قلعة دارين
بين أوهام المؤرخين، وشهادة الوثائق
جلال بن خالد الهارون الأنصاري * - 2 / 2 / 2011م - 9:57 ص - العدد (52)

تضاربت أراء الباحثين، وتوَّهتنا كثرة الاجتهادات بخصوص “قلعة دارين” التاريخية، فهناك من يرى أن هذه القلعةَ قديمةٌ يمتد عمرها إلى ما يزيد على الخمسمائة سنة، وأن الذي بناها، لأوَّل مرة، هم الغزاة البرتغاليون، وذلك عند احتلالهم للقطيف، والبحرين قرابة عام 927هـ، في حين يرى آخرون أن هذه القلعة حديثة لا يتجاوز عمرها المائة عام فقط، وأن باني هذه القلعة هو تاجر اللؤلؤ الشهير الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني، وكان ذلك عند هجرته من دولة قطر إلى بلدة دارين عام 1303هـ.

وأنا واثق بأنه - وحتى وقت كتابة هذه السطور - لم توجد دراسة واحدة تاريخية تبحث لنا في حقيقة هذه القلعة؛ من بناها؟ وفي أي سنة، تحديدًا، تم إنشاؤها؟ وما الغرض من ذلك؟ وهل كانت هذه قلعة دفاعية؟ أم مركزًا حكوميًّا لجمع الضرائب؟ أم ماذا...؟

في هذا البحث سوف نحاول الإجابة على بعض هذه التساؤلات من خلال إعادة البحث في النصوص التاريخية المبعثرة يمنة ويسرة بخصوص قلعة دارين التاريخية.

منهجية البحث:

سوف نتَّبع، في هذا البحث، المنهج العلمي الحديث في البحث، مع مراعاة الإمكانات المتاحة لدينا من وقت، ومصادر معلومات وخلافه، وكذلك مراعاة إتباع الخطوات التالية:

1- حصر كافة المصادر، والمراجع المتوفرة لدينا بخصوص موضوع البحث.

2- ترتيب النصوص المتوفرة حسب الفترة الزمنية بدءًا بالفترة الأقدم، وصولاً إلى الفترة الحديثة.

3- الاعتماد على النصوص الأصيلة كالوثائق، والمخطوطات والبحوث العلمية، وتجاهل جميع النصوص الضعيفة التي نُشرت مؤخرًا في المجلات والجرائد المحلية والخليجية، التي لا تذكر مصدر استقاء المعلومة.

4- تحليل النصوص التاريخية بخصوص الموضوع، وكتابة الخلاصة النهائية.

نظرة عامة

قلعة دارين، وتسمى أيضا قلعة محمد بن عبد الوهاب الفيحاني، هي قلعة مربعة الشكل مبنية من الحجارة البحرية، والطين، وتقع في منتصف القوس الساحلي الجنوبي لبلدة دارين.

 وبلدة دارين هذه هي الميناء الرئيسي لجزيرة تاروت التي تقع إلى الجهة الشرقية من واحة القطيف، ويفصل مدينة القطيف عن جزيرة تاروت خليج صغير مياهه ضحلة تجف في حالة الجزر مما يتيح للناس والدواب إمكانية العبور وصولا إلى الجزيرة، ولا يتجاوز اتساع هذا الخليج قبل دفنه، أخيرًا، أكثر من 3 كيلو متر تقريبا.

تضم جزيرة تاروت قلعتين فقط الاولى تسمى قلعة تاروت، وهي الأهم نظرًا لاحتوائها على عين ماء عذبة تسمَّى (العين العودة)، أو (حمام تاروت - أو حمام باشا)، وتزود هذه العين سكان جزيرة تاروت بالماء الضروري للشرب، والزراعة، وكانت، أيضًا، تزود بلدة دارين بالماء حتى عام 1356هـ، حيث كانت تجري مياهها مشكلة رافدًا صغيرًا يمتد من وسط جزيرة تاروت، وبالتحديد من موضع النبع أسفل القلعة، وتجري باتجاه الجنوب، وصولا الى طرف بلدة دارين الشمالي الشرقي، وتحديدًا بالقرب من مقر نادي الجزيرة بدارين حاليًّا، في موضع يطلق عليه محليًّا (القنطرة)، ويصب في نهاية المطاف في البحر قاطعًا مسافة تزيد على 1500 متر، وكان أهالي بلدة دارين، عادةً، يقطعون، يوميًّا، مسافة 1000 متر مشيًّا على الأقدام وصولا إلى نهاية مجرى العين (العودة)، أو إلى القنطرة للتزود بالماء[1] .

