الحركة الأدبية بالمدينة المنورة
في العصر الحديث 1/2 ([1])
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 15 / 2 / 2011م - 7:39 ص - العدد (59)

الصحافة في المدينة المنورة نشأتها وتطورها وأثرها في الحركة الأدبية

عرفت المدينةُ المنوَّرة الصحافةَ في وقت مبكر ومتزامن مع مدن الحجاز الأخرى، وبالذات مكة المكرمة وجدة؛ فقد كانت (صحيفة الرقيب) أوَّلَ صحيفة تصدر بالمدينة المنورة عام 1327هـ 1909م؛ إذ صدر عددها الأول في شهر يناير من عام 1909م، وقد أصدرها إبراهيم خطاب، وأبو بكر داغستاني، وتعتبر أول صحيفة تظهر بالمدينة المنورة[2] .

وقد سبقها صدور جريدة (الحجاز) بمكة المكرمة بعام واحد 1908م، أما الجرائد الأخرى فتزامنت معها (شمس الحقيقة) الصادرة بمكة المكرمة عام 1327هـ - 1909م.

وفي جدة صدر في العام نفسه 1327هـ، 1909م، جريدة (الإصلاح الحجازي)، وجريدة (صفا الحجاز)، وكانت بعض أعداد تلك الجرائد تصل للمدينة رغم تعثرها، ولم يكن لها تأثير قوي في الحركة الأدبية في المدينة المنورة[3] .

ويُرجِع عثمان حافظ سبب عدم تأثيرها على أدباء المدينة المنورة إلى محدودية انتشار الصحافة، والتزامها الرسمي السياسي الضيق، بينما نجد مجالس الأدب بالمدينة عامرة بالأدباء والبحوث الأدبية. وكانت الأبارية، منزل الشيخ عبد الجليل برادة (رحمه الله)، مجمعاً للأدباء والشعراء يجتمعون يومياًّ، ويتقارضون الشعر والأدب، ويدرسون مختلِف الكتب الأدبية[4] .

وقد كانت المكتبات والمدارس منتشرة بالمدينة، إضافة لساحات الحرم النبوي الشريف، فقد أنشئت مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت منذ عام 1270هـ، وتبعها مكتبات أخرى مثل مكتبة السلطان عبد الحميد الأول، ومكتبة بشير آغا. ويذكر إبراهيم رفعت باشا في كتابة (مرآة الحرمين): أن «في المدينة ثمان عشرة مكتبة، إضافة إلى سبع عشرة مدرسة واثني عشر كُتَاباً للصبيان»[5] ، وهذا يشير إلى طبيعة الوضع الثقافي بالمدينة المنورة.

ويستطرد الأستاذ محمد الدبيسي في كتابه (الصحافة في المدينة المنورة)، فيقول: «... إلا أن حركة التعليم والثقافة في هذا العهد –العهد الهاشمي– والعهد الذي سبق –العثماني– قد تجلت علاماتها المائزة في الاهتمام الذاتي من قِبل أهل المدينة بالتعليم، واتخاذ المسجد النبوي الشريف منارة تنوير، يستقطب العلماء وطلبة العلم بفضل مكانته الروحية في وجدان المسلمين وجاهزية الأهالي للتفاعل مع هذه الحركة التنويرية وإثرائها بفعل تنوع الأجناس...» إلى أن قال: «.. من أبرز عوامل تلك الحركة التنويرية المنفتحة على عدة ثقافات وحضارات تندمج في إطار مجتمع واحد متجانس -إلى حد ما- أسهم في الارتقاء بالتعليم والنبوغ في مجالاته المتعددة، وأثّر على الطبقات الشعبية، والنسيج الاجتماعي»[6] .

ويذكر محمد الشامخ في معرض حديثه عن (الرقيب): «إن المعلومات التي توجد عن جريدة (الرقيب) قليلة جداًّ، فقد أهمل الكُتَّاب المحليون الذين كتبوا عن الصحافة ذكرها، ولم يشر إليها سوى فيليب دي طرازي الذي أورد اسمها في قائمة صحف المدينة...»[7] .

وكما ذكرنا فقد أصدر صحيفة الرقيب بالمدينة إبراهيم خطاب وأبو بكر داغستاني والذَينِ قال عنهما عثمان حافظ: «وإبراهيم خطاب وأبو بكر داغستاني من أسر المدينة المنورة المعروفة بالأدب والعلم والفضل، وأعرف –شخصيًّا- الشيخ أبو بكر داغستاني، وهو من علماء وأدباء وشعراء المدينة، وكان عضواً في المجلس الإداري بالمدينة في العهد السعودي، وتولى قضاء ينبع في العهد السعودي أيضاً. كما أن أسرة آل خطاب معروفة في المدينة...»[8] .

