قلعة الدمام 1/2
جلال بن خالد الهارون الأنصاري * - 1 / 2 / 2011م - 11:47 ص - العدد (55)

تمهيد

تنتشر على سواحل المملكة العربية السعودية “الشرقية” العديد من المباني التاريخية، ومنها - على سبيل المثال - قلعة تاروت ودارين، والعديد، علما بأن جل هذه الآثار لا تزال مجهولة الهوية، و(قلعة الدمام) - محل بحثنا هذا - واحدة من جملة هذه المواقع التي نجهل الكثير عنها.

وجهلنا هنا متمثل في أمور عدة من أهمها الاستفسارات التالية: من هو مؤسس هذه القلعة؟ وفي أي فترة تأسست؟ و ما سبب تأسيسها؟ وما دار بها من أحداث؟...الخ.

فالساحة التأريخية في وقتنا الراهن منقسمة - بخصوص هذه القلاع المنتشرة في مدن وقرى المنطقة الشرقية - بين طائفتين: الأولى تعتقد بأن هذه القلاع عبارة عن قلاع أسسها الغزاة البرتغاليون قرابة عام 930هـ، أثناء احتلالهم للبحرين والقطيف[1] ، وبالتالي فإن عمر هذه القلاع يزيد على الخمسمائة 500 سنه تقريبا[2] ، في حين ترى طائفة ثانية بان هذه القلاع حديثة لا يزيد عمرها على مائتين وخمسين 250 سنة تقريباً، وهذا الخلاف يسري هنا على قلعة الدمام أيضاً.

في حين يرى بعض المؤرخين على أن باني قلعة الدمام رجل يدعى رحمة بن جابر الجلاهمة، هاجر إلى الدمام نازحاً إليها من قطرعام 1225هـ[3] ، ولكن، وللأسف، لا تتجاوز - كل هذه الآراء - تبني هذا الاجتهاد أو ذاك، دون التثبت أو محاولة البحث عن قرائن وحجج تدعم ما ذهبت إليه من اجتهادات.

ونحن - في هذا البحث - لن نكون مع أو ضد هذه الاجتهادات، ولكن سنحاول تتبع تاريخ هذه القلعة معتمدين على المتاح لدينا من مراجع ومصادر، وخصوصا تلك التي تتمتع بمستوى جيد من التوثيق للمعلومة بشكل علمي ومنهجي، علماً بأن هذا البحث سيتجاهل كافة المصادر التي تورد المعلومة مبتورة أو مرسلة، دون ربطها بمصادرها الأولية، آملين أن تكون هذه الدراسة مفتاحاً يسهل مهمة البحث مستقبلا في تتبع تاريخ هذه القلعة التاريخية الهامة.

الموقع والتسمية

تقع قلعة الدمام على الساحل الجنوبي الشرقي من منطقة القطيف[4] ، وتبعد - هذه القلعة - عن مركز مدينة القطيف الحالية مسافة 20 كيلو متر، تقريباً، ولم يشتهر هذا الساحل المعروف حاليًّا “بالدمام” بوجود مزارع النخيل به قديماً، علمًا بأن هذا الساحل كان يضم عددًا من عيون الماء العذبة المتفرقة، من أشهر هذه العيون عين ماء تقع وسط قلعة الدمام.

واسم “الدمام” مصطلح حديث الى حد ما، فهو لم يظهر - على حد علمي - في المصادر التاريخية المختلفة إلا مع بداية سيطرة الدولة السعودية الأولى على سواحل القطيف، والأحساء قرابة عام 1206هـ، كذلك لم أقف على إشارةٍ مَّا تذكر منطقة “الدمام” هذه في الخرائط القديمة التي رسمت للجزيرة العربية، سواء كانت أوربية أو عثمانية[5] ، التي تعود للقرن التاسع والعاشر الهجريين، وإنما كانت هذه الخرائط تشير إلى وجود بلدة تقع في هذا الساحل المعروف حاليا بالدمام تعرف بـ(بيشة)*، وربما أن بلدة الدمام الحالية خلفت بلدة “بيشة” الدارسة تلك، مع العلم بأن تلك الخرائط كانت تشير إلى وجود بلدة فقط، ثم ظهرت -بعد ذلك - في خرائط أخرى متأخرة إشارة إلى وجود قلعة في بلدة “بيشة” المشار اليها، علها تكون “قلعة الدمام” محل الدراسة، انظر الخريطة رقم(1).