أما القلعة الثانية فهي قلعة دارين سالفة الذكر، وقلنا أنها تسمى، أيضا، قلعة الفيحاني، وهي المعنية بالبحث في موضوع هذه المقالة.

الموقع

تشكِّل المساكن في بلدة دارين القديمة قوسًا شبه هلالي يُسامت تقوُّس الشاطي (كما هو موضح بالخريطة رقم (1)، يمتد من الشمال إلى الجنوب والشرق ثم ينعطف إلى الغرب حيث ينتهي بجزيرة صغيرة تتبع دارين تسمى الحالة، ويتكون هذا الشريط الهلالي من منطقتين رئيسيتين وجزيرة صغيرة: المنطقة الأولى تسمى “شرق” وتتضمن مساكن عشيرة آل بن علي، وأسرة آل هارون، وأسرة الفيحاني المهاجرين، أصلاً، من دولة قطر، والمنطقة الثانية تسمى «جبلة» (قبلة)، ويطلق عليها،أيضًا، الحوطة ويسكن هذا الحي عشيرة السادة المهاجرين من جزيرة البحرين، والعواد، وجزء من العماير المهاجرين من جزيرتي جِنَة، والمسلَّمِيَّة شمال الجبيل، ويقيم الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني في قلعة دارين، ونعتقد ان هذا الحي اسمه الأصلي (قبلة)؛ لكونه يقع في اتجاه الغرب من دارين حيث اتجاه القبلة، واكتسب هذا الحي اسم «الحوطة» من حوطة قلعة دارين التي كانت مقرًّا للجنود العثمانيين، وأخيرًا يفصل حي الحوطة أو (قبلة) عن المنطقة الثالثة، وهي جزيرة (الحالة) خليج صغير عرضه لا يتجاوز 500 متر فقط.

وسكان هذه الجزيرة الصغيرة التابعة لبلدة دارين جلّهم من قبيلة العماير المهاجرين من جزيرتي جنة، والمسلمية شمال الجبيل، والقليل منهم من الجنيدات، والذواوده المهاجرين من جزيرة البحرين.

وفي منتصف هذا الشريط الهلالي تقع «قلعة دارين» على تل ركامي يمثل أعلى نقطة في هذا الشريط، حيث أن ارتفاع هذا التل عن مستوى سطح البحر يزيد على ثلاثة أمتار ونصف المتر، في حين لا يتجاوز الارتفاع في باقي المناطق عن المترين عن سطح البحر.


خريطة رقم (1) بلدة دارين القديمة

وقد يعتقد الإنسان العادي بأنَّ هذا التل الذي بنيت عليه هذه القلعة هو تل طبيعي، تشكل نتيجة ظروف طبيعية لا دخل للإنسان بها من تراكم المواد المترسبة عبر السنين، أو زحف الرمال، وما إلى ذلك، ولكن الحقيقة عكس ذلك، تمامًا، حيث أن هذا التل ما هو إلا طبقات بعضها فوق بعض، تشكل كل طبقة من هذه الطبقات حقبة زمنية مختلفة، حيث عثر على عمق متر واحد فقط بالقرب من برج هذه القلعة على جرة تحتوي على نقود معدنية «ساسانية» تعود إلى فترة ما قبل الإسلام[2] ، ونظرًا لثراء هذا الشريط الهلالي الذي يشكل قرية دارين بهذه الآثار فقد شاع بين أهالي بلدة دارين قصة خرافية تفسر لهم عثورهم على هذا الكم الهائل من الهياكل العظمية، والأواني الفخارية التي لم يعتادوا على طريقة دفنها غير الإسلامية، مفاد هذه الأسطورة أن سكان جزيرة دارين كانوا فيما مضى «كفارا»، وخسف الله بهم ثلاث مرات، وكل خسف يشكل طبقة أو مدينة مدمَّرة.


درهم ساساني عثر عليه في دارين عام 1401هـ

(تبعثرت هذه العملة بين العديد من أهالي بلدة دارين و كذلك توجد بعض منها في متحف القطيف الحضاري «حسين العوامي»)

 

ومن أشهر هذه الاكتشافات العشوائية عثور أهالي الجزيرة على بقايا هياكل عظمية لرجال دفنوا مع سيوفهم داخل جرات فخراية كبيرة عثر عليها شمال شرق بلدة دارين في المكان الذي يسمى حاليا مزرعة أبو خميس، في حين اعتاد الأهالي قديما الخروج إلى منطقة “الرفيعة” شمال دارين أثناء هطول الأمطار لجمع القطع الأثرية التي تنكشف نتيجة هطول الأمطار الغزيرة.

