مطار دارين
(الحقيقة الضائعة)
جلال بن خالد الهارون الأنصاري * - 6 / 2 / 2011م - 1:58 م - العدد (53)

تمهيد

لم يقيض لي - في وقت سابق - الاهتمام أو الالتفات إلى ضرورة البدء بكتابة بحث متكامل عن مطار دارين، ولكني صعقت مؤخَّرا برواية مشوشة سردها لي أحد الرجال الثقاة من أهلي دارين، حدثني فيها عن مشاهدته ومعاصرته لوقت إنشاء مطار دارين قرابة عام 1383هـ، ونظرا لسابق علمي بعدم صحة هذه الرواية، وهذا التاريخ (1383هـ)؛ فقد باشرت فوراً بمراجعة كبار السن، وقمت بزيارة ميدانية إلى موقع المطار السابق.

وبعد عناء وطول تفكير اتضح لي مدى أهمية التدوين المبكِّر للتاريخ، للحد من الوقوع في الوهم والخلط، حيث تبين لي أن هذا الراوي خلط بين حادثة إنشاء المطار الذي لم يعاصره وحادثة تجديد نقطة سلاح الحدود بالقرب من مطار دارين قرابة عام 1383هـ.

ولو لا سابق علمي بأن لمطار دارين ذكر وأثر في آلية السيطرة على ثورة أهالي القطيف عام 1346هـ، لسلمت بالخطأ، ولما اندفعت للبحث عن الحقيقة، فقد سمعت وقرأت، سابقاً، عن قصة مطار دارين العديد من الحكايات المقتضبة نقلاً عن الآباء والأجداد المعاصرين لتلك الأحداث، لذا وجدت نفسي أكتب هذا البحث متحمساً له ودون سابق تخطيط مني، وذلك في سبيل إيجاد حقيقة المطار الضائعة، الذي مر به التاريخ، وجفت أقلام المؤرخين دون تدوين أخباره.

يا ترى هل هذا المطار عثماني...؟ أم انجليزي...؟ أم سعودي...؟ أم ماذا [1] .

بداية الطيران في الخليج

كثيرة هي الأخبار الصحيحة والمتضاربة، أيضاً، بخصوص بداية وصول الطائرات إلى منطقة الخليج والجزيرة العربية، فتشارلز بلجريف - المستشار البريطاني بدولة البحرين - يعتقد بأن أول طائرة هبطت في المنامة عام (1932م - 1350هـ)، وكان ذلك عن طريق الصدفة والخطأ، حيث أن الطائرة كانت متجهة إلى الهند ولسبب ما اضطرت للهبوط اضطراريا في البحرين[2] ، ولكن الباحثة مي محمد آل خليفة مترجمة الكتاب (تشارلز بلجريف السيرة والمذكرات) ترى أن وصول الطائرات إلى جزيرة البحرين كان قبل هذه السنة 1350هـ بمدة طويلة، وتشير بهذا الصدد إلى خبر منشور في جريدة (الكورنيل) الهندية، يتضمن خبر شكوى مقدمة من سكان دولة البحرين ضد تصرفات الميجر ديلي، ويتَّهمونه فيها بمصادرة أراض واسعة في جزيرة المحرق، وإجبار الناس على العمل فيها بالسخرة من أجل إنشاء مطار، وهذا الخبر نشر في الهند بتاريخ 14 مايو 1924 (1342هـ)[3] ، لكنها، للأسف، لا تذكر ما إذا كان المطار الذي سخر الناس للعمل فيه قد أنجز، فعلاً، واستقبل الطائرات، أم لا.