اشتهر هذا الساحل الذي بنيت عليه هذه القلعة قديما بتبعيته لحاضرة “الظهران” القديمة التي كانت عامرة بالسكان حتى عام 1049هـ، فقد أثبت لنا المؤرخ محمد سعيد المسلم بالوثائق بأن بلدة سيهات كانت تابعة للظهران في هذا التاريخ[6] ، علما بأن مدينة الظهران هجرت بالكامل بعد هذا التاريخ لأسباب مجهولة، وأنا اعتقاد بأن الاسم “دمام” هو اسم للقلعة، ثم عرف به هذا الجزء من الساحل المعروف قديما بالظهران، يقول العلامة حمد الجاسر[7] :

(القول بأن الظهران بلد على ساحل البحر ذو نخيل وأشجار، ومداخيل من بر وبحر - يفهم منه أن اسم الظهران يمتد حتى الساحل، وعلى هذا يدخل فيه موقعا المدينتين اللتين نشأتا حديثا الخبر والدمام)، انتهى.

هذا رأي الشيخ الجاسر بخصوص اشتهار هذا الساحل قديما باسم الظهران، وفيما يلي الدليل على اشتهار القلعة قديما بـ “الدمام”، حيث يذكر الكابتن ج. فوستر سادلير في مذكراته المحررة عام 1234هـ النص التالي[8] :

(ويمتاز هذا الجانب بعلامة خاصة - تلَّة مخروطية على البر الرئيسي تسمى الظهران، وفي الميناء إلى الداخل يوجد برج أو حصن محاط بالماء يسمى الدمام، وقد رممه مؤخرا رحمة بن جابر)، انتهى.

ومن ذلك نستنتج أن التسمية: “دمام” أخذت من شكل السور ذي الأضلاع الثلاثة، خلافاً لبقية قلاع منطقة القطيف الأخرى.

 من جهة أخرى نلاحظ أن تصميم مبنى هذه القلعة كان مختلفاً نتيجة الإحاطة بثلاثة أسوار قوية، وإثبات وجود هذه الأسوار الثلاثة سيأتي لا حقاً عند الحديث عن تصميم مبنى القلعة.

ونحن نعتقد بأن التسمية “الدمام” هي وصف لهيئة هذه القلعة، حيث ان كلمة “دمام” في اللغة تعني “أطبق” أو أحاط احاطه قوية، قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا سورة الشمس، الآية (14)، وفي تفسير هذه الآية يقول الإمام فخر الدين الرازي النص التالي[9] :

فاعلم أن في الدمدمة وجوها... أحدها: قال الزجاج: معنى دمدم أطبق عليهم العذاب، يقال: دمدمت على الشيء إذا أطبقت عليه، ويقال: ناقة مدمومة، أي قد ألبسها الشحم، فإذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه. قال الواحدي: الدم في اللغة اللطخ، ويقال للشيء السمين: كأنما دم بالشحم دما، فجعل الزجاج «دمدم» من هذا الحرف على التضعيف نحو كبكبوا وبابه، فعلى هذا معنى “دمدم عليهم» أطبق عليهم العذاب وعمهم كالشيء الذي يلطخ به من جميع الجوانب.

علما بأنه ومن الدارج استخدام كلمة (دمام) بهذا المعنى في منطقة القطيف، حيث يذكر الباحث حسين سلهام بأن مزارعي القطيف يطلقون مصطلح “دمام” على الارض المحاطة احاطة كثيفة بأشجار النخيل، ووفقا لهذا الرأي اعتقد “السلهام” بان سبب تسمية الدمام بهذا الاسم جاء من كلمة (دمدم) نتيجة احاطة البلدة بغابات النخيل في عهود قديمة، و هذا الاجتهاد “للسلهام” كان الأقرب للحقيقة في اعتقادي حتى تبين لنا وجود هذه الأسوار الثلاثة، في حين يعتقد “الشيخ عبد الرحمن العبيد” الرئيس السابق لنادي المنطقة الشرقية الأدبي [10]  بأن بلدة الدمام عرفت بهذا الاسم “دمام” نسبة لدميم الطبول التي كثيرا ما كانت تقرع فيها من قبل السكان خلال تلك الفترة، ولم يعزز “العبيد” هذا الرأي بدليل، أو مصدر[11] ، ونحن نرى بأن قرع الطبول لم يكن مقتصرا على هذه البلدة، فقط دون غيرها، وعليه يحق لنا أن نتساءل عن سبب احتكار هذه التسمية على هذه البلدة فقط، وعدم انتشارها في المنطقة.

