين الفرق الإسلامية، دار قتيبة - دمشق الطبعة الأولى 1985، ص239.

[93]  عبدالغني الدقر، أحمد بن حنبل، مصدر سابق، ص68.

[94]  عبدالغني الدقر، أحمد بن حنبل، مصدر سابق، ص51.

[95]  حسن صادق، جذور الفتنة في الفرق الإسلامية، مصدر سابق، ص229.

[96]  عبدالغني الدقر، أحمد بن حنبل، مصدر سابق، ص55.

[97]  محمد أركون، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، بيروت 1996، ص37.

[98]  محمد أركون، الفكر الإسلامي، مصدر سابق، مقدمة هاشم صالح، ص5.

[99]  يمكن هنا استحضار قصة الإمام مالك بن أنس (93 - 179هـ/ 712 - 795) مع المنصور العباسي (95 - 158هـ/ 714 - 775)، حين رفض الإمام مالك اقتراح المصور أن يكون (الموطأ) وحده قانون قضاء الدولة، قائلا: "إن الموطأ هو اجتهاد مالك".

[100]  محمد أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، مصدر سابق، ص8.
104265