وفي العام نفسه الذي صدرت فيه (الرقيب) بالمدينة أصدر محمد مأمون الأرزنجاني صحيفة (المدينة المنورة) الأولى، وكانت تصدر باللغتين العربية والتركية بُعَيْدَ صدور الدستور العثماني عام 1908م الذي أجاز للولايات التابعة للإمبراطورية ودولة الخلافة العثمانية إصدار صحف خاصة[9] .

وقال الشامخ: «إن المؤرخين للصحافة -في هذه الفترة: فيليب طرازي والبتنوني– قد ذكرا أهمية هاتين الصحيفتين، ولكن ليس في هذه المعلومات ما يشير الى قيمتها الصحفية والأدبية»[10] .

كما أن الجريدة الرسمية (الحجاز) قد انتقلت من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة عام 1334هـ، 1916م، بسبب عدم الاستقرار للحكم العثماني، والتي توقفت عن الصدور بعد

سنة بسبب أزمة الورق، وقد توقفت الصحافة في المدينة نحو عقدين بسبب الأحداث السياسية أثناء الحرب العالمية الأولى.

أما الدبيسي فيرى أن صحيفة الحجاز التي صدرت بالمدينة في 9/12/1334هـ ليس لها علاقة بصحيفة (الحجاز) التي صدرت بمكة المكرمة بالرغم من شيوع ذلك عند بعض الباحثين(9). وبذلك يقول محمد حسين زيدان في: ذكريات العهود الثلاثة[11] .

وبقيت المدينة المنورة من عام 1335هـ إلى عام 1355هـ بلا صحافة. «... وكأن هذه الفترة، التي تشكل فراغاً زمنياًّ في مسيرة الحركة الصحفية بالمدينة المنورة، كانت فرصة لاختبار نتائج تلك التجارب، وتأملها من قِبَل المعنيين بالأدب والثقافة بالمدينة آنذاك، وما يشكله انضمامها تحت لواء الحكم السعودي من الاستقرار السياسي والاجتماعي...»[12] .

أما عبد الرحمن الشبيلي فيقول: «كان رائد النشر الأول قبل مئة عام، أواخر العهد التركي هو عبد الحق النقشبندي الذي جلب في عام 1327هـ، 1909م، مطبعة يدوية لطبع البطاقات والمظاريف، فتحت الباب في ذلك العام لصدور أول صحيفتين في المدينة المنورة: جريدة (الرقيب) وجريدة (المدينة المنورة)، ثم بعد سبع سنوات، ظهرت الصحيفة الثالثة (الحجاز) التي نقلها الأتراك من مكة المكرمة بعد انحسارهم منها، إلى المدينة المنورة عام 1334هـ، 1916م بعد تحسن نسبي في الظروف الطباعية والتحريرية، لكنها توقفت بعد عام بسبب انقطاع الورق، إبان الحرب العالمية الأولى...»[13] .

الصحافة في المدينة في العهد السعودي

استأنفت الحركة الصحافية بالمدينة نشاطها -بعد توقف يقارب العشرين عاماً- على يد عبد القدوس الأنصاري الذي بدأ بنشر مقالاته في صحف مصر والشام، مما عمَّق علاقته بالصحافة، وطموحه إلى إصدار مجلة ثقافية، وهو ما زال طالباً بمدرسة العلوم الشرعية بالمدينة.

أ – مجلة المنهل:

في عام 1349هـ، كتب الأنصاري عريضة إلى وكيل أمير منطقة المدينة المنورة، عبد العزيز البراهيم، قال فيها: «إنني أريد أن أُعِدَّ وأُصدِر مجلة أدبية شهرية في المدينة المنورة اسمها (مجلة المنهل)، وأرجو من معاليكم أن ترفعوا هذه العريضة إلى سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز، نائب جلالة الملك في مكة المكرمة، فلعله يوافق على إصدار هذه المجلة»، وقد تأخرت الموافقة لأكثرَ من خمس سنوات، وعند زيارة فؤاد حمزة، وكيل وزارة الخارجية، للمدينة عام 1355هـ عرض عبد القدوس الموضوع عليه فوعده خيراً، وفعلاً، وبعد أسبوعين، وصلت الموافقة شريطة (ألا تتعدى أمورَ الأدب).

وبدأ الأستاذ الأنصاري الإعداد والتحضير لإصدار المجلة بالكتابة لعدد كبير من أدباء المملكة والعرب، فتجاوبوا معه مرحبين ومشجعين وطالبين تسجيل اشتراكهم بالمجلة.