 

خريطة عثمانية محررة قرابة عام 930هـ
تشير إلى موقع “الدمام” الحالي جنوبي القطيف بكلمة (بيشة) مع الإشارة إلى وجود قلعة

السكان

لا نعلم شيئاً عن سكان بلدة الدمام قبل عام 1200هـ، حيث تذكر بعض المصادر الحديثة بأن بلدة الدمام لم تكن سوى قلعة وحولها مجموعة من المساكن المؤقتة، تابعة لعدد من العشائر القطرية والبحرانية المناوئة لأسرة آل خليفة، حكام البحرين، سكنوا هذه المنطقة في الفترة الواقعة بين عام (1225هـ، 1288هـ)، ومن أشهر هذه العشائر، آل جلاهمة، وآل سميط، وآل بن علي، وآل بو عينين، والعماير - فرع من قبيلة بني خالد - وبني هاجر، وآل بو كوارة، ومجموعة من النجادة، وأخرى من البلوش، إضافة إلى أسرة الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة حاكم البحرين المخلوع، هذا تحديدًا ما تخبرنا به المصادر التاريخية المختلفة عن سكان بلدة الدمام في تلك الفترة [12] .

أهمية الموقع الذي أنشئت فيه القلعة:

تقع (قلعة الدمام) على الساحل الجنوبي الشرقي للقطيف، ومباشرة في المواقع الذي يمثل المدخل إلى خليج القطيف المؤدي الى الميناء الرئيسي للمدينة، وهذا الموقع يتيح لهذه القلعة كشف جميع السفن القادمة، والخارجة من ميناء القطيف والموانئ الأخرى القريبة؛ كدارين، وسيهات؛ لذا كانت هذه القلعة تحظى بأهمية استراتيجية لحفظ أمن هذه الموانئ، أو السيطرة عليها، وخصوصاً ميناء القطيف، في حين أن هذا الساحل كان يتميز، قديماً، باحتوائه على عدد من عيون الماء العذبة التي تشجع على الاستيطان والزراعة، ومع ذلك لم تشتهر هذه المنطقة بالزراعة، وهذا ربما راجع الى خلو المنطقة من السكان، في تلك الفترة، ونظراً لانعدام الأمن، كما وتمتاز هذه الشواطئ بالضحالة الشديدة؛ مما يتسبب في تعذر اقتراب ورسوِّ السفن الكبيرة على مقربة منها، وهذه النقطة السلبية كانت نقطة ايجابية خلال تلك الفترة؛ لحماية السكان والقلعة، وجعلهم في مأمن ومنأى من قذائف المدافع بالسفن المعادية، يضاف الى ذلك أن خلو هذا الساحل من الزراعة، قديماً، تسبب في تمتعه بنقاء الهواء؛ مما كان له بالغ الاثر في الحد من عملية انتشار الأمراض الوبائية؛ لذا كثيراً ما نجد هذا الوصف مضمنا في التقارير العثمانية القديمة، وذلك مقارنة بما كان عليه هواء القطيف المشهور بوخامتة التي تساعد على انتشار الامراض؛ لذا نجد أن السلطات العثمانية كانت مضطرة إلى نقل واسكان الجنود في القلاع التي تقع خارج هذه المنطقة كعنك ودارين والدمام[13] .

 

موقع قلعة الدمام

تأسيس قلعة الدمام

تكاد تتفق بعض المصادر التاريخية المختلفة على أن تأسيس وبناء هذه القلعة الشهيرة “بقلعة الدمام” كان مرتبطا بهجرة رحمة بن جابر الجلاهمة الى هذه المنطقة قادما من خور حسان القطري قرابة عام 1809م – 1225هـ[14] ، مع وجود مصادر أخرى قليلة التداول تشير الى أن علاقة رحمة بن جابر الجلاهمة بهذه القلعة لا تتعدى مسألة السكن فيها، ومن هذه النصوص الآتي:

1- تقرير القائد العثماني محمد نافذ باشا، المحرر عام 1306هـ، ويذكر فيه أن مجموعة القلاع (دارين والدمام وعنك) الموجودة في القرى المحيطة بالقطيف تم تأسيسها من قبل الحكومة السعودية الأولى، وفيما يلي نص ترجمة التقرير العثماني[15] :

