تفعيل دور الأوقاف
عبدالله أحمد اليوسف * - 21 / 5 / 2008م - 6:22 م - العدد (49)

مدخل

تمثل الأوقاف الذرية والعامة المنتشرة في بلاد المسلمين ثروة مالية ومعنوية هائلة جداً، ولو استثمرت هذه الثروات بالطريقة الصحيحة لساهمت بصورة كبيرة جداً في تنمية الاقتصاد، وتدويل الثروات، وتلبية حاجات الفقراء والمعوزين، وبناء المؤسسات الدينية والثقافية والفكرية والعلمية، وتشييد المراكز والمشاريع الإسلامية.

ولكن مما يؤسف له حقاً هو غياب التخطيط في إدارة الأوقاف، بل والتعدي على بعضها، وتحويلها إلى أملاك شخصية، أو ضمها إلى أملاك الدولة كما حدث في بعض البلدان الإسلامية، أو سوء الاستفادة منها... وغير ذلك كثير.

والمطلوب هو تفعيل دور الأوقاف بحسب من أوقفها، والحفاظ عليها من التعدي والتجاوز، وتجاوز حالة المزاجية في طريقة إدارة الأوقاف، وتحويلها إلى مؤسسة منظمة، و تدار بالوسائل الحديثة في الإدارة والتخطيط كي يمكن الارتقاء بالأوقاف إلى مستوى الأهداف والأغراض النبيلة التي من أجلها شجع الإسلام على الوقف كعمل خيري مندوب إليه، وفيه الأجر والثواب الجزيل.

ففي الإسلام نوعان من الأحكام المالية:

1ـ الواجبات المالية: فقد فرض الإسلام على أتباعه مجموعة من الواجبات المالية التي يجب القيام بها كالزكوات والأخماس والكفارات والديات.. وغيرها من التشريعات المالية الواجبة.

2ـ المستحبات المالية: وهي تشمل كل المستحبات والمندوبات التي رَغَّبَ فيها الشرع المقدس ولم يوجبها كالصدقات المستحبة والأوقاف ومساعدة المحتاجين والمساكين... وكل ما يدخل في منظومة الخير والبر والإحسان.

وتمثل هذه التشريعات والأحكام المالية، الواجبة منها والمستحبة، دوراً حيوياً في تحريك عملية الإنماء الاقتصادي، ودفع العمل الخيري والتطوعي نحو المزيد من الفاعلية والعطاء، بشرط استثمارها في مشاريع منتجة وحيوية، بما يؤدي إلى رفع مستوى التقدم والرفاه والرخاء الاقتصادي والاجتماعي والعلمي.

وتتصدر الأوقاف منظومة الأعمال التطوعية والخيرية لأنها تمثل أصولاً مالية ثابتة، إذ أن الوقف في اصطلاح الفقهاء هو: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وهذا التعريف مطابق لما ورد عن النبي 4 بقوله: «حبس الأصل، وسبل المنفعة»[161] .

 فالأوقاف بما أنها لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا التعدي عليها تبقى ثابتة، ويستفاد من ريعها، ومن ثم فهي تدر أموالاً بصورة دائمة ومستمرة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى نمو السيولة النقدية عند المسلمين، ورفع الكفاءة الاقتصادية، وتطوير الأعمال والمشاريع الدينية والخيرية، إنْ استثمرت الأوقاف وفق منهج تخطيطي واستثماري متقن ومتطور.

