نحو ثقافة عربية إسلامية متكاملة
جعفر محمد العيد * - 15 / 2 / 2011م - 7:21 ص - العدد (59)

تمهيد

هل أصبحت القطيعة هي سيد الموقف بين العروبيين والإسلاميين؟ أين يتجه كل فريق من القضايا المشتركة والمصيرية؟

الصراعات والمواجهات التي جرت في التاريخ لها رصيدها من القناعات الفكرية، وبالتالي هل ثمة تنافر بين الثقافتين العربية والإسلامية؟ أم إن هناك تكاملاً بينهما؟ نقاش هادئ حول تنافر أو تكامل الثقافتين يحاول كاتب هذه السطور تسليط الضوء عليها.

أجدني - ككاتب - أميل نحو التكامل أكثر من غيره لعل الحديث يكون مقنعاً بذلك، وفي البداية أورد ملاحظتين آمل الخروج منهما بفائدتين

الملاحظة الأولى - ولعلها الباعث على تحرير هذه المقالة - وهي أنني عندما أزور بلداً إسلامياًّ غير عربي كالباكستان، إيران، أو غيرهما، فإنني لا أشعر بالغربة في أيٍّ منها، على الرغم من حاجز اللغة، فعندما أتحدث معهم باللغة العربية لا أشعر أنهم يمقتونني، والسبب في تقديري إلى أنسهم باللغة العربية، فبعضهم يحفظ شيئاً من القرآن الكريم، أو من الحديث النبوي أو الشعر، بل إن بعضهم يتمنى لو أنه يتقن اللغة، لذلك فإنني أشعر بانتمائي إلى المكان والناس، ولم يكن هذا الشعور مقتصراً عليَّ شخصياًّ، فقد وجدت هذا الشعور ماثلا لدى آخرين التقيتهم وسألتهم عن ذلك، وعلى العكس من ذلك الشعور الذي يكتنفني في البلدان الأوروبية، مع تسليمي بنسبية الأمر من بلد إلى آخر، ومن شخصٍ إلى آخر، إلا أن مصطلح الاغتراب الثقافي يكون ماثلا لدى الفرد المسلم في الدول الأوروبية، أكثر منه في الاسلامية.

الثانية - لقد نقل الكثير من العلماء والأدباء والمستشرقين انطباعات جيدة عن اللغة العربية، وأكتفي هنا بنقل مقولة بالغة الأهمية قالها الشاعر الروسي العالمي (إيغور إيسايف) عن الثقافة العربية نصها: (إن في العالم لغات مهمة، وبالغة التأثير كالانكليزية والفرنسية والروسية، لكن ثمة ثلاث لغات فقط تحمل رسالات حضارية هي اليونانية والصينية، والعربية). ويضيف: (إن اللغة العربية لم تكن لغة أدب فقط بل دونت بها أهم المؤلفات في ميادين الطب والفلك والرياضيات...[1] ).

ومن هاتين الملاحظتين يمكن أن نخلص إلى فائدتين هامتين هما

الأولى - أن العرب واللغة العربية كانتا من الأهمية بمكان، فاللغة العربية استوعبت معاني القرآن الكريم، والدين الاسلامي، واستوعبت بقية العلوم التي دونت بها، وأن هذه اللغة أدت دورا في العصر الجاهلي كان متمثلا في السجال الشعري والأدبي، والتي كان ذروة سنامه تلك المعلقات الشعرية التي كانت تعلق على جدار الكعبة المشرفة، بينما أدت هذه اللغة دورا هاما في العصر الإسلامي تمثلت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وجميع المؤلفات العلمية، ونورد هذا الكلام لأن هناك إرادة للفصل بين ما هو عربي وما هو إسلامي، هذه الإرادة من قبل البعض ما هي إلا وليد شرعي للفعل الاستعماري، فبالرغم من خروجه من البلاد الإسلامية بشكله المادي، إلا أنه عمل على تفكيك روابط الأمة العربية والإسلامية، عن طريق إثارته للنعرات الطائفية والقبلية، والجهوية، والمذهبية والفئوية وغيرها، لكن واقع الحال يشير إلى تلك العلاقة القوية الرابطة بين الدين الإسلامي واللغة العربية بحيث يصعب فصلهما.