(انطلق نافذ باشا من البصرة إلى القطيف، أولا، ومكث بها خمسة أو ستة أيام، وحدد احتياجات المنطقة، و تنقل في عدد من القلاع التي أنشأتها العائلة السعودية عندما كانت تحكم هذه المنطقة، وذلك بهدف منع الهجمات التي يمكن أن تأتي إلى القطيف من جهة البحر، وعندما تهدمت هذه القلاع بمرور الزمن أصبحوا وجها لوجه أمام العدو، وهذه القلاع التي توجد كل واحدة منها على بعد حوالي ساعة أو ساعتين عن القطيف،إنما تحظى بأهمية كبرى من أجل حماية ميناء القطيف). انتهى

2- يذكر الشيخ حمد الجاسر، عن قلعة الدمام وبقية قلاع منطقة القطيف، بأنه عند امتداد نفوذ البرتغاليين الى سواحل الخليج العربي، تم بناء عدد من القلاع منها قلعة الدمام وتاروت والقطيف[16] .

3 - يذكر الأستاذ عبد الرحمن عبد الكريم العبيد، بأن الشواهد التاريخية تشير إلى أن البرتغال هم أول من بنى قلعة الدمام المسماة بـ“قصر الدمام”[17] .

ونحن نؤيد الرأي القائل بأن رحمة بن جابر الجلاهمة سكن “قلعة الدمام” هذه، ولم يؤسسها، وذلك لوجود أسباب عدة تجعل من غير المنطقي قبول فرضية تأسيسه لها قرابة عام 1225هـ، وأهم هذه الأسباب كالتالي:

أ- لم يكن رحمة بن جابر الجلاهمة مستقلا وقت انتقاله الى الدمام لأول مرة عام 1225هـ، كما يعتقد الكثيرون، وإنما كان تابعاً لسلطة الدولة السعودية الأولى، وقت إقامته في قطر قبل هجرته إلى الدمام، وبعد الهجرة إليها خلال الفترة من (1212هـ، 1230)، فقد ذكرت لنا المصادر التاريخية المختلفة بأن القوات السعودية سيطرت على القطيف عام 1206هـ[18]  ثم على قطر عام 1212هـ، ثم على البحرين عام (1224هـ)، وبعد السيطرة على هذه المنطقة الواسعة جعلت هذه المناطق الثلاث مقاطعة واحدة عين عليها عبد الله بن عفيصان أميراً يتبعه جميع شيوخ القرى التابعة لهذه الإمارة، ومن هؤلاء الشيوخ “رحمة بن جابر”، علماً بأن السيطرة السعودية على هذه المنطقة امتدت الى أن اجتاحت القوات المصرية بقيادة ابراهيم باشا الدرعية عام 1233هـ[19] .

ب- كان انتقال رحمة بن جابر الجلاهمة من قطر إلى الدمام قرابة عام 1225هـ جزءًا من عملية انسحاب القوات السعودية من سواحل قطر؛ نتيجة التعرض للهجوم والتدمير من قبل السيد سعيد سلطان مسقط وحلفائه ممثلين بعرب العتوب والهولة، وظل رحمة بن جابر مخلصا للسلطة السعودية خلال تلك الفترة، ودليل ذلك مشاركته للأمير السعودي إبراهيم بن عفيصان في هجومه على القوات البحرانية في موقعة خكيكيرة عام 1226هـ انطلاقا من الدمام[20] ، وهذه العملية كانت إحدى المحاولات السعودية غير الناجحة لاستعادة جزيرة البحرين؛ لذا لا يصح الاعتقاد بأن رحمة بن جابر أسس هذه القلعة نتيجة تفكيره في إنشاء كيان خاص به، وإنما المنطق هنا يدفع الى القول بأن قلعة الدمام كانت موجودة، أصلاً، وتم الاحتماء بها مباشرة بعد الانسحاب من قطر، ولا مانع من أن يكون رحمة بن جابر طامعاً في دعم سعودي يمكنه من الاستيلاء على البحرين لإنشاء كيان مستقل خاص به هناك، علماً بأننا لو افترضنا، جدلاً، بأن رحمة أسس قلعة الدمام في عام 1225هـ - كما هو شائع - إذًا لا بد لنا من التسليم بأن قرار البناء هذا كان صادرا من قبل الحكومة السعودية الأولى ولصالحها.