خطوات لتفعيل الأوقاف

من أجل تفعيل دور الأوقاف في حياتنا المعاصرة، وتنمية الأعيان الوقفية واستثمارها، ينبغي العمل بمجموعة من الخطوات والمرتكزات الرئيسة للأوقاف... ومنها:

1- التجديد الفقهي لمسائل الوقف:

لا تنفصل فلسفة تشريع الوقف وحبسه وتأبيده وفق الضوابط الشرعية عن فلسفة تنميته وتطويره. فالوقف الذي يستعصي على التنمية لظروف طارئة خاصة، يظل وقفاً ذا فائدة محدودة مرتبطة بزمان أو مكان محددين، بل ربما يتعرض إلى التراجع أو التلاشي، إن لم يكن مشروعاً يمتلك عناصر القوة والاستمرار وظروف التنمية والتحديث، لذلك حفل الفقه الإسلامي بفتاوى الاستبدال، وإحياء الأوقاف، ودمج بعضها ببعض، وتوظيف عائداتها حسب شروط الواقفين. إذن فمعادلة الوقف يساوي التنمية هي معادلة صحيحة ومشروعة، ولا بد من أن تصبح هذه المقولة منهجاً عملياً، ومخططاً مبرمجاً لفهم فلسفة الوقف وادارته واستثماره.

 كما أن اثارة استنباط الموضوعات الفقهية ذات العلاقة بالمسائل الملحة والضرورية لتطوير المؤسسة الوقفية، وجلب أنظار الفقهاء ورجال القانون إلى متطلبات الوقف الحديث والسعي إلى قراءة النصوص الشرعية والقوانين المدنية قراءة موضوعية جديدة من خلال استلهام روح الشريعة والعناصر المتجددة في حياة الإنسان، بحيث تتحول ثقافة الوقف إلى ثقافة تنموية حاضرة في وعي المتصدين، تأخذ بنظر الاعتبار حاجة المجتمع ومستجدات العصر[162] .

ومن جانب آخر نجد أن بعض الأوقاف لم يعد لها من مردود مالي في وقتنا الحاضر، أو لم يعد لها من مصداق كي تصرف عوائد الوقف فيه؛ فمثلاً في مصر يوجد وقف لتوفير علف لدابة شيخ الأزهر في ذلك الزمان، ويوجد في القطيف وقف لإزالة العناصيص من الطرق وأشباه ذلك من مسائل تحتاج إلى مخارج شرعية واستنباطات فقهية جديدة لحل مثل هذه المسائل الشائكة؛ وهذا ما يتطلب مراعاة شروط الواقفين من جهة والاستفادة من الأوقاف من جهة أخرى.

 ولذلك أفتى الفقهاء بجواز استبدال الوقف إذا أصبح خراباً، ولم يكن فيه فائدة تذكر فـ«المشهور عند فقهاء الإمامية جواز بيع الوقف الخاص، سواء كان على أشخاص معينين، كأولاد الواقف، وذريته. أو على عنوان عام، كالعلماء، والفقراء، فيما لو خرب ولم يمكن تعميره وإعادته إلى الحالة التي كان عليها، على أن يشترى بثمنه ملك، ويوقف على نهج وقفه الأول. وقد نص هؤلاء الفقهاء، على أن البيع، إنما يحوز، فيما لو وُجد أحد مسوغاته وهي:

1- أن يخرب الوقف، بحيث لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالحيوان المذبوح، والجذع البالي، والحصير الخَلِق.

2- أن يخرب بحيث يسقط عن الانتفاع المعتد به عرفاً، كدار انهدمت، فصارت عرصة[163] ، تؤجر بأجرة لا تبلغ شيئاً معتداً به، وكانت منفعة ثمنه، على تقدير البيع، أكثر من منفعة العرصة، وأكثر من منفعة الدار أو مساوية لها، بحيث يمكن شراء دار أخرى بذلك الثمن، مساوية للدار المنهدمة.

3- ما إذا شرط الواقف بيعه عند حدوث أمر، من قلة المنفعة، أو كثرة الخراج، أو كون بيعه أنفع، أو احتياجهم إلى عوضه... إلخ.

4- ما إذا وقع الاختلاف الشديد بين الموقوف عليهم، بحيث لا يؤمن معه من تلف النفوس والأموال»[164] .