تصميم قلعة دارين

نظرًا لتهدُّم النصف الشمالي من قلعة دارين منذ فترة طويلة؛ اعتقد بعضُ المؤرخين المعاصرين بأن القلعة مستطيلة الشكل، فقد وصفها الأستاذ علي الدرورة بالتالي: «والقلعة التي بناها - أي الفيحاني - في دارين شبه مستطيلة، وغير ملاصقة في المنازل»[3] ، في حين جاء وصف ج. ج. لوريمر لها قبل ما يزيد على مائة عام، تقريبًا، كالتالي: «قرية دارين محمية بقلعة مربعة، ولا يوجد بها حدائق، ولا زراعات»[4] ، ثم تأتي الصورة الجوية التي التقطتها شركة أرامكو للقلعة من الجو، لتبين أنها مربعة الشكل، نصفها الجنوبي المطل على الواجهة البحرية كانت مبانيه سليمة - وقت التقاط الصورة الجوية - وأما النصف الشمالي من القلعة فقد تهدَّم منذ فترة طويلة إلى درجة أنه لا يمكن التعرف على الحدود الأصلية للقلعة إلا من بقايا الخطوط الرفيعة التي ترسمها أساسات الجدران، وهذا دليل على أن الجزء الشمالي للقلعة هُجِر منذ عشرات السنين؛ بحيث هدم تدريجيًّا، واستخدمت الحجارة في عملية بناء المساكن المجاورة.


صورة للقلعة من الجو

كما إنَّ الصورة توضح لنا أن النصف الشمالي للقلعة مقسم الى ثلاثة مربعات كبيرة المساحة، وثلاثة مربعات أخرى صغيرة (انظر الخريطة رقم 2)، ويذكر كبار السن في دارين أن هذا الجزء كان عبارة عن سور لا يتجاوز ارتفاعه المترين، يشكل حوطة كبيرة لها باب رئيسي في منتصف الضلع الشمالي، وهذا الجزء خرب منذ ما يزيد على 70 سنة، وكان به عدد من الغرف في الجهة الشرقية في حالة سيئة يسكنها خدام الشيخ جاسم بن محمد الفيحاني، الذي كان يسكن هو وأفراد أسرته النصف الجنوبي للقلعة، المطل على الواجهة البحرية، كذلك يحتوي النصف الشمالي المهجور على آثار وبقايا إسطبلات للخيول، وأما الشريط الغربي من النصف الشمالي للقلعة فقد كان به منزل صغير، ومحل تجاري ملك أسرة الرزيحان.

في المقابل كان النصف الجنوبي من القلعة يحتوي على برج اسطواني الشكل ينتصب في الزاوية الجنوبية الشرقية منه، وبالقرب من البرج ذراع طولي به مدخل القلعة، وموقع لثلاثة مدافع مصنوعة من الحديد، كما يضم هذا الجزء من القلعة غرف ذات طابقين في الضلع الجنوبي والغربي بالإضافة إلى مجموعة غرف ذات طابق واحد في الطرف الشرقي والشمالي، وتشكل هذه الغرف، مجتمعة، مسكن عائلة الشيخ الفيحاني.


صورة رقم (2) مخطط قلعة دارين

 

يعتقد العديد من الباحثين بان الجزء “المظلل” هو قلعة دارين؛ لكون جميع الصور التي التقطت للقلعة كانت لهذا الجزء الخاص بسكن أسرة الفيحاني، أما الأجزاء الأخرى المخصصة لسكن العساكر، وإسطبلات الخيل فقد هدمت تدريجيًّا بسقوط الحكم العثماني عام 1331هـ.

تاريخ بناء قلعة دارين

يذكر المؤرخون المعاصرون كالأستاذ علي الدرورة[5] ، وعبد الله آل عبد المحسن[6]  الفترة من عام (1302هـ - 1303هـ) تاريخًا لبناء القلعة، استنادًا على عدة أمور؛ من أهمها تاريخ استقرار الفيحاني في بلدة دارين، واشتهار القلعة باسمه، والحقيقة خلاف ذلك، تماما، فقلعة دارين كانت موجودة قبل هذا التاريخ بفترة طويلة؛ فقد ورد ذكرها في تقارير الوالي العثماني أحمد مدحت باشا عند زيارته للقطيف في شوال عام 1288هـ، وكذلك ورد ذكر القلعة في تقارير القائد العثماني نافذ باشا خلال زيارته الأولى عندما فتح القطيف عام 1288هـ، وفي زيارته الثانية التفقدية للقطيف في 1305هـ[7] .

