تأليف: فلفريد بوختا (3/5)
الــشـــــيــعــة
حسن البريكي * - 15 / 2 / 2011م - 7:24 ص - العدد (59)

الشيعة في القرن التاسع عشر

في عام 1797م جعل شاهات القاجاريين، في إيران، طهرانَ عاصمةً لمملكتهم، وأخذوا على أنفسهم - منذ ذلك الوقت - دعم قوتهم بعلاقات جيدة مع الأكليروس الأورثودكسي الشيعي. وكان عمل الشاهات القاجاريين - لاكتساب مودة طبقة علماء الشيعة – واضحاً؛ إذ عملوا على تقرُّب البلاطِ منهم، والإغداق عليهم؛ حتى ينالوا رضاهم ومودتهم. أما الدافع لذلك فكان شعور القاجاريين بوهن شرعيتهم الدينية والسياسية.

القاجاريون هم جماعة من التركمان لا يمكن لهم الإدعاء بصلة نسب إلى النبي محمد أو لأئمة الشيعة العرب، وعلى ذلك ظلوا مفتقدين لعنصر الجاذبية على الناس، وكان هذا الواقع بخلاف ما كان عليه الصفويون.

وفي المقابل كانت طبقة العلماء الشيعة لا تمانع في التعامل مع الشاهات القاجاريين، مادام هذا التعاون يمكن حصره في حدود، ومادام موفٍ بتحقيق المصالح المشتركة.

والحق أن مجتهدي الشيعة تركوا الشاهات القاجاريين يبسطون سيطرتهم على إيرانَ، ويتولون الدفاع عنها عسكريًّا، ويؤمِّنون لها سلطة النظام والقانون. في الوقت ذاته انتزع الفقهاء لأنفسهم سلطة حراس العقيدة بما يعني تنفيذ أحكام الشريعة، والتدقيق في مدى مطابقة قرارات الحكومة لنصوص الشريعة. من هنا لم يعترض المجتهدون، قطُّ، على شرعية مملكة الحكام القاجار.

لقد وضح التوافق بين السلطتين الدنيوية والدينية في إيران في الاتفاق على دحر الثورة البهائية التي اندلعت عام 1844م؛ إذ نظر إلى هذه الحركة بأنها حركة مارقة، تزعم عودة النبي محمد، وتحمل في طياتها، أيضاً، قسماتٍ ثوريةً اجتماعية.

مؤسس هذه الجماعة يدعى سيد علي محمد، وهو واعظ شيعي متجوِّل، ومصلح اجتماعي، وصف نفسه بالباب، وكان يقصد، بذلك، باب معرفة الحقيقة الإلهية.

كان في مواعظه يطلق تُهم الفساد والخضوع للشراء على طبقة العلماء الشيعة. كما كان يتهم القاجاريين باستغلال الشعب، محققاً – بذلك، عن طريق وكلائه في المناطق - أعداداً كبيرة من المناصرين.

وحين قام سيد علي محمد في عام 1847 بالإعلان عن نفسه أنه المهدي المنتظر، أجمع علماء الشيعة - بشكل حاسم - على كونه مجدِّفاً خارجاً عن الملة.

كان هذا الموقف من علماء الشيعة داعياً للملك الجديد ناصر الدين شاه (1848 - 1896م) لاتخاذ قراره لدحر حركات التمرد في أماكن مختلفة من إيران، وإخماد أتباعها بكل ما أوتي من بطش وعنف وإعدام غالبية الأسرى من المتمردين.

أما سيد علي محمد فقد لاقى حتفه في تبريز عام 1850م بالإعدام رمياً بالرصاص.

لقد فقدت الحركة البابية -بهزيمتها العسكرية، وبوصمها حركة مارقة من قبل علماء الشيعة- كل زخمها، لكن عدداً قليلاً من قادتها تمكنوا من الفرار إلى بغداد، ومن هناك شرع بهاء الله في عام 1863م مواصلة السير على خطى معلمه الباب المقتول.

أسَّس بهاء الله مع من معه من فلول البابيين جماعة دينية تُدعى البهائية يوجد مركزها العالمي، حاليًّا، في مدينة حيفا، علماً بأن بهاء الله ادَّعى كونَه (تجليا إلهياً)، وأنه نبي مرسل من الله شأنه شأن بقية الأنبياء.

وقد انتشرت البهائية في زمنه وزمن من تلاه في أوربا وأمريكا الشمالية، وفيما بعد في الهند، ويقدر عدد هذه الجماعة الدينية بنحو 6 ملايين بينهم ثلاثمائة ألف يعيشون في منطلقهم الأصلي في إيران لكنهم حتى اليوم يطاردون كفئة مارقة خارجة عن الملة.

يصنَّف عصر القاجاريين في إيران عصراً للجمود الاقتصادي والحضاري؛ ذلك أن القاجاريين كانوا غير راغبين، بل عاجزين عن تحديث إدارة الدولة والجيش. كذلك فإن قبضة القاجاريين على أجزاءَ كبيرةٍ من إيران كانت واهنة ضعيفة، وزاد الطين بِلَّة أن فترة حكم فتح الله علي شاه (1797 - 1834م) صادفت تغلغلاً متواصلاً من قبل القوَّتين الأوربيتين العظميين هما روسيا وبريطانيا العظمى في إيران، وقد قَيَّض القدر أن ترسُم هاتان القوتان مصيرَ الوقائع في إيران حتى منتصف القرن العشرين، فاستعر التنافس في إيران بين ممثلي الدبلوماسية البريطانية والروسية في البلاط القاجاري حول الحصول على الامتيازات الاقتصادية التي كان إعطاؤها لأيٍّ من هذين الطرفين يعني تجويف كل ادعاء باستقلال البلاد.

مثل هذا الوضع جعل من المفهوم تنامي غضبة طبقات الشعب الواسعة ضد الشاهات الدمّى الذين كانوا يعملون لتحقيق مآرب القوى الأجنبية الطامعة. لقد ساق هذا الشاه إيران للاعتماد على الأجانب، ليس في الاقتصاد فحسب، بل تعدَّى ذلك إلى الاعتماد العسكري. إن أبلغ مثالٍ على هذا التنازل ما قام به ناصر الدين شاه حين أذعن لما فرضه عليه الحكم القيصري الروسي عام 1879م من بناء فرقة عسكرية قوزاكية يديرها ضباط روس سرعان ما تحوّلت - بسرعة - إلى قوة ضاربة حديثة في القوات الإيرانية المسلحة.

بقرار الشاه بيع الاقتصاد الوطني للقوى الأجنبية برز للشاه خصوم من أقرب حلفاء الإكليروس الشيعي هم (البازار)، وهم التجار التقليديون في إيران، الذين كانوا يتولون التجارة والأعمال الحرفية في المدن الإيرانية.

معروف أن الإكليروس والبازار عاشا -منذ القدم- في عملية تبادل منافع، ذلك أن الكثيرين من طبقة العلماء هم من الطبقة الوسطى التجارية[1] ، وأن هاتين المجموعتين كانتا قريبتين اجتماعيًّا، يضاف إلى ذلك أن أموال الخمس يأتي معظمها من تجار البازار الأسخياء، ومن ذلك يتضح مدى اعتماد جزء كبير من الاكليروس على هذا المورد.

ما يصيب المجتهدين من ضنك أو بحبوحة يعتمد، إذن، على هذه المساهمات التي يقدمها كبار تجار البازار، ويحق للتجار كما يحق لكلِّ مقلِّد أن يختار (من المراجع) من يقدم له هذه المساهمات، وحين يكون المجتهد في وضع مالي سيء لا يسمح له بتقديم المنح إلى الطلاب، فإنه -بلا شك - سيفقد مكانته[2] .

إن الاستياء الخافت عند جماهير الشعب الإيراني ضد الشاه بسبب بيعه البلاد للمصالح الأجنبية تحوّل في عام 1890 إلى احتجاج جماهيري علني. أما المناسبة المباشرة لذلك فقد كان إقدام الشاه على منح إحدى الشركات البريطانية امتياز احتكار التبغ لمدة 40 سنة، فبسبب ذلك قام تحالف يشمل شخصيات برجوازية وطنية وتجار البازار وفقهاء رفيعي المستوى، ومن ورائهم الشعب بتنظيم مقاطعة التبغ لإجبار الشاه على التراجع، وكانت شرارة هذه المقاطعة قد بدأت بفتوى أصدرها أعلى مرجع ديني وقتئذ هو آية الله العظمى حسن شيرازي[3] ، واعتبر آية الله العظمى في فتواه تعاطي التبغ فعلاً معادياً لإمام الشيعة الثاني عشر.

