قراءة في كتاب “نزف من تحت الرمال” للقاص حسن البطران
البطران ينزف دما تحت الرمال
د. رمضان الغزال * - 15 / 2 / 2011م - 7:36 ص - العدد (59)

بما أننا في حاضر يتحرك بسرعة، ومستقبل يقترب بسرعة، فقد طفا على سطح الساحة الثقافية إبداع جديد قديم هو إبداع عصر السرعة، أو ما يسمى عصر الومضة من الفن السردي, وهو إبداع اليوم. إبداع خارج ظرف المكان والزمان إبداع (القصة القصيرة جدًّا أو القصة الومضية)، فالخاطرة أو ما يسمى حاليا بـ(القصة القصيرة جداًّ) هي الفن الحائر بين الفنون الكتابية الأربعة، فهي نثر أدبي يُكثِر من استخدام المحسنات البديعية البلاغية، وهي أدب الناس؛ أدب أي إنسان يجلس للكتابة، فهي حالة جنينية من حالات الكتابة المعروفة، تتطور - بحسب خبرة وثقافة وإبداع الكاتب - إلى قصيدة، أو مقالة، أو قصة قصيرة جداًّ، كمشاريع قصص وقصائد نثرية، وهي تحمل فكرة مركزة، ولا تعترف بالمقدمات، وتعتمد على التركيز في الموضوع الأساسي حينما تتحول صفة التجريد في الزمان والمكان إلى نصوص مفتوحة. تجربة جديدة وحديثة يلعب فيها جنس التجريب والتجريد بقصد الاكتشاف. تداخل عجيب بين القصة القصيرة جداًّ والخاطرة، وكذا تداخل القصة القصيرة جداًّ بشكلها مع قصيدة النثر في السرد؛ مما يسهل انتقال البعض من كتابة الخاطرة، أو القصة القصيرة إلى كتابة القصة القصيرة جداًّ، إلى الرواية، أو إلى القصة معا مرة أخرى.

 فحداثة هذا الجنس من الكتابة، وحداثة الكتابة النقدية فيهما غير ناضجة، فمن الصعب اكتشاف الثغرات التي تؤدي إلى مدلولات النص، ويَنقُص النصَّ كثير من الإيضاح، وهذا يؤول إلى الدور الذي لعبه النفط في المنطقة في النهضة والحضارة النفطية، ودور الصحافة في النهضة السردية الخليجية، ويرجع -كذلك- إلى مهارة البناء السردي لبداية القصة القصيرة في الخليج.

 فهناك تقارب كبير بين تقنيات القصة القصيرة جداًّ وبين قصيدة الومضة في بعض المشتركات بينهما.

جنسان أدبيان حديثان، فاختيار العنوان الجاذب عنصر مهم في القصة القصيرة جداًّ، وكذا القفلة المدهشة، أو المفتوحة إن وجدت.

 الزميل القاص حسن علي البطران أهداني مجموعته القصصية (نزف من تحت الرمال) منذ أمد، فقرأتها، واستمتعت بها.

تضم خمسة وثمانين قصة بما فيها الإهداء المجدول من ضمن القصص في المجموعة، وسأذكر ذلك لاحقا. أعجبني، كثيرًا، رمزية غلاف المجموعة، وأناقة الغلاف، والتصميم من الطفل الابن «ريان حسن» ذي الثلاث سنوات، وهو يعكس مفاصل النصوص الخفية، والإفراط في التأويل للمجموعة.

فكاتبنا يكتب القصة القصيرة جداًّ، والأشعار، والخاطرة، والصحافة، ويتمتع بخبرته الذاتية في السرد، والتصوف، والهذيان، فيغوص في خياله القصصي - حتى النخاع - بلغة مشوقة مفرطة في التأويل، أحياناً، ومفرطة في الإيضاح أحيانا أخرى. يخفي ما يريد أن يقوله في هذه الفراغات المتناثرة في جسد النص، أو ما يعرف بـ«المعنى الواضح» و«المعنى الضمني الخفي»، مع تعدد واضح في قاموسه اللغوي. يطلق صفارته على زمن الأحداث بشكل خرافي، وهو جدير بالإلمام بآليات إطلاق هذه الصفارات؛ كونَه حكم كرة قدم سابق، فالزمن الفيزيائي، وزمن الأحداث لا وجود لهما في مجموعته، فهي بدون تواريخ، ولا زمن ولا مكان وان توفر الزمن اللساني للبعض الذي توفره اللغة حينما تتجلى التجربة الإنسانية للزمن. إنه زمن مرتبط بالكلام كوظيفة خطابية مفرطة السادية، منتقاة بعناية خارقة، وساخرة بنهايات مفتوحة لأبطال لا وجود ولا أسماء لهم. مملوءة بالتجريد وكثرة التأويل؛ مما يزيد من الإرباك في التعرف على الجنس الحقيقي للعمل الإبداعي: هل هو من جنس القصة أم الشعر أم الخاطرة أو الومضة؟ معظم قصصه لا تشترك في سمات مشتركة، فكل أقصوصة تحمل -بين ثناياها- أفكاراً جديدة ورموزاً مغايرة، بحيث لا يمكنك تحديد خطوطها، ولا مسارها لكثرة انحناءاتها بوتيرة تنازلية وتصاعدية في آن واحد، لكن عناوين القصص هو مكمل للنص، فهي ذات مضامين تتغلغل داخل القصة، وهذه هوية المجموعة.