وهذه التقارير العثمانية توضح لنا بأن تاريخ بناء قلعة دارين كان سابقًا لفترة نزوح الفيحاني من شبه جزيرة قطر الى بلدة دارين بما يزيد على 15 سنة على أقل تقدير، في حين أن هذه التقارير تذكر بأن الذي قام ببناء قلعة دارين هم الحكام السعوديون الذين حكموا منطقة القطيف خلال الفترة من 1212هـ، وحتى عام 1288هـ خلال طور الدولة السعودية الأولى والثانية[8] .

في حين أن لوريمر يذكر أن بشر بن رحمة بن جابر الجلاهمة قام ببناء قلعة دارين هذه قرابة عام 1246هـ، وأسكن عشيرة آل بو سميط معه في دارين وكان ذلك بإيعاز من إمام مسقط، وذلك لاتخاذ دارين نقطة انطلاق لشن هجمات حربية ضد آل خليفة حكام البحرين، كما يذكر أن بشر بن رحمة بن جابر الجلاهمة لم يستطع هو وعشيرة آل بوسميط مقاومة عداء أهل القطيف لهم فأجبر بعد هدم القلعة بالهجرة إلى مسقط عام 1247هـ[9] . ووفقا لهذه الرواية التي يذكرها لوريمر تكون قلعة دارين قد بنيت في الفترة السابقة لوصول الفيحاني لها بما يزد على 57 سنة تقريبا، في حين نرجح نحن بأن بناء قلعة دارين كان، أيضا سابقًا لفترة استيطان بشر بن رحمة بن جابر لها، وذلك كون أن بشر استقر في دارين لمدة سنة واحدة، وهذه السنة غير كافية لبناء هذه القلعة التي تزيد مساحتها الإجمالية على 8000 متر مربع[10] .

وظيفة قلعة دارين

من المؤكد أن قلعة دارين استخدمت في فترة الدولة السعودية الأولى والثانية خلال الفترة من عام (1212هـ - 1288هـ)، كقلعة دفاعية ومركز لجباية الرسوم الجمركية في جزيرة تاروت، في حين اقتصرت وظيفة قلعة دارين خلال فترة الحكم العثماني الأخيرة خلال الفترة (1288هـ - 1331هـ) على الأمور الإدارية والجمركية هدفها المراقبة وجباية الرسوم والضرائب لخزينة بيت المال العثماني بمركز قضاء القطيف، وكانت قلعة دارين تحتوي على دار خاصة لسكن مدير محلة دارين، وغرف للضباط، وعدد من المخازن، ومحل للمدفعية وإسطبل للخيول، وربما كانت تحتوي، أيضًا، على سجن صغير؛ فقلعة دارين كما سنبين لاحقا كانت أنموذجًا مصَّغرًا من قلعة إبراهيم في الأحساء، التي كانت تحتوي على الدار الخاصة لسكن المتصرف، وغرفة الضباط، والجنود، ومخازن، ومحل للمدفعية، كما يوجد فيها السجن، والمستشفى ومدرسة صغيرة دينية[11] .

دارين بلدة تابعة لقضاء القطيف

من الثابت أن والي بغداد أحمد مدحت باشا أرسل حملة عسكرية عثمانية إلى الأحساء والقطيف وقطر عام 1288هـ بقيادة نافذ باشا، وضم هذه المناطق الثلاث إلى أملاك الدولة العثمانية، وجعل الهفوف مركزًا لمتصرفية لواء الاحساء، تتبعها عدة أقضيه من أهمها قضاء القطيف، ثم يليه قضاء قطر، كما ألحق بقضاء القطيف عدة محال تابعة له من أهمها الدمام، وعنك، ودارين، وتاروت، ويرئس القضاء مدير يسمى - وفقا للنظام العثماني - (القائم مقام)، ويعد أكبر موظف إداري في القضاء، ويتم تعيينه من قبل الحكومة المركزية في الأستانة، وتتمحور مهامه بالأمور الإدارية، والمالية، والأمنية، وتنفيذ تعليمات الدولة التي يحيلها إليه متصرف لواء الاحساء، ومن مهام القائم مقام ترشيح مديري النواحي التابعة له، والتفتيش على النواحي والقرى التابعة للقضاء[12] ، ومن الثابت بأن محمد بن عبد الوهاب الفيحاني - عند إقامته في بلدة دارين خلال الفترة (1303هـ - 1324هـ) - عاصر أحد عشر «قائم مقام» للقضاء ابتداءً من فترة خليل أغا وانتهاءً بفترة نجيب بك[13] .