الثانية - هي أن هناك مجموعة من العناصر الثقافية التي يجب أن تؤخذ، دائما، بعين الاعتبار عند دراسة أي ثقافة من ثقافات المجتمعات.

وتظهر هذه العناصر واضحة عند دراسة الحالة الإسلامية والعربية، وهي ما يطلق عليه وحدة المشاعر والأحاسيس الجلية لدى المسلمين العرب، والمسلمين غير العرب في كثير من القضايا منها ما هو عربي، ومنها ما هو خاص ببلدان إسلامية غير عربية.

وثمة عناصر أخرى كثيرة نستقيها من الباحثين الاجتماعيين يمكن أن تساعدنا للوصول إلى بعض النتائج الهامة على صعيد التكامل الثقافي بين دول العالم الإسلامي، منها:

أ -    العنصر الجغرافي المتمثل في المكان.

ب‌-  العنصر التاريخي المتمثل في الزمان.

ت‌-  العنصر الاجتماعي المتمثل في القيم والمؤسسات.

ث‌-  العنصر الوجداني المتمثل في الهموم والمشاعر

ج‌-   وجود الرموز والإشارات المشتركة.

 وتتوفر هذه العناصر الخمسة في العالم الإسلامي بشكل واضح، خصوصًا ما كان منها على الصعيد الوجداني؛ إذ ليس هناك أبلغ من الهموم والمشاعر المشتركة بشبيه ما يشعر به الإنسان تجاه أخيه المسلم من ود واحترام، ومن ضمن هذه المشاعر هو ذلك الاهتمام بالأهداف المشتركة، كما هو حاصل بقضية القدس ووحدة المسلمين، الأمر الذي يدعونا إلى الانتقال بالموضوع للتساؤل عن مدى التكامل الثقافي بين بلدان العالم الإسلامي؟

كضرورة بحثية لا بد أن نعرج على تعريف الثقافة وعناصرها، وبعد ذلك نعرف التكامل وعلاقته بالقضية الثقافيه، ثم نبحث في مدى إمكانية التكامل الثقافي بين هذه البلدان (العربية، الإسلامية).

ما هي الثقافة؟

لا نودُّ، هنا، أن نخوض في بحث أكاديمي عن معنى الثقافة ونشأتها التاريخية والعلماء الذين تعرضوا لمعناها، مع أن الثقافة، كمفهوم، تعرضت إلى جدل كبير، سواء من خلال نشأتها التاريخية، أو اختلاف المعنى ما بين العلماء المعنيين بالأدب وبين علماء الانثربولوجيا (الحضريه) إلى جانبها علم الاجتماع[2] .

ويعتبر العالم الانثربولوجي (ادوارد تايلور) صاحب أول تعريف منهجي ظهر للثقافة في كتابه «الثقافة البدائية» الذي تضمن معنى واسعاً حيث يقول: «إن الثقافة هي ذلك الكل المعقد الهائل الذي يتضمن المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والعادة، وكل القدرات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع»[3] .

ولكن -ومع أن هذا التعريف تخطى التعاريف السابقة التي كانت تحصر تعريف الثقافة في المعرفة، أو الإبداع المعرفي- إلا أنه عيب على تايلر في تعريفه هذا أنه ركز على الجانب المادي وأهمل الجانب المعنوي.

وحاول علماء الاجتماع -من جانبهم- التأكيد على المظهر الاجتماعي للثقافة والسلوك الجمعي للجماعة أكثر من السلوك الفردي، الأمر الذي أكده لنا «روبرت بيرستد 1963» حيث اعتبر الثقافة: «هي: الكل المركب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه، أو نقوم بعمله، أو نمتلكه كأعضاء في مجتمع»[4] .

أما المؤتمر الثقافي العربي الذي انعقد في الاسكندرية فقد عرَّفها بأنها: «معارف الأمة وآدابها وعاداتها وتقاليدها واتجاهاتها الروحية والفنية، والثقافية -بهذا المعنى- تعبر عن أسلوب الحياة ونشاطها في بيئة اجتماعية بعينها. ووسيلة هذا التعبير هو نطاق الثقافة من علوم وفنون وآداب ولغة وعقائد وعادات ودين وتقاليد وأفكار وأنظمة وأساليب في التربية والتعليم، وضروب شغل أوقات الفراغ والمتعة»[5] .