وصدر العدد الأول في شهر ذي الحجة 1355هـ، رغم سوء الورق، وتواضع الطباعة. فقد ذكر أنه لا يشرف المجلة، فقد كانت مطبعة المدينة المنورة حديثة عهد وإمكاناتها بدائية، مما اضطره إلى نقل طباعتها إلى مكة المكرمة من العدد الرابع، ثم نقلها لتطبع بجدة فأصبحت طباعتُها أنيقةً، وورقُها صقيلاً.

وقد استقبلت المنهل بشكل يليق بها، وظفرت بصداقات ومناصرين ليسوا بقلة من العلماء والأدباء، ونتيجة لذلك فقد وافق جلالة الملك عبد العزيز (رحمه الله) على إعفاء صاحب المجلة من رسم التأمين النظامي، وهو دفع مبلغ خمسين جنيهاً ذهباً لدى خزينة المالية، ثم وافق على إعفائه من رسوم البريد في الداخل والخارج، ثم أمده بالمساعدة المالية التي قوَّت من عزيمته، وزادت من نشاطه، ثم بدأت المؤازرة من الأمراء والمسؤولين.

بدأت المجلة تطبع الكتب المهمة وتوزعها مجاناً على المشتركين بها، ففي عام 1370هـ، أصدرت الكتاب الأول (النقوش والآثار في صخور الحجاز) لعثمان رفقي رستم، ثم كتاب (المرصاد) للأستاذ إبراهيم الفلالي، وعن ظاهرة الهروب في شعر طاهر الزمخشري للأستاذ عبد الرحمن الطيب الأنصاري، و(تحقيق أمكنة في الحجاز وتهامة) لرئيس التحرير وغيرها[14] .

لم تستقر المنهل على مطبعة معينة؛ بل تنقلت بين المطابع، فمن المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، وأخيراً استقر بها المقام بجدة، حيث تنقلت بين عدة مطابع، وكان رئيسها ينشد الكمال، ويبحث عن الأفضل، ويرفع شعار (إلى الأمام على الدوام)، فقد طبع الأعداد الثلاثة الأولى في مطبعة (طيبة الفيحاء) في المدينة، ثم انتقلت إلى مطبعة (أم القرى) بمكة من العدد الرابع الصادر في شهر ربيع الأول عام 1356هـ إلى العدد الصادر في شهر ربيع الثاني عام 1358هـ، لتنتقل - بعد ذلك - لجدة حيث مطابع مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر، التي أسسها الأستاذ أحمد عبيد، فهي المطابع الأولى التي غيرت وجه تاريخ الطباعة في بلادنا. والتي قال عنها الأستاذ الأنصاري: «... لقد نقلت صف الحروف من يد العامل المسكين المرهق بهذا العمل المضني إلى آلة الصف والطباعة الحديثة المعروفة بـ(اللينو تيب)... ورأينا -في هذا الإخراج- تطوراً حميداً، فقد دخلت الألوان التي كانت مستعصية علينا في أعداده السابقة، وبالجملة فقد دخل المنهل في عهد جديد...»[15] .

تنقلت بعد ذلك لتطبع في مطابع الأصفهاني، ثم مطابع شركة المدينة للطباعة بجدة، ثم مطابع الروضة بجدة، ثم مطابع سحر بجدة، لتعود -بعد ذلك- لشركة المدينة للطباعة والنشر بجدة، وهذا التنقل المستمر بين المطابع يدل على رغبة أكيدة من صاحبها على البحث عن الجديد والأفضل رغم أنه مزعج له ومكلف، فلو كان للمجلة مطابعها الخاصة، ولو كان لأستاذنا الأنصاري إمكانيات لتأسيس مطبعة لأراح نفسه، وحقق ما يصبو إليه[16] .

لقد اهتمت المجلة بالثقافة والأدب، واهتمت -قبل ذلك- بالقارئ ورأيه، فاستفتته باعتباره شريكاً ومسؤولاً عن المجلة ومستقبلها، فوجه الأنصاري الكثير من الخطابات إلى من لهم إلمام واسع فيما يُستفتون فيه، ولعل المنهل، في مبادرتها هذه، تُعدُّ أولَ مجلة وصحيفة سعودية تأخذ برأي القارئ، فقد بدأت في العدد الخامس لشهر ربيع الثاني 1356هـ، مايو 1937م، الاستفتاء الأول موجَّهاً إلى مدير المعارف، السيد طاهر الدباغ حول: «الغاية المنشودة من تأسيس مدرسة تحضير البعثات؟ وهل تعتبر مدرسة ثانوية يفد إليها الطلاب من نواحي البلاد لتؤهلهم لدخول الجامعات؟ ثم ما هي شروط الانتظام بها؟».