وقد استجاب المواطنون لهذه الفتوى بمقاطعة فعالة، بلغ من أمرها أن حريم القصور القاجارية أنفسهن صرن يعيرن من يتعاطى التبغ.

إزاء هذه المقاومة أجبر الشاه على سحب الامتياز عام 1892م، لكن الشاه ناصر الدين لم يستمر في حكمه سوى أربع سنوات بعد هزيمته هذه، فقد قُتل هذا المستبد المكروه برصاصات أطلقها عليه مواطن قومي فارسي، إلا أن ابنه الذي تولَّى العرش بعده مظفر الدين شاه (1896 - 1907م) لم يكن أقل منه استبداداً. حقاًّ كان أضعف إرادة من أبيه لكنه سار على خطى والده في السفَه وتبذير المال، فلقد بلغ منه -لمواجهة تبذيره على القصر وعلى سفراته إلى أوروبا - أن منح الروس والبريطانيين امتيازات أخرى مقابل الحصول منهم على المال.

في سياق هذا السلوك تمكنت شركة الزيت الإنجليزية الفارسية من الحصول على امتياز التنقيب عنه في الأراضي الإيرانية.

ما عرف في تاريخ إيران باسم (احتجاج التبغ) بيَّن - بشكل واضح جداًّ - أن النفوذ الاجتماعي الذي تتمتع به طبقة علماء الدين هو كبير حقاًّ.

وإلى ذلك أوضح الدور المزدوج الذي تقوم به هذه الطبقة في إيران أنها ظلت حاميةَ مصالح الشعب ضد القرارات الشاهنشاية المنفردة. كما ظلت الراعية الوفية لمصالح الشعب الإيراني ضد نفوذ القوى الأوروبية المتنامية في إيران.

مبادئ العقيدة: التقوى واللاهوت

مبادئ العقيدة الشيعية وأوجه اختلافها مع السنة

حسب المفهوم الشيعي الأمامي تقوم المبادئ الأساسية للدين على خمس قواعد:

1- الإمامة.

2- العدالة: وهي العدالة الإلهية التي تقتضي - فيما تقتضي - عدم ترك العباد دون أئمة تقودهم.

3- التوحيد: أي توحيد الله.

4- النبوة وهي نبوة محمد.

5- المعاد: وهو الإيمان بالبعث والقيامة.

وعلى حين يقوم اتفاق بين الشيعة والسنة على المبادئ الثلاثة الأخيرة، إلا أن ثمة عدم توافق على مبدأي العدالة والإمامة.

وثمة سلسلة من القواسم الأساسية الدينية المشتركة بين الشيعة والسنة، إلا أن ثمة - في الوقت نفسه - عدداً من الاختلافات تشمل الطيف الديني السياسي، كما تشمل الجوانب الطقوسية والحقوقية، وسنبيِّن، هنا، بعض أهمها:

إن أبرز نقطة في النزاع يتعلق بالإمامة؛ ففي نظر الشيعة أن الاثني عشر إماماً ابتداءً من الإمام علي وذريته من زواجه من فاطمة بنت الرسول، هم معينون من الله لحكم الجماعة الإسلامية.

ولا تعوز مؤرخي الشيعة البراهين والدلائل على هذه المعتقدات باقتباسات يأخذونها من آيات قرآنية متعددة، ومثلها العديد من الأحاديث المروية عن الرسول، خاصة ما روي عن النبي في خصوص الإمام علي في غدير خم. أثناء عودته من مكة إلى المدينة عام 632 بعد حجة الوداع. أما الجملة الحاسمة التي قيلت هنا فهي: >من كنت مولاه فعلي مولاه<. وهكذا تعتبر الوقائع التي صاحبت غدير خم ذات أهمية عظمى في المفهوم الشيعي.

غدير خم هو مناسبة سنوية يحتفل بها الشيعة الاثنا عشرية، وهي في إيران مناسبة يحتفل بها الشيعة هناك منذ قرون.

ومع أن السنة لا يشككون في صدقية حديث غدير خم إلا أنهم يؤولونه على نحو ينزع عن علي والأئمة أدعاء الولاية، وعلى خلاف ذلك يعتقد الشيعة، أن تنصيب الإمام علي إماماً وحاكماً للمسلمين كان قراراً إلهيًّا، وما كان على الرسول محمد سوى تبليغه للمجتمع الإسلامي.

وعلى ضوء ذلك يصبح اختيار أبي بكر خليفة للرسول أمراً لاغياً، وقد ارتكب بذلك وفق المفهوم الشيعي خطأ كبيراً ضد الإمام علي، كما خالف ذلك إرادة الله.

الأئمة -في الاعتقاد الشيعي- هم مخلوقات أنعم الله عليهم بسمات نورانية جعلتهم معصومين، لا تركبهم الآثام، مزودين بعلم كامن عن الغيب وما تأتي به الأيام، إنهم - هؤلاء الأئمة - من يمثلون، حقاًّ، ضمانة للعقيدة الصحيحة.

أما السنة فلا يعترفون بالعصمة إلا إلى النبي محمد ويرفضون المبدأ الشيعي حول الإمام الثاني عشر، الذي يعتقد الشيعة أنه المهدي المنتظر[4] .

يستند الشيعة في اعتقادهم بعصمة الأئمة على أحاديث الأئمة التي - وإن كانت من حيث المصطلح - تختلف عن الأحاديث المنسوبة للرسول فإنها تتمتع بالقيمة ذاتها من حيث الصدقية والصحة، غير أن أهل السنة لا يقبلون بذلك.

وبالمثل يرفض أهل السنة مقولة الشيعة حول شرعية أئمتهم الوحيدة في جانبيها السياسي والشرعي في الولاية بعد الرسول، فذلك يعني أن نظريات الخلافة التي يأخذ بها أهل السنة هي محض ادعاء باطل.

معلوم أن الحديث يمثل قواعد لا يمكن التنازل عنها في القانون الإسلامي (الشريعة) وفي علوم الفقه، غير أن ثمة شقة بين فريقي السنة والشيعة مليئة باختلافات متعددة في الرأي حول المضامين الصحيحة، ومناهج تفسير واستلهام هذه المنابت.

إن الشريعة لا تنظم علاقة المسلم بربه فيما يتعلق بمراعاة الفروض والطقوس فحسب، وهي العبادات؛ وإنما تتجاوز ذلك إلى العلاقات الاجتماعية وهي ما يسمى المعاملات.

يتوجه فرع العبادات، بشكل رئيس، لإيضاح مسائل الحج والصلاة والصيام والأذان ومواعيد الصلوات، أما المعاملات فتمتد، بشكل رئيس، إلى مسائل الإرث والأسرة والزواج والطلاق والولاية.

على أن الفروق بين الشيعة والسنة في قضايا الفقه لا تختلف كثيراً عما هو قائم في هذا المضمار بين المذاهب السنية الأربعة نفسها، فبين الشيعة الإثني عشرية والسنة ليس ثمة إلا اختلافات ضئيلة في ممارسة الطقوس والفروض -أي في مضمار العبادات- أما في قضايا المعاملات فثمة اختلافات ذات دلالة خاصة فيما يتعلق بالزواج والطلاق والإرث. ويتبدى هذا الاختلاف في أوضح صوره في زواج المتعة المعترف به لدى الشيعة، فالشيعة لا يجدون غضاضة أن يقدم الرجل المؤمن على الارتباط بزيجة محددة زمنيًّا، قائمة على اتفاق مكتوب مع امرأة، حيث تتفاوت المدة من ساعة إلى 99سنة. أما السنة فيرون في ذلك شرعنة لفعل الزنى. على أن هذا الضرب من الزواج لم يعد -كما يبدو يمارس- في وقتنا الحاضر.