العناصر الثقافية

بعض العلماء استوحوا -من التعاريف السابقة وغيرها التي تنظِّر للثقافة- أنها كلٌّ شامل للأمور المادية واللامادية. أي إنها مجموعة من العناصر الثقافية وتتلخص في:

1- الثقافة المادية: وهي النتيجة الطبيعية لتفاعل الكائنات البشرية، وهي تشمل كل الوسائل والأساليب التي استخدمها الإنسان في حياته؛ من آلات وأسلحة وأجهزة مصنَّعة.

2- الثقافة اللامادية: وهي المتمثلة في التقاليد والقيم والمعايير الاجتماعية السائدة في المجتمع.

ويصنف العلماء المعايير إلى عدد من الأنماط منها:

أ -    الطرق الشعبية: قواعد السلوك غير الرسمي.

ب- الأعراف: الآداب الاجتماعية.

ج-   القانون: الصفة الرسمية للضبط الاجتماعي وتنفذه الدولة[6] .

وذهب اجتماعيون معاصرون إلى تقسيم آخر للثقافة، أجملوه في التالي:

1- السمات والمركبات والأنماط العريضة. والمقصود بالسمة هي الطريقة، وهي أصغر وحدة ثقافية كطريقة تناول الطعام، أما المركَّب الثقافي فيعني مجموعة من السمات مجتمعة في مركب واحد مثل مركّب كرة القدم، يضم في داخله جميع سمات تكونت منه مركب كرة القدم.

2- المعايير. ولا تختلف هذه النقطة عما كانت تتفرع منه الثقافة المادية التي فيها المعايير التي - بدورها - تنقسم إلى طرق شعبية، وأعرافٍ، وقوانين.

3- القيم: يمكن أن نصور القيم بأنها بمثابة القلب بالنسبة للمعتقدات. وأمثلة القيم كثيرة في ديننا الإسلامي منها: الحق والعدل والخير والمساواة والفضيلة... إلخ.

4- الطقوس: وهي أنماط ثقافية تدور حول أحداث لها أهميتها وخطرها في حياة الإنسان، ومن أمثالها طقوس الزواج في المجتمعات[7] .

ماذا يعني التكامل؟

إن للثقافة خصائصَ متعددة، كما حددها ووضعها العلماء؛ منها الاكتساب، التعلم، الانتقال، التحول، الخاصية الاجتماعية، التوافق، التكامل. فالتكامل -إذاً- هو أحد خصائص الثقافة، وهو نهاية الانصهار والتفاعل، وتوافق الأنماط الثقافية مع النظم دون ظهور معوقات. ويظهر هذا الميل إلى التكامل في الممارسات الشعبية، والعادات الجمعية، والأفكار، والمثل، كما يظهر، أيضاً، في النظم الاجتماعية؛ مثل النظام العائلي والاقتصادي والتعليم والسياسة.

واقع الحال في بلدان العالم الإسلامي

نتيجة لعدة حروب وأحداث تتالت على العالم الإسلامي سلبت الأمة قدرتها على نيل المقدار المراد من الوحدة، إلا أننا كأمة إسلامية وعربية تشكل خطراً كبيراً تخشاه الدول الكبرى لذلك فالمؤامرات لا زالت تُحاك ضدنا. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن الدين الإسلامي الحنيف الذي جاء به نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يشكل مرجعنا وتراثنا ومرتكزنا الثقافي الذي يشكل القواعد الأساسية والنموذجية لتلاقينا، ويجمع شتاتنا؛ إذ بدونه يمكن أن نتفرق أكثر من أن نتوحد، والغرب استعمر بلداننا، وشخّص مصادر القوة لدينا، وعمل على بث الفرقة والتخريب، أو ما يسمى الغزو الثقافي، وهذا الكلام ينطبق على صعيد الأمة الإسلامية، وحتى الأمة العربية. ولكيلا ندخل في كلام طويل نوجز الواقع الثقافي الحالي في العالم الإسلامي بالنقاط التالية:

1- الانفصال شبه التام بين بلدان العالمين العربي والإسلامي:

