رجال عاصرتهم: البُرَيكيَّان
علي باقر العوامي * - 19 / 5 / 2008م - 5:30 م

توطئة:

والبريكِيَّان هما الشيخ محمد صالح، وشقيقه الشيخ ميرزا حسين ابنا حسن بن صالح البريكي. وأسرة البريكي من الأسر العريقة في القطيف، والأخوان هما صاحبا كتاب البريكي الذي كان له دور كبير في حركة التعليم في القطيف خلال العقود الثلاثة - الرابع والخامس والسادس من القرن الرابع عشر الهجري.

لقد كانت وسيلة التعليم الأولى - تعلم مبادئ القراءة والكتاية - في القطيف تعتمد على الكتاتيب للبنين والبنات، إذ لم تكن المدارس - بشكلها التنظيمي الذي نعرفه الآن - موجودة في القطيف، لا في العهد التركي ولا في العقود الثلاثة الأولى من العهد السعودي[1] ، وكان هناك كتاتيب يديرها، ويعلم فيها رجال، وكتاتيب تديرها وتعلم فيها نساء، وكانت الكتاتيب النسائية تضم الجنسين - بنين ةبنات - وهي وإن كان يغلب عليها الجنس النسائي لأنها مخصصة لهن، إلا أن دخول الأولاد فيها غير ممنوع، لا سيما في سني التعليم الأولى - ما بين الخامسة والعاشرة - أما الكتاتيب الرجالية فلا يوجد فيها إلا الأولاد فقط.

وكان كتاب آل البريكي متميزاً بين بقية الكتاتيب، إذ كان صاحباه شخصين متميزين، فهما فاضلان قطعا شوطاً بعيداً في درس علوم اللغة العربية، والعلوم الدينية، كما كانا خطيبين بارزين (يقرآن في المآتم التي يقيمها الشيعة احتفالاً بسيرة الرسول الذين تعتقد الشيعة الإمامية بإمامتهم)، وكثيراً ما يجيء بعض الأولاد لكتاب البريكي بعد انتهائهم من معرفة القراءة والكتابة في الكتاتيت الأخرى ليدرسوا فيه الحساب ويجودوا من خطهم، ويتقنوا الإملاء[2] ، فهو - بالنسبة للكتاتيب الأخرى يكوِّن مرحلة متقدمة في التعليم، ولعلي لا أكون مبالغاً لو قلت: إنه أكثر المتعلمين في القلعة - حاضرة القطيف سابقاً - والأحياء والقرى المحيطة بها من أبناء جيلي والجيل الذي سبقني هم خريجو هذا الكتاب[3] .

وكان الأخوان يتقاسمان العمل في الكتاب، فكان الشيخ محمد صالح يقوم بإدارة الكتاب في الفترة الصباحية، وكانت أكثر ما تعنى بتدريس القرآن وتحفيظهن وفي أخر الدوام - قبيل الظهر - يقوم المعلم بإعطاء التلاميذ حصصاً في تجويد الخط، إذ كان خطه جيداً، وربما ساعد التلاميذ الآخرين الذين يدرسون الحساب والإملاء، وفي الفترة المسائية - عصراً - يتولى إدارة الكتاب الشيخ ميرزا حسين، وكان أكثر ما يدرس التلاميذ فيها حصص الحساب - جمع وطرح وقسمة - وحصص الإملاء، إذ كان الشييخ ميرزا حسين أكثر معرفة بالحساب وقواعده من شقيقه، وربما ساعد بعض التلاميذ في حصص تجويد الخط.

ولما فتحت أول مدرسة ابتدائية للبنين عام 1367هـ 1948م والتحق بها عدد كبير من التلاميذ أغلق البريكيان كتابهما، مدركين أن الزمن تطور وتغير، وأن أسلوبهما في التعليم لم يعد مناسباً لروح العصر الجديد، مفسحين المجال للتطور والتبدل أن يأخذ دوره الطبيعي، بخلاف غيرهما من أصحاب الكتاتيب الأخرى الذي ظل متمسكًا بكُتَّابه - برغم تناقص عدد التلاميذ لديه - مصرًا على مواصلة طريقته القديمة في التعليم.

والآن وبعد هذه المقدمة عن كتاب آل البريكي ودوره في حركة التعليم، ودرو الأخوين في إدارته؛ نلقي الأضواء على حياة كل فرد منهما، وما يتميز به، آملين أن نوفي هذين الأستاذين ما يستحقانه من تقدير وتكريم، سائلين الله لهما المغفرة والرحمة.

[1]  دخل الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - القطيف في منتصف عام 1331 هـ 1913 م، ولم تعرف القطيف التعليم المنتظم إلا في النصف الثاني من العقد السادس من القرن الرابع عشر الهجري، إذ افتتحت أول مدرسة ابتدائية للبنين في القطيف عام 1367 هـ 1948 م.
[2]  كانت الطريقة التي تسير عليها الكتاتيب لتجويد الخط هي أن يكتب المعلم سطرًا بخط جيد، وحروف كبيرة (كان خط البريكيين من الخطوط الجيدة، وإن كان خط الشيخ محمد صالح - الأخ الأكبر - أكثر جودة)، وغالباً ما يكون السطر بيتاً من الشعر، ويكلف التلميذ بأن يكتب على بقية الصفحة أسطراً يقلد فيها خط المعلم حتى يستطيع أن يجود خطه، وإذا ما أكمل الصفحة عرضها على المعلم، ويقوم المعلم بتوجيهه وإرشاده إلى كيف تكون الكتابة، وتعديل ما يجده معوجًّا في خط التلميذ. كما كان يحرص على أن يكون السطر مستقيماً لا عوج فيه. أما الإملاء فكان المعلم يقرأ على التلاميذ شعرًا أو حكمة، أو مثلاً، ويطلب من التلاميذ كتابة ما أملاه عليهم، ثم يعرضون ما كتبوه عليه، ويقوم المعلم بتصحيح الأخطاء الإملائية، وشرح القاعدة الإملائية للتلميذ
[3]  حينما توفي المرحوم الشيخ محمد صالح البريكي عام 1374هـ 1954م كتبت كلمة في تأبينه أطلقت عليه فيها صفة (أستاذ الجيل).
كاتب

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الواحة
www.alwahamag.com