الصفعة
قصة قصيرة
عبد الله النصر * - 15 / 2 / 2011م - 7:35 ص - العدد (59)

أنظر إليه، لا أريد - لكنه بنداءاته - أجبرني على ذلك.

ظله أطول، بكثير، من قامته.

لا يتشابهان، أيضاً، في العَرْض.

كذلك درجة لون الظل أفتحُ، كثيراً، من لونه.

بل لا يمكن لوجه الظل أن يكون جافًّا كوجهه الذابل المستدير.

سوداوية مشاعري نحو أمثاله أراوغ حين أبديها بلساني المتلكئ، ووجهي يخفي عدة وجوه لا يكاد يميز الآخرون واحداً منها، أو يبني على أحدها صروحاً من الأمان. يضج داخلي جدًّا:

- كيف يرضى زهر (الفلِّ) أن يكون في ضمِّة يد هذا الرجل؟ بل كيف غُلِبَ على أمره ليكون تحت تأثير خياله؛ فيصنع منه عِقداً يتاجر به؟ لماذا لا يكون لي كما يكون له؟ بل أسهل بكثير؟ أتَرى من العدل أن يحتضنه من لا يمكن أن يشبهه حتى في اللون والرائحة؟

من هنا رغبتي عُدِمَتْ، لا تريد الفل وإن كنت في أشدِّ الوله إليه.

أردت أن أختفيَ خلف سُحُبٍ من العمى النصفي. ربما يرحل. انشغلت بكيفية إيقاف سيارتي الفارهة بجانب رصيف الشاطئ الأخضر. حفَرَت وجداني الأودية العميقة في بيداء وجهي. بهدوء أسأل صاحبتي الجالسة في المقعد جانبي:

- عمري، هل الرصيف بعيد أم لا؟

لم تنبس، فأنظر إليه، مع أنني لا أريد، لكنها هي أيضاً أرغمتني على ذلك.

سهامُ عينيها لم تلامس، أبداً، ملامحي المذهولةَ بها. كانت تمر من جانبي لتنغرس في الرجل. لكنني أستخدم وجهاً آخر، فأستفهم:

- تَرى، ما الذي استقطب نظرها من هذا الهندي؟ خِلقته؟ أم حركاته؟ لا. لا أعتقد، فهي قلّما تهتمُّ بهؤلاء.

لكنها سرعان ما صرخت، صراخاً كاد يثقب أُذني اليمنى بجانب سبابتها، مبددة أجواء ظنوني، وحدسي:

- فاضل، كلم الرجل، افتح زجاج السيارة.

- ها!! أجبت بدهشة وارتعاب، فتابعَتْ:

- اشترِ منه عِقداً من الفل.

أنظر إليه، لا أريد، لكن أحد الوجوه التي أخبئها في وجداني، والتي تدعي النزاهة، تفرض وجودها بفرضية الموقف.

قبل أن أجيب زوجتي قرأت - بذلك الوجه، في وجهه بلفتة بسيطة جدًّا - أحلاماً جمة هائمة، أشرعَتُها تقطعت في أعاصير كل المحيطات، فغدت صريعةً خلف قضبان المستحيل. كذلك آلام كثيرة منحوتة منذ أمس بعيد، بغيض، بل رأيت مشاهدَ مدماةً أقيمت على مسارحَ جمهورُها نيامٌ شجرةٌ شذَّبتها رياح السموم، واحترقت سيقانها، وجملة من الأشجار في أحراش مهملة تريد - بكل ما أوتيت من قوة - أن تحيى من جديد، أو تتشبث بالحياة. ثقافة وجهي هذا أعانتني على هذه القراءة، لكنها لم تؤثر في مثلي، ولم ترسم شيئاً على أحد وجوهي المتبقية، فبزيف ابتسامة أجبت زوجتي:

- ها!! من أين؟ وكأني لم أره.

- على يسارك.

قالت ذلك وهي تزم شفتيها. فأجبت متصنعاً الاندهاش:

- أوه! نعم، نعم.

أنظر إليه. لا أريد. مازلت متسنِّماً الأفق العاجي، أكره النزول، أتعزَّز عن مقابلته بوجه قد تخيله، فنزلت بوجهي الذي أحببت. التفت إليه قائلاً وأنا أرتِّب جوانب غترتي:

- رفيق، بكم هذا؟

- واحد.. خمسه ريال.

قال هذا، وهو يهز رأسه، وعلى وجهه ملامح توسل. قلت:

- دعني أرى.

مططت شفتي: أم م م، طيب ليه لونه أصفر؟ (قلت بعبوس). أجاب:

- رفيق، شمس واجد حار، بس فيه ريحه كويِّس.

وخزت زوجتي خاصرتي اليمنى قائلة بحدة:

- اشتره. يالْله! بأي حالة عليه.

أردت أن أولج يدي في جيبي لأخرج منه القيمة المطلوبة، لكنني بمراوغة وتمرد قلت له: رفيق، اعطني عقد واحد بريال.

 خِلْتُه سينخر الصخر بعروق كالأزميل كي يُنبط من خلاله شيئاً من الماء لاخضرار أغصانه، بل خِلْتُه سينحني إجلالاً للريال المنتظر، لكنه ما لبث أن أجابني، قائلاً:

- خذ واحد، أنا ما يبي فلوس.

رمى إليَّ بعقد عبر زجاج السيارة المفتوح، ومشى دون التفات أو توقف.

****

قاص - السعودية.
178892