ثقافياً لا يمكن أن نقول إن هناك تواصلاً بين مفصليات الأمة الإسلامية والعربية إلا من حيث المبادئ والقيم والعبادات، أما من حيث التوليد والتعاون الثقافي فلا وجود لذلك؛ وهذا الكلام لا يعني عدم وجود اتصال بسيط بين بلدان العالمين الإسلامي والعربي. إنما ذلك راجع لنمو العلاقة السياسية الرسمية أو ضمورها، فالمسلمون في الهند والباكستان وأندونيسيا والفلبين ودول ما كان يُعرف بالاتحاد السوفيتي يعانون من مشاكلهم الخاصة، ويتعرضون لغزو ثقافي أو استلاب ثقافي أجنبي، بينما يعيش العالم العربي في معزل عن ذلك العالم، ولا يحرك ساكناً، منكفئاً على همومه اليومية الواقعية التي لا تقل رداءة عن واقع بقية الأمة الإسلامية.

2- لقاء وتفاهم (واللغة صامتة):

إن الثقافة الإسلامية لم تدعُ أبداً -في يوم من الأيام- إلى إلغاء الخصوصيات المحلية، فالثقافة الإسلامية «قد استوعبت -بلا شك- العديد من عناصر الثقافات المحلية، ومزجتها بواقعها ومقوماتها ليصبح النتاج هو هذه الثقافة التي تلاقحت وتفاعلت فيها الثقافة العربية الإسلامية بالموروث المحلي في هذه البلدان»[8] .

فالإسلام قد تناول الجزئيات المحلية وصاغها مع مقوماته الأساسية، محتفظاً لها - في ذات الوقت - بكثير من سماتها الذاتية، بعد أن أسبغ عليها العديد من سماته العامة([9] )؛ من أجل ذلك انصهرت الشعوب الإسلامية تحت لواء الإسلام، وتركت الأصول القوميةالإثنية.

إنه الإسلام العظيم الذي لا فرق فيه بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، فهذا سلمان (الفارسي) الذي لُقب بالمحمدي، وهو من نسل ملوك الفرس وجدُّه (منهوجهر) مؤسس الدولة الثانية من دول الفرس القديمة، يرفض الانتساب لغير الإسلام، ويقول: «أنا ابن الإسلام، اعتقني الله بمحمد، ورفعني بمحمد، وأغناني بمحمد، وصلى الله على محمد وآل محمد، فهذا حسبي ونسبي»، وأقر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الحسب والنسب، وقال: «سلمان منا أهل البيت»، وكان يقال له: «سلمان المحمدي»، و«سلمان الخير»، و«سلمان الحكمة والعلم»، و«سلمان باك». أي النظيف في لغة الفرس، و«الطيب الطاهر»، و«صاحب الكتابين« القرآن والإنجيل[10] .

وقد أثبتت الدراسات الحديثة العلاقة بين الشخصية والثقافة التي يتعرض لها الإنسان، فالثقافة - في رأيهم - تؤثِّر في الفرد وسلوكه، وتطبعه بطابع معين[11] .

إن هذه الدول الإسلامية مثل إيران وقازخستان وتركيا وأفغانستان، قدمت الكثير للتراث الإسلامي العربي، فهي تشترك معنا في الأفكار والطقوس والتراث الإسلامي والأهداف المشتركة، والدين الواحد، فكيف يمكن أن نلتقي معها؟ هل نلتقي معها في إطار العولمة للعالم الإسلامي؟ أم نلتقي معها في إطار القوميات المختلفة؟

إن اللقاء في الإطار القومي من شأنه أن يبعد هذه الدول عن العالم الإسلامي بدل أن يقربها إليه. وإذا كان هذا الطرح من شأنه أن يدفع هذه الدول إلى التمسك بإطارها القومي تبعاً لقوميتها بدل الطرح الإسلامي؛ إذا كان بهذا الشكل فهو طرح بسيط وساذج جداً. وبناء على ذلك لن يكون هناك لقاء، أو أنه سيكون لقاءاً صعباً مستصعباً.