وعليه، إذا لم يكن لوقف ما أي فائدة تذكر، أو أن مردوده المالي لا يغني شيئاً، فمن مصلحة الوقف عندئذِ استبدال العين الموقوفة بعقار آخر أنفع وأفود بشرط أن يكون الاستبدال في مصلحة الجهة الموقوفة عليها، وليس بهدف المصلحة الشخصية لمتولي الوقف أو أن يكون الاستبدال هدفاً بذاته مما لا ينسجم مع مقومات الوقف من الدوام والتأبيد.

2- تثقيف المجتمع بأهمية تنمية الوقف:

الأوقاف إنما توقف لأجل الاستفادة من ريعها في خدمة وجوه البر والخير، وبحسب ما أوقفت إليها من جهات الوقف، وعلى المجتمع إدراك هذه الحقيقة كي يساهم في تنمية الوقف وتعظيم منافعه وتحقيق أهدافه.

وللأسف الشديد فقد تحولت بعض الأوقاف من المزارع والبساتين - وهي تشكل النسبة الغالبة من الأوقاف - إلى خراب بعد ما كانت عامرة، ويتحمل ولاة الأوقاف مسؤولية كبيرة في حصول هذا الأمر.

ويتساءل الكثير من أبناء المجتمع عن عوائد الأوقاف وأرباحه، وطريقة صرفها، وانعدام الشفافية المالية فيها، وهي تساؤلات مشروعة، لأن الأوقاف العامة إنما وقفت لخدمة المجتمع، وتنمية روافده الدينية والثقافية والاجتماعية.

لكن المجتمع يتحمل مسؤولية أيضاَ في الارتقاء بالأوقاف نحو تحقيق أهدافها وأغراضها التي من أجلها قام الواقفون بوقفها، فالمجتمع عندما يضغط في اتجاه تفعيل دور الأوقاف، ومطالبة ولاة الأوقاف بالإفصاح المالي من إيرادات ومصروفات للأوقاف التي تحت أبدبهم، ومحاسبة المحكمة الشرعية لهم، يترك أثره الواسع في اتجاه تنمية وتفعيل الأوقاف بما فيه مصلحة الوقف وخدمة المجتمع.

فالمجتمع يجب أن يتحول إلى رأي عام ضاغط باتجاه تفعيل وتنمية الأوقاف، والقيام بمبادرات إيجابية من أجل تشجيع متولي الأوقاف على زيادة العطاء والفاعلية في تعظيم عوائد الأوقاف، كما أن تكريم المجتمع وتقديم حوافز تشجيعية للمتميزين منهم يساعد على خلق روح المنافسة والتسابق في فعل الخير، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[165] .

3- التشجيع على حبس أوقاف جديدة:

عندما يدرس الباحث الأوقاف التي أوقفت في كل مرحلة تاريخية سيجد أنها تتناسب مع تلك المرحلة الزمنية، وليس بالضرورة أنها تناسب هذه الفترة الزمنية التي نعايشها، كما أن المجتمع بحاجة متجددة إلى أوقاف جديدة تغطي الحاجات الفعلية في عصرنا.

ففي الماضي كانت توجد أوقاف تلبي احتياجات تلك المراحل الزمنية من التاريخ، فكانت توجد «أوقاف خيرية للإنفاق على المرضى ومعالجتهم وإسكانهم وإطعامهم وتنظيفهم وخدمتهم، بل كان يوقف للمرضى مراوح من خوص؛ لأجل استعمالهم إياها في وقت الحر، كما كان يوقف للمريض كسوة للباسه ودراهم لنفقاته، حتى لا يضطر إلى العمل الشاق فور خروجه، وكان في مدينة طرابلس بلبنان وقف غريب خصص ريعه لتوظيف اثنين يمران بالمستشفيات يومياً، فيتحدثان بجانب المريض حديثاً خافتاً؛ ليسمعه المريض بما يوحي إليه بتحسن حاله واحمرار وجهه وبريق عينيه، الأمر الذي يبعث الأمل في نفسه، ويساعد على شفائه.

