أسلوب الكناية في القرآن الكريم
رائد الشنخنخ * - 6 / 2 / 2011م - 2:26 م - العدد (53)

لا يخفى أن نشأة أي ظاهرة لغوية هي نتيجة عواملَ دافعة وعوامل مؤسسة لنشأة هذه الظاهرة، وأنها لا تكون اعتباطية، وإنما لتأدية وظيفةٍ مَّا، فما العوامل الدافعة لذلك؟

أولاً - إن اللغة هي منتَج إنساني، ولذلك فهي تتحرك مع الإنسان وتنمو معه.

ثانياً - إن اللغة هي مرآة يجب أن تعكس الصورةَ التي تقابلها ذهنيًّا؛ فكلمة شجرة أو بيت أو امرأة تتحول، ذهنيًّا، لما يعادلها في الطبيعة مباشرة إذا كانت حسِّيَّةً، وتنعكس وجدانية إذا كانت معنوية أو غبية.

ولذلك فإن كل جديد في الواقع الحِسِّي، أو الوجداني يحتاج إلى مضمون لغوي يعبر عنه، ويدل عليه، ويكون ذلك بتوليد المعاني الجديدة، والاشتقاقات المستحدثة.

وكما أن اللغة تواكب الإنسان في تمدِّنه، أو انحطاطه؛ فإنها، كذلك، مرآة الناطقين بها، تعكس فكرهم وثقافتهم وأدبهم، وتاريخهم.

ولعل هذا هو سر افتخار كل أمة بلغتها كما هو حال العرب بفخرهم واعتزازهم بالقرآن الكريم، الطود الشامخ في الأدب العربي بحيث وجد فيه العرب ضالتهم وجوهرتهم النفيسة التي افتنُّوا في التنقيب في إبداعاتها وجمالياتها، فصاروا لا يرون فيه مجرد كتاب بنيانه الكلمات، وإنما عالم يزخر بالصور، والإبداعات والمعاني المتجددة، فصار قراؤه يقرؤونه بقلبه ولسانه؛ فكل كلمة فيه تحرك الخيال، وتوقد فيه الأحداث والصور، فما منشأ هذه الحالة الفريدة من نوعها في القرآن الكريم؟

فنجد القرآن الكريم قد خرج باللغة العربية إلى ثوب جديد تزداد جدته مع الأيام، وهذا ما دعا اللغويين من أهل العربية إلى تتبع هذه الخصائص القرآنية؛ فمنها ما درسوه باستفاضة، ومنها ما لم يوسعوه بحثاً وتنقيباً، ومن هذه الأبواب التي ظلت - إلى يومنا الحاضر - دون دراسة شاملة ومتخصصة (الكناية)، إذ نجد - في باب الكناية في القرآن الكريم - إلا نتفاً هنا وهناك تذكر للاستشهاد على وجه من الوجوه؛ لأنهم اهتموا، أولاً، بالإعراب واللغة والأحكام ولا نجد دراسات منهجية مبوبة تتناول فنون البلاغة القرآنية بتفصيل دقيق.

والكناية - بالرغم من زخور القرآن الكريم بها لا نجدها ضمن هذه الدائرة، وهذا ما دعاني إلى أن أحاول هذه المحاولة المتواضعة التي اكتشفت من خلالها ضآلة تناول هذا الباب قياساً بالأبواب الأخرى المذكورة، فلا نجد عناوين أو كتب تستوفي الكناية أو الاستعارة، أو غيرهما في القرآن الكريم، كما هو الحال بالنسبة للإعراب مثلاً.

ولذلك ستكون المنهجية التي أتبعها في هذا البحث على النحو التالي:

أولاً - تحرير مصطلح الكناية (لغة واصطلاحاً)

ثانياً - إحصاء ودراسة ما ورد من الكناية في سورة النساء.

وأخيراًً - عرض أبرز نتائج هذه الدراسة.

ولقد اعتمدت، في بحثي هذا، على كتب المعاجم اللغوية مثل: القاموس المحيط، مختار الصحاح، المعجم الوسيط، المنجد في اللغة والأعلام، ومن المصادر التي رجعت إليها في بحثي هو إعراب القرآن الكريم وبيانه لمحي الدين الدرويش.

الكناية في اللغة

الكناية، لغة، أن تتكلم بالشيء، وتريد غيره، يقال: كنيت بكذا عن كذا إذا تركت التصريح به، فبابه: كنى يكني كرمى يرمي، وقد ورد: كنا يكنوا كدعا يدعو.