3- تدهور الثقافة الوحدوية في العالم العربي

على صعيد العالم العربي وحيث تلتقي الجغرافيا (الدولة) والتاريخ والأرض واللغة المشتركة، كانت هناك جهود حثيثة للوصول إلى أهداف سامية. كانت - في البداية - تهدف إلى الوحدة الثقافية، ولأن هذا الهدف كان مثالياًّ أكثر مما هو واقعي فقد طرح التعاون العربي، إلا أن ذلك سار على خطوات وئيدة؛ فلقد جاء في المادة السابعة والعشرين من ميثاق الوحدة الثقافية العربية المبرم عام 1964م ما نصه: «تتخذ الدول الأعضاء الوسائل اللازمة للتقريب بين اتجاهاتها التشريعية التربوية والثقافية، وتوحيد ما يمكن توحيده منها...»[12] .

وكان من نتائج هذا الميثاق نشوء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم سنة 1970م، إلا أن ذلك لم يتحقق، ويبدو أن تحقيقه مستبعد في الظروف الراهنة التي تعصف بعالمنا العربي.

ويعبر الأستاذ أديب اللجمي[13]  عن حسرته لهذا الواقع بقوله: (إن قراءة نصوص ميثاق الوحدة الثقافية العربية تثير الدهشة والإعجاب معاً؛ فقبل ثلاثين سنة (1964) كان حديث العرب منصباًّ على إقامة (وحدة ثقافية عربية)، وكانت الآمال المعقودة على إنشاء بعض المؤسسات الثقافية طموحةً وكبيرة. ما يلفت النظر أن ما أنجز بعد انقضاء هذا الزمن من عمرها على صعيد الواقع ما زال متواضعاً).

2- إن العمل العربي الثقافي يعاني من القطرية، والاتصالات الثقافية مع الغرب والثقافات الغربية دون التبادل والتعاون مع المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم.

3- إن الدول العربية بأجمعها تتعرض للغزو الثقافي سواء الفرانكفوني أو الصهيوني، أو الغربي.

4- الأغرب من ذلك أنها تعاني من الاستلاب الثقافي من الثقافة (الغربية - الصهيونية) الأكثر قدرة وتطوراً.

5- اعتماد الدول العربية على النمو الكمي الثقافي في مثل زيادة الصحف والمجلات وغيرها دون النظر إلى النمو الكيفي للوسائل الثقافية.

6- إن العمل على الصعيد الثقافي في العالم العربي في بعض البلاد العربية لا يأخذ إلا درجة ثانية أو ثالثة في خطط التنمية، خصوصاً على صعيد توفير الكتاب، وتعليم الأطفال والنساء، وتشجيع الإبداع الثقافي من كتابة وتأليف وطبع... إلخ.

7- تعاني الدول العربية من عدم التنسيق فيما بينها من حيث التعاون الثقافي مع الدول الأخرى، فقد بلغت القطيعة بين الدول العربية ذروتها 1991م في حرب الخليج استجابة للمطلب السياسي.

8- وجود الإجراءات الرسمية الإعلامية التي تحد من انتشار أو طباعة الكتب.

9- وجود الحواجز الجمركية التي تحد من وصول الكتب والمجلات أو وصولها متأخرة، مما يفقد من قيمتها.

10- عدم وجود أي تنسيق (في كثير من الدول العربية بين المنظمات الشعبية للثقافة والمؤسسات الرسمية، مما يجعل مواجهة الغزو الثقافي، والاستلاب الصهيوني أمراً صعباً وثقيلاً على هذه المنظمات، أو الأفراد المثقفين في الوطن العربي، إلا بشكل ضعيف، وفي هذا الصدد يقول باقي بو علام[14]  في افتتاح المؤتمر العام الرابع عشر للأدباء والكتاب العرب المنعقد في الجزائر (3 – 6 آذار 1984م) ما نصه: «إنكم تعلمون أن الاستعمار الجديد غيَّر منهجه، فلم يعد يستعمل نفس الأساليب التي اعتمدها من قبل، عند الاحتلال العسكري، فاختار منهجية الغزو الثقافي ليستولي على عقول الشباب وتفكيرهم، ومن هنا تتعين عظمة المهمة الملقاة على عاتق المثقف العربي، والأديب العربي، لا بوصفه عاملاً من عمال الفكر فحسب، وإنما بصفته فرداً حراًّ خلاقاً. والثقافة الصحيحة التي ننشدها لأمتنا العربية هي التي تتبنى القيم الأصيلة، وتدافع عنها كما تدافع عن المفاهيم التي تعمل على إيجاد وعي منظم عميق»[15] .