ومن الأوقاف الخيرية التي أنشأها المسلمون طاعة لله تعالى، بناء الخانات والفنادق للمسافرين المحتاجين ومعها أثاثها وأدوات الطبخ فيها. ومنها التكايا والزوايا التي يقيم فيها من شاء لعبادة الله عز وجل. ومنها بيوت خاصة للفقراء، يسكنها من لا يجد ما يشتري به أو يستأجر داراً. ومنها سقايات الماء المسبلة للناس في الطرقات العامة. ومنها بيوت للحجاج بمكة يقيمون فيها مجاناً حين قدومهم للحج. ومنها حفر الآبار الخيرية وإنشاء القناطر والجسور والطرقات لعبور المسافرين واستراحتهم وسقايتهم، وكانت كثيرة جداً بين عواصم المدن الإسلامية ومدنها وقراها، وبخاصة بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة، وبين مدن مصر ومدن بلاد المغرب، وكان يوقف معها البساتين والمزارع ليؤكل من ثمرها والأبقار والأغنام ليُشرب من لبنها»[166] .

ومن أطرف ما بذلوه في الوقف الخيري وقف الزُّبَادي ـ جمع زبدية وهي آنية من خزف أو فخار ـ للأولاد والرقيق الذين تكسر زبدياتهم في السوق وهم في طريقهم إلى البيوت، فيأتون إلى مكان الوقف بالقطع المكسورة، فيُعطَوْن أخرى جديدة، لئلا يعاقبهم أهلوهم على ما وقع منهم، ثم يرجعون إلى البيوت بما معهم، وكأنهم لم يفعلوا شيئاً.

كما كانت هناك أوقاف خيرية تنفق على أسر السجناء وأولادهم، حيث يقدم لهم الغذاء والكساء وما يحتاجونه من أمور أخرى. ومما كان له نصيب كبير في اهتمامات المسلمين الوقفية الحيوانات، فقد وقفوا الأموال لتطبيب المريض منها، ولرعي المسنة العاجزة. وكانت في دمشق أرض يقال لها المرج الأخضر، وقفت للخيول المسنة العاجزة التي يطردها أصحابها، لأنهم ما عادوا ينتفعون بها، فكان هناك موظفون خاصون يأخذونها، فترعى في أرض الوقف حتى تموت.

وكان في أوقاف العديد من المدن الإسلامية أماكن خاصة لرعاية مئات القطط العمياء والجريحة والمكسورة الأذرع، وكان يقدم لها في كل يوم الطعام والعلاج، ويعتنى بها حتى تغدو سمينة فارهة، وبقي هذا في بلاد الشام إلى وقت قريب جداً [167] .

وهناك وقف ضخم في مدينة مشهد حيث مقام الإمام علي بن موسى الرضا C لإطعام القطط الضالة[168] .

وفي القطيف يوجد وقف على تركيز وبناء العلامات على طول طريق البحر من القطيف إلى جزيرة تاروت كي لا يضل الساري. ووقف آخر يصرف على الحجارة البارزة في الطرق لئلا يعثر بها المسنون والمكفوفون أو من لا يلتفت إليها، وتسمى باللغة الدارجة عندنا بـ(العناصيص) جمع عنصوص وهي الحجرة الصغيرة الناتئة في عرض الطريق، وقد كانت كثيرة جداً في كل الطرق[169] .

وذكر لي أحد المشاركين في منتدى قضايا الوقف الفقهية الثالث بالكويت عام 1428هـ - 2007م، أنه يوجد في مصر وقف لتوفير علف لدابة شيخ الأزهر التي كان يركبها في ذلك الوقت.

ونظراً لحاجة الفقهاء والعلماء في الماضي لتوفير الورق للكتابة عليها، فقد أوقف الشريف المرتضى (355 - 436هـ) قرية كاملة لتوفير الورق لكتابة الفقهاء والعلماء[170] .