وهي من كنيت الشيء أكنيه، إذا ستر بغيره، وقيل: كنانة، بنونين لأنها من “الكن” وهو الستر، و تعريف الكناية مأخوذ من اشتقاقها، واشتقاقها من الستر، ويقال كنيت الشيء إذا سترته، وإنما أجري هذا الاسم على هذا النوع من الكلام لأنه يستر معنى ويظهر غيره، ولذلك سميت كناية[1] .

الكناية في اصطلاح البلاغيين

أما الكناية في اصطلاح البلاغيين فقد تعددت تعريفاتها، ذكر منها الدكتور بدوي طبانة خمسة مأخوذة من البلاغيين[2] ، وسيأتي الآن ذكرها على النحو التالي:

1 - الكناية هي ترك التصريح بالشيء إلى مُساويه في اللزوم، لينتقل منه إلى الملزوم. فترك التصريح بالشيء عام في جميع الأعمال المجازية، فإنها متفقة في ترك التصريح بحقائقها الموضوعة من أجلها، واحترز عن الاستعارة بقوله: “إلى مساويه في اللزوم لينتقل منه إلى الملزوم”؛ لأن الانتقال في الكناية هو عن لفظ إلى ما يساويه في مقصود دلالته، بخلاف الاستعارة؛ فإن الانتقال فيها ليس إلى المساوي في الدلالة، بل إلى المشارك في بعض المعاني.

2 - الكناية هي اللفظ الدال على الشيء بغير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية والمكنّى عنه، و هذا فيه تفسير الشيء بنفسه، وإحالة أحد المجهولين على الآخر.

3 - الكناية هي اللفظ الذي يحتمل الدلالة على معنى، وعلى خلافه، وهو تعريف بعض الأصوليين، وهو تعريف فاسد؛ لأنه يَبطل باللفظ المشترك، فإنه يدل على المعنى وعلى خلافه، ويبطل أيضاً بالحقيقة و المجاز[3] .

5 - الكناية هي ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر ما يلزمه، لينتقل من المذكور إلى المتروك؛ كما تقول:

> فلان طويل النّجاد< ليُنتقل منه إلى ما هو مَلْزُومُه، وهو طول القامة، وسمي هذا النوع كناية لما فيه من إخفاء وجه التصريح، ودلالة «كنّى» عن ذلك؛ لأنها كيفما تركبت دارت مع تأدية معنى الخفاء من: «كنّى عن الشيء يكنّى»، إذا لم يصرّح به، والفرق بين الكناية والمجاز من وجهتين؛ إحداهما: أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة بلفظها، فلا يمنع في قولك: “طويل النّجاد” أن تريد: طول نجاده من غير ارتكاب تأوّل مع إرادة طول قامته، وفي قولك: «فلانة نؤوم الضحى»، أن تريد: أنها تنام ضحىً، لا عن تأويل في ذلك مع إرادة كونها مخدومة، مرفهة.

والمجاز ينافي ذلك، فلا يصح في نحو: «رعينا الغيث» أن تريد معنى الغيث، وفي نحو قولك: «في الحمام أسد» أن تريد معنى الأسد من غير تأويل، ولذلك كان في المجاز قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، بعكس الكناية فلا قرينة فيها تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.

ثانيهما - أن مبنى الكناية على الانتقال من اللازم إلى الملزوم، ومبنى المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم.

وذهب ابن الأثير وغيره إلى أن الكناية جزء من الاستعارة؛ لأن الاستعارة لا تكون إلاَّ بحيث يطوى ذكر المستعار له، وكذلك الكناية فإنها لا تكون إلاَّ بحيث يطوى ذكر المكنّى عنه.

ونسبة الكناية إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام، فيقال: كل كناية استعارة وليست كل استعارة كناية.

ويفرق بينهما من وجه آخر، وهو أن الاستعارة لفظها صريح، والصريح هو ما دل عليه ظاهر لفظه، والكناية ضد الصريح لأنها عدول عن ظاهر اللفظ.

وعلى هذا يكون بين الكناية والاستعارة ثلاثة فروق:

أحدها: الخصوص والعموم.

ثانيها: الصريح وغير الصريح.