وفي العدد السابع لشهر جمادى الأولى 1356هـ، كان الاستفتاء الثاني موجهاً لمدير إدارة وزارة المالية الأستاذ محمد سرور الصبان، المسؤول عن عدة شركات وطنية، وكان سؤاله عن: «مزايا الشركات الوطنية)، ومن أهمها قدرتها على استثمار رؤوس أموال كبيرة يعجز عن تأمينها برأس مال قليل، كما أنها أقدر على احتمال الخسارات...»، وهكذا نرى المنهل يبكر إلى التوجيه الاقتصادي، «ويرى أن ذلك من أهم مظاهر رسالته الثقافية والأدبية»[17] .

والاستفتاء الرابع نجده في العدد الممتاز للسنة الأولى المزدوج لشهري ذي القعدة وذي الحجة 1356هـ، ديسمبر 1937م، وكان موضوع الاستفتاء هو: (هل يخفق الأديب في الحياة؟ ولماذا؟)، وقد وجه إلى عدد من الأدباء أجاب منهم عبد الحميد عنبر، ومحمد عمر توفيق، وأحمد رضا حوحو. وفي العدد الذي يليه كان موضوع الاستفتاء هو: (الكتب والصحف التي ينصح للناشئة بمطالعتها)، وقد أجاب كل من: محمد علي مغربي، ومحمد سعيد عبد المقصود، وسيف الدين عاشور، ومحمد حسين زيدان، المدرس بدار الأيتام، وحسين عرب، وحسين خزندار، وفؤاد شاكر، وحمد الجاسر، قاضي ضباء حينئذ.

ويستمر الأستاذ الأنصاري في نهجه واستنهاضه همم الأدباء والمتعلمين، فنجده يطرح موضوع: (ما هو أثر الأدب الحديث في هذه البلاد؟)، وعند بدء الحرب العالمية الثانية نجده يطرح موضوع الساعة مادة دسمة للاستفتاء، وهو: (هل الحرب تطوي الحضارات أو تنشرها؟)، وفي العدد التالي، والحرب مستعرة، نجده يطرح موضوع: (كيف نرسم برنامجاً عملياًّ قابلاً للتطبيق في رفع مستوانا الاقتصادي؟). ثم توقفت المنهل بعد عدد رجب وشعبان 1360هـ بسبب الحرب ونفاد الورق من السوق.

وعند استئنافها مع عدد المحرم 1365هـ، ديسمبر 1945م، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عاد إلى الاستفتاء مرة ثانية، وكان يتعلق بـ(الأدب الحديث (هل يصلح للتصدير أم لا؟ وإذا كان لا يصلح فكيف نجعله يصلح؟)، وقد أجاب عن هذا السؤال كل من: أحمد عبد الجبار، وحسين سرحان، ومحمد عمر توفيق، وعبد الله الغاطي، وأمين مدني، وعبد الله عبد الجبار، وعبد الله فدا، ومحمد عمر عرب، وحسين عرب، وأحمد السباعي، ونختار من هذه الآراء رأي حسين سرحان الذي قال: «... ارسموا للأدب منهجه.. ووفروا وسائله وشجعوه، وصدِّروه بعد ذلك، فإن جاءكم مَلام فبادروني بالكلام...».

وقال أحمد السباعي: «... إننا نصدر أدبنا إذا وجدنا الطابع والناشر والمد والتشجيع والتكريم، ونقف عن الأدب العالي إلى أن تبنى قباب المجامع عالية، في أجواء الفضاء...»، وتستمر الاستفتاءات، ففي عدد ربيع الثاني 1366هـ يُطرح سؤال لمحمد حسن فقي: (أدبنا وهل له هدف؟)، وفي عدد جمادى الثاني 1366هـ يطرح استفتاء آخر هو: (ما هي أهم الوسائل لرفع مستوى الأدب والأدباء عندنا؟) موجه لمحمد حسن كتبي.

ونجده يوسع الدائرة لتشمل القراء، ففي عدد ربيع الثاني 1370هـ، يناير وفبراير 1951م يستفتي قراء المنهل فيما يروق لهم، وما لا يروق لهم من موضوعات.وقد أجاب السيد علي الحصين، من بريدة، عن ذلك. وأشار في جوابه إلى عدم استحسانه فتح باب (صوت النشء)؛ لأن القراء لا يريدون أن يقرأوا إلا أدباً سميناً، وقد رد عليه -في العدد التالي- كل من عباس غزاوي، وطاهر فاسي، بكلمة تحت عنوان (حول صوت النشء).