أما الآن ونحن نعيش في الألفية الثالثة فإن مجتمعاتنا بحاجة ماسة لأوقاف جديدة لدعم المتطلبات الجديدة وتنمية البنية المعرفية والعلمية والثقافية في مجتمعنا.

فإذا ما أردنا تطوير وتنمية الأوقاف فإن المطلوب من أهل الخير والعطاء حبس أوقاف جديدة ذات أغراض متعددة، بحيث تلبي الاحتياجات الجديدة للمجتمع.

فعلى سبيل المثال: المجتمع بحاجة إلى أوقاف لتأسيس جامعات ومعاهد وكليات علمية، وبناء مستشفيات ومستوصفات خيرية، وتأسيس قنوات فضائية لخدمة الدين، ونشييد مطابع لطباعة الكتب والصحف والمجلات الملتزمة، وبناء مراكز دينية وقرآنية وثقافية وعلمية ومعرفية، ودعم الموهوبين لإكمال دراساتهم العليا في التخصصات المهمة كالطب والاقتصاد والهندسة و....، وبناء مساكن للفقراء والمحتاجين، وتأسيس صناديق خيرية لتزويج الشباب والفتيات لإكمال نصف دينهم، والقضاء على الفقر والمرض والجهل... وغير ذلك كثير.

إن حبس أوقاف جديدة يجب أن يتجاوز الحالة التقليدية في أهداف وأغراض الأوقاف بحيث تلبي الاحتياجات الجديدة للمجتمع، وعدم الوقوف عند الأغراض والأهداف التي أُشبعت وقفاً منذ عهد قديم، فأبواب الخير والبر والإحسان كثيرة ومتعددة، وإذا كان الواقفون في الأزمنة الماضية قد غطوا حاجات زمانهم، فإن المطلوب من الواقفين الجدد أن يلبوا احتياجات أهل زمانهم، وأن يختاروا أهدافاً لأوقافهم تتفق مع متطلبات زمنهم وعصرهم ومجتمعهم.

ومجتمعنا اليوم بحاجة إلى أوقاف استراتيجية قادرة على خدمة التنمية والتطوير والتقدم في مختلف المبادين؛ وهو الأمر الذي قد يعجز عنه طاقة الأفراد مهما أوتوا من ثروة وإمكانيات، ولذلك فإن القيام بحبس أوقاف يشترك في وقفها مجموعة من الواقفين (أوقاف الشركة) لوقف أوقاف كبيرة وعملاقة بحيث تكون قادرة على تلبية متطلبات وحاجات العصر هو الخيار الاستراتيجي في عصرنا.

وقد أشار لذلك الإمام الباقر  عندما سئل: «في الرجل يتصدق بالصدقة المشتركة؟ قال: جائز»[171]  مما يدل على جواز الوقف والصدقة في الحصة المشاعة بين مجموعة من الأشخاص، وهذا هو بالضبط ما نحتاجه لإيجاد أوقاف كبيرة وقادرة على تلبية متطلبات الحاجات الجديدة.

4- إدارة الوقف بالأساليب الحديثة:

إن الاعتماد على أساليب التقنية الحديثة في إدارة الوقف واستعمال النظم الإدارية الجديدة للمؤسسات، والاستناد إلى التخطيط العلمي في رسم الموازنات المالية، وتبويب وتوثيق ممتلكات الأوقاف حسب موضوعاتها وأهدافها، وإيجاد قاعدة معلوماتية DATA BASE تتوفر على خرائط الأوقاف ومرتسماتها، وتحديد مواقعها حسب الأهمية، وحفظ الحجج الوقفية في متاحف خاصة للرجوع إليها عند الحاجة القانونية[172] .

وتعاني الأوقاف في منطقتنا بالقطيف والأحساء وأماكن أخرى من العالم الإسلامي بسوء الإدارة للأعيان الوقفية، فغالباً ما تكون الإدارة بيد شخص واحد وهو متولي الوقف يتصرف كما يحلو له بعيداً عن أي تخطيط إداري، أو خطة استثمارية للأوقاف التي تحت تصرفه، وتخضع إدارة الأوقاف -غالباً- لمستوى المتولي وثقافته ومدى اهتمامه بتنمية الوقف واستثماره فيما وُقِفَ له.