ثالثها: حمل الكناية على جانبي الحقيقة والمجاز، والاستعارة لا تكون إلا مجازاً.

وذكر صاحب الطراز أن أكثر علماء البيان على عدّ الكناية من أنواع المجاز، وأنكر على ابن الخطيب الرازي ما ذهب إليه من أنها ليست مجازاً، والمطلوب بالكناية عند السكاكي لا يخرج عن أقسام ثلاثة:

القسم الأول - الكناية المطلوب بها نفس الموصوف، والكناية في هذا القسم تقرب وتبعد، فالقريبة هي أن يتفق في صفة من الصفات اختصاص بموصوف معيَّن عارض، فتذكرها متوصلاً بها إلى ذلك الموصوف، مثل أن تقول: جاء المضياف، وتريد زيداً لعارض اختصاص للمضياف بزيد، والبعيدة هي أن تتكلف بأن تضمَّ إلى لازم آخر وآخر، فتلفّق مجموعاً وصفيًّا مانعاً من دخول كل ما عدا مقصودك فيه، مثل أن تقول في الكناية عن الإنسان: “حي مستوي القامة، عريض الأظفار”.

القسم الثاني - الكناية المطلوب بها نفس الصفة، والكناية في هذا القسم، أيضاً، تقرب تارة، وتبعد أُخرى، فالقريبة هي أن تنتقل إلى مطلوبك من أقرب لوازمه إليه، مثل أن تقول: فلان طويل نجاده، متوصلاً به إلى طول قامته، أو مثل أن تقول: فلان كثير أضيافه، أو كثير الأضياف، متوصلاً به إلى أنَّه مِضْياف، وهذا النوع القريب؛ تارةً يكون واضحاً كما في المثالين المذكورين، وتارةً خفيًّا كما في قولهم: “عريض القفا” كناية عن الأبْلَه، وأما البعيدة فهي أن تنتقل إلى مطلوبك من لازم بعيد بوساطة لوازم متسلسلة؛ كأن تقول: فلان كثير الرماد، فتنتقل من كثرة الرَّماد إلى كثرة الجمر، ومن كثرة الجمر إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور، ومن كثرة إحراق الحطب إلى كثرة الطبائخ، ومن كثرة الطبائخ إلى كثرة الأكَلة، ومن كثرة الأكلة إلى كثرة الضيفان، إلى أنه مضياف، فانظر بين الكناية وبين المطلوب بها كم ترى من لوازم.

القسم الثالث - الكناية المطلوب بها تخصيص الصفة بالموصوف، و هي، أيضاً، تتفاوت في اللطف، فتارةً تكون لطيفة، وأُخرى ألطف؛ مثل قول زياد الأعجم[4] :

إن السماحة والمروءة والنَّدى

في قبة ضُربت على ابن الحشرج

فإنه حين أراد ألاَّ يصرح بتخصيص السماحة والمروءة والندى بابن الحشرج والمروءة والندى له، فإن الطريق إلى تخصيص الصفة بالموصوف بالتصريح؛ إما الإضافة أو معناها، وإما الإسناد أو معناه، فالإضافة كقولك: سماحة ابن الحشرج، أو سماحته، مُظهراً كان المضاف أو مضمراً، ومعناها كقولك: السماحة لابن الحشرج أو السماحة له، والإسناد كقولك: سمح ابن الحشرج، أو حصل السماحة، ومعناه: كقولك ابن الحشرج سمح بتقدير ضمير ابن الحشرج في سمح العائد إليه كما هو، أعني تخصيص الصفة بالموصوف مصرح به في جميع ما تقدم من الأمثلة، فالشاعر جمع السماحة والمروءة والندى في قُبَّة تنبيهاً بذلك أن محلّها محلُّ ذي قبة، محاولاً بذلك اختصاصها بابن الحشرج.

والخلاصة: أن الكناية ثلاثة أقسام:

1 - كناية عن صفة.

2 - كناية عن موصوف.

3 - كناية عن نسبة.

وعند بعض البلاغيين -ومنهم السكاكي- أن الكناية تتفاوت إلى:

1- التعريض.

2 – التلويح.

3 – الرَّمز.

4 - الإِيماء.

5 - الإِشارة والإِرداف.

فالكناية في اصطلاح علماء البيان: لفظ أطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة المعنى الأصلي، فالمتكلم يترك اللفظ الموضوع للمعنى الذي يريد التحدث عنه، ويلجأ إلى لفظ آخر موضوع لمعنى آخر تابع للمعنى الذي يريده، فيعبر به عنه.