11- ناهيك عن الحروب التي تعاني منها بعض البلدان العربية مثل السودان ولبنان وفلسطين، والتي تعد حاجزاً وحاجباً يلقي بظلاله على الإبداع والتواصل الثقافي.

وخلاصة القول: إن الوضع العربي والإسلامي ليس على ما يرام، والكاسب الوحيد من هذا الانشطار والتشتت هو العدو الصهيوني والرأسمالية الثقافية. خصوصاً وإننا مقبلون على عملية التطبيع التي لا شك تحتاج مواجهتها إلى خططٍ وأدوات غير اعتيادية، والحل هو بالتكامل العربي الإسلامي، الذي يحافظ على الخصوصيات، ويفوت على الأعداء فرصة تاريخية نادرة.

التكامل العربي - كيف يكون؟

1- الاهتمام بالتراث العربي الإسلامي بعد تهذيبه مما يشوبه. وما أقصده بالتراث هي الأمور الدافعة التي تحمل في طياتها أُسس التطور والتقدم والحضارة، وليس تلك التي تحاول الحفاظ على التخلف الذي ساد بلادنا لسنين مضت، أي ذلك التراث الرديء الذي لا يدغدغ إلا الشهوات، والذي يتمثل في الليالي الحمراء التي كان يحييها بعض ولاة الدولة الإسلامية الفاسدين. ومن أمثلة الدراسات التي ينبغي العناية بها أشير إلى دراسة جميلة للدكتور عبد الله عبد الدائم، وهي المعنونة بعنوان «نحو ثقافة عربية ذاتية»، وقد جاء فيها:

«لا شك أن التراث العربي الإسلامي، في عصوره المختلفة، تراث له هويته الخاصة المتميزة، شأنه في ذلك شأن تراث سائر الشعوب. على أن هذا ينبغي ألا ينسينا أن هذا التراث مركب عضوي أصيل أسهمت فيه شعوب أخرى، غير عربية وغير إسلامية، وأغنته وفتحت آفاقه. كان هذا أيام الفتوح العربية الأولى، وكان هذا في عصر (تمازج الثقافات)، لاسيما في القرن الرابع الهجري، وكان هذا بعد احتكاك العرب الغرب، لاسيما بعد انحلال الدولة العثمانية. وأجمل ما في هذا التفاعل أنه أدى في الماضي إلى توليد ثقافة ذاتية بنيتها الأساسية بنية عربية إسلامية»[16] .

أما الدراسة الثانية فهي للدكتور إسماعيل الحاج موسى بعنوان: «التعاون الثقافي العربي الإسلامي» التي جاء فيها: «ستكون المرحلة القادمة مرحلة خصبة وناجحة للتعاون الثقافي العربي الإسلامي، فهناك إرهاصات حتى وإن لم تكن هناك خطوات تنم على أننا ربما نتجه الآن نحو زمان عربي إسلامي مجيد يبدل زمان العجز السابق»[17] .

ومن نافلة القول أن نقول إن دراسة التراث يجب أن لا تكون حصراً على المثقفين فقط، بل لا بد من إشراك رجال الدين من كافة المذاهب الإسلامية، وعلماء التاريخ، والاجتماع والإعلام، والنظر إلى التراث على أنه شيء دافع إلى التقدم والتحضر، لا شيء يتحدث عنه من الأيام الماضية. وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى تلك الكتب القديمة النادرة في الطب والفلك والتاريخ والرياضيات لعلمائنا المسلمين لا نعلم عنها شيئاً. إما موجودة في مكتبات تركيا وإيران أو أنها قد كُتبت باللغات الإسلامية؛ كالتركية، والفارسية، والأردية، والكردية، فعند الاتصال بهؤلاء الأقوام لا شك أن ذلك قد يساهم في إيجاد طرق للتفاهم والتعاون من أجل رفع النقاب عنها وتفعيلها للجيل الحالي.