هذا بخصوص تضارب الآراء حول بداية الطيران في جزيرة البحرين، وليس الوضع ببعيد عنه في منطقة الساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية، فقد ذكر الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الأحمري في كتابة (دور شركة الزيت العربية الأمريكية (ارامكو) في تنمية المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية)، أن أول معرفة لأبناء المنطقة الشرقية بالطائرات كانت عندما أنشأت الحكومة السعودية مدرسة لتعليم الطيران في جزيرة تاروت عام 1348هـ، واشترت الطائرات، وأحضرت المعلمين الأجانب إلا أن المشروع تعثر ثم نقل في الأخير إلى مدينة جدة، وهذا الخبر، في اعتقادي صحيح بخوص إنشاء المطار، ولكنه غير دقيق، فهذا المطار - ووفقًا لعدد من الروايات المتواترة في مختلِف قرى المنطقة - كان موجودا قبل العام 1346هـ، كما سيأتي بيانه لاحقا في موضع أخر من هذه المقالة، علما بأن هذا المطار اشتهر بأنه مطار عسكري، ولم يشتهر كمدرسة تعليم للطيران، إذ إنه - ومن غير المنطقي وفقا لظروف ذلك الزمان وذلك المكان وتلك الظروف - أن نقبل بفرضية أن المطار أنشئ ليكون مدرسة لتعليم الطيران، وأما بخصوص أول مشاهدة لأبناء المنطقة الشرقية للطائرات فهي قديمة؛ فقد وقفنا على رسالة من الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، محررة عام 1342هـ، أي بعد فتح الأحساء والقطيف بمدة لا تزيد على عشر سنوات فقط يذكر فيها الملك خبر تحليق عدد من الطائرات الانجليزية في أجواء الساحل الشرقي، وفيما يلي نص الرسالة: 

بسم الله الرحمن الرحيم

(من عبد العزيز إلى صاحب السعادة (الكرنل بريدوكس) رئيس معتمدي حكومة بريطانيا في الخليج.

نخبركم أنه وردت إلينا تقارير متعددة من وراء الساحل ورؤساء العشائر يخبرون أنهم رأوا طيارات محلقة فوق سواحلنا البرية، ولما كان ذلك يؤدي إلى تشويش الرعية، وتأويل الأمر بتأويلات شتى، أطلب أن ترفعوا إلى حكومتكم المعظمة بأني لا أرى أن تحلق الطيارات فوق بلادي دون إذن سابق منا.

ختم

عبد العزيز

17 ذي القعدة 1342هـ، حزيران 1924هـ) [4] 

 فهذه إشارة واضحة إلى تعرف أبناء المنطقة الشرقية إلى الطائرات قبل الزمن الذي تذكره مصادر الدكتور الأحمري، وإن كانت مشاهدة الطائرات وهي في الجو.

ومن كل ذلك أن المنطقة تعرفت إلى الطائرات منذ عام 1342هـ، وربما قبل ذلك أيضاً. جدير بالملاحظة أن الحجاز قد تعرف إلى الطائرات قبل المنطقة الشرقية، كما يظهر مما أشار إليه الكابتن هاري سانت جون فليبي (عبد الله فليبي)، فقد ذكر خبر تحليق الطائرات عام 1920م – 1338هـ، بالقرب من مكة المكرمة [5] .

موقع مطار دارين

يقع مطار دارين في منطقة الرُّفَيْعة الواقعة في الجهة الشمالية الشرقية لبلدة دارين، والرفيعة هذه عبارة عن قطعة كبيرة من الساحل تمتد بشكل طولي، وتمتاز أرضها بالصلابة والشدة والانبساط نتيجة تشبع تربتها الرملية بالماء، في حين أن هذه القطعة من الأرض تتصف بخلوها من الصخور والموانع الطبيعية، ويبلغ أجمالي مساحتها قرابة كيلومتر مربع في حالة الجزر، ويحد مطار دارين من جهة الشرق البحر، ومن جهة الشمال مزرعة الكويتي، ومن جهة الغرب فضاء، ومن جهة الجنوب بلدة دارين، ويبعد المطار عن موقع نادي الجزيرة الحالي بدارين قرابة 300 متر فقط.