أحمد مدحت باشا

ولم نستطع الوقوف على وثيقة محررة في دارين تبين لنا وظيفة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني بعد استقراره في ميناء دارين التابع لقضاء القطيف، ولكننا نستطيع معرفة طبيعة عمل الفيحاني من خلال تحليل بعض الحوادث التي عاصرها وكان له مشاركه فيها، وذلك خلال فترة إقامته في قلعة دارين خلال الفترة من (1303هـ - 1324هـ)، حيث نجد أن لوريمر يذكر بأن الادارة العثمانية في الاحساء عرضت على محمد بن عبد الوهاب الفيحاني عام 1308هـ - بعد استقراره النهائي في ميناء دارين بخمس سنوات فقط - أن يتحول من دارين الى ميناء الزبارة شمال دولة قطر، ويشغل وظيفة مدير لناحية الزبارة التابع لقضاء قطر، ولكن الفيحاني رفض هذا العرض، وفضل البقاء في دارين[14] ، وهذا يدل على أن الفيحاني كان يشغل وظيفة مدير ناحية (محلة) دارين، وهي معادلة للوظيفة التي تقرر نقله لشغلها في الزبارة.

مدير ناحية دارين

وعلى كل حال فأنا أرجِّح أنَّ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني كان يشغل وظيفة مدير بلدة دارين، ومبررات ذلك الترجيح يمكن أن نستشفها من بعض ما اطلعنا عليه من وثائق تبين دوره ونشاطه والمهام الموكلة إليه.

من مهام مدير الناحية وواجباته إبلاغ قوانين الدولة وأنظمتها، وإعلانها في الناحية، وتبليغ القائمقام بما يزوده مختارو القرى «العُمَد» بما يجري في قراهم من أحداثٍ، ومواليد، ووفيات، وقضايا الإرث، ودعاوي الأراضي، والإشراف على أعمال عمد القرى - إن وجد - والتحقيق في شكاوي الأهالي، وتظلَّماتهم، ورفعها للقائم مقام[15] .

و نحن نرجح بأن الفيحاني كان مديرًا لجزيرة تاروت كلها، وكانت جميع قرى الجزيرة (دارين وتاروت وسنابس و الزور) تابعة لإدارته المباشرة، وقد يكون عمد هذه القرى يرجعون لإدارة الفيحاني المباشرة، ونحن نستند، في قولنا هذا، على عدد من الشواهد التاريخية، والتي منها التالي:

أولاً- أشرنا آنفًا إلى أن مهام مدير البلدة - وفقًا للنظام العثماني - التحقيق في شكاوي الأهالي، وتظلماتهم، ورفعها للقائم مقام، وهذا نستطيع إثباته من خلال استعراض إحدى الوثائق التي وقفنا عليها، فقد جاء فيها أن نزاعاً حصل في العام 1318هـ بين أهل تاروت وعدد من الغواصين التابعين للكويت، الذين جاءوا إلى بلدة تاروت طلبًا للأخذ بالثأر لمقتل عدد من أقاربهم، وما كان من أهالي تاروت إلا أن التجأوا إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني، وطلبوا الفصل بالقضية، وتمت التسوية بتعهد الفيحاني بسداد مبلغ 3000 ريال للشيخ مبارك الصباح، قائم مقام قضاء الكويت خلال مدة أقصاها أربعة شهور[16] .