ومن دون وجود لجنة أو مؤسسة لإدارة الأوقاف الموجودة في كل منطقة، بحسب الأنظمة والأساليب الإدارية الحديثة، ستبقى مشكلة ضياع الأوقاف والتعدي عليها، أو إهمالها وتحولها إلى أوقاف من دون فائدة، هو الشائع في أغلب الأوقاف للأسف الشديد.

فالأوقاف في مجتمعنا تُدار بصورة فردية وبعيدة كل البعد عن الإدارة الحديثة القائمة على التخطيط والتقنية، والمراقبة والمحاسبة، والتوثيق والرصد، وهو الأمر الذي أدَّى إلى محدودية ريع الأوقاف، أو في حال وجود عوائد لها لا يعرف أحد من المجتمع كيفية التصرف فيها!

ولا يعني هذا بالضرورة التشكيك في نزاهة متولي الأوقاف أو إخلاصهم، وإنما إدارة الأوقاف بالصورة القديمة والتي تفتقد أبسط مقومات الإدارة يؤدي بالضرورة إلى ضياع الأوقاف أو التعدي عليها أو إهمالها أو تدني عوائدها.

وإذا ما أردنا تفعيل الأوقاف والوصول بها إلى مستوى متقدم من الفاعلية والعطاء لا بد من وضع نظام إداري حديث بحيث يكون قادراً على إدارة الأوقاف وفق الأساليب والتقنيات الإدارية الحديثة.

5- عمل مسح إحصائي للأوقاف:

تزخر منطقتنا بثروة وقفية هائلة، ولكن المحزن حقاً هو غياب أي مسح إحصائي لكامل الأوقاف، بل وعدم استخراج صكوك شرعية لبعضها مما يؤدي إلى ضياع أو سرقة بعضها أو التعدي على تلك الأوقاف الثمينة.

كما أن عدم وضوح بعض نصوص الحجج الوقفية بحيث أنها كتبت بصيغ مبهة تحتمل أكثر من تفسير وتأويل قد أدى إلى التصرف في بعض الأوقاف بخلاف ما أوقفه الواقفون لأوقافهم، وهو الأمر الذي قد أدى في بعض الأحيان إلى التعدي على الأوقاف تحت عناوين التفاسير المختلفة لرغبات الواقفين.

وللحفاظ على الأوقاف من الضياع والتعدي عليها يجب في البدء عمل مسح إحصائي لكل الأوقاف في المنطقة، وتحديد جهات وقفها، وأسماء المتولين والنظَّار عليها، واستخراج الصكوك الشرعية عليها، وبذلك يمكن حفظها من أي تعدٍ أو سرقة أو إهمال لها.

ومجتمعنا فيه الكثير من الأوقاف التي لو استثمرت بصورة صحيحة لأدت إلى خير كثير، ففي دراسة عن الأوقاف في الأحساء، بلغ عدد الأوقاف المسجلة في المحكمة الشيعية بالأحساء بين عامي 1388 - 1409هـ، ما مجموعه 3619 وقفاً من مزارع وبيوت ودكاكين وأراض على مختلف الأغراض، ووصل عدد الموقوف على أهل البيت فيها 2563 وقفاً، وتساوي نسبة 70%[173] .

ونسبة أوقاف أهل البيت من مجمل الأوقاف في القطيف لا تقل عن 75%، وأن الأوقاف تشكل نسبة 60% من مجموع النخيل على أقل تقدير، فلا توجد سيحة إلا وأكثر بساتينها وقف. والقطيف تتميز برقعة زراعية كبيرة تضم سبعمائة وثلاثين ألف نخلة على أدنى إحصاء، منها خمسمائة وعشرة آلاف نخلة منتجة بمعدل 25 كيلو للنخلة الواحدة[174] .