تأسس مطار دارين:

من المؤكد والثابت أن مطار دارين لم يكن موجودا عام 1305هـ، فقد اطلعنا على تقرير القائد العثماني نافذ باشا الذي زار القطيف وجزيرة تاروت في هذه السنة، وتحدث هذا التقرير عن أهم المواقع والمنشآت العسكرية في المنطقة في تلك السنة، فذكر - من ذلك مثلاً - قلعة دارين، وتاروت، والقطيف، والدمام، وأشار إلى وجود مستودع للفحم في رأس تنورة.

وأعتقد بأن هذا المطار لو كان موجودا فعلا في تلك السنة لكان من أحد أهم المواقع الجديرة بالاهتمام والذكر[6] ، وكذلك لم نجد أي إشارة لهذا المطار أيضا في التقارير الانجليزية التي جمعها المؤرخ جون جوردن لوريمر في موسوعة دليل الخليج حيث اقتصرت التقارير الانجليزية على ذكر قلعتي دارين و تاروت [7] .

ولكنه ومن السهل تحديد فترة إنشاء المطار بالرجوع إلى إحدى الروايات الشفهية ذائعة الصيت في بلدة دارين، والتي تفيد بان رجلاً يدعى (الشاوش) هو الشخص الذي عمل على رفع بنديرة[8]  مطار دارين و(الشاوش) هذا... هو المرحوم أبو يوسف، عبد الله بن خليفة الشاوش، والذي سنأتي إلى ذكر خبر رفعه لبنديرة مطار دارين بالتفصيل في موضع أخر من هذه المقالة عند الحديث عن قصة بناء مطار دارين، ولكن الذي يهمنا - في هذا الموضع - هو آلية توظيف هذه الرواية لتضييق نطاق الفترة الزمنية لتحديد عام تأسيس المطار، و ذلك كالتالي:

أولا - بما أن المرحوم عبد الله بن خليفة الشاوش وأسرته لم يستوطنوا دارين إلا بعد هجرة عشيرة البنعلي إلى جزيرة دارين مطلع عام 1329هـ [9] ، لذا لابد وأن يكون إنشاء مطار دارين في السنوات التالية لهذا العام.

ثانيا - إذا اعتمدنا على رواية أخرى أوردها المؤرخ الشيخ عبد العظيم المشيخص في كتابه (القطيف وملحقاتها أبعاد وتطلعات)، والتي تحدث فيها عن تحليق طائرة انجليزية من مطار دارين في عام 1346هـ، وإلقائها لعدد من المنشورات التثبيطية لإنهاء ثورة القطيف في تلك السنة، ونحن نعلم بان هذه الرواية صحيحة لوجود روايات أخرى عديدة تدعمها سنأتي إلى ذكرها تِباعاً في موضع أخر من هذه المقالة عند الحديث عن قضية ثورة القطيف عام 1346هـ، وبناء على ذلك نعلم، يقيناً، أن مطار دارين كان موجوداً فعلا في عام 1346هـ، وعليه فانه ومن غير المجدي - وخصوصا بعد معرفة هذه الحقيقة - الاعتماد أو التعويل على رواية المؤرخ علي إبراهيم الدرورة التي ذكر فيها بأن مطار دارين تأسس في عام 1938م - 1356هـ [10] .

وعليه، ومن خلال العرض السابق، نستطيع أن نقول بأن مطار دارين تم إنشاؤه في الفترة من (1329هـ - 1346هـ)، لذا فنحن أمام فترة مدتها (17) سنة، أنشئ خلالها مطار دارين محل الدراسة.