2- فتح حوار جاد وفاعل مع بلدان العالم الإسلامي من أجل التعاون والتكامل الثقافي كمفصلية من مفصليات التنسيق الكامل في التنمية الشاملة لبلدان العالم العربي والإسلامي. فكما نحن بحاجة إلى بلدان العالم الإسلامي من الناحية الثقافية فنحن بحاجة إلى التباحث والتناقش من أجل تكملة الأمور الأخرى. على شرط أن يكون هدف هذا الحوار هو التوصل إلى اتفاقات واتحادات كبيرة على غرار الاتحاد الأوروبي. «والعالم العربي الإسلامي» -كما يقول الدكتور إسماعيل– يتمتع هذا الاتحاد بموقع مفصلي استراتيجي من الناحيتين العسكرية والجغرافية، ويضم أكبر مساحة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة”، وبالتالي فنحن يمكن أن نقطع الطريق أمام استغلال واستثمار خيراتنا، وابتزازنا سياسياًّ واقتصادياًّ من قبل الغرب والصهيونية، ولا شك أن ما كان ممنوعاً بالأمس هو مسموح في هذه الأيام؛ لأن الزمن تغير، وأصبحت التكتلات هي سمة العالم اليوم. وبكلمة يمكن أن نقول إن مثل الدولة التركية أو الإيرانية أو غيرهما يجب أن تسبح في محيطها، لا أن تستجدي الغرب من أجل الدخول في الاتحاد الأوربي.

3- التخطيط الشامل للعمل الثقافي

إن العمل الثقافي -مثله مثل أي عمل تنموي- يحتاج إلى خطة وتحديد أهداف ومراحل، وتحتاج الخطة إلى المتابعة وتقويم قبلي وبعدي، وهكذا....

4- إحياء المؤسسات والمشاريع العربية على الصعيد العربي، وإعادة النظر فيما سبق أن رسم في خططها السابقة. مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات التي طرأت على عملية السلام، وخدمة المصلحة العربية من الناحية السياسية. ومن الناحية التقنية لابد أن تكون هذه الخطط تتواكب مع ما توصلت إليه التكنولوجيا على صعيد المعلومات وأجهزة الاتصالات والحاسبات الآلية.

وكنقطة متفرعة مما سبق؛ يمكن أن يقترح في هذا الصدد إنشاء مركز بحوث عربي يكون هدفه المسح الشامل لأوضاع العالم العربي الثقافية والإمكانات الثقافية الموجودة فيه بشكل تفصيلي، وبالتالي العمل على تنفيذ الخطة الشاملة في تفصيلاتها بالتعاون مع مثقفي ومسوؤلي الأقطار العربية، ولا يهم -بعد ذلك- أن يكون هذا المركز تابعاً للمنظمة العربية للتربية أو مستقلاًّ عنها.

5- الاهتمام بنشر اللغة العربية وتطوير تدريسها: لا شك أن للغة العربية -وهي لغة القرآن والنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)- لها وقع على نفوس المسلمين، ومن أجل إيجاد مزيد من الناطقين باللغة العربية يجب أن تدعم المؤسسات العربية والإسلامية لتعليم اللغة العربية في البلدان غير الناطقة باللغة العربية، أما بالنسبة إلى بلداننا فيجب التفكير، دائماً، في تطوير أساليب تعلم وتعليم هذه اللغة لتكون متناسبة مع تطورات الوسائل التعليمة والتقنية السائدة في العالم اليوم.

6- الاهتمام بالصعيد الإعلامي: جنباً إلى جنب يجب أن يتكاتف العمل الإعلامي مع العملية الثقافية، وذلك عن طريق عدة نقاط:

أ- مناقشة الوضع الثقافي – الإعلامي، أو لنقل الإعلام الثقافي، أي تكون مناقشة التسميات على صعيد واسع في العالم العربي؛ مثل المسرح، معارض الكتاب، السينما العربية. والوصول إلى نتائج يمكن -على أساسها- المساهمة في الخطة الشاملة المذكورة آنفاً.

ب- لفت نظر الوزراء العرب للعمل على إعادة النظر في القوانين والإجراءات الجمركية التي من شأنها الحد من نشاطات الإعلام والثقافة في عالمنا العربي.

ج- إن المطالبة بالحرية الإعلامية لا تعني، أبداً، التضحية بمجاميع من الأطفال والشباب عن طريق بعض المحطات الفضائية التي تستغل الحرية لبث الأفلام المفسدة للأخلاق العامة، الأمر الذي من شأنه تخريب الناشئة العرب والمسلمين، والحل أن توجه هذه الفضائيات للمحافظة على الشباب بتهذيب الطرح الإعلامي، والتركيز على الجانب المحلي من الإعلام، والبرامج الثقافية المفيدة.