وهذه الأوقاف الكبيرة والمتنوعة يجب الحفاظ عليها من أي تعدٍ، والعمل بموجب شروط الواقفين،إذ أن نص الحجة الوقفية لأي وقف هو الصيغة المعتمدة في إنفاذ الوقف، حتى قيل: «إن شرط الواقف كنص الشارع».

وأول الخطوات للحفاظ على الأوقاف هو استخراج الصكوك الشرعية لها بعد عمل مسح إحصائي دقيق لها، ومن ثم العمل على تنميتها بما يعظم من ريعها في خدمة جهات الوقف.

6- الرقابة على المتولين والناظرين:

الرقابة والإشراف على أي عمل أمر ضروري وهام جداً لإتقان العمل، وإدارته وفق المعايير المطلوبة، كما أن الرقابة تؤدي إلى الإبداع في العمل، وإنجاز المهام الموكلة للمسؤول عن أي مشروع.

والرقابة على أولياء الأوقاف ونظَّارهم في غاية الأهمية كي يقوموا بما يمليه عليهم مصلحة الوقف، ومنعاً لأي تلاعب أو ضياع لها.

وقد أَدىَّ التساهل مع أولياء الوقف في إدارتهم للأوقاف إلى ضياع بعضها، أو التعدي عليها، أو تحويلها لأملاك شخصية، أو التصرف بها بخلاف شروط الواقفين،لذلك فإن المطلوب اليوم من مؤسسة الوقف أو المحكمة الشرعية المشرفة على الأوقاف سن تشريعات قانوينة وإدارية لتعزيز مفهوم الرقابة على المتولين والناظرين للأوقاف، كما أنه من المهم أن يعزز ذلك بمراقبة واهتمام النخب الاجتماعية لسلوك المتولين للأوقاف، كما يمكن لمؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام المختلفة، وعلماء الدين والقانون، والفاعليات الاجتماعية المختلفة أن تلعب دوراً مؤثراً في توجيه ومراقبة متولي الأوقاف بما يمنع من التلاعب فيها أو التعدي عليها.

كما أنه من المهم للغاية مطالبة المتولين والناظرين للأوقاف بتقارير مالية سنوية للمصروفات والإيرادات المتعلقة بالأوقاف التي تحت أيديهم، وتوضيح الإنجازات التي قاموا بها، ووضع تلك الكشوفات المالية تحت مراجعة محاسبية للتدقيق فيها، لكشف أي تلاعب أو تزوير قد يحدث من أي متولٍ للوقف.

7- تنمية عوائد الأوقاف:

إن تنمية عوائد الأوقاف بحاجة مستمرة للبحث عن أفضل السبل لاستثمار تلك الأوقاف وتنمية ريعها، وتعظيم إنتاجها، وتقوية روافدها المالية، خصوصاً وأن عصرنا قد شهد قفزات نوعية في المنتجات الاستثمارية والمالية يفوق بكثير ما عرفه الناس في القرون المنصرمة.

فالمتابع لحركة الاستثمار المالي يلحظ بوضوح عمليات التجديد والابتكار في الأوعية والأشكال الاستثمارية المتطورة، وهو الأمر الذي يجب أن ينعكس على استثمار الأوقاف في مجتمعنا بما يؤدي إلى تنمية المجتمع اقتصادياً وتنموياً واجتماعياً وثقافياً... إلخ.

وعندما نلقي نظرة فاحصة على الأوقاف من حولنا في واحتي القطيف والأحساء وغيرهما سنجد أن بعضها -للأسف الشديد- قد أصبح يباباً، وبعضها الآخر يشكو من إهمال متوليها، وبعضها قد استثمر بمبلغ زهيد جداً بما يضر بمصلحة الوقف.