أما جانب الاختلاف الثاني فيعود إلى تقويم نظرة الفريقين إلى الصحابة فعلى حين يستند الرأي السني على عدالة الصحابة ككل فيما يتعلق بتفسير القرآن والحديث، يرى الشيعة أن أغلب الصحابة ارتكبوا خطأ عظيماً بترددهم ورفضهم أحقية الإمام علي في خلافة الرسول من بعده، وعلى حين يشكل الصحابة عند فريق السنة الضمانة الأولية لفهم الحديث وسواه، خاصة إنهم لا يعرفون ضمانة أخرى للصحة غيرهم، يستند الشيعة في الأحاديث على ما توارد عليهم من أئمتهم المعصومين.

من هنا لا يقبل أهل السنة قناعة الشيعة عن معظم الصحابة كونهم -بحسب المفهوم الشيعي- ارتكبوا ما ارتكبوا من انحرافات عن الجادة، وعلى رأسهم أرملة الرسول عائشة والخلفاء الثلاثة الأول أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان.

وقد درج الشاهات الصفويون في إيران على إقامة احتفالات معادية للسنة مثل عيد عمر كوشان بمناسبة اغتيال هذا الخليفة عام 642م، باعتباره عيد بهجة وسرور، هذه المظاهر الاحتفالية منعت في عهد الملكية البهلوية، وكذلك في عهد الجمهورية الإسلامية الحالية وهي تكاد أن تكون في حكم المنقرضة الآن.

أما ثالثة الأثافي في الاختلاف بين الشيعة والسنة فهي جوانب معينة من عقائد الشيعة، خاصة منها تلك التي تقع في مضمار التعبد الشعبوي، فمن جملة ما يرفضه أهل السنة - على سبيل المثال - تلك الممارسات التي يقوم بها الشيعة في طقوس مواكبهم خاصة أثناء الاحتفال بمحرم. إن السنة يصنفون هذه الطقوس الشعبوية إما أنها شكل من أشكال الغلو أو أنها ضروب من البدع مخالفة للتوجه السني. وفي القلب من هذه المآخذ مشاهد جرح الجسد بالسيوف والسكاكين (قامة زاني)، أو بالسلاسل (زنجير زاني)، وفي بلدان مثل باكستان ولبنان والعراق، حيث يعيش السنة والشيعة بجوار بعض، يحدث في هذه المناسبات خاصة في ذروتها في عاشوراء أن يلتحم مناصروا الطرفين في اشتباكات دامية يسقط فيها كثير من القتلى والجرحى.

شعائر العوام، مواكب محرم

يحتفل الشيعة -في أنحاء العالم كل عام- بذكرى استشهاد الإمام الحسين إمامهم الثالث في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم حيث يضجُّون بالبكاء والعويل بهذه المناسبة، وتصل هذه الاحتفالات إلى ذروتها يوم العاشر من محرم (يوم عاشوراء) حيث تحمل هذه في جملتها تركيبة كبرى من طقوس الأسى والحزن.

أما غرض الاحتفال فهو استحضار مناسبة استشهاد الإمام الحسين ونفر من أنصاره بعد حصاره على أرض كربلاء عام 680م في مواجهة مع جيش يزيد الأموي.

يحقق الاحتفال بهذه المناسبة في محرم للمؤمن البسيط مشاركة وجدانية لما عاناه الإمام الحسين، حيث ينظر إلى ذلك كاعتراف بالذنوب الفردية والجماعية في أمل أن تكفر لهم هذه المشاركة هذه الذنوب.

في هذا المقام علينا أن نتذكر أن الإمام الحسين استجاب لدعوة أنصاره من الشيعة في الكوفة بالعراق بالتوجه إليهم لأنهم أبوا مبايعة يزيد، إلا أن العدد الأكبر من سكان الكوفة ما لبث أن خذله حين واجه الحسين جيش يزيد المتفوق عليه عدة وعدداً. لقد تركوه في أرض كربلاء القاحلة وحده يواجه مصيره. هذا السلوك الشائن في حق الحسين من قبل من ادَّعوا نصرته ولم يفعلوا، ترك ندماً ولسعات ضمير، الأمر الذي دعا جمعاً من الشيعة المسلمين في الكوفة في عام 684م إلى زيارة قبره في كربلاء، أطلقوا على أنفسهم فريق التوابين.

لبث هؤلاء القوم يوماً وليلة بجوار قبر الإمام بوجوه دهنوها بالسواد طالبين منه الصفح عما سلف من خذلانهم له، ثم توجهوا نحو الشام لمحاربة جيش بني أمية الأكثر عدة وعدداً، وفي أعماقهم رغبة في الموت الذي سيخلصهم من الندم والعذاب جرَّاء ما اقترفوه في حق الحسين من خذلان وفرار.

لقد دشّن استشهاد الحسين في كربلاء بداية مولد الشيعة كظاهرة دينية، والتي كانت حركة التوابين التائقة للموت أُولى إرهاصاتها الموثقة.

منذ ذلك التاريخ أصبح استشهاد الحسين هو المدار وحجر الزاوية في طقوس الشيعة. ينظر الشيعة إلى استشهاد الإمام الحسين بمثابة ذروة الخلاص الإلهي، يتداعى كل الشيعة إلى التوجه إليه، ليثبتوا أنهم أنصار أوفياء للإمام البريء.

إن الطقوس المواكبة لاحتفالات محرم تشكل، حقاًّ، لُبَّ التشيع الإسلامي، ذلك أن هذه المناسبة وما يصاحبها من طقوس تخلق التماسك، وتؤكد الذات والهوية للجماعة الشيعية، مقابل ذلك يحتل الانتماء إلى مراجع اللاهوت المكتوبة وما تتضمنه من تعاليم دوراً ثانويًّا.

لا يقدم لنا العلم الديني حتى هذه اللحظة بياناً قائماً على اليقين عن أصول طقوس عاشوراء. بعض جذور هذه الطقوس تعود -فيما يظن- إلى بعض الأعراف السائدة في مرحلة ما قبل الإسلام. وإذ أن الأصل التاريخي للشيعة هو وادي الرافدين -أي العراق- فثمة بعض العلماء من يربط بين طقوس محرم هذه بطقوس جماعات دينية مثل المانيشين واليهود والمسيحيين، التي عاشت تحت حكم الأخمينين (550 - 331 ق.م) أو البارثر (250 - 225 بعد الميلاد) والساسانيين (225 - 651) بعد الميلاد. جميع هذه الجماعات كانت تعرف ظاهرة ممارسة التكفير والبكاء أثناء الصلوات، سعياً وراء تحرير الجسد من الذنوب وصولاً إلى ما يشبه الخلاص.

وفق الاعتقاد الشيعي، استشهد جميع الأئمة ما عدا الإمام المهدي. وينظر الشيعة إلى آلام الأئمة خاصة الإمام الحسين ورهطه على أنه ضرب من التضحية بالنفس. هؤلاء الأئمة المطهرون من الذنوب الذين اختاروا التضحية بأنفسهم تكفيراً عن أخطاء البشر، هم -وفق العقيدة الشيعية- قاموا بذلك وكالة عن البشر ليخففوا من غضبة العدالة الإلهية على سائر الخلق، كما أن تضحيتهم بأنفسهم يمنحهم مقام الشفاعة أمام الله.

يلاحظ هنا بعض التوازي بين تصورات الشيعة والمسيحيين. على أن هذا التشابه لا يخفي الاختلافات الجوهرية بينهم وبين المسيحية من جملة الفروق ما يتفق عليه الشيعة والسنة أن الإسلام لا يشارك المسيحية في تصورها عن الإنسان كصاحب ذنب وجودي، أو حامل إرث الذنب. على خلاف ذلك تبين عقيدة الشيعة أن ما تحمَّله الأئمة من آلام بالوكالة لا يسعف الشيعي الفرد إلا في نطاق العقوبة الإلهية على ما يجترحه المؤمن من أفعال شائنة.

من هنا يحس الإنسان ما في عنقه من دين نحو الأئمة لما قاموا به من تحمل ومعاناة وكالة عن الناس، ولكي يتمكن الإنسان من دفع هذا الدَّين عليه سلوك واحد من طريقين من حيث المبدأ: أما البكاء على أضرحة الأئمة أو بيان الاستعداد ولو على مستوى نظري للاستشهاد إذا ما دعا الداعي.