وثيقة تحتوي خبر تظلم أهالي بلدة تاروت، والرجوع إلى محمد بن عبد الوهاب الفيحاني

ثانيًا- وفقا للنظام العثماني ذاته الذي أشرنا إليه بأن من مهام مدير الناحية التحقيق في شكاوي الأهالي، وتظلماتهم ورفعها للقائم مقام، نورد قضية أخرى حدثت قرابة عام 1317هـ، وخلاصتها أن احد أهالي دارين - وهو المدعو محمد بن جبارة الفلاحي - أبلغ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني بخبر مقتل الشيخ سلمان بن دعيج آل خليفة، و32 رجلاً من مرافقيه، جميعهم من رعايا شيخ البحرين التابع لأنجلترا، وتبين الوثائق التي وقفنا عليها أن محمد بن عبد الوهاب الفيحاني اتجه إلى القطيف، وأبلغ يعقوب أفندي، قائم مقام القطيف، بالحادثة، وانتهى دوره عند ذلك، ثم نجد أن يعقوب أفندي قائم مقام القطيف - ووفقا لمهام وظيفته كقائم مقام للقطيف - حقق في الحادثة، ورفع، بذلك، مذكرة إلى متصرف لواء الاحساء في الهفوف، فنحن لا نجد ذكر الفيحاني إلا في وثيقة واحدة، وهي التي تحدثت عن الإبلاغ بالخبر، ثم نرى بقية المراسلات والتحريات والتحقيقات في القضية كلها كانت موجهة إلى متصرف لواء الأحساء، ووالي البصرة من الجهة العثمانية، والشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين، والمقيم البريطاني في الخليج من الجهة المقابلة، وهذا يثبت التزام الفيحاني بمهام وظيفته، وتبين حدود مرجعيته إلى يعقوب أفندي قائم مقام القطيف[17] .


تقرير «سري» يبين أن محمد بن عبد الوهاب رجع إلى القطيف عندما وصله خبر مقتل الشيخ سلمان بن دعيج الخليفة في الظهران.

قلعة دارين بها مقر إقامة مدير الناحية

من المشهور أن سكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني في هذه القلعة كان منذ انتقاله إلى بلدة دارين وحتى وفاته، ومن المعلوم استمرار ابنه جاسم في سكن القلعة، وبعد وفاة الشيخ جاسم تحولت - تدريجيًّا - إلى ملكية أفراد أسرة الفيحاني، وذلك مباشرة بعد سقوط الحكم التركي في المنطقة، واستمرت ملكية القلعة لورثة الفيحاني إلى زماننا هذا.


الشيخ جاسم بن محمد الفيحاني

قلعة دارين مقر للضباط والجنود الترك

ورد هذا الخبر في عدد من الوثائق التاريخية ومنها النص التالي المحرر عام 1888م - 1306هـ:

«انطلق نافذ باشا من البصرة الى القطيف أولا، ومكث بها خمسة أو ستة أيام، وحدد احتياجات المنطقة، وتنقل في عدد من القلاع التي أنشأتها العائلة السعودية عندما كانت تحكم هذه المنطقة، وذلك بهدف منع الهجمات التي يمكن أن تأتي الى القطيف من جهة البحر، وعندما تهدمت هذه القلاع بمرور الزمن أصبحوا - وجها لوجه - أمام العدو، وهذه القلاع التي توجد كل واحدة منها على بعد حوالي ساعة، أو ساعتين عن القطيف، إنما تحظى بأهمية كبرى من أجل حماية ميناء القطيف، وبعد إخلاء العساكر من الثكنة التي تم إنشاؤها في رأس تنورة أثناء حملة الاحساء، تعرضت هذه الثكنة للخراب، كما تهدمت أيضا مخازن الفحم التي أقيمت للسفن التي كانت تذهب للقطيف. كما أنه - عند تأسيس متصرفية نجد - تم إنشاء عين ماء بجوار القلعة من أجل سقي الحدائق الموجودة في قرية تاروت التابعة للقطيف، إلا أنها تهدمت على العين[18] ، وأصبحت غير صالحة للاستعمال، وأهملها الأهالي فتأخرت زراعتهم، وقد طلب الباشا من أصحاب الأملاك أن يجمعوا مساعدات من أجل إصلاح هذه القلعة وإعادة العين الى خدمتها السابقة، كما أصدر الأوامر الى قائمقام القطيف[19]  لإصلاح القلاع الأخرى، وأنعم الباشا على محمد بن عبد الوهاب أول سكان جزيرة دارين التي تبعد مسافة ساعتين عن القطيف، وأحد أعيانها تقديرًا لجهوده في تطوير هذه المنطقة، كما أمَّن الإقامة لنصف العساكر الذين أرسلوا للقطيف في هذه المنطقة لاعتدال جوها[20] ».