وفي عدد المحرم 1378هـ كان استفتاء المنهل: (هل هي حرب أم سلام؟). وفي عدد شعبان 1378هـ مارس 1959م كان الاستفتاء عن (مشروعاتنا في السنوات الخمس)، وكأنه ينبه إلى أهمية الأخذ بفكرة الخطط الخمسية للدولة، التي أقرت بعد ذلك بسنوات، وتبع ذلك مواضيع أخرى في أعداد متتابعة مثل: (تخطيط وسائل النهضة الصحفية في بلادنا)، و(إرسال الصواريخ إلى القمر)، و(لو أصبحت مليونيراً).

وكانت المجلة قد بدأت من عدد شهر محرم 1370هـ، نوفمبر 1950م باستحداث باب جديد بعنوان (الندوة الشهرية) يتمثل في الأحاديث مع الشخصيات البارزة من المجتمع، وطرح ومناقشة مواضيع تهم المجتمع مثل: (تحسين الصحة العامة لدينا وقائياًّ وعلاجياًّ)، مع مدير الصحة العامة. تلته ندوة مع وزير المالية عبد الله السليمان (حول مشروع تعبيد طريق المدينة ومشروعات أخرى)، ثم حديث مع مدير المدرسة الصولتية بمكة محمد سليم، وكيف مات التعليم قبل 80 عاماً. تلاه حديث مع مدير الإذاعة إبراهيم فودة، أعقبه لقاء مع اللواء علي جميل مدير الأمن العام حول (مزايا السكة الحديدية بين الرياض والدمام، وشؤون أخرى تتعلق بتقدم العمران)، وكان ذلك بمناسبة تسيير القطار لأول مرة بين الرياض والدمام، ثم حديث مع مدير الزراعة السيد أحمد عبيد، وبمناسبة انعقاد اجتماعات اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية بجدة عام 1374هـ فقد أجرى رئيس التحرير حديثاً مطولاً مع الدكتور طه حسين رئيس المؤتمر الثقافي حول (شؤون الثقافة والاجتماع والأدب هنا)، وهكذا يستمر نشر الأحاديث تحت عنوان (الندوة)، فقد أجرى حديثاً مع وكيل وزارة المعارف، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، حول (شؤون التعليم، والمدينة الجامعية. وإنشاء مدارس لتعليم الكبار)، وفي عدد شعبان 1375هـ نشر حديثاً مع الأستاذ سعود الدغيثر، وكيل وزارة المالية في المنطقة الشرقية، وحديثاً مع الأستاذ عبد الكريم الجهيمان رئيس تحرير جريدة أخبار الظهران عن (مستقبل الأدب والعمران في المنطقة الشرقية)، وغيرهم.

كما اهتمت المنهل بأمور أخرى لها أهمية في تطور المجتمع وتقدمه، فقد اهتمت بالآثار تحقيقاً واكتشافاً واستخراجاً للتاريخ، فنشرت كثيراً من البحوث الأثرية، وكان للكتاب الفضي -الذي صدر بمناسبة مرور 25 عاماً على صدور المنهل، وسجل به الكثير من المعلومات عن سيرة المجلة، ومسيرتها- الأثر البالغ والصدى الواسع في الأوساط الثقافية.

واشتهرت المنهل بندوتها الشهرية التي تعقد بدار المنهل بالسوق الصغير بمكة المكرمة من بداية عام 1367هـ فبراير 1948م، حيث كان يعمل رئيس تحريرها رئيساً لتحرير جريدة أم القرى، ونشر ما يدور فيها في أعداد المجلة تحت عنوان (الندوات المنهلية)، ويشترك فيها الكثير من الأدباء والعلماء والمسؤولين. من هذه الندوات (التعليم العام، أم التعليم العالي؟)، و(الأدب الحديث، هل أثر أو ما أثر؟ وماذا أثر، إن كان له أثر؟ ولماذا لم يؤثر، إن لم يكن له تأثير؟)، و(الصناعة أم الزراعة؟)، و(أهمية وجود إذاعة لا سلكية للدعوة إلى الخير، وتوجيه الشعب إلى العمل الصالح.. إلخ)، و (الأخلاق والتعليم)، و(رسالة الكاتب أم الشاعر؟)، و(هل النجاح بالثبات على المبدأ أم المسايرة؟)، و(أيهما أجدى لنهضتنا؛ الرأي العام أم الخاص؟) و(ابتعاث الثانويين للخارج).

وقد اهتمت المجلة ببحوث النقد في كل شيء، فقد تناولت نقد الأدب، نقد المجتمع، نقد الحياة، وبالجملة نقد كل شيء. فقد كانت مليئة بألوان النقد، ولكن بأسلوبها الخاص، فالنقد فيها –كما يقول صاحبها– أحياناً أخف من دبيب النمل، وقد تستعمل (أدب التقية) فيما تريده من نقد. وهي لا تجابه المنقود بالنقد المثير، وذلك لضمان حسن توجيهه، وحسن تنبيهه.