من هذا المنطلق تحتل الزيارة -أي زيارة قبور الأئمة- موقفاً مهماًّ منذ زمن طويل، فهي من الأعمال الصالحة التي يتوق لها الشيعي. هكذا يتوافد ملايين الشيعة كلَّ عام لزيارة قبور الأئمة الأربعة في بقيع المدينة، وقبور الأئمة الستة الموجودة على ثرى العراق وهم الأئمة: علي والحسين ومحمد الجواد وموسى الكاظم وعلي الهادي وقبر الإمام الرضا في مشهد بإيران.

بدأ الاهتمام بأضرحة الأئمة منذ زمن البويهيين، ثم تتالى على رعاية هذه الأماكن عدد كبير من الشيعة أصحاب السلطان الأغنياء ببناء الأضرحة وتجميلها وتوسيعها، كما سعى هؤلاء لإقامة الأوقاف التي تمثل الأساس المادي لكل الثروات التي تصون الأضرحة وتقيم أود القائمين عليها من رجال الدين.

وقد سعى الحكام البويهيون أن يُدفنوا -عند وفاتهم- في العتبات لاعتقادهم في شفاعة الأئمة لهم، ومازالت هذه العادة قائمة إلى اليوم، حيث يوصي آلاف من الشيعة الأغنياء بنقل جثامينهم إلى العتبات ودفنها هناك.

شهد عام 963م الاحتفال بمحرم لأول مرة تحت حماية حكام الشيعة في بغداد، يذكر المؤرخون، أن البعض أدخل بعض العناصر الدرامية لهذه الطقوس وهي التي مازلنا نشهدها كمكونات ثابتة لاحتفالات محرم حتى هذه الأيام، من هذه الطقوس طلب جرعة ماء، لما ينطوي عليه هذا الطقس من تذكير بمعاناة الحسين ورهطه من العطش الممض، حيث قطع جيش يزيد الطريق على أنصار الحسين إلى الفرات، ومن هذه الطقوس نصب الخيام تمثلاًّ لموقع الحسين وأنصاره.

حين بدأ حكم الصفويين عام 1501م وإعلانهم التشيع ديناً للدولة، أشاعوا في إيران طقوس محرم، وشجعوا على انتشارها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وحين جاء الشاهات القاجاريون، واصلوا درب من سبقهم في تشجيع انتشار هذه الطقوس وزادوا عليها مشاهد المواكب. التي ما لبثت أن اكتسبت شعبية لدى الناس.

أما شاهات الأسرة البهلوية، فقد نظروا إلى هذه الطقوس كما لو كانت شوكة في العين، وعملوا على تضييق الخناق على الشيعة في هذا المضمار لعلهم أن يتخلوا عنها نهائياًّ. وفي عام 1935م بلغ الأمر بالشاه رضا بهلوي أن أصدر منعاً تاماًّ لهذه المواكب.

أيام عشرة محرم التي يؤمها آلاف، بل عشرات الآلاف، من المؤمنين الحزانى، تتبع خطاًّ قائماً على مجرى أحداث كربلاء. بؤرة الضوء تتركز -كل يوم- على رفيق أو قريب للإمام الحسين، وإبراز ما يتطلبه الحدث من وقائع المأساة، يتم ذلك في شكل تراتيل وقراءات شعرية، ومواكب تحمل الرايات، وأداء تمثيلي يرمز للحدث.

يقوم على الإشراف على هذه المواكب في محرم مجموعة من رجال في أواسط العمر يشملون حُرَفيي المدن والبازار الذين ينضوون، عادة، في اتحادات وتنظيمات أخوية. يطوف أعضاء هذه الجماعات في شوارع الأحياء يرددون بكائيات، سرعان ما يتلقفها المشاهدون بالاستجابة والتكرار.

يقوم المشاركون -أثناء تطوافهم من مكان إلى آخر- بالضرب بأيديهم أو أكفهم المفتوحة على صدورهم بوتيرة منتظمة، ينتج عنها ضجيج كليل مسموع، وقد يشاهد من يجلد نفسه، حيث يقوم البعض بجلد ظهورهم بسلاسل الحديد، أما الطرق على الصدور وهو أقدم طقس عاشوري (سينه.. زاني) فعادة ما يقوم به كثير من المشاهدين بحماس بالغ بصرف النظر عن العمر أو الجنس.

أما اليوم التاسع والعاشر من محرم فهما اليومان اللذان يجري فيهما أداء مشهد مقتل الإمام الحسين. إنهما يوما الذُّروة في هذه الاحتفالات، إذ يبرز في هذا اليوم ضاربوا السيوف.

يظهر ضاربو السيوف متدثِّرين بالأكفان تعبيراً عن استعدادهم الرمزي للاستشهاد، ويوالون ضرب جباههم حتى النزف بسيوف قصيرة، أو بالسيوف ذات الحدين.

بدأت مواكب ضرب السيوف في إيران القرن السادس عشر وفيها انتشرت إلى العراق وجنوب لبنان وإلى شبه القارة الهندية الباكستانية.

إضافة إلى ما سبق وصفه من طقوس محرم، انتشرت -ابتداءً من القرن التاسع عشر في إيران- تركيبة المشاهد التمثيلية المسماة (التعزية). وتقام مجالس التعزية في المساجد والبيوت الخاصة، ومجالس أعدت خصيصاً لهذا الغرض أسميت (حسينيات).

تقدم في الحسينيات المأساة الحسينية في صورة مشاهد تتوزع فيها الأدوار في حوارات محكية يتولى الأبطال لابسو الزيين الأخضر أو الأبيض الحديث بالشعر، بينما يتولى ممثلو النثر الزيين الأسود والأحمر وتكون لغتهم نثرية.

تعود الأصول التاريخية لتقديم هذه المشاهد إلى حكام العهدين البويهي والسلجوقي، حينما كانت العادة أن يقوم الشيعة في محرم بالترحم على الشهداء بالكلام المنثور يعقبها مراث شعرية على الأئمة.

نجد هذه المجموعات النثرية والشعرية في رثاء الأئمة في كتب تحدرت إلينا منذ القرن الخامس عشر، ويعتبر كتاب كمال الدين حسين وارز كائشفي المتوفى عام 1504م بعنوان (روضة الشهداء) أنموذجاً أوليًّا لهذه الكتب. قراء الحسينيات يتلون هذه الأشعار من هذا الكتاب ومن ثم يطلق عليهم روزخان (قارئو الروضة) هؤلاء القراء يتلون ما تتضمنه كتب المناسبة الحسينية أيام الجمع طوال السنة، وفي كل المناسبات الشيعية، خاصة تلك التي تقام في محرم، وهم يرددونها في المساجد، والأسواق والبيوت الخاصة وفي المقابر.

وعلى حين كان القاجاريون يرعون هذه الاحتفالات مما أوصلها إلى ذروة ازدهارها؛ عمد رضا بهلوي إلى منعها، الأمر الذي أدى إلى توقفها إلى حين، على أنها ما لبثت أن انتشرت -منذ القرن التاسع عشر- في الأماكن التي يقطنها الشيعة مثل العراق أو لبنان.

ولوحظ أن احتفالات التعزية التي كادت أن تختفي بضع عقود، ها هي تعود إلى الحياة في الجمهورية الإسلامية منذ التسعينيات في أوساط بعض الجماعات من مناصريها بين السكان.

من مظاهر هذه العودة ما يقوم به بعض طلاب جامعة طهران للمحافظة على بقايا التعزية التقليدية عبر تقديمها في شكل عروض مسرحية في حرم الجامعة من أجل جعلها مقبولة ومحبوبة لدى الناس.

اللاهوت الشيعي

تعتبر الحوزة العلمية ذات طابع مؤسسي تتولى تدريس علماء الشيعة، وهي مركز علمي ديني، تتشكل من مدارس ومنابر متعددة.