من النص أعلاه يتضح لنا أن نافذ باشا نقل نصف الجنود المقيمين في القطيف الى دارين، وعدد هؤلاء العساكر الذين تم تأمين إقامتهم في قلعة دارين ثلاثون جنديًّا، وهم يتلقون الأوامر من قائم مقام القطيف مباشرة، والدليل على ذلك ورود رسالة من الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت الى الكولونيل كيمبال، القائم بأعمال المقيم السياسي في الخليج، محررة في 10 محرم 1320هـ تتضمن النص التالي:

«في هذه الأيام أرسل الأتراك، من القطيف، ثلاثين جنديًّا في معية ابن جمعة الى جزيرة العماير[21]  بنية الاقامة الدائمة هناك، ولكن العماير لم يسمحوا لهم بالبقاء مما اضطر الجنود الأتراك للعودة الى القطيف، والذهاب الى دارين للإقامة مع ابن عبد الوهاب. هذا وضع الأمور، أما اتخاذ الإجراء فهو من شأنكم»[22] .

يبين لنا نص الوثيقة أعلاه أن قائم مقام القطيف في تلك السنة، منصور باشا بن جمعة، نقل الجنود الترك، وعددهم ثلاثين جنديًّا، من مقرهم الدائم في قلعة دارين الى جزيرة «المسلمية» شمال الجبيل، ونظرًا لرفض مديرناحية «المسلمية» الخالدي المقيم في قلعة جزيرة “المسلمية” مع مجموعة من العماير، السماح للجنود للاقامة في جزيرة العماير أصر الجنود الى العودة الى مقر اقامتهم الدائم في قلعة دارين[23] .


منصور باشا بن جمعة الكويكبي
أحد كبار رجال الدولة العثمانية بالقطيف

قلعة دارين تحتوي على محل للمدفعية

من الثابت وجود عدد ثلاث مدافع بالقرب من برج قلعة دارين، وممن حفظ لنا هذه الحقيقة التاريخية الأستاذ علي ابراهيم الدرورة عندما التقط صورة نادرة لأحد تلك المدافع تحت أنقاض قلعة دارين، ونشرها في كتابه من تاريخ جزيرة تاروت[24] .


أحد المدافع القديمة في القلعة

مكان رفع العلم العثماني في قلعة دارين

الصورة التالية التقطها السير برسي كوكس لقلعة دارين عام 1905م الموافق 1323هـ، زمن سيطرت الدولة العثمانية على المنطقة، وهذه الصورة أيضا التقطت قبل وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني بسنة واحدة حيث أن الفيحاني توفي سنة 1324هـ، و بذلك يكون العلم الظاهر في الصورة هو العلم العثماني، وعليه يتضح لنا أن قلعة دارين كانت تحتوي على مكان الصارية التي يرفع عليها العلم العثماني ذو اللون الأحمر والذي يتوسطه هلال ابيض اللون يحتضن نجمة خماسية، وكما هو واضح من الصورة فأن موقع رفع العلم في قلعة دارين كان تحديدا أعلى برج القلعة.


أقدم صورة تم الحصول عليها لقلعة دارين هذه الصورة التقطها السير برسي كوكس عام 1905م الموافق 1323هـ، و نلاحظ موقع العلم أعلى البرج

الخاتمة

أثبتنا من خلال العرض السابق أن قلعة دارين كانت موجودة في العام 1247هـ، وبذلك لا يصح القول بأن بانيها هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني، وإنما نرجح أن يكون الفيحاني قد قام بإعادة ترميم القلعة، كما أن هذه القلعة تعاقب عليها العديد من الشخصيات السياسية الخليجية البارزة، ابتداءً بزعيم الجلاهمة بشر بن رحمة بن جابر الجلاهمة، وانتهاء بالشيخ محمد بن عبد الوهاب الفيحاني، كذلك سلطنا الضوء على بعض أجزاء قلعة دارين والوظيفة الرئيسية التي تأسست من اجلها هذه القلعة.

ملحق الصور

صورة جوية للجزء الخاص بسكن مدير بلدة دارين والذي بقي سليما حتى عهد قريب


مجموعة رسومات لواجهة قلعة دارين، من اعداد د. عادل الدوسري جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

[1]  بلدة دارين لم يكن فيها مرتفق للماء، بتاتا، إلا من هذه العين، وأول عين حفرت بها هي عين إبراهيم بن هارون الذي تم حفرها عام 1356هـ.

[2]  من تاريخ جزيرة تاروت، علي إبراهيم الدرورة، الطبعة الأولى، شوال 1410هـ، مطابع الصناعات المساندة، الجبيل، ص: 97.