وأول نقد لأثر أدبي حديث في الحجاز كان موجَّهاً لكتاب (وحي الصحراء) لمحمد سعيد عبد المقصود، وعبد الله بالخير، نشر في العدد الثاني لشهر محرم 1356هـ، وكذا نقده للأدب الحجازي، و(أدب النفس وأدب الدرس). كما نقد المنهل كبار الأدباء المصريين: إبراهيم عبد القادر المازني، وزكي مبارك، وطه حسين، بأسلوب جديد تحت عنوان جديد (في الميزان). كان ذلك بدءاً من عدد ذي الحجة 1356هـ، 1938م، كما نقدت المنهل مواضيع أخرى مثل: (تبسيط قواعد اللغة العربية)، ونقد كتاب (حافظ وشوقي) لطه حسين، بقلم أمين مدني، و(الاستدراكات على كتاب المحاضرات)، و(في قفص الاتهام)، ونقد كتاب (جغرافية جزيرة العرب)، في عدد رجب 1366هـ، بقلم حمد الجاسر، كما نقد كتاب (فكرة) لأحمد السباعي، وقصة (البعث) لمحمد علي مغربي، ونقد (المرصاد) للفلالي... إلخ.

وقد اهتم المنهل بالقصة، ودعا للنهوض بها، فأول قصة نشرت في العدد الثالث لشهر صفر 1356هـ للأديب حسين سرحان بعنوان (رجل من الناس)، أعقبها الكثير لمحمد سعيد العامودي، وأحمد رضا حوحو، ومحمد أمين يحيى، وطاهر زمخشري، ومحمد عالم الأفغاني، ومحمد علي مغربي، وأحمد بوشناق، وأحمد السباعي، وغيرهم. وقد أحصى عدد القصص التي نشرت في الأعداد الماضية والتي ضمها الكتاب الفضي خلال 25 عاماً فبلغت (خمساً وعشرين ومائة) قصة ما بين نثر ونظم.

وللشعر مكانُه ودوره في المنهل والذي لا يقل عن مكانة القصة.

وللعناية باللغة فقد أخذ المنهل على عاتقه حماية اللغة العربية الفصحى من أكدار العامية، وأوضار التحريف والخطأ في العبارة، وفي التركيب الفني، وقال إن عنايته بالفصحى ذات وجهين: أحدهما أنه لا ينشر أية كلمة أو مقالة أو قصيدة إلا إذا اعتقد أن صيغتها ترضي الذوق العربي الفصيح جملةً وتفصيلاً، وثانيهما أنه اهتم بتصحيح سوائر الكلمات المغلوطة في الصحافة والدواوين والكتب والإذاعة والخطب على ألسنة الخطباء والمحاضرين[18] .

كما اهتم بالشعر الحديث وقد أطلق عليه اسم (من الشعر المنثور)، إذ خصص صفحات من كل عدد بعنوان: (منهل الشعر)، ونشر القصائد، وقدم لها مثل: قصيدة (إلى صاحبي المجنون) في العدد الرابع من السنة الرابعة لشهر رمضان 1359هـ، أكتوبر 1940م، وقدم لها الأنصاري بقوله: «ننشر هذه القطعة الفنية من الشعر المنثور بقلم الأستاذ أحمد السباعي. والشعر المنثور وهو شعر العاطفة السامية والفن الرائع، ويسرنا أن يكون من أدبائنا المبرزين من يتعاطا (كذا؟ ص: يتعاطى) هذا اللون الجديد من الشعر العاطفي الجميل».

أدب المرأة

ولأدب المرأة مكانه البارز في المنهل، فالأدب بمفهوم الأنصاري أنه لا يقتصر على الرجال وحدهم، وأن للنساء حق مشاركتهم في ممارسة ألوانه، ودليله على ذلك مأخوذ من تاريخ الأدب العربي. فكم من أديبات ظهرن في العالم الإسلامي، من قديم ومن حديث؟!

وقد فتح لها الباب بنشر تراجم لعالمات من الحجاز في أعداد المنهل لعام 1371هـ، كما نشر نتاج أديبات معاصرات، كالسيدة نعمات أحمد فؤاد الأديبة المصرية، فقد نشر لها المنهل في عدد جمادى الثانية 1375هـ يناير وفبراير 1956م، مقالة بعنوان (الأم المثالية)، وأول أديبة سعودية ينشر لها هي السيدة جهان شكيب الأموي فقد نشر لها قصة (أزواجٌ ثانٍ؟) في عدد جمادى الأولى 1376هـ ديسمبر 1956م، وسبق أن نشر لها في عدد ذي الحجة 1375هـ موضوع: (دين ووفاء)، ورغم أن بعض الكتّاب قد لامه على نشره مثلَ هذه الأعمال إلا أنه صمد أمام من لامه، وجادلهم بأنه لا يرى بأساً من ناحية الدين، والمرأة ليست عورة، وإن علمها ليس مستنكراً في الإسلام، ففي السلف من عالمات ورعات وحافظات للحديث، تلقى منهن فطاحل العلماء، وأسندوا إليهن الرواية في الكتب، ومنهن أديبات نظمن الشعر وكتبن الرسائل الأدبية في العصر السابق للإسلام؛ لذلك ما على المنهل إذا اقتحم -لأول مرة- ميداناً يعتقد أن اقتحامه ليس جناية ولا جُنحة[19] .