ويختلف أسلوب المجاز عن أسلوب الكناية في أنَّ أسلوب المجاز يشتمل على قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، أما القرينة في أسلوب الكناية فإنها لا تمنع إرادة المعنى الأصلي[5] .

ويقول عبد القاهر: «الكناية أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه، وردفه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليلاً عليه»[6] .

وهذا التعريف هو ما سار عليه كثير من البلاغيين الذين جاءوا بعده، وليس في كتب البلاغة المتأخرة أروع من هذا التعريف، وكل ما فعله السكاكي والقزويني وشرَّاح التلخيص أنهم رتَّبوا ما في «دلائل الإعجاز»، وقسموا الكناية إلى أقسامها الثلاثة، واختصروا أمثلته، وعلة حسنها وتأثيرها، وليتهم وقفوا عند ما ذكره عبد القاهر ونقلوه نقلاً صحيحاً! وإنما اختصروه، وأصبحت العلة في بلاغة الكناية الانتقال من اللازم إلى الملزوم معين ومعلوم[7] .

وكما كان لعبد القاهر الفضل على المتأخرين؛ أيضاً كان له الخطر على ما صنعه -فيما يتصل بتأثيره في المتأخرين- أنه قدم لهم الأسس التي بنوا عليها كثيراً من التصورات الضارة، التي قضت تماماً على البقية الباقية من حيوية البحث في الأنواع البلاغية للصورة، وأهم هذه الأسس وأخطرها فكرة الادعاء وما يتصل بها من جعل الاستعارة والتشبيه والكناية طرائق للإثبات[8] .

وهذا، من وجهة نظري، يدل على استجابته لمؤثرات كلامية، ومنطقية متصلة بثقافته، حيث لا يغيب عن أذهاننا أنه أشعري، ومن المتكلمين؛ ولهذا كان اعتماده على الاستدلال، والقياس، والإثبات.

إحصاء ودراسة ما ورد من الكناية في سورة النساء

من خلال استعراض أسلوب الكناية في سورة النساء، لن أتناول هذه التقسيمات الثلاثة، وهي الكناية عن الصفة، والموصوف، والنسبة، بل سوف أتناولها من خلال التنبيه أو التدليل على المعنى المهذب الجميل الذي تضفيه هذه الكناية على الآية مما يظهرها بالمظهر الحسن المؤدب والمهذب.

قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ في الإفضاء إلى الشيء؛ لأنه عبارة عن المباشرة له، والذي عنى الإفضاء في هذا الموضع هو الجماع، وهذا أسلوب حضاري مهذب، فالكناية هنا بارزة حيث تطرح مضامينها طرحاً فذًّا فيه الفنية، والجمالية، وفيه الطرفة، والحشمة.

قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ عن الجماع كما تقدم، أو الخلوة.

قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ، عما يجري بين الرجال من اتباع الشهوة، والتماس اللذة، فلا أحسن، ولا أجمل، ولا ألطف من كناية الله تعالى[9] .

قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ، الخروج عن الاستقامة والاعتدال، وظهور المخالفة، والعناد، وكانت المقارنة بالنشز من الأرض وهو المكان المرتفع أن التعالي على الآخر موجب لفساد العلاقة، وقد بين الله تعالى أن النشوز مذموم في الرجل كذلك؛ لقوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا (128) النساء، والأصل في العلاقة بين الزوجين هي المودة والمحبة فالله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (21) الروم.

لكي لا تكون سعادة طرف على حساب الطرف الآخر بالمساواة بينهما، وإخفاض كل منهما جانبه للآخر لتستقيم الحياة الزوجية بالمعروف؛ فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ (34) النساء، عن الجماع، وهذا أسلوب حضاري، ومهذب، كما ذكرنا سابقاً.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا، المداومة على المعاصي واستحواذ الخطيئة على الإنسان؛ لاشتماله على القبائح، والقرين هو التابع اللازم للإنسان، فكلما لزمه ازداد تأثُّره به، وأخذه منه، وماذا يرتجى ممن قرنيه الشيطان غير كثرة الولوغ في المعاصي بحيث لا ترى له قرب هداية، ولا تأمل فيه خيراً، وكل ذلك أوجز بعبارة: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا، وهذا بين أن الله ما أنزل العذاب على قوم استعجالاً، وإنما لعلمه سبحانه أنهم لا ترجى هدايتهم فوجودهم فساد في فساد.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، الدقة في الوزن والحساب، وقيام العدل في أدق الأمور، وعدم خفاء الأمور الهينة على الله، فالله سبحانه ليس في حاجة لأن يظلم عباده، وقد جاءت الكلمة لبيان أن الله لا يريد أن يظلم، وأنه، سبحانه، لا يقع منه الظلم سهواً أو قصوراً فهو محصٍ لأدق الأمور، وهذا ما بينته الآية الكريمة.

قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ شدة الندم، والخوف من عقاب الله، وبيان الخسران، وظهوره لأصحاب الموبقات، وتسوى بهم الأرض يعني خفاؤهم بعد ظهور، وصغارهم بعد علوهم وتكبرهم، وذلك بعد أن وجدوا أنهم لا حول لهم ولا قوة، وجيء بهم ليفتضحوا على رؤوس الأشهاد، فتمنوا لأنفسهم أن تسيخ بهم الأرض.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ المكان المنخفض من الأرض، وذكر عما يستهجن ذكره فكنى عنه بمكانه، وهو كناية عن الحدث، جرياً على عادة العرب، وهي أن الإنسان منهم إذا أراد قضاء حاجة قصد مكانًا منخفضًا من الأرض وقضى حاجته فيه.

وفي معنى الكناية في قوله: ﴿لاَمَسْتُمُ النِّسَاء المواقعة، وقد دلت عليه القرينة، والإعراض عنه لصرف الذهن عن تصوره، وقد ضربت الآية ﴿مِّن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء مثلين لما يُعف عن ذكره، وهو قضاء الحاجة والجماع؛ لأن ذهن الإنسان يتصور الكلام الذي يسمعه، وطائر الخيال يلقي في روعه صور المعاني فكان من الأجدر الإعراض عن المعنى الأصلي.

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ ميلهم إلى الضلال، وانصرافهم عن الهداية تعمُّداً لا جهلاً، والمعنى أن ضلالهم برغبة منهم لا بقهر أو جبر أجهل، وأي شيء يرجو من يشتري الضلالة، وينفق ماله وسعيه و فكره فيها؟ وهي كناية عن إيغالهم في غيهم، ولا يوجد تعبير أبعد من هذا التعبير في البعد عن الهدى والرشد، ومقتضى ذلك اليأس من هدايتهم، وإنما تطلب الهداية لمن يطلبها لا من يزيغ عنها.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا وقوع العذاب وانقضاء وقت التوبة و الرجوع، وذلك لاستحكام العناد والمكابرة، وأن الإمهال من الله لهم وهم لا ترجى منهم توبة أو هداية لا معنى له، فيكون وقوع العذاب أجدر ليكونوا عبرة لغيرهم، وقد جاء طمس الوجوه أن الوجه علامة الإنسان فيكون طمسه خروجه عن الكرامة التي كرم بها الله عباده من بني البشر، فلا يكون هؤلاء على حد الإنسانية، وإنما مسوخ على صورة الحيوانات المستكرهة من القردة، والخنازير وهي الحيوانات التي هي محل استقباح وتحقير؛ لأن من الحيوان ما يمدح وما يستحسن كالأسد والخيل...إلخ.

قال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ (46) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ الشح والبخل إذا ملكوا فكيف بهم وهم لا يملكون شيئاً، وحالهم هو العجز والافتقار؟ ويستفاد من الآية أن لا يعول العبد على العبد؛ لأنه تعويل العاجز على العاجز.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا، النعيم وبُعد الشقاء، فيما غيرهم يقاسي شدة الأهوال، ويلاقي العّذاب، وأن غيرهم يلفحه حر الشمس؛ لأن الظل مقابل الشمس ولهب النار، والاستعمال لا يكون، فقط، مقابل الشمس؛ بل والأمن مقابل الخوف، وقد استوحي هذا المعنى من صورة حسية متقابلة هي الظل، وما يقابله من لهب الشمس وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ فاطر: 21.

قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)، النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وقوع الخلاف، والتنازع، والشجار هو الاشتباك بين الأمور والتداخل بينها، والأصل فيها الشجر، وتداخل أغصانه وتشاجرها، وقد استعمل للخصومة لما فيها من تشابك الأيدي فسمي لذلك شجاراً لمشابهة بينهما.