ثم إن مشكلة التعدي على الأوقاف لا تأتي فقط من التعديات الظاهرة؛ بل تأتي أيضاً من التعديات غير الظاهرة، بيد أن التعديات الظاهرة يحرص متولي الوقف -عادة- على عدم القيام بها حتى لا يتعرض للعزل أو المساءلة القانونية، ولكن المشكلة هي في التعديات القائمة على الأوقاف ولكن بصورة غير مرئية، من قبيل:

أ - عدم الشفافية في التصرفات المالية للأعيان الموقوفة، أو التلاعب في تقديم فواتير غير صحيحة، وما أشبه ذلك.

ب- تأجير العين الموقوفة بأقل من أجرة المثل.

ج- تأجير العين الموقوفة لفترة طويلة من الزمن كعشرين سنة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى ضياع العائد المفترض للوقف من خلال نقصان القيمة الشرائية للنقود مع مرور الزمن في غالب الأحيان.

ولتجاوز ذلك يجب تشكيل لجنة من أهل الاختصاص في مجال الاستثمار والاقتصاد وأهل الخبرة والرأي بالإضافة إلى لجنة شرعية للمواءمة بين الرأي الشرعي بحسب شروط الواقفين وما يتطلبه استثمار بعض الأوقاف من تجاوز الإدارة التقليدية لها.

فالواقف إنما يوقف جزء من ثروته الخاصة، ليخرجها من دائرة المنفعة الشخصية إلى دائرة المنفعة العامة، لتساهم في تنمية المجتمع وتطويره، والدفع به نحو المزيد من التقدم والازدهار؛ وهذا الأمر لن يتحقق إلا بتنمية عوائد الوقف، واختيار أفضل السبل في استثماره وتعظيم عوائده.

[161]  جواهر الكلام، الشيخ محمد حسن النجفي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة السابعة، 1981م، ج28، ص2.
[162]  آفاق التنمية والتحديث لمؤسسة الوقف الجعفري في الكويت، الشيخ حسين الشامي، ملتقى الوقف الجعفري الثاني، الكويت 1428هـ ـ 2007م، ص 6 - 7.
[163]  العرصة: هي كل بقعة ليس فيها بناء.
[164]  الوقف وأحكامه في الفقه الإسلامي والقوانين اللبنانية، الشيخ محمد جعفر شمس الدين، دار الهادي، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 1426هـ - 2005م، ص 273 ـ 274.
[165]  سورة البقرة، الآية: 148.
[166]  الموسوعة العربية العالمية، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض- السعودية، الطبعة الثانية 1419هـ- 1999م، ج27، ص131.
[167]  الموسوعة العربية العالمية، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض- السعودية، الطبعة الثانية 1419هـ ـ 1999م، ج27، ص132.
[168]  الأوقاف وتطوير الاستفادة منها، حسن موسى الصفار، أطياف للنشر والتوزيع، القطيف - السعودية، الطبعة الأولى 1427 هـ - 2006م، ص 16.
[169]  مجلة الواحة، موضوع الوقف في القطيف وأثره في حياتها، السيد حسن العوامي، العدد التاسع، الربع الأول 1418هـ - 1998م، ص 102.
[170]  أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان، الطبعة الخامسة 1420هـ - 2000م،ج12، ص273.
[171]  الوسائل، الحر العاملي، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى 1413هـ - 1993م، ج19، ص196، رقم24420.
[172]  آفاق التنمية والتحديث لمؤسسة الوقف الجعفري في الكويت، حسين الشامي، ملتقى الوقف الجعفري الثاني بالكويت، 1428هـ - 2007م، ص 9.
[173]  مجلة الواحة، موضوع: الوقف في الأحساء معالم وآفاق، محمد علي الحرز، الربع الثاني 2003م، العدد 29، ص 41.
[174]  مجلة الواحة، موضوع: الوقف في القطيف وأثره في حياتها، السيد حسن العوامي، العدد التاسع، الربع الأول 1418هـ - 1998م، ص 103.
عالم دين
121064