كان تلقي الدروس الدينية في قرون الإسلام الأولى -بما فيها تفسير الحديث النبوي ومرويات الأئمة- تتم في ساحات المساجد، بحيث يتحلَّق راغبو العلم حول معلم، عادة ما يكون غزير العلم، قد يكون معلماً خاصاًّ، أو قاضياً، أو أحد الباعة. على أن تأسيس أول حوزة يعود للشيخ الطوسي في عام 1057م أقامها في النجف، أما قبل ذلك فكان التعليم الديني غير مؤسس على هذا النحو.

وتتشابه الحوزة -من الناحية الشكلية، في كثير من وجوهها- مع ما دُعي بالمدارس التي كانت معروفة عند السنة منذ القرن الحادي عشر في عديد من البلدان الإسلامية، وعلى نسق ما كانت عليه المدارس شادت الحوزة مساكنَ لطلابها، وقاعات لتدريس الطلاب ومثلها أماكن للعبادة.

الفارق الوحيد هو أن حكام السنة هم الذين كانوا يعينون الأساتذة في المدارس السنية، بينما حافظ مدرسو الحوزة -منذ البداية- على استقلال تام من الدولة.

تعود استقلالية الحوزات إلى كونها تستند على الأموال الواردة على المجتهدين من الأوقاف وأموال الخمس وهي بذلك تغنيها عن أموال الدولة. طبعاً هذه الأموال تستخدم في إدارة مؤسسات الحوزة، وإجراء الإصلاحات عليها متى كان ذلك ضرورياًّ.

في مسار بضع قرون قليلة قامت في كل من العراق وإيران أهم الحوزات العلمية. ولا تبعد الحوزات كثيراً عن أضرحة الأئمة (العتبات) في النجف وكربلاء حيث مثوى الإمام الثالث الحسين بن علي. ولابد أن نذكر هنا قمَّ ومشهد. في قم هناك جامعة الفيضية، أقيمت بجوار ضريح فاطمة المعصومة، أما في مشهد فقد أقيمت حوزة مشهد في جوار ضريح الإمام الثامن علي الرضا.

تتمتع الحوزات الشيعية -منذ العصور الوسطى- بجاذبية لافتة؛ لكونها تشكل الأمل الوحيد للشباب من ذوي الظروف الأسرية الصعبة للوصول إلى مراتب عالية من العلم. حين يقبل أحد هؤلاء الطلبة في الحوزة، فإنه يعيش في سكن واحد مع معلميه وزملائه من الطلاب، ولا يرى أهلَه -بعد ذلك- إلا في زيارات قصيرة أثناء زيارته موطنه الأصلي.

تتطلب رحلة البناء إلى عالم دين مرحلة من الزمن طويلة مليئة بالتنازل عن ملذات الحياة، القيام في الصباح الباكر لأداء صلاة الفجر تشير لبدء برنامجه اليومي، ولا تنتهي متابعته للدرس بعد انتهاء الدروس كل يوم عند التاسعة مساءً؛ إذ إن الطالب يشغل نفسه إما بمتابعة الاستحضار، أو أنه يلتحق بحلقات زملائه من الطلبة حيث تتداول دروس الأساتذة في حوارات جدلية يشتغل فيها بالحِجاج، كما تجري فيها تساؤلات يجريها الطلاب مع بعضهم البعض.

يُلزم الطلاب المتقدمون الأكبر سناً بتدريس هذه المجاميع من الطلاب، كما تشهد الحوزات إقامة دورات نقاش منتظمة تتيح للطلاب الدربة على طرق المحاججة وعرض الأفكار بشكل واصح، مستندين -في ذلك- إلى تفكير منطقي، وقدرات خطابية. يجري، أيضاً، التوكيد -في هذه المناظرات- على الطلاقة التي تحتوي -ضمن ما تحتوي- على التمكن من تقنيات الحِجاج.

إن تملُّك قدرات الخطابة والأداء يؤهل هؤلاء الطلاب لممارسة أبرز نشاطات المستقبل بصفتهم وعاظاً.

لا تضع الحوزة على المعلمين أية اشتراطات فيما يتعلق بطرقهم التعليمية أو اختيارهم لمضامين دروسهم، وكل ما تقدمه الحوزة هو تهيئة فصول الدراسة، ومع ذلك تظل الحوزة تراقب ما يجري؛ فلو حدث أن بعض الأساتذة فشلوا في مهمتهم التدريسية الأمر الذي يتضح من خلال قلة اندفاع الطلاب، أو تكريس اهتمامهم بهذا المعلم أو ذاك؛ بسبب الرداءة النوعية للدروس فإن الحوزة لا تتردد في توقيف المعلم.

وعلى وجه العموم ينبغي أن تتجاوز العلاقة بين المعلم وطلابه علاقة الأداء التدريسي إلى نشوء علاقة من المودة مبنية على شعور بالمسؤولية المشتركة، وهي في ذلك مماثل للعلاقة القائمة بين المعلم (الجورو) باللغة الهندية والطالب.

أما العلوم التي تدرَّس في الحوزات -منذ القرن الحادي عشر- فهي على ضربين: العلوم النقلية التي تنقسم، بدورها، إلى فئتين: الدراسات الأدبية التي تشمل قواعد اللغة العربية، والخطابة، وفقه اللغة، والعلوم القرآنية.

أما الضرب الثاني من الدراسات فتتجه إلى العلوم العقلية التي منها الرياضيات والمنطق والماروائيات. وتمثل الدراسات العقلية -منذ القدم- موقفاً مهماًّ في مراكز الدراسات اللاهوتية الشيعية أكثر كثيراً من نظيرتها السنية، بسبب نظرة الشيعية المبدئية للجانب العقلي. إن علماء الشيعة تعاطوا -على نحو جوهري في هذا المضمار- مع فكر المعتزلة، وهو اتجاه عقلي عرف كتيار إسلامي فيما بين القرن الثامن والثاني عشر، ومعروف تأثر المعتزلة بالفلسفة الأغريقية. يرى علماء الشيعة أن العقل والله هما -في الجوهر- شيء واحد[5] . وبناء على ذلك هم يرون أن بقدرة الإنسان فهم المبادئ الجوهرية التي سنها الله لتنظيم الكون.

يختلف السنة، في هذا الصدد، عن الشيعة؛ ذلك أن السنة ينطوون على شك كبير في قدرات العقل، أما الشيعة فيحسبون أن العقل قادر على انجاز المعرفة حتى في ميادين العقيدة.

تحتل العلوم القرآنية حيّزاً كبيراً في السنوات الأولى من التعليم. هنا ينصب الاهتمام على مناهجَ علميَّةٍ خمسة هي:

1- علم القراءة[6] .

2- التفسير.

3- الحديث، ويشمل ما روي عن الرسول وعن الأئمة.

4- علم الكلام (اللاهوت التأملي)، ويتعلم فيه الدفاع والتبرير عن تعاليم الدين.

5- علم القانون، أي الفقه.

وقد نال الفقه حظوةً كبيرةً بين العلوم المذكورة منذ القرن التاسع عشر، وأصبح يسمى (ملِك العلوم)، وهو ما يدفع الكثيرين للتطلع لتحقيق نجاح في هذا المضمار، يحمل صاحبه موقفاً في التراتبية العلمائية. وكل رجال الدين الذين نالوا رتبة (آية الله العظمى) هم -في الوقت ذاته- كبار الفقهاء.

من هنا لا نرى أناساً أوقفوا تخصصاتهم على علوم التفسير أو علم اللاهوت التأملي، بلغوا رتبة آية الله العظمى. يتم التدريس في الحوزة وفق مخطط ذي ثلاث مراحل:

أولى هذه المراحل يسمى (المقدمة)، وتتضمن -بجانب مدخل دراسي في الشرع الإسلامي- تعلم اللغة المقدسة التي هي اللغة العربية. هنا يعتبر الشيعة أن إتقان اللغة العربية -وهي لغة التخاطب العالمية عندهم- شرط لا بدَّ منه، خاصة أن الجزء الأكبر من التراث الأدبي للشيعة مكتوب بها.

ينتهي الطالب -بعد دراسة 4 إلى 5 سنوات في كل من النجف أو قم- إلى حيازة دبلوم في ذلك.

أما المرحلة الثانية وتسمى (المستوى الأعلى: السطح)، فتتناول الفلسفة ولكن بدرجة أهم الفقه. ويمكن إنهاء هذه الدراسة بعد نحو خمس سنوات.