[3]  من تاريخ جزيرة تاروت، مرجع سبق ذكره، ص: 137.

[4]  دليل الخليج، القسم الجغرافي، إعداد قسم الترجمة بمكتب صاحب السمو أمير الدولة، بدون تاريخ، جـ7/2446.

[5]  من تاريخ جزيرة تاروت، مرجع سبق ذكرهـ، ص: 137.

[6]  من تراث جزيرة تاروت، عبد الله حسن آل عبد المحسن، الطبعة الأولى 1406هـ، طبع بمطابع الصناعات المساندة، الجبيل، صفحة 31.

[7]  الحملة العسكرية العثمانية على الاحساء و القطيف و قطر، 1288هـ - 1331هـ، اسبابها ونتائجها (دراسة وثائقية)، تاليف الدكتور عبد الله ناصر السبيعي، الطبعة الأولى 1999م، مطابع الجمعة الألكترونية، الصفحات 80،81، 130، 136.

[8]  العثمانيون وآل سعود في الأرشيف العثماني، أ د. زكريا قرشون، الدار العربية للموسوعات، الطبعة الأولى 2005م بيروت لبنان، ص: 172، والحملة العسكرية العثمانية على الأحساء والقطيف وقطر، د. عبد الله ناصر السبيعي، الطبعة الأولى 1320هـ، صفحة 81، 136.

[9]  دليل الخليج، القسم التاريخي، طبعة جديدة معدلة ومنقحة، إعداد قسم الترجمة بمكتب صاحب السمو أمير دولة قطر، جـ3/ 1433، 1434.

[10]  أفاد العقاري (الدلال) السيد يوسف صالح السادة المكلف من قبل أسرة الفيحاني بعرض أرض القصر للبيع بأن إجمالي المساحة المسجلة في صك الملكية يقدر بحوالي 8000 متر مربع..

[11]  الإدارة العثمانية في متصرفية الاحساء، د. محمد موسى القريني، دارة الملك عبد العزيز، الطبعة الأولى 1426هـ. ص: 157.

[12]  الحكم والإدارة في الأحساء والقطيف وقطر أثناء الحكم العثماني الثاني 1288هـ - 1331هـ، تاليف الدكتور عبد الله ناصر السبيعي، الطبعة الأولى 1420هـ، ص: 185.

[13]  المصدر نفسه، ص: 204.

[14]  دليل الخليج، القسم التاريخي، مصدر سبق ذكره، جـ3/ 1241.

[15]  الحكم والادارة في الاحساء والقطيف و قطر اثناء الحكم العثماني الثاني، مصدر سبق ذكره، ص: 224.

[16]  أخبار الكويت في رسائل علي بن غلوم رضا الوكيل الأخباري لبريطانيا في الكويت، تحرير وتقديم أ. د. عبد الله يوسف الغنيم، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت 2007م، صفحة 164.

[17]  مجلة الواحة، العدد (10-11) الربع الثاني والثالث 1418هـ، وقعة الظهران، صفحة 94.

[18]  في أصل الترجمة: (وتهدَّمت العين على القلعة)، ولعله من سهو الكاتب.

[19]  كان قائم مقام القطيف في عام 1306هـ هو حسن جميل أفندي، انظر كتاب الحكم والإدارة أثناء الحكم العثماني الثاني 1288، مصدر سبق ذكره، ص: 192.

[20]  أ د. زكريا كورشون، العثمانيون وآل سعود في الأرشيف العثماني، مصدر سبق ذكره، ص: 260.

[21]  جزيرة العماير هي جزيرة المسلمية بالقرب من مدينة الجبيل.

[22]  بيان الكويت، سيرة حياة الشيخ مبارك الصباح، د. سلطان بن محمد القاسمي، الطبعة الأولى 1424هـ، الشارقة، دولة الإمارات العربية المتحدة، صفحة 239.

[23]  ذكرت وظيفة شيخ العماير في جزيرة المسلمية بالنص التالي: (جزيرة العماير ... وهي تابعة لقائم مقام القطيف، ولا عمل للجنود فيها غير حراسة العلم العثماني، ويٌدعى شيخ آل خالد بالجزيرة مدير الناحية)، انظر كتاب دليل الخليج، القسم الجغرافي، الجزء الرابع، تاليف ج. ج. لوريمر، ص1624 و 1625.

[24]  من تاريخ جزيرة تاروت، مصدر سبق ذكره. رقم الصفحة (94).
كاتب
267486