ج- قصر الفترة الزمنية التي تخللها سكن رحمة بن جابر في الدمام، والتي لا تتجاوز مدة الخمس (5) سنوات فقط، وهي تحديدا الفترة الواقعة بين (1225هـ - 1231هـ)، حيث أن رحمة بن جابر طُرد من قلعة الدمام عام 1231هـ بالقوة؛ نتيجة المصالحة السعودية - البحرانية، نظرا لانشغال القوات السعودية في الحرب مع القوات المصرية في المنطقة الغربية، وخلال هذه الفترة هاجر رحمة بن جابر إلى بوشهر على الساحل الإيراني[21] ، وبذلك لا يمكن قبول فرضية إنشاء رحمة بن جابر لهذه القلعة خلال هذه الفترة القصيرة جدًّا، وخصوصا مع وجود انفلات أمني في الدمام والمنطقة عموماً، أضف إلى ذلك أن القلعة كانت تذكر مباشرة في العام الذي انتقل فيه رحمة إلى الدمام 1225هـ.

تصميم القلعة

قلعة الدمام قلعة مستطيلة الشكل مبنية من الحجارة البحرية والطين، تقع وسط البحر، فهي محاطة بمياه البحر من جميع الجهات، ويبعد مبنى القلعة عن الشاطئ الرئيسي قرابة كيلو متر واحد، تقريبا؛ لذا نرجح بأن هذه القلعة بنيت - في الأساس - على جزيرة صغيرة، أو “حاله” تابعة لساحل الظهران، وربما أن عين الماء التي كانت في وسط القلعة كانت في هذه الجزيرة الصغيرة، وبذلك تكون سابقة لتأسيس القلعة، ومن خلال هذه المعلومات الأولية نستطيع تصور أسباب اختيار هذا الموقع مكاناً لبناء القلعة، علمًا بأن الوثائق العثمانية تصف هيئة وتصميم قلعة الدمام عام 1287هـ على النحو التالي[22] :

(وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة، وعوينت القلعة (قلعة الدمام)، واتضح أنها أمتن مما يعتقد العامة، فهي محاطة بثلاثة أسوار حصينة، وبها أحد عشر مدفعًا) انتهى.

ومن خلال التمعن في النص المذكور أعلاه نعلم، يقيناً، بأن قلعة الدمام كانت محاطة بثلاثة أسوار حصينة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل - وبشكل قاطع - على أن هذه القلعة كانت قلعة عسكرية، وكان الغرض الأساسي من إنشائها لإغراض عسكريه صرفة.

 علما بأن هذه الأسوار كانت محمية، أيضًا، بعدد من الأبراج التي تضم عدداً من الفتحات الصغيرة (كوات) مخصصة لإطلاق رصاص البنادق، كما ويمكن رسم صورة أكثر وضوحاً لهذه القلعة من خلال استعراض ودراسة عدد من الصور الفتوغرافية لها، انظر الصورة رقم (1)، والتي تبين أن العدد الإجمالي للأبراج يبلغ قرابة الستة(6) أبراج، ووفقا لتقرير القائد محمد نافذ باشا المشار إليه أعلاه كانت تضم هذه الأبراج أحد عشر(11) مدفعا، تسعة منها مصنوعة من الحديد وأثنان مصنوعان من النحاس الأصفر، وكانت مواقع هذه المدافع الأحد عشر موزعة على الأبراج بطريقة ما، ولا يقتصر استخدام هذه الأبراج كمواقع للمدفعية فقط، إذ إنها كانت تستخدم كسجن صغير أحياناً، فقد ذكر في الوثائق العثمانية التي اطلعنا على ترجمة لها أن الإمام محمد بن فيصل آل سعود كان مسجونا في أحد أبراج هذه القلعة عام 1288هـ[23] .

 