تأتي -بعد ذلك- مرحلة (الخارج)[7]  حيث يحق للطالب في هذه المرحلة أن يلبس العمامة ويعتمر العباءة، كما يمكن له المباشرة في التدريس بمنصب أستاذ مساعد.

عادة ما يتزوج الطلاب في هذه المرحلة، ويؤسسون أسراً لهم، ومع أن هذه المرحلة لم تحدد بوقت، ولا يلزم امتحان خطي في نهايتها، إلا أنها تُختتم في إيران، عادة، بعد مضي 6 إلى 8 سنوات.

على أن الحصول على مرتبة الاجتهاد تلزم صاحبها الحصول على (إجازة) من المعلم. المعلم وحده هو الذي يقرِّر منح الطالب الإجازة، لكنه لا يمنحها إياه إلا بعد مراقبة دقيقة تمتد لسنين؛ للتأكد من كفاءة طالبه على العمل بشكل مستقل.

بعد الحصول على إجازة المجتهد ينال المجاز لقب حجة الإسلام والمسلمين.

إيران (دولة الحكم الإلهي)

من حركة (مشروطية) إلى المملكة البهلوية

شهد عام 1905م مولد حركة دستورية سميت بالفارسية مشروطيات، سرعان ما تحولت -بعد عامين- إلى ثورة دستورية أدى إلى اندلاعها احتجاجات مجموعات متحالفة من البرجوازية الوطنية، ورجال دين شيعة وتجار.

لقد اتفقت هذه القوى على الوقوف معاً ضد الحكم المطلق للشاه، وضد النفوذ الكاسح للقوى الأجنبية خاصة روسيا وبريطانيا العظمى.

وحين انضمت جماهير شعبية واسعة لحركة الاحتجاج لم يبق أمام الشاه سوى الخضوع وهو ما توج بإصدار مرسوم الانتخابات عام 1906 لمجلس شورى أعلى. شرّع هذا البرلمان الأول في إيران دستوراً على نموذج الدستور البلجيكي (مشروطيات) وقَّعه الشاه وهو على سرير مرضه الأخير نهاية عام 1906م بعد تردد طويل، وبموجب هذا الدستور تحولت الملكية في إيران من ملكية مطلقة إلى ملكية دستورية.

ولكن رغم إدخال عناصر جمهورية، وإقرار الدستور لمبدأ سيادة الشعب مجسداً من خلال البرلمان؛ فقد ظل هذا الدستور يحمل في طيَّاته حالة ازدواج، ويعود السبب في ذلك إلى نظرة الإكليروس الشيعي الذي خشي أن تكون دولة الدستور هذه ربما مقدمة إلى إضعاف نفوذ الدين، وتقييد دورهم كحماة للإسلام، وهو ما حدا بهم إلى إدخال تعديل بهذا الصدد عام 1907م.

هذه الإضافة تضمنتها المادة 2 التي تقضي بتشكيل مجلس برلماني أعلى يشكله خمسة من رجال الدين. ينظر هذا المجلس في توافق التشريعات المقترحة مع مقتضيات الأوامر الإلهية، ومدى تطابقها مع الإسلام، وإلا تعرضت للرفض. تمكن المجتهدون الشيعة بهذا التعديل أن يمارسوا حق النقض على جميع قرارات المجلس التشريعي المنتخب من الشعب.

شهد عام 1911م حلّ البرلمان الثاني بدفع من قوى تدعو إلى عودة الملكية الشاهنشاهية، تناصرها - في هذا المنحى - كلٌّ من روسيا وبريطانيا اللتان عملتا معاً على تقسيم إيران إلى مناطق نفوذ موزعة بينهما. هذا التطور أدى إلى انهيار دستور حركة مشروطيات، وانهارت معها المادة 2 من هذا الدستور، غير أن هذه المادة لم تنس، وعادت إلى الظهور بعد ثورة 1979م حيث اعتبرت سابقة يمكن تضمينها في دستور إيران الجديد.

في إيران تعتبر الفترة الممتدة من عام 1911م حتى عام 1921م حافلة بمشاهد الاضطرابات الدائمة مصحوبة بالتخبُّطات التي أنتجتها الحرب، وبروز حركات انفصالية شملت أجزاء من البلاد أرهقتها أزمات المجاعة. قدَّم هذا الوضع الفوضوي الذي صاحبه تمزق داخلي في النهاية لرضا خان في بداية 1921م فرصة القفز للسلطة. كان رضا خان قائداً لفرقة القوقاز، واعتماداً على شعبيته العسكرية أجبر الشاه القاجاري أحمد شاه على تعيينه وزيراً للدفاع، وبعد عامين من تقلده هذا الموقع استطاع رضا خان أن ينهي مقاومة البدو وحركات الانفصال في المناطق، وفرض النظام العام على أجزاءَ كبيرةٍ من إيران.

في عام 1923م تمكن رضا خان، محاطاً بزهو النجاحات التي حققها، أن لا يقنع الشاه القاجاري بتنصيبه رئيساً للوزراء فحسب؛ بل ألزم الشاه الخروج للتمتع بإجازة راحة خارج البلاد لم يعد بعدها أبداً.

وفي عام 1925م، وبعد الانتهاء من غالبية العقبات أمامه، طلب من برلمان الأتباع أن يعلنوا نهاية حكم الملكية القاجارية.

داعبت رضا خان -في البداية- فكرة تحويل إيران إلى جمهورية علمانية على نسق الصورة التي أقامها محبوبه كمال أتاتورك في تركيا، إلا أنه خشي من المقاومة الجماهيرية القاسية التي يقودها علماء الدين الشيعة، خاصة وأنه لم يكمل بناء قاعدة قوته حتى تلك اللحظة.

في هذا العام ذاته 1925م أناط بمجلس انتخب خصوصاً لغرض اختياره حاكماً لإيران، أن يعينه مؤسساً للملكية البهلوية التي امتدت من عام 1925م حتى عام 1979م.

لقد وضع الشاه الجديد حجر الأساس للدولة الإيرانية الحديثة، معتمداً -في ذلك- على جسارة التنفيذ، وتجاوز أي اعتبار لتحقيق سياسة مركزية علمانية مصحوبة بعملية تصنيع البلاد.

وأخذ الشاه رضا -منذ عام 1927م- في انتهاج مسار صدامي حاسم مع الإكليروس الشيعي. ضمن هذه الإجراءات عمل على تحويل كثير من الوظائف ذات الصلة بالقانون، والاقتصاد والتربية إلى موظفي الدولة، وهو ما حرم الإكليوس من إيرادات مالية ومن القوة والمكانة والجاه، الأمر الذي حدّ من حضورهم، وأضر بنفوذهم. أما على النطاق التربوي فقد سعى الشاه لمكافحة رموز التقاليد الشيعية، وقد حملت القوانين التي سنها في هذا الشأن إلزام الذكور من أبناء الشعب -عدا فئة رجال الدين- اعتمار الملابس الغربية، وتغطية الرأس، ومنع لبس الحجاب على النساء 1936م.

كيف رد الإكليروس على هذه السياسة؟

لقد كانوا متفرقين، فاقدين لأي بديل سياسي، من هنا لم يستطيعوا أن يواجهوا سياسة الديكتاتورية العسكرية للشاه، المتميزة بنشر الخوف والإرهاب، ولم يكن أمامهم سوى أن يركنوا -كما تعودوا في أوقات كثيرة من تاريخهم- إلى حالة من الهدوء والسلبية والابتعاد عن السياسة.

ضمن مساعي التخفف من الاعتماد السياسي والاقتصادي على بريطانيا قام الشاه رضا في الثلاثينيات بإجراء اتصالات مكثفة مع حكومة الحزب الاشتراكي الوطني في ألمانيا. هذا التعاطف من رضا بهلوي مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية أتاح العذر الملائم للحلف الروسي الأمريكي البريطاني لاحتلال إيران عام 1941م، خاصة وأن هذا البلد اعتُبِر، وقتئذ، بلدَ عبور لتوصيل التعزيزات العسكرية. وقام الحلفاء بإجبار رضا شاه على التنازل، ونصبوا ابنه محمد رضا -المعروف بليونته وطاعته- على العرش مكانه (1941 - 1979م)، واستمر الحلفاء في احتلال إيران طوال الفترة حتى عام 1945 - 1946م، وابتداءً من منتصف الأربعينات احتلت الولايات المتحدة موقع بريطانيا في إيران بصفتها حامية البلاد من الوجهتين الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي أدخل إيران في اعتماد متنام على الغرب، خاصة الولايات المتحدة.