بناء المطار في الرواية الشفهية
 

يوجد العديد من الرواة المعاصرون في بلدة دارين، وتاروت، والقرى الأخرى المجاورة، لا يزالون يتذكرون الهيئة العامة لمطار الرفيعة بدارين، وكان - كما تفيد مختلف الروايات - عبارة عن حجرتين صغيرتين مستطيلتي الشكل، متجاورتين، استخدم في إنشائهما الحجارة البحرية والطين، وتبعد هذه الغرف عن ساحل البحر مسافة 600 متر تقريباً، وينتصب - قريبا من هاتين الغرفتين - عامود مصنوع من الخشب يقع في الجهة الغربية من موقع تلكما الغرفتين، ويسمى هذا العمود في بلدة دارين (البنديره)، ويقدر ارتفاع هذه (البندرية) بحوالي عشرين متراً تقريباً، وتبعد (البنديرة) عن غرفتي المطار مسافة تزيد على 100 متر، تقريباً، باتجاه الغرب، كما يوجد غرفة أخرى وحيدة متطرفة تقع في الجهة الشمالية الغربية من موقع (البنديرة) تابعة للمطار، ولا تزال هذه الغرفة موجودة حتى تاريخ كتابة هذه المقالة، وهذه الغرفة - حتى وقت قريب - كانت تضم عدة أجزاء من طائرة قديمة مفككة، ومخزنة، وذلك وفقا لرواية عدد من شهود العيان[11] .

ووفقا لرواية أخرى[12]  نقلا عن المرحوم سلطان بن أمان البنعلي، الذي عاصر فترة إنشاء مطار دارين والذي ذكر بأن المرحوم عبد الله بن خليفة الشاوش - أحد كبار السن من أهالي دارين - كان مشهورا وخبيراً في سقب[13]  وتثبيت صواري السفن الشراعية الكبيرة، ونظراً لضخامة حجم العامود الخشبي (البنديرة)، وتعذر رفعه على فريق العمل المكلف ببناء المطار، وتثبيت هذه (البنديرة) في موضعها رغم تكرار العديد من المحاولات الفاشلة؛ لذا استعانوا بالشاوش الذي حفر حفرة عميقة عند قاعدة العامود الخشبي، وربط قمة العامود بثلاث شعب من الحبال القوية، كان الأيمن والأيسر من هذه الحبال حبلا مفرداً، ومخصصا لموازنة العامود أثناء عملية الرفع، وأما الحبل الأوسط فقد كان حبلا مزدوجا يمر من خلال بكرة، أو (قفية)، وتسمى لدى أهل البحر (جارديله)، ووظيفة هذه البكرة تسهيل عملية شد الحبل بشكل تدريجي، وإتمام مهمة رفع العامود.

وبالفعل أدار الشاوش عملية رفع (البنديرة) بنجاح، واستطاع تثبيت العامود في موضعه المحدد، فتم التصفيق له، ومكافأته بالتعاقد معه لتزويد المطار بالماء يومياًّ مقابل مبلغ مقطوع من المال، وبعد ذلك أتم البناءون إنشاء قاعدة بيضاوية من الحجارة والطين ارتفاعها 2 أمتار، تقريباً، تحيط بأسفل العامود، وبذلك انتصب هذا العمود في ساحة مطار دارين ليرفع عليه مصباح كيروسين لإرشاد الطائرات ليلا إلى موقع الهبوط انظر (الشكل رقم 1).

علاقة بريطانيا بمطار دارين

كانت السفينتان الحربيتان الانجليزيتان (لابوينغ وبحرين) بقيادة الكابتن غولد سميث والسفينة الحربية البخارية (ردبرست) بقيادة كابتن لويس ماليت تعسكران قريباً من سواحل القطيف، ورأس تنورة ودارين خلال الفترة من 1325هـ 1331هـ أي خلال السنوات الستة السابقة لعام (1332هـ، 1914م)، وهو العام الذي بدأت فيه الحرب العالمية الأولى [14] ، خلال هذه الفترة الواقعة بين (1325هـ- 1331هـ)، وكان مدير قضاء القطيف العثماني (القائم مقام) يقاسي الأمرَّين نتيجة ازدياد وتيرة وكثافة هجمات رجال البادية من قبليتي (سبيع والعماير) على واحة القطيف وقراها، ومما زاد الطين بلة تجلي التدخلات الانجليزية في قضاء القطيف من خلال عرض السفن الحربية الانجليزية على المدير التركي التدخل للحماية والحد من تلك الهجمات.