صورة رقم (1): قلعة الدمام
تبين بقايا السور و الأبراج وعدد من المباني

 وبعد الانتهاء من الوصف الخارجي للقلعة ننتقل إلى الداخلي، حيث يوجد في داخل سور القلعة - في الجهة الشمالية - “عين ماء” عذبة، يفيض ماؤها فيجري إلى البحر، وكانت هذه العين مطوية بالصخر طيًّا محكمًا، وكانت عميقةً، وذات فوهة ضيقة[24] ، (انظر الصورة رقم (2))، وهذه العين كانت تضفي أهمية عظيمة على القلعة؛ حيث تتيح للمقاتلين إمكانية الاحتماء بها لفترة طويلة، كما تضم هذه القلعة - داخل أسوارها - مجموعة من المباني الصغيرة، وعددًا آخر من الأروقة ذات الأقواس الإسلامية المدببة (Pointed Arches)، علما بأن أحد هذه المباني - كما يبدو في الصورة رقم (1) - كان يقع في النصف الجنوبي من القلعة، وهو خرب لم يبق منه سوى بقايا الجدران، التي تبين لنا أن هذا المبنى كان ذا شكل مربع، وهو مائل، قليلاً، جهة الجنوب الغربي أي باتجاه القبلة، تقريباً، لذا اعتقد - ومن طريقة التوجيه - بأنه كان عبارة عن مسجد القلعة، انظر المخطط رقم (1).

 

الصورة رقم (2)
عين الماء التي بداخل قلعة الدمام

 

إضافة إلى ذلك كانت القلعة، أيضا، تضم مبنى ذا ثلاثة طوابق، مرتفع البناء، يمكِّن من مشاهدة كثير من الموانئ القريبة كميناء سيهات والقطيف ودارين[25] ، يعلو هذا البناء عمود حديدي على رأسه قطعة مثلثة الشكل يعلوها “هلال” إسلامي أعتقد بأنه رمز للدولة العثمانية، وبه مكان رفع العلم، وهذا المبنى - ذو الثلاثة طوابق - يعد أحد أبرز معالم هذه القلعة، ونرجح أن هذا المبنى كان مقرا لسكن أمير القلعة، ومنه تتم إدارة كل عناصر وإفراد القلعة. (انظر الصورة رقم (3)).

 

صورة رقم (3)
مبنى ذو ثلاث طوابق داخل قلعة الدمام

أهم الأحداث التي مرت بها هذه القلعة

تبين لنا المصادر التاريخية المختلفة أن قلعة الدمام مرت بثلاث حقب تاريخية، تبدأ الحقبة الأولى بذكر القلعة بعد سيطرة الدولة السعودية الأولى على القطيف قرابة عام 1206هـ، زمن الإمام عبد العزيز بن سعود آل سعود، وخلال هذه الحقبة، تحديدًا، لجأ رحمة بن جابرالجلاهمة الى قلعة الدمام مهاجراً إليها من قطر قرابة عام 1225هـ، وظلت هذه القلعة تابعة للدولة السعودية الأولى حتى سقوطها عام 1233هـ، ثم تدخل القلعة الحقبة الثانية لها بقيام الدولة السعودية الثانية على يد الامام تركي بن عبد الله آل سعود قرابة عام 1340هـ، (تأكد من التاريخ؟) تاريخ بداية الدولة السعودية الثانية فيه خلاف لذا هنا ترجيح فقط وأبرز ما يميز هذه الفترة انتشار الفوضى في منطقة حوض الخليج العربي عموما حيث تخلل هذه الفترة القضاء على رحمة بن جابر الجلاهمة قرابة عام 1242هـ، وتنتهي الحقبة الثانية باحتلال القوات العثمانية للمنطقة - القطيف والأحساء - عام 1288هـ، وبذلك تبدأ المرحلة الثالثة والأخيرة حيث تفتح قلعة الدمام بدون حرب ويستسلم أميرها السعودي المدعو “طحنون”، وتستمر السيطرة العثمانية على المنطقة حتى عام 1331هـ، حيث يستولي الملك عبد العزيز على المنطقة الشرقية، وينهي الوجود العثماني في المنطقة نهائيًّا.

هذه، باختصار، أهم الحقب التاريخية التي عاشتها هذه القلعة، وفيما يلي عرض أهم الاحداث.