تركز النفوذ الغربي متعدد الوجوه في بدايات الخمسينات على مسألة تأميم الصناعة النفطية.

في تلك الفترة قام محمد مصدق بقيادة الجبهة الوطنية التي كانت تمثل تآلفاً من قوى دينية وعلمانية فازت بانتخابات البرلمان على ضوء شعبية الدعوة إلى تأمين صناعة النفط، وحين فاز هذا التآلف في الانتخابات البرلمانية عام 1951م قام رئيس الوزراء -محمد مصدق آنئذ- بتأمين صناعة النفط. كان رد بريطانيا وأمريكا على التأميم مقاطعة النفط الإيراني، الأمر الذي أضر بالوضع الاقتصادي لإيران. تطور الوضع في أغسطس 1953م بقيام انقلاب ضد مصدق اشتركت في تنفيذه وكالة المخابرات المركزية (C I A)، والبريطانية (M I 6) ومناصرو الملكية من العسكريين الإيرانيين.

عاد الشاه محمد بهلوي من منفاه المؤقت في إيطاليا في أغسطس 1953م، وشرع في استعادة السلطة بمساعدة اقتصادية وسياسية ضخمة من طرف حاميته الولايات المتحدة.

أما أبرز صور استعادة الشاه للسلطة فتركز على إنشاء حكم فردي قامع لم تسلم منه كل ظلال المعارضة التي تعرضت جميعها لأبشع أنواع الضغط والملاحقة.

أما أهم أدوات السلطة فكان الجيش الإيراني الذي قام الخبراء الأمريكان بتدريبه، وبتزويده بكل العتاد، إضافة إلى بناء مؤسسة الاستخبارات الإيرانية، السافاك، التي شارك في بنائها -بجانب المخابرات المركزية الأمريكية - جهاز الموساد الإسرائيلي.

التثوير الخميني للإسلام الشيعي

لم يتعرض الإكليروس الشيعي لأي ضغوط تذكر بعد سقوط الشاه رضا، بل يمكن أن يقال إن طبقة رجال الدين استفادت كثيراً من مظاهر الضعف التي صاحبت تنصيب الشاه الجديد، حيث تمكنت من رفع بعض القيود والقوانين التي أصدرها الشاه المخلوع من مثل تحريم لبس الحجاب، أو منع القيام بمواكب محرم. لقد استطاع الإكليروس الشيعي في إيران بقيادة آية الله العظمى بروجردي، المتميزة بالمحافظة والمهادنة، أن تحقق لطبقة رجال الدين الشيعة استعادة كثير من مواقع النفوذ الاجتماعي، كما أدّت إلى تحديث مؤسساتهم.

وفي عهد البروجردي تضاعفت أعداد المدارس الدينية بشكل ملحوظ، وقد عمل البروجردي ما في وسعه لتطبيق اتفاق المهادنة مع السلطة، وأبان ذلك لأتباعه حول ضرورة الابتعاد عن مجريات السياسة اليومية، على حين عمل الشاه، بالمقابل، على احترام الاستقلالية الدينية للإكليروس فلم يتعرض لها. لقد عمل البروجردي على إعاقة صعود رجال من أمثال الخميني الذي كان يحرِّض طبقة رجال الدين على نشاطات معارضة.

أما الخميني وأنصاره فلم يظهروا للعلن إلا بعد موت البروجردي عام 1961م، ومنذ أوائل الستينات حمل هؤلاء راية الحركة المعارضة للشاه، وما لبث أن لمع نجم آية الله روح الله الخميني فأدَّى إلى صعوده التدريجي إلى موقع القيادة. ويمكن تلمُّس صعود الخميني خطوة بخطوة مع المعارضة التي تعرض لها حكم الشاه من قبل فئات تقليدية عريضة ضد تنفيذ خطة الشاه الإصلاحية التي أطلق عليها اسم (الثورة البيضاء) التي كان من أبرزها النظر في إقرار حقوق المرأة والإصلاح الزراعي.

معلوم أن هذه (الثورة البيضاء) خرجت إلى الوجود بفضل إلحاح الإدارة الأمريكية في عهد كيندي، وقد تصدى الخميني لهذه السياسة في الثالث من حزيران عام 1963م في مدينة قم بمناسبة يوم عاشوراء بالهجوم العلني الحاد على الشاه، وأسماه (يزيد هذا العصر)، تذكيراً بيزيد الأموي الذي يكن له الشيعة كرهاً شديداً، وحين قامت سلطات الشاه باعتقال الخميني، كان الرد على ذلك ثورة شعبية انتظمت قمّ وكثيراً من المدن الإيرانية، وكان نتيجتها سقوط ألف قتيل من المتظاهرين على أيدي قوى الأمن.

وحين قام الشاه بإطلاق الخميني من السجن ألزمه في أكتوبر 1964م على الخروج إلى المنفى في تركيا، ومنها نزح الخميني إلى النجف في العراق.

وجاء قرار نفي الخميني بسبب ما أبداه الرجل من نقد ضد القوانين التي تسمح لثلاثين ألف من المستشارين الفنيين الأمريكان بالتمتع بالحصانة الدبلوماسية، وكذلك ما تعرضت له إيران من ديون ثقيلة لصالح الولايات المتحدة بفضل صفقات الأسلحة الأمريكية.

في هذا السياق اعتبرت إيران -قبل سقوط الشاه في فبراير 1979م- حجر الزاوية في صد النفوذ السوفيتي من وجهة نظر أمريكية حارسة لمصالحها في الشرق الأوسط، ومن هنا جاء إعدادها لتصبح شرطياًّ مدجَّجاً بالسلاح للمحافظة على حراسة النظام في منطقة الخليج.

شرع الخميني -من النجف- في التحريض على حكومة الشاه، كما بدأ في تنظيم شبكة سرية لحمتها وسددها أتباعه الثوريون في إيران وسائر البلدان. كما مضى في الإعراب عن احتقاره لزملائه من الاكليروس الشيعي غير المسيَّسين، بحسب ما جاء في كتابه الذي ألفه في النجف عام 1970م بعنوان (الحكومة الإسلامية). لقد عاب الخميني على زملائه من رجال الدين إعراضهم عن الحياة، وانصرافهم لمسائل الصيام والصلاة، وتخليهم عن مواجهة المشاكل الاجتماعية، مما حدا بسياسة الشاه المعادية للدين أن تستشري في تسلطها.

نمت شعبية الخميني، بقوَّة، في سنوات ما قبل الثورة عند شيعة إيران، ولم يكن ذلك لأنه كان يمثل المجتهد الأكثر تقوى أو علماً. لقد كانت هذه المحبة للخميني مؤسسة على تصاعد لهجته الناقذة على نحو مضطرد ضد ملكية فقدت كل مصداقيتها؛ الأمر الذي تكلل في عام 1970م بدعوة الخميني الصريحة بإزالة الملكية حيث جعلها مناقضة لمبدأ الإسلام بحد ذاته.

اندفع مِن وسط رجال الدين لتأييده فئاتٌ شابَّةٌ تمتعت بتربية حديثة، منهم -على سبيل المثال- أكبر هاشمي رفسنجاني، ومحمد خاتمي، والخامنئي. كما انضم إلى هؤلاء آخرون من الشباب الإيراني الناشطين سياسياًّ بينهم رجال دين وآخرون من العامة إلى تأييد الخميني في اعتباره يقدم المسائل السياسية الاجتماعية على المسائل الدينية. لقد كانوا يحسون بالانجذاب إلى أفكاره، وكانوا يعتبرونه مجدداً للدين.