ومن المؤكد ان القادة الانجليز لم يكونوا حريصين على بقاء السلطة العثمانية في المنطقة، وإنما هذا الحرص كان محاولة منهم لخلق الذرائع والحجج لكسر الاتفاقيات الرسمية بين الدولتين، والتي تقضي باعتراف انجلترا بتبعية مجمل الأراضي القطيف والاحساء وقطر للدولة العثمانية.

لذا كان أي طلب تتقدم به الدولة العثمانية لطلب المساعدة، يمكن أن يفسر على أنه عجز عن السيطرة على هذه الأراضي، وبالتالي توجد بريطانيا لنفسها المبرر للتدخل بحجة الحفاظ على أمن رعاياها وتجارتها في المنطقة.

وعليه فأنني أعتقد بأن بريطانيا استغلت دخول القوات السعودية إلى واحتي الأحساء والقطيف عام 1331هـ كذريعة للتحرك مباشرة، وإنزال الجنود المرابطين في السفيمنين الحربيتين (لا بوينغ وبحرين وردبرست)، وبالتالي إتمام تأسيس مطار دارين عام 1332هـ، كموضع قدم أولا، ثم لشغل الفراغ الذي خلفه انسحاب العثمانيين من المنطقة، ومناقشة هذا الرأي كالتالي:

أولا - لم يثبت في أي مصدر أو وثيقة معتبرة بان تركيا العجوز كانت قد استخدمت سلاح الطيران في منطقة الخليج العربي خلال هذه الفترة، وإنما الثابت أنها كانت ضعيفة، وتحتضر خلال هذه الفترة الواقعة بين (1329هـ-1346)، وكذلك الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية لم يكن، بعد، يمتلك الخبرة في مجال الطيران، وبالتالي لم يكن قادراً على تأسيس مطار، أو تفعيل سلاح طيران لاستخدامه في هذه المنطقة.

ثانياً - أعتقد بأن الروايات الشفهية باستطاعتها، أيضاً، إرشادنا إلى أصل نشأة هذا المطار، وذلك بتكرر ربط تأسيسه بانجلترا في أكثر من موضع ومناسبة، فقد أورد المؤرخ علي الدرورة في كتابة (من تاريخ جزيرة تاروت) نقلاً عن روايات أهالي الجزيرة بأن الانجليز هم الذين بنو مطار دارين [15] ، وفي هذا السياق، أيضاً، نجد أن المؤرخ عبد العظيم المشيخص يذكر رواية أخرى نقلا عن الآباء في كتابه (القطيف وملحقاتها) تذكر بأن الطائرات المتواجد في هذا المطار تتبع بريطانيا.

ونختم استشهادنا برواية ثالثة نقلاً عن مذكرات الوجيه عبد الله فؤاد في كتابه (مشوار الإصرار والتحدي)، الذي ذكر فيها بان زوج والدته كان يعمل مترجماً في مطار دارين عام 1350هـ، وأن هذا المطار كان مرتبطاً، في تلك الفترة، بجزيرة البحرين المستعمرة من قبل انجلترا برحلة أسبوعية.

ثالثا - ثبوت ارتباط الملك عبد العزيز آل سعود ببريطانيا في عام 1334هـ باتفاقية دارين الخاصة بالحماية، والتي وجدت مباشرة بضم الملك عبد العزيز لواحتي القطيف والأحساء، كما وتفيد إحدى الروايات الشفهية [16]  بأن الملك عبد العزيز آل سعود وقع اتفاقية دارين[17]  الشهيرة هذه مع انجلترا في مطار دارين، وهذه الرواية تدعم فرضية تأسيس المطار في تلك الفترة المصاحبة لإجلاء القوات العثمانية من المنطقة.