مخطط رقم (1): مخطط تقريبي لقلعة الدمام

[1]  عالجت الواحة هذا الوهم السائد بنسبة بناء القلاع في الخليج إلى البرتغاليين، انظر: (أخطاء وأوهام شائعة- القلاع والحصون في شرق الجزيرة العربية)، عدنان السيد محمد العوامي)، العدد 20، الربع الأول لعام 2001، ص: 86 – 89، وينبغي الإشارة، هنا، إلى أن قلعة تاروت تذكر عند استيلاء أبي بكر السلغري عليها بعد مقتل الشيخ أبي عاصم بن سرحان، أكبر شيوخ بني عامر سنة 641هـ، انظر: مجلة الوثيقة، مركز الوثائق التاريخية، البحرين، العدد 3، رمضان 1403هـ، ص: 43، وأما قلعة القطيف فقد وصفها أبو الفداء (ت 732) الوصف ذاته الذي رأيناها عليه قبل هدمها في العصر الحاضر، وتحديداً سنة 1405هـ، 1985م، انظر تقويم البلدان، أبي الفداء: إسماعيل بن محمد بن عمر، دار صادر بيروت، بدون تاريخ ص: 99، أوفست عن طبعة باريس سنة 1840م، وما قاله بالنص: (وعن بعض أهلها قال: «وللقطيف سور وخندق، ولها أربعة أبواب، والبحر إذا مدَّ يصل إلى سور القطيف)، وقبل أبي الفداء أشار إليها علي بن المقرب العيوني، في قوله:أقم صدرها قصداً إلى الخط واحتقب

رسالة ودٍّ أنت عندي كتابهافحين ترى الحصن المعلَّى مقابلاً

ويبدو من الدرب الشمالي بابهاونظنه أراد بالدرب الشمالي: بابها الشمالي الذي أخذ منه اسم الحي المعروف، إلى الآن، بـ «باب الشمال»، انظر: ديوان علي بن المقرب العيوني، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، نشر مكتبة التعاون الثقافي بالأحساء، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة، الطبعة الأولى، 1383ه، 1963م، ص: 42، ولعل رسالة برنالدين دوسوزا - أول قبطان برتغالي غزا القطيف – أصدق برهان على وجود هذه القلعة قبل وصول البرتغاليين بقرون. انظر مجلة الوثيقة، مر ذكرها، العدد 4، ربيع الآخرة، 1404هـ.

[2]  . يذكر الشيخ حمد الجاسر، عن قلاع المنطقة الشرقية التالي (حين امتد نفوذ البرتغاليين على سواحل الخليج العربي، فاتخذوا فيه قلاعا في الدمام و تاروت و القطيف) انظر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية (البحرين قديما) المجلد الثاني (ح-ش)، طبعة عام 1400هـ، منشورات دار اليمامة – الرياض، الصفحة 698، كما ويذكر عبد الرحمن عبد الكريم العبيد، عن قلعة الدمام التالي (تشير الشواهد التاريخية الى ان البرتغال هم أول من بنى قلعتها المسماة بـ «قصر الدمام») انظر، الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية، الطبعة الاولى 1413هـ، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، نادي المنطقة الشرقية الأدبي، الجزء الثاني، الصفحة 356.

[3]  . حياة محمد البسام، أعمال رحمة بن جابر البحرية في الخليج العربي بين القرصة و الانتقام، الطبعة الأولى 1414هـ، دار الشبل – الرياض، الصفحة 56.

[4]  دليل الخليج، القسم الجغرافي، الجزء الخامس، تاليف/ ج. ج. لوريمر، اعداد قسم الترجمة بمكتب صاحب السمو أمير دولة قطر، الصفحة 1881.

[5]  . خالد العنقري، كتاب الجزيرة العربية في الخرائط الأوروبية القديمة بين نهاية القرن الخامس عشر و بداية القرن التاسع عشر، اصدارات معهد العالم العربي، الطبعة الاولى 2001م.* يفهم من كلام الإدريسي أن «بيشة» من قرى القطيف، على مرحلة كبيرة إلى الجنوب منها، انظر: (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)، تأليف الشريف الإدريسي محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحمُّودي، الحسني، تحقيق عدد من المحققين، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، بدون تاريخ، ص: 379، و386.

الواحة

[6]  محمد سعيد المسلم، القطيف واحة على ضفاف الخليج، الطبعة الثالثة، 1423هـ، مطابع الرضا، الدمام.

[7]  الشيخ حمد الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية (البحرين قديما) القسم الثالث (ص-ف)، طبعة عام 1401هـ، منشورات دار اليمامة – الرياض، الصفحة 1107.

[8]  . ج. فورستر سادلير، رحلة عبر الجزيرة العربية، ترجمة أنس الرفاعي، تحقيق سعود غانم الجمران العجمي، الطبعة الثانية 2005م، الكويت، صفحة 47.

[9]  . الامام محمد بن عمر فخر الدين الرازي، التفسير الكبير، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، طبعة 2004م، الصفحة 178.

[10]  عبد الرحمن عبد الكريم العبيد، الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية، الطبعة الأولى 1413هـ، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، نادي المنطقة الشرقية الأدبي، جـ2/356.