في حركة متوازية مع تشكل المعارضة ضد نظام الشاه، جرت في إيران عملية تحول جماعات الشيعة التقليدية غير المسيَّسة نحو أيديولوجيا الثورة. هذه العملية لا يمكن فصلها عن اسم علي شريعتي الذي قضى في عام 1977م. معروف أن شريعتي حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون في باريس، وهو عالم اجتماع متأثر، كثيراً، بالمفاهيم الماركسية. هذا المفكر صار من أهم منظري ثورة عام 1979م، وعند ذكر اسمه يتبادر إلى الذهن أنه ممثل جيل بكامله، مؤلف من مثقفين ذوي توجهات علمانية ومتأثرين بالثقافة الغربية، يقفون على قدر واحد من النظام الديمقراطي الرأسمالي الغربي، ومن الستالينية الشمولية السائدة في الاتحاد السوفييتي، ولهم نظرة ناقدة ضد تقليد النماذج التي يطرحها الغرب على مستوى ثقافي أو تنموي سياسي.

كان على هؤلاء المثقفين أن يدرؤوا عنهم وباء التغريب، فراحوا يبحثون عن النجاة في التقاليد الدينية الشيعية الخاصة باعتبارها الترياقَ المتوفِّرَ، مع إضافة عناصر تجديدية لها؛ تارة بتطعيمها بمكونات اجتماعية ثورية، وتارة بمحاولة تفسيرها تفسيراً طوباويًّا. كان التوجه نحو الدين مع رفض الامبريالية الغربية هما القاسم المشترك الذي صبغ على أساسه التحالف الذي نشأ في السبعينيات بين المثقفين العلمانيين وجماعات الشيعة المسيسة. لقد أسس هذا التحالف أهم مقدمات نصر ثورة 1979م ضد الشاه.

لقد أثبت مفهوم شريعتي المؤسس على الثورة الاجتماعية الطوباوية باعتماد ما سمي الإسلام الشيعي الأحمر. إنه كان من أكبر العناصر فاعلية خلال الثورة.

طالب شريعتي بالعودة إلى الإسلام الشيعي الحقيقي ذي الأصول النقية، مجسَّداً -كما رآه- في الإسلام العلوي الذي حمل رايته الإمام علي.

لقد كان الإمام علي ثورياًّ، عادلاً صارع الطغيان والاستغلال، بخلاف الإسلام الصفوي الغاطس في الفساد إلى أذنيه. لقد قام النظام الملكي الصفوي على بنى للقوة متحجرة بالتحالف مع طبقة رجال دين مهادنة، يضاف إلى ذلك تبعية عمياء من جماهير تقليدية كل همها ممارسة طقوسها الخرافية المصحوبة بسلبية عامة.

وبحسب شريعتي فإن حملة الإسلام العلوي أو الإسلام الأحمر لا يمكن أن يكونوا من صفوف الإكليروس الشيعي، وإنما هم نخبة من أناس تلقوا تعليماً حديثاً مستنيرين وقادمين من صفوف شعبية يرون واجبهم القيام بتعريف الشعب بنفسه، وخاصة فيما يتعلق بإيضاح الحدود بينه وبين مفاهيم الثقافة الغربية السائدة في مضامير الثقافة والدولة والمجتمع.

نظريات شريعتي هذه كانت تتمتع -خاصة عند الشباب طلاب الجامعات وطلاب المدارس- بشعبية كبيرة في مرحلة ما قبل الثورة الإيرانية وما بعدها.

أدت تأويلات شريعتي الثورية الجديدة لمفاهيم الشيعة التقليدية إلى إحداث تنشيط سياسي شمل أوسع فئات الطبقة المتوسطة المستنيرة والشباب؛ إذ كانت دعوته أن يتم التحول الثوري الآن وهنا. واضح أن تأثير شريعتي كان على خط صدامي مع المؤسسات الشيعية التقليدية التي كانت توجه خطابها إلى المؤمنين بالموادعة والسلبية وتهدهدها بأمل عودة المهدي المنتظر ذات يوم بعيد حيث يقيم العدالة ويحق الحق.

لقد عبَّر شريعتي عن هذه التأويلات الجذرية للتقاليد الشيعية بشعارات عرفت في عام 1979م (كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء). لقد حملت هذه الشعارات معنى التخلي عما يصاحب مواكب محرم من ضرب السياط، لمحاولة التخلص من الآثام عبر طقوس إيذاء النفس على صفة كونه تعبيراً تعويضياًّ زائفاً عن التضحية بالنفس.

لقد اختفى العويل والبكاء والندم على قتل الحسين، وحل محله الكفاح الحقيقي النشيط، كما وضح ذلك، فيما بعد، في إقدام مئات الآلاف على التضحية الحقيقية بالنفس في مواجهة الحرب مع العراق. لقد واجهوا الموت الحقيقي، وقضوا شهداء في سبيل الثورة.

رجال الدين الشيعة يتسنمون سدة الحكم

أصبح الخميني -ابتداء من يناير 1978م- قائداً لحركة الاحتجاجات الواسعة ضد الشاه في إيران. بدأ إدارة هذه الحركة من منفاه في النجف، ولكنه ابتداء من أكتوبر 1978م استمر في إدارته لحركة الاحتجاج من منفاه في ضاحية نوفل لوشاتو الباريسية، بعد أن أمرته الحكومة العراقية بالخروج تحت ضغوط الشاه. لقد شملت حركة الاحتجاج هذه طيفاً واسعاً من قوى سياسية متعددة تضم ليبراليين وقوميين، يساريين ومحافظين وأحزاباً إسلامية معتدلة وروابط الطلاب وتجار البازار ومثقفين، بالإضافة إلى تجمعات دينية متطرفة من رجال الدين الشيعة وسكان مدن الصفيح في مدن إيران الكبرى.

وقد تميزّ عام 1978م بدورة لم تنقطع من مظاهرات سلمية غالباً ما يقابلها تدخل عنيف من قبل قوى الأمن، يتلو ذلك تجدد هذه المظاهرات التي قد يصل تعدادها إلى المليون، وباستمرار هذا الوضع أخذت أركان القوة لنظام الشاه في التخلخل تدريجياًّ.

خلص الشاه إلى إدراك يتسم بعدم القدرة على تحقيق هدوء دائم، خاصة وأن حكومة الولايات المتحدة برئاسة كارتر تركته وحيداً، ولم تتجاوب مع ضراعته الواضحة بدعمه بعمل عسكري، أو بحل ديمقراطي للمشاكل القائمة، وكان أن اعترف بهزيمته في يناير عام 1979م بمغادرة البلاد.

أما الخميني فقد توجه من باريس إلى طهران في أول فبراير، حيث جرى له استقبال مليوني حافل.

[1]  هذا رأيٌ غاية في الغرابة أن يتصور المؤلف طبقة العلماء المراجع من التجار. الواحة

[2]  لعل المؤلف يتصور أن المجتهد يكتسب مكانته في نفوس الناس من مقدار ما يمنحه للطلاب، وهذا تصور لا يخطئ من يصفه بالسذاجة والسطحية. الواحة

في عام 1891م منح ناصر الدين شاه القاجاري امتياز زراعة وتجارة التبغ في إيران لشركة التبع البريطانية، وعد الإيرانيون ذلك مدخلا لاستعمار البلد، فأصدر السيد محمد حسن الشيرازي فتوى عرفت بـ(فتوى تحريم التنباك)، أي التبغ، فامتنع الناس عن تعاطي التدخين، فتسببت هذه المقاطعة في إفلاس شركة التبغ البريطانية في إيران. الواحة

[4]  لا خلاف بين الشيعة والسنَّة في الاعتقاد بمجيء المهدي إلا في ولادته التي يعتقد الشيعة بحصولها، ويخالفهم بعض السنة فيها، وأنه من ولد الحسين، بينما يعتقد السنة أنه من ولد الحسن، وبعض علماء السنة يوافقون الشيعة حتى في هاتين الجزئيتين. الواحة

[5]  يرى الشيعة كما غيرهم من المسلمين أن الله خالق الوجود بما في ذلك العقل، فهما ليسا شيئاً واحداً. الواحة

[6] لعله أراد علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة (معان وبيان). الواحة

[7]  هذه المرحلة تسمَّى: بحث الخارج . الواحة
أديب واستشاري جراحة
184466