عبد الله فؤاد مترجمًا في مطار دارين

قد يعتقد أي شخص يقرأ عنوان هذا الجزء من المقالة بأن عبد الله فؤاد المعني في هذا الموضوع هو التاجر والوجيه المعروف عبد الله فؤاد، أحد كبار التجار في المنطقة الشرقية في الوقت الراهن، ولكن الحقيقة على العكس من ذلك، فعبد الله فؤاد المعني بهذه المقالة هو المرحوم عبد الله فؤاد بن جاسم بو بشيت، زوج والدة التاجر المشهور عبد الله فؤاد بن عبد العزيز بوبشيت، فالأخير سمي بفؤاد نسبة للأول.

يقول عبد الله فؤاد التاجر - وهو يروي مذكراته الشخصية، المدونة في كتابه “مشوار الإصرار والتحدي”: بأنني - وفي إحدى ليالي الشتاء الباردة، وبينما كنا ننتظر العشاء في منزل عبد الله فؤاد، زوج والدتي في بلدة دارين - حدثني عمي رحمه الله قائلا: بأنه - قبل أن يسكن بلدة دارين - كان يعمل، في طفولته، في جزيرة البحرين لدى أحد التجار، وسافر معهم إلى الهند، وتعلم هناك اللغة الانجليزية، وفي عام 1350هـ الموافق 1932م قرر الاستقلال، فانتقل السيد عبد الله فؤاد بن جاسم بوبشيت من البحرين إلى جزيرة دارين، وعمل مديراً للجمارك، ومترجماً في مطار الرفيعة بدارين.

ويقول بأنه كانت تهبط في هذا المطار طائرة واحدة أسبوعيًّا، تأتي من البحرين، وبان إجادته للغة الانجليزية ساعدته كثيراً في شغل هذه الوظيفة [18] .

ونستطيع أن نستنتج من هذه الرواية أن من بين موظفي مطار دارين مجموعة من الانجليز، لذا توجب على السلطة السعودية استقطاب مترجم يسهل عملية التواصل بين الموظفين العرب، والأجانب، وهذا الخبر يؤكد صحة الرواية التي أوردها المؤرخ القطيفي الشيخ عبد العظيم المشيخص في كتابه 0القطيف وملحقاتها) في ما ذكر من خبر تحليق طائرة بريطانية من مطار دارين عام 1346هـ، وإلقائها للمنشورات التثبيطية، والتهديدية لإنهاء ثورة أهالي القطيف في تلك السنة[19] .

مطار دارين وإخماد ثورة القطيف

اضطرت الظروف الاقتصادية الصعبة الحكومة السعودية ممثلة بمحمد بن عبد الرحمن آل سويلم أمير القطيف خلال الفترة من عام (1331هـ - 1346هـ) إلى جمع الضرائب من الأهالي لتمويل مقاتلي الجيش السعودي في منطقة الحجاز وغيرها، وكانت هذه الضريبة تسمى (بالجهاد)، ومع دخول عام 1347هـ صدرت الأوامر بمضاعفة هذه الضريبة فسميت (بالجهاد المثنى)، ونتيجة لضيق الحال، وقلة ما في اليد ثار ملاك مزارع النخيل من أهالي القطيف وقراها، فقد كانت شريحة المزارعين هي الشريحة الأكثر تضرُّرًا نتيجة فرض هذه الضريبة[20] ، فتحركت الجموع الساخطة، وحاصرت مقر أمير القطيف في (الدرويشية)، وفي هذه الأثناء تمكن أحد رجال أمير القطيف من الخروج خلسة من الدرويشية، والوصول إلى جزيرة دارين، وتم إبلاغ إدارة مطار دارين بخبر ثورة الأهالي في القطيف فصدرت الأوامر بتسليح أهالي دارين لتقديم النجدة للأمير المحاصر في القطيف[21] ، وإعداد منشورات تحذيرية تلقى بواسطة الطائرة المتمركزة في مطار دارين، وفعلاً تم إعداد المنشورات، وإلقائها على المتمردين فتم التسليم فوراً، فتحرك رجال دارين إلى الدرويشية، وفكوا الحصار عن أمير القطيف، ووفقًا لرواية شاهد عيان فان الطيار الذي حلق بالطائرة كان مواطنًا سعوديًّا من أصل مصري يدعى طلعت[22] .