ومجلة المنهل تمثل الكثير من شخصية عبد القدوس (رحمه الله)، فقد أصر على إصدارها واستمرارها رغم قلة الموارد، كما يقول محمد علي مغربي ولست أشك أنه لقي الكثير من الصعوبات المالية حتى أبقاها مستمرة ما يقرب من نصف قرن دون ملل أو كلل: «... ومجلة المنهل -كما يعلم قراؤها- مجلة متخصصة تعنى بالشؤون الثقافية والأدبية والعلمية، فليس للإعلان فيها سوق رائجة لأن قراءها طبقة خاصة من الناس، ولكن عبد القدوس استمر في إصدارها رغم العوائق، بل واستمر في تطوير طباعتها عاماً بعد عام، فأخذت تساير المجلات الأولى في الطباعة الأنيقة المزودة بالصور والرسوم مع جودة الورق وجمال الإخراج».

وقال أيضاً: «... ولقد كان لاحتفاظ المجلة بهذا المستوى أكبر الأثر في استثنائها حين صدور قرار دمج الصحف وتحويلها إلى مؤسسات، فكانت المنهل هي المجلة الوحيدة التي استثنيت من بين جميع المجلات والصحف التي كانت تصدر في المملكة...»[20] .

ولعل المنهل الذي رعاه عبد القدوس الأنصاري (رحمه الله) شاباًّ ورجلاً وشيخاً هو الموسوعة الحقيقية لمعارفه وتحقيقاته، وهو -كذلك- من أهم المراجع لكثير من الأدباء والعلماء الأموات منهم والأحياء، لقد وهَبَ عبد القدوس نفسه للعلم والأدب والتحقيق والبحث[21] .

قال الشيخ حمد الجاسر (رحمه الله) عند رثائه له بُعيد وفاته: «... وجُهد الأستاذ الأنصاري في المجال الثقافي في بلادنا، وأثره في ذلك واعتباره من الرواد في هذا المجال، كل ذلك لا ينكره إلا جاهل أو مكابر.

ومجلته (المنهل) ومؤلفاته تعتبر ذخيرة من الذخائر الثقافية التي تضاف إلى ما لبلادنا من الآثار النافعة في المجالات الفكرية»[22] .

وللمنهل أولويات لا تنكر نختار منها:

1- أول صحيفة وطنية جعلت نصب عينيها بعث التراث الوطني المطمور تحت الأنقاض.

2- أول صحيفة سعودية تفتح صدرها للناشئين لترتقي بمواهبهم وتفكيرهم مثل (منهل التلميذ)، و(منهل التلاميذ والكتاب الناشئين) ثم إلى (صوت النشء) و(منهل الطلبة).

3- أول صحيفة وطنية قامت باستفتاء الكبار والعلماء والأدباء المسؤولين في ما يهم البلاد.

4- أول صحيفة عُنِيَت بالقصة نشراً لها ونشراً عنها.

5- أول صحيفة وطنية قاومت نزعة (أدب المهاترات) بكل ما أوتيت من جهد، قولاً وعملاً.

6- أول صحيفة واصلت حملاتها ضد الاستشراق والمستشرقين، وضد التبعية الثقافية والفكرية للغرب.

7- أول صحيفة وطنية حاولت أن تجلو الصلة بين الألفاظ العامية الدارجة في الحجاز ونجد، واللغة الفصحى.

8- أول صحيفة وطنية ركزت قسطاً كبيراً من اهتمامها في الدعوة إلى تصنيع البلاد.

9- أول صحيفة دعت المعارف إلى تأليف كتب مدرسية لمؤلفين من أبناء البلاد.

10-أول مجلة وطنية أدخلت (الشعر المنثور) في أعمدتها من عام 1358هـ، 1959م.

11- أول صحيفة وطنية فتحت (ندوة أدبية) في دارها بمكة في السوق الصغير.

12- أول صحيفة دعت إلى إنشاء جامعة سعودية.

13- أول صحيفة عُنيت بتراجم علماء البلاد وأدبائها.