د- تقوية الإعلاميين عن طريق تدريبهم تدريباً جيداً من أجل مواكبة الحقبة القادمة، سواء كان على صعيد التلفزيون أو الصحف والمجلات.

الخلاصة

الخلاصة هي: أننا -كعالم عربي إسلامي- نواجه الكثير من المخاطر، بالخصوص في الناحية الثقافية لأسباب عديدة، منها ما هو مرتبط بنا نحن العرب، ومنها ما هو مرتبط بالآخر (المستعمر) الذي يتربص بنا الدوائر، ويحاول استغلالنا واستلابنا ثقافياًّ، وبدل أن نلعن الظلام يجب أن نشعل شمعة تضيء لنا الدرب، وليس هناك أرحب من العمل بجديّة نحو التكامل العربي الإسلامي في صعيد تنمية شاملة في مقدمتها التنمية الثقافية التي ترتبط -بشكل كبير- بالدين الإسلامي، الذي هو عقيدة هؤلاء المسلمين، وإذا قمنا بذلك كان ذلك بمثابة تقوية الذات، وانتصار على الثقافة (الصهيو - غربية) التي تمتلك صوتاً عالياً

[1]  راجع جريدة الحياة السعودية - عدد 12446 - الخميس 27/ آذار (مارس) 1997م - الموافق 18 ذو القعدة 1417هـ (تحقيق أجرته الحياة).

[2]  مع الاشارة الى التشابه الكبير في جنبة الاهتمام في ثقافة المجتمعات خصوصا في علم الاجتماع والانثربولوجيا الثقافيه من حيث مجال الاهتمام حيث تقتصر على (تنظيم الجماعات الانسانيه، بنائها الاجتماعي) وتهمل المظاهر التكنولوجيه الماديه للحضاره وهو الجانب الذي يحتويه علم الاجتماع اضافة الى الجوانب الأخرى راجع ( د.الهام بلال ) مبادئ علم الاجتماع صـ 109 ط1 دار النشر الدولي 1424 هـ الرياض

[3]  الدكتور جلال مدبولي - الاجتماع الثقافي – صـ 17- الطبعة الأولى 1979م دار الثقافة للطباعة والنشر - القاهرة 1979.

[4]  الدكتور أبو جادو صالح محمد علي – سيكلوجية التنشئة الاجتماعية ص 133 دار المسيرة للنشر والتوزيع – المملكة الأردنيه الهاشمية - عمان 1998م.

[5]  الدكتور جلال مدبولي - الاجتماع الثقافي،مصدر سابق، ص20.

[6]  الدكتور عبد الحميد سعد،دراسات في علم الاجتماع الثقافي(التغيروالحضارة)95 100 مكتبة نهضة مصر- جامعة القاهرة-القاهرة 1980.

[7]  بيث هيس، اليزابيث ماركسون، بيترستين، ترجمة الدكتور محمد الشعبيني، علم الاجتماع، ص114ـ 121 دار المريخ - الرياض 1989م.

[8]  الدكتور إسماعيل الحاج موسى - التعاون الثقافي العربي الإسلامي، المجلة العربية للثقافة، العدد 28 السنة الرابعة، شوال 1415هـ - مارس آذار 1995م - ص26، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

[9]  المصدر نفسه، ص26.

[10]  لمزيد من التفاصيل راجع محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، ص176-177.

[11]  لمزيد من التفاصيل راجع الدكتور السيد الحسيني، مفاهيم علم الاجتماع، ص40.

[12]  المجلة العربية للثقافة، مصدر سابق، ص37-35.

[13]  الأستاذ أديب اللجمي، المجلة العربية للثقافة، مصدر سابق، ص37-35.

[14]  باقي بوعلام، عضو المتكب السياسي (وزير العدل) الجزائري، مجلة الموقف الأدبي، العددان 159 و160، (تموز - آب) 1984، ص187.

[15]  باقي بو علام، المصدر السابق، ص187.

[16]  الدكتور عبدالله عبد الدائم، في سبيل ثقافة عربية ذاتية، ص121.

[17]  الدكتور إسماعيل الحاج موسى، مصدر سابق، ص36.
عضو هيئة التحرير
180420