وأنا أرى وجاهة هذه الروايات الشفهية لعدة أسباب منها: تطابق الروايات الخاصة بهذه الأحداث في عدة مناطق مختلفة كدارين والقطيف والعوامية، وكذلك ورود خبر مطابق لخبر إلقاء الطائرة الانجليزية للمنشورات على الأهالي لإخماد الثورات خلال تلك الفترة في مواضع أخرى غير القطيف، ونص ذلك الخبر نقلا عن الكابتن هاري سانت جون فيلبي كالتالي: (وكان الطيار السوفيتي الذي يدعى سيريكوف قد أطلعني على الأوامر التي تلقاها بخصوص ضرورة تحليقه بالطائرة فوق مكة وإسقاط منشورات على المدينة... عام 1924م – 1342هـ [23] .

نهاية مطار دارين

من المؤكد أن مطار دارين بقي قيد الاستخدام حتى عام 1350هـ، وذلك بالاعتماد على رواية الوجيه عبد الله فؤاد الذي أفاد بان زوج والدته شغل وظيفة مترجم في مطار دارين في تلك السنة، ووفقا لرواية أخرى[24]  تذكر بان فرقة من الجيش السعودي أرسلت قرابة عام 1382هـ- 1963م إلى مطار دارين لإزالة بقايا الطائرة وصناديق القذائف التي كانت لا تزال مخزنة حتى ذلك التاريخ في غرف المطار، لذلك نحن أمام فترة (30) عامًا يقع خلالها العام الذي تم إلغاء وهجر المطار فيها، لذا فإنني أرجح صحة الرواية التي أوردها المؤرخ علي الدرورة والتي جاء فيها بأن مطار دارين هجر عام 1357هـ، 1939م مباشرة بعد نشوب الحرب العالمية الثانية، علما بان بقايا مطار دارين ظلت شاخصة للعيان وفقا لنفس الرواية حتى عام 1390هـ حيث أزيلت تماما بأمر من بلدية تاروت[25] .

الخاتمة

استطعنا أن نبين في هذه المقالة بأن مطار دارين أنشئ خلال تلك الفترة

المبكرة التي واكبت بداية العمل على وضع اللبنات الأولى لتأسيس كيان الدولة السعودية الحديثة، فقد كان هذا المطار - كباقي المطارات التي أنشئت في البحرين، والبصرة، وبندر لنجة، وباقي بلدان منطقة الشرقية - فهي تابعة لانجلترا مع ترجيح سنة تأسيس هذا المطار في عام 1332هـ مباشرة بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، في حين سلطنا الضوء على أسباب نهاية المطار قرابة عام 1357هـ بنشوب الحرب العالمية الثانية. ويبقى هذا الجهد تقريباً لحقيقة المطار الى أن تتكشف لنا وثائق أخرى جديدة.

[1]  عند مقابلتي للسيد خليفة بن السيد أحمد السادة - من أهالي دارين، عمل موظفًا في مرفأ دارين قبل 40 سنة تقريبا - قال بأن مطار دارين هذا من مخلفات الدولة العثمانية، في حين يرى السيد يعقوب بن يوسف الهارون - وهو من مواليد الجزيرة عام 1346هـ - أنه منذ طفولته كان يشاهد مطار دارين في موضعه الحالي بالرفيعة شمال دارين.

[2]  تشارلز بلجريف السيرة و المذكرات، مي محمد ال خليفة، ط1 سنة 2000م، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت لبنان، ص152.

[3]  تشارلز بلجريف السيرة و المذكرات، مي محمد ال خليفة، ط1 سنة 2000م، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت لبنان، ص490.