قال الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ، الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، و معناه الاستهانة بأمر الدنيا ومتعها؛ نظراً لزوالها، ومعنى يشتري (يبيع)، وهي كناية عن المتاجرة؛ لأن البيع والشراء في التجارة، ومعناها أن حياة الإنسان لها ثمن؛ فإما يشترى بها ما رخص، أو يشتري بها ما غلا ثمنه.

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)، النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ، الفتيل (السحاة التي في شق النواة، وما يفتل بين الأصابع من الوسخ)، ومعناه أنهم لا ينقصون أخس الأمور، وأبخسها عند الحساب، ولا يقع ذلك لا عن سهو ولا قصور، فكيف بالأمور العظيمة، وقد فسر بعضهم (فتيلاً) بما ينتج من فرك اليدين من الوسخ وغيره؛ وذلك أن يحاسب خلقه بموازين لا يقع فيها الخطأ أو الزيادة أو لنقص حتى فيما اعتاد الإنسان على تحقيره وإهماله.

قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)، النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ عدم امتناع أحد من الموت لأي سبب كان، وأن الأسباب المادية لا تؤخر الموت؛ لأن يقع بأجله قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) الرعد، والبروج المشيدة تمتنع على الأسباب المادية؛ لأنها مادية، أما قدرة الله وقدرة رسله الموكلين فإنها نافذة؛ لأنها لا تخضع للمقاييس المادية.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) ق.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ؛ نبط الماء: نبع، ومعناه أنهم يستخرجونه من مخابئهِ ومضانه الخفية عن سواهم؛ لأنهم امتازوا على غيرهم بالنبوغ والفهم، وقد خص قوماً بذلك صرفاً لغيرهم، ودفعاً من أن يكون البتُّ بيد من هبَّ ودَبَّ، وإنما يكون ذلك على يد من أوتي البصيرة لأن الأحكام تحتاج إلى استخراج، فكان لها وجه شبه نبط الماء.

قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿? ? ? ?، الضيق وعدم الرغبة في الدخول في أمر، بل شدة كراهته وثقله على النفس، إضافة إلى احتباس ذلك في قلوبهم، وظهوره في ملامح وجوهم، والحصر: الضيق، وإذا ضاق الصدر اختنق الإنسان، وجعل ما بهم ضيقاً لاحتباس أمر من الأمور في صدورهم، وعجزهم عن البوح به فكان ذلك وجه المماثلة.

قال الله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا، الرَكْس: رد الشيء مقلوباً؛ بمعنى أنهم يقحمون في الفتنة كلما أرادوا الخروج منها لعدم خلوص أنفسهم، ولزيغ قلوبهم، وهي كناية عن التردد في الفتن لوجود مقدماتها، وكأنما أخذ من غمر الشيء: أحاط به من جميع الجوانب، فدل ذلك على أن الفتنة غمرتهم.

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً، وجود المجال والفرصة بتغير المكان، وما لا يكون ولا يقع في مكان؛ يكون ويقع في غيره، والمراغمة: المغالبة، فالهجرة: خروج من دائرة تزعم وتسود فئة على فئة فالإنسان يبتعد لكي لا يقع تحت هيمنة جهة من الجهات ثم تكون الفرصة في المغالبة.

 قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، تنقلتم في أرجائها بحثاً، وتتبعاً، وتنقيباً عن أمر ما، وقد تكون جاءت من ضرب الفأس، أو السعي للبحث، فيكون الضرب بمعنى البحث والتنقيب.

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا لا ينقصون حتى بما يكون الاستخفاف به في الدنيا، وذلك لكي لا يزهد في شيء من الخير، ولا يستخفوا بشيء من الشر، ولتحضر قلوبهم في كل ما يفعلون بالرجاء والخشية، وكلمة (نقير) نقرة في ظهر النواة، ووجه المماثلة بين الأمرين أن عمل الإنسان، إذا داخله أمر، فإن هذا الأمر له أثره، فكما أن النواة أحصي ما فيها من نقر؛ فإن عمل الإنسان يقع فيه الإحصاء، ولا يؤخذ على عواهنه والله أعلم.

قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وتعُّذر الفهم والإدراك عليهم، والواقع أنهم أرادوا لأنفسهم ذلك طلباً للنجاة، وعدم تحمل الأمر والنهي في كل ما لا يوافق أهواءهم، و (الغلاف) حاجز وعازل بين أمرين؛ فقد جعلوا لقلوبهم أغلفة تحول بينهم وبين الفهم؛ فكما أن للعين غلافاً هو الأجفان فلا ترى العين إلا بفتحه فإن القلوب أيضاً تحتاج إلى نزع الأغلفة والحجب لترى، وأيضاً فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا، وهو طمس قلوبهم لكي لا يدركوا ما هم فيه من طريق الهلاك؛ لأنهم لا يستحقون النجاة لجحودهم، و(الطبع) هو الختم، وذلك دالٌّ على بلوغهم درجةً لا يرتجى معها صلاح أموالهم فلا يزيدهم العلم إلا تمرداً، فبقاؤهم على جهلهم أنفع من علمهم مع جحودهم.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) النساء، فقد جاء معنى الكناية في قوله: ﴿تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ من غليان الماء، وارتفاعه، ومعناه مجانبة الحق، وإتباع الهوى والميل معه، والزيادة في الدين ما ليس فيه، وإنما اتِّباع الوسطية، وعدم الإفراط في أمر الدين، والمبالغة، وعدم التفريط، والإهمال، وجعل أمر الدين مستحقرًا، فتكون الوسطية أمر بين أمرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناكُم أُمَّةً وَسَطاً، البقرة: 143، والغلو، في الأصل، من غلو الماء في المرجل وارتفاعه، فهي حالة طيش وقتية ليس فيها سوى الهياج الذي لا نفع فيه، وإنما يفضي إلى المضرَّة، وتجاوز الحد؛ فكما أن الماء يرتفع ويخرج من المرجل، فإن الغالي يرتفع ويخرج من الدين، والله أعلم.

النتائج

1- لقد أظهرت لنا هذه الدراسة أن الكناية من التعبيرات البيانية الغنية بالاعتبارات والمزايا وأما الملاحظات البلاغية، فهي تضفي على المعنى جمالاً، وتزيده قوة، ويستطيع الأديب المتمكن والبليغ المتمرس أن يحقق بأسلوب الكناية العديد من المقاصد والأهداف البلاغية.

2- إن الكناية أسلوب حضاري مهذَّب يتضح لنا من خلال تحليل بعض الشواهد كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ (21) النساء.

والحق أن الكنايات القرآنية تأتي في المقدمة إذا عددنا الدقائق الفنية التي أهّلت القرآن الكريم لأن يكون معجزاً بنظمه، فمن الفصاحة والبلاغة أن تضع الألفاظ موضعها الذي لا يحسن فيه غيرها، ومن وضع الألفاظ موضعها الذي لا يحسن فيه غيرها أن تكنى بها عما لا يحسن التصريح به من قول أو فعل.

3- إبراز المعاني في صور حسية تبين قبحها أو جمالها، وذلك من خلال تحليل بعض شواهد الدراسة.

4- إن الكناية تخرج بالمعنى من العموم إلى الخصوص؛ فكلمة كريم يدخل تحتها كل من يتصف بالكرم ولكن عبارة «كثيرة الرماد» أفاد معنى خاصاً دالاً على كثرة الضيافة، وهذا المعنى قد لا يتوفر في كل من يتصف بالكرم، فالكرم الذي هو معنى مجرد تحول إلى معنى حسي في «كثير الرماد».

5- الإعراض عما يقبح ذكره، والضرب صفحاً عن المعاني التي تعف عنها الألسنة وذلك؛ لأن المعنى المجرد يتجسد بصورته في الذهن ولصرف تصوره في الذهن يكنى عنه بما يصرف صورته الواقعية عن الذهن كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ (43) النساء، فلو ذكر هذان المعنيان بلفظيهما الموضوعين لهما لتصورهما الذهن؛ فتصور الجماع، والحدث للشخص المذكور وهو أمر قبيح.

6- ومن محاسن الكناية تهويل المعنى، وشدة وقعه في النفس لحصول العظة والخشية؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ (42) النساء.

7- إن الكناية أبلغ من التصريح؛ لأنها - في كثير من صورها - تعطي الدعوى ودليلها، والقضية وبرهانها، والكلام المقرون بدليله أقوى من الكلام العاري عن الدليل والبرهان.