 وفي هذه العجالة نحن لسنا بصدد قراءة انتقائية للمجموعة، فالمهم ليس قراءة العمل، ولكن كيف تقرأ العمل، وعن كيفية تكوُّن المعنى حينما ألغى نقاد ما بعد الحداثة كلمة النقد من قاموس اللغة، ووضعوا مكانها كلمة «القراءة» باعتبارها إعادة خلق النص، وهو نقد ما بعد البنيوية إلى الألسنية النصوصية.

إلى من ضمتني بصدرها

الى من فدتني بنفسها

الى من غذتني بحبها

الى جدتي “فهيمة”

هذه المقدمة، والإهداء هي قاموس غياب وحضور. حسن عندما تركت له جدته خريطة وأبجديات الهرم النفسي جعلته يفيق من الكهوف المظلمة لينزف دما من تحت رمال قريته، يحركها حنينه القروي، وهذا ما تعودته في ممارسة لعبة قراءة الوجوه من وقت مبكر، وهذا ما سنراه قريبا في عمله المقبل في مرثيته النثرية تحت اسم “جدتي” استجلبتها جدته بالدعوات في صلواتها التي خصص جزءا من دعواتها بالتوفيق له في طفولته وريعان شبابه، فهي ورقة التقويم الوحيدة التي نقطعها من غير أن نقرأ ما كتب خلفها من هناك؛ لتشكل مستقبلنا، ومن ذلك المخزن الصغير يخرج العظماء والكتاب، ويخرج «حسن».

فنتابع مجموعته مع الرحيل، والشرود، والتيهان، والنزف في رحيل، شرود، نزف، وقلق، وفي منتصف ليلة مشحونة بالقلق رن هاتف منزله، وتعاقب هذا الرنين مع أنفاس تلك المرأة المجهولة المعروفة لاعنا الدنيا التي أنجبت فسيلة هذه المرأة التي كلما رن الهاتف ركض فلم يجدها، وتكرر هذا المشهد في باقي قصصه مع المرأة «فالمرأة كالإعلان يتحقق بالتكرار».

أما مع امتصاص، ندى وقت الظهيرة، صدى، ضباب، هوس، طيبة، و«براءة رمال» في امرأة شمطاء تغطيها الغيوم حينما أثار حالة الشك والثقافة الغيبية التي تعيشها قريته في جسد تلك المرأة الشمطاء، هذه النوعية من البشر التي تحرق من يجاورها.

وفي قلق، ندى الغروب، ونضوج، فتتشابك هواجسه إلى درجة تصل الى مرحلة الكفر حينما تخيلها امرأة لا تموت، ويظل يتصارع مع هواجسه وكأنه في حاجة إلى أن يمزق شيئا ما بدلا من أن يمزق روحه.

أما في رماد بألوان قوس قزح، رائحة اللون، وانتكاسة، يجوب شوارع قريته كأغنية قديمة لا يعرف مذهبها مَن أجاد الغناء التي روى شوارعها بقدميه، لا يمل من تردد حدودها، وكيف انفجرت، فجأةً، لتصل شظاياها الى القرية المجاورة لقريته القابع فيها «جبل الشبعان».

 أما في امتصاص، فالمرأة منحته جسدا باردا جاب بساتينه كضال كتب عليه التيه.

أما في رائحة العلقم، فأراد أن يقول: إن ما نستلذ به في حينه ربما يتحول الى علقم يجرحنا في زمن آخر، فحياتنا لا تصلح من غير عذاب، أو لوعة تشعرنا بأننا أحياء، نضع جمرات في راحة حياتنا، ونركض على مدار الأيام بقذفها، ونعود -مرة أخرى- للبحث عن تلك الجمرات.

أما في انتصار حمامة، انفلات، وجموح، فالمرأة زجاجة شفافة تلون لنا صحراوية الواقع، ووعورة تضاريسه الهالكة. نحن الذين أخرجناها من الجنة لنتمتع بتلونها، فعندما تفتح المرأة ثقبا على مفاتنها يتجلى الفراغ عن مهمته القاسية، ونرى مباهج الحياة تتسع.

وكما أن الشعر لا ينمو إلا في الفوضى، فالقصة لا تنمو إلا في الفوضى، وهذا ما جسده في همومه للوطن والحرية في بعض من قصصه: المعول، للضوء لون أسود، انتكاسة، كيان، اعتصام، رمال متحركة، انتظار، ووطن، فهذا شلل النوم «الجاثوم» العلامة الفارقة بين الحقيقة والخرافة يتجسد في «صدى الرحى» فعجيب أن ترى نفسك وأنت نائم.

وبالانتظار، والوطن نختم، ففقدنا للحرية يفقدنا المساواة، والمساواة تفقدنا العدالة، وفقدان العدالة تفقدنا الوطن وتغليب القوة.

طبيب وكاتب - السعودية.
182444