[4]  عند الصبح حمد القوم السرى، عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري، الملك عبد العزيز، الجزء الثاني من كتاب لسراة الليل هتف الصباح، ط1 2004م، دار الساقي – بيروت لبنان، 396.

[5]  ايام عربية، هاري سانت جون فليبي، ط1، 2002م، مكتبة العبيكان، الرياض، ص 379.

[6]  الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء والقطيف وقطر، د. عبد الله ناصر السبيعي، الطبعة الأولى 1420هـ، صفحة 81، 136.

[7]  كتاب دليل الخليج، القسم الجغرافي، إعداد قسم الترجمة بمكتب صاحب السمو أمير دولة قطر، د ت، حـ1/2446.

[8]  البنديرة، لفظه عامية تطلق على العامود الخشبي التابع لمطار دارين والذي يرفع عليه مصباح كيروسين لإرشاد الطائرات ليلا.

[9]  قبيلة آل بن علي العتوب في الماضي والحاضر، تأليف عبد الله بن حسين البنعلي، الطبعة الأولى 1423هـ، مكتبة التوحيد، دمشق سوريا، صفحة 126.

[10]  من تاريخ جزيرة تاروت، علي إبراهيم الدرورة، الطبعة الأولى، شوال 1410هـ، مطابع الصناعات المساندة، الجبيل، صفحة 101.

[11]  شاهد هذا الإجزاء من بقايا الطائرة كل من: محمد بن عبد الرزاق الهارون، وجاسم ماجد البنعلي، ويعقوب بن يوسف الهارون، وخليفة بن أحمد السادة، وآخرون غيرهم.

[12]  رواية العم محمد بن عبد الرزاق الهارون، والمعمر محمد بن حسن البنعلي.

[13]  سقب مفردة عامية بحرية بمعنى نصب أو تثبيت الصاري الخاص بسفينةٍ مَّا.

[14]  القطيف وملحقاتها أبعاد وتطلعات، تأليف الشيخ عبد العظيم المشيخص، الطبعة الأولى 2002م، منشورات شركة الشيخ للتحقيق والنشر، بيروت – لبنان، جـ1/ 374.

[15]  من تاريخ جزيرة تاروت، سبق ذكره، ص: 101.

[16]  رواية العم يعقوب بن يوسف الهارون.

[17]  العلاقات السعودية البريطانية 1341هـ - 1351هـ، (دراسة وثائقية)، خالد بن ثنيان آل سعود، الطبعة الثانية، 2001م، المملكة العربية السعودية، ص: 29.

[18]  عبد الله فؤاد، مشوار الإصرار والتحدي، تأليف: خالد عبد الله بوعلي، الطبعة الأولى 1999م، طبع في المطبعة الشرقية – دبي، ص: 72.

[19]  القطيف وملحقاتها أبعاد و تطلعات، تأليف الشيخ عبد العظيم المشيخص، سبق ذكره جـ1/370.

[20]  رجال عاصرتهم، السيد علي السيد باقر العوامي، إعداد عدنان العوامي ومحمد النمر، الطبعة الأولى 2002م، الناشر مجلة الواحة، بيروت، ص: 78.

[21]  مجلة الشرق، (مجلس الشرق)، مقال بعنوان (جزيرة دارين التاريخية، بيننا وبين الهارون)، الجلسة السادسة والعشرون، حوار محمد يوسف الدوسري، الضيف الأستاذ ابراهيم عبد الرزاق الهارون.

[22]  رواية المرحوم السيد صالح بن السيد إبراهيم السادة.

[23]  اربعون عام في البرية، هاري سانت جون فيلبي، مكتبة العبيكان- الرياض، ط1، 2004م، 198.

[24]  رواية السيد خليفة بن أحمد السادة، موظف في سلاح الحدود بمركز دارين في تلك الفترة، وشارك في تسجيل الموجودات التي تم نقلها من مطار دارين.

[25]  من تاريخ جزيرة تاروت (مصدر سابق)، ص: 101.
كاتب
267486