8- في الكناية تقوية للأداء الأدبي بإخراج الأمور المعنوية في صورة أشياء مادية تدركها الحواس، وتجسيد المعاني في صور محسوسة تزخر بالحياة والحركة، فيكون ذلك أدعى لتأكيدها ورسوخها في النفس،

9- يستطاع بأسلوب الكناية التعمية، والتغطية، وإخفاء ما يود المتكلم إخفاءه حرصاً على المكنى عنه، ورغبة في عدم تردده على الألسنة.

10- الكناية طريقٌ من طرق الإيجاز والاختصار، كما أنها وسيلة للإقناع حيث تقدم لنا المعاني مؤكدة بدليلها، ويتضح لنا ذلك من خلال شواهد هذه الدراسة.

واضح أن للكناية هدف تجميل الكلام و تحسينه وإظهاره في حلة جديدة دون إسفاف أو مجرد قصد التلاعب بالعبارات، وإنما لمقتضى غاية أصلية، ثم كان الحسن والجمال ناتجًا عضويًّا لها، وإلا لو كانت الكناية لمجرد العبث دون غاية أفضت إليها مصلحة؛ لكانت مستقبحة، فلها غاية صرف قبح القبيح، وإظهار حسن الحسن.

رأي

لقد أوجدت الكناية مشتركات بين المعاني المختلفة؛ مما أوجد تقارباً بين هذه المعاني، وجعلت من اللفظ المستعمل في وجه واحد يستعمل في وجوه مختلفة الرابط بينها دلالة حسية، أو وجدانية بحيث ينقل الحسي إلى الوجداني فيعطيه صورة بصرية شاخصة، ومما أفادته، أيضاً، أنها قوة استعمال الكلمة، وحررتها من قيدها، فصار للكلمة الواحدة وجوه ومعانٍ يفطن إلى استعمالها أولو الأفهام، ويدركها أولو الألباب، وبذلك صارت الكناية ركنًا من أركان البلاغة التي لا يمكن أن يغفلها الدارسون.

ويكفي ما للكناية من وثيق الصلة بالقرآن الكريم، ومعانية الشريفة، إضافة إلى شغف العرب بالكناية، وافتتانهم بها، وافتنانهم فيها، فالكناية لون من ألوان التعبير البياني، وقد عني بها نقاد العرب، وعرفوا لها مكانتها في الإيضاح والتأثير؛ لأنها وردت كثيراً في كلام العرب والقرآن الكريم، وكانت، في كتاب الله، موحية، وموجزة، ومصورة للمعاني خير تصوير، وكانت مؤدبة مهذبة تتجنب ما ينبو على الأذن سماعه كما رأينا من خلال استعراضنا لأسلوب الكناية في سورة النساء.

[1]  القاموس المحيط، مجد الدين محمد الفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 4، 1415هـ، (كني)، ص: 1713، وزين الدين محمد الرازي، مختار الصحاح، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1408 هـ مادة (كني) ص: 58، ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها، د. أحمد مطلوب، ط 1، 1427هـ، 2006م، جـ3/154.

[2]  معجم البلاغة العربية، د. بدوي طبانة، دار ابن حزم ، بيروت، ط 4، 1418 هـ، ص 604-607.

[3]  تعريف ابن الأثير: «الكناية كل لفظ دل على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز».

[4]  شعر زياد الأعجم، د. يوسف حسين بكَّار، دار المسيرة، مطابع يوسف بيضون، الطبعة الأولى، لم يذكر مكان النشر والطبع، 1403هـ 1983، ص: 49.

[5]  د. علم البيان، دراسة تحليلية لمسائل البيان، بسيوني عبد الفتاح فيود، دار المعالم الثقافية، الأحساء، الطبعة الثانية، 1418هـ، ص: 243-246.

[6]  دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، مطبعة المدني، مصر، الطبعة الثالثة، 1413هـ، ص: 66.

[7]  فنون بلاغية البيان - البديع، د. أحمد مطلوب، دار البحوث العلمية، الكويت، الطبعة الأولى، 1395هـ، ص: 189.

[8]  الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، د. جابر عصفور، دار المعارف، القاهرة، لم يذكر رقم الطبعة ولا تاريخها، ص: 272..

[9]  الكناية والتعريض، أبو منصور الثعالبي، تحقيق عائشة حسين فريد، دار قباء، لم يذكر رقم الطبعة، القاهرة، 1998م، ص: 29.
كاتب - السعودية.
114918