[11]  ربما اعتمد الشيخ العبيد على رأي لعبد الرسول «عبد الله» الجشي، مؤدَّاه أن اسم الدمام أخذ من صوت الدمدمة التي يصدرها طبل كبير في أعلى برج في القلعة، يقرع لإنذار حامية القطيف؛ إذا داهمها خطر من البحر. انظر (الدمام في مدرجة التاريخ)، عبد الرسول (عبد الله) الجشي، صحيفة الفجر الجديد، الدمام، العدد: 1 السبت 11/7/1374هـ، والعدد 2 السبت 25 /1374هـ، أعيد نشره في الواحة، عدد 36، الربع الأول 2005، ص: 126، ونحن نرى هذا الرأي بقرينة أن أهل القطيف كانوا - حتى عهد قريب – يتمثلون في وصفهم لشدة الضرب الذي يقع بين المتعاركين؛ بأن إذا وصف أحدهم عراكاً حدث بين اثنين، قال: (وصاروا هذا من بوزه كلمة، وهذا من بوزة كلمة؛ أُو صاح الدمام)، أي علا صوت الضرب. الواحة.

[12]  عبد العزيز عبد الغني ابراهيم، صراع الأمراء علاقة نجد بالقوى السياسية في الخليج العربي، دار الساقي، الطبعة الاولى 1990م.

[13]  الدكتور عبد الله نصر السبيعي، الأمن الداخلي في الاحساء و القطيف و قطر اثناء الحكم العثماني الثاني 1288هـ - 1331هـ، الطبعة الاولى 1420هـ، مطابع الجمعة الألكترونية، ص239.

[14]  دكتورة حياة محمد البسام، أعمال رحمة بن جابر البحرية في الخليج العربي بين القرصنة والانتقام، الطبعة الأولى 1414هـ، دار الشبل، الرياض، ص 56.

[15]  كورشون، ا د. زكريا، العثمانيون وآل سعود في الأرشيف العثماني (1745-1914م)، الدار العربية للموسوعات، بيروت لبنان، ط (1) عام 2005م، صفحة 260.

[16]  . الشيخ حمد الجاسر، المعجم الجغرافي، المنطقة الشرقية (البحرين قديما) المجلد الثاني (ح-ش)، طبعة عام 1400هـ، منشورات دار اليمامة – الرياض، الصفحة 698.

[17]  . عبد الرحمن عبد الكريم العبيد، الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية، الطبعة الاولى 1413هـ، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، نادي المنطقة الشرقية الأدبي، الجزء الثاني، الصفحة 356.

[18]  محمد سعيد المسلم، القطيف واحة على ضفاف الخليج، الطبعة الثالثة، 1423هـ، مطابع الرضا، الدمام، الصفحة 242.

[19]  عبد العزيز محمد المنصور، التطور السياسي لقطر في الفترة ما بين 1868م – 1916م، الطبعة الثانية، 1400هـ، ذات السلاسل، الكويت، صفحة 191.

[20]  راشد بن فاضل البنعلي، مجموع الفضائل في فن النسب و تاريخ القبائل، تحقيق حسن محمد آل ثاني، الطبعة الاولى 2001، الدوحة قطر، بدر للنشر، صفحة 56.

[21]  دكتورة حياة محمد البسام، أعمال رحمة بن جابر البحرية في الخليج العربي بين القرصنة و الانتقام، الطبعة الأولى 1414هـ، دار الشبل، الرياض، ص 63.

[22]  الدكتور فيصل عبد الله الكندري، الحملة العثمانية على الاحساء عام 1288هـ من خلال الوثائق العثمانية، اصدارات مركز دراسات الخليج و الجزيرة العربية – جامعة الكويت، طبعة 2003م، الصفحة 192.

[23]  الدكتور فيصل عبد الله الكندري، الحملة العثمانية على الاحساء عام 1288هـ من خلال الوثائق العثمانية، اصدارات مركز دراسات الخليج و الجزيرة العربية – جامعة الكويت، طبعة 2003م، الصفحة 151.

[24]  صالح محسن القعود، الدمام الحاضر و الماضي،مطابع الشريم – الدمام - الطبعة الأولى 1422هـ، الصفحة 82.

[25]  صالح محسن القعود، الدمام الحاضر و الماضي،مطابع الشريم – الدمام - الطبعة الأولى 1422هـ، الصفحة 82.
كاتب
267498