14- أول صحيفة وطنية نشرت رواية مسرحية (أدباء المظهر) عدد جمادى الثانية 1358هـ.

15- أول مجلة وطنية دعت - في افتتاحيتها -إلى تأليف لجنة للبحوث العلمية عام 1360هـ.

16- أول صحيفة دعت إلى السعي وراء تصدير أدبنا إلى الخارج.

17- أول مجلة سعودية خصصت فيها جائزة أدبية مادية لأحسن تأليف أدبي عندنا.

18- أول صحيفة طالبت بإنشاء محطة إذاعة في المملكة، بما نشر في عدد جمادى الأولى 1359هـ / 1940م.

19- أول صحيفة نشرت استكشاف موقع سوق عكاظ الحقيقي.

20- أول صحيفة وطنية نشرت عن النساء العالمات في الحجاز.

21- أول صحيفة وطنية دعت إلى (ترقيم منازل وشوارع المدن الكبرى بالمملكة).

22- أول صحيفة وطنية اتخذت عنوان (اعرف بلادك) للتعريف بمدن المملكة.

23- أول صحيفة وطنية تحتفل بيوبيلها الفضي. وغيرها كثير.

يذكر نبيل المحيش، وينقل عنه محمد الدبيسي، أنه قد أنشأ في المدينة المنورة -بعد صدور المنهل بعام واحد- جماعة أدبية كان الأنصاري وأحمد الخياري وأحمد رضا حوحو ومحمد نقشبندي سموها (نادي الحفل الأدبي للشباب العربي السعودي المتعلم) تهدف إلى تفتيح الأذهان، وترقية مستوى البيان العربي، وإصلاح المجتمع، وكان يرتاده شباب المدينة والمملكة الذين يزورون المدينة، ولكبار الحجاج والأدباء والعلماء أثناء مواسم الزيارة والحج، ويعقد النادي جلساته كل ليلة جمعه من كل أسبوع[23] .

والمنهل من أقدم المجلات العلمية والأدبية في المملكة، ولها سمعة واسعة في عالم الأدب والصحافة في مختلف أنحاء البلاد العربية والإسلامية، وهي في تطور وتقدم مستمر منذ صدورها، ولا تزال المنهل تصدر شهرياًّ بصورة منتظمة، وتؤدي رسالتها في خدمة العلم والأدب على خير وجه.

وقد التزمت المجلة -منذ صدورها- بعدم نشر المهاترات الجدلية، ولكنها تفتح صدرها للنقد البناء الذي يمس الموضوعات، ولا يتعرض الشخصيات[24] .

وقد أسهمت المنهل في تنمية الوعي، وتحريك الرأي العام في شتى المجالات الأدبية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فعقدت الندوات وأجرت الاستفتاءات المتنوعة والتساؤلات.

قال نبيل المحيش: «و لو لم يكن لعبد القدوس الأنصاري من جُهد في خدمة أدب هذه البلاد وفكرها إلا تأسيس وإدارة هذه المجلة هذه المدة الطويلة لكفاه ذلك فخرا وعزا»[25] .

أما محمد الدبيسي فيقول: «ويمكننا، هنا، أن نَعُدَّ الدور المحوري المهم -الذي لعبته المنهل واختطَّه لها الأنصاري منذ نشأتها- دوراً إحيائياًّ نهوضياًّ رائداً»[26] .

ويقول أكرم جميل قنبس: «لقد برزت مجلة المنهل «سفينة محملة» بكل مقومات الفكر، تشق ذلك الخضم الزاخر، تعبر في ثقة وثبات وسط التيارات الفكرية المتعددة، والاتجاهات الفلسفية المتباينة، وهي عامرة بكل غذاء فكري، وأدب لباب، تحمل في دفتيها فكر أدباء الحجاز، وتفسح المجال في صفحاتها لكل صاحب رأي رصين وفكر سديد»[27] .

ويقول عثمان حافظ: «... ولقد حظيت المنهل -منذ صدورها- بتشجيع عدد من كتابنا البارزين، الذين زودوها بموادَّ أدبيةٍ هامة، كما حظيت بكتاب آخرين من مختلف البلاد العربية والإسلامية.

وقد سدت المنهل فراغاً أدبياًّ كبيراً في عالم الأدب والثقافة العامة والآثار التاريخية في المملكة، وكانت المنهل تقوم بدراسات أدبية وأثرية وتاريخية لكثير من مناطق المملكة، وتصدر أعداداً ممتازة بهذه الدراسات...»[28] .

وقال: «... إن الذين يعودون إلى تلك الأيام، ويراجعونها يشعرون بالدهشة؛ لأن موجة الأدب قد انحسرت كثيراً في هذه الأيام عما كانت عليه في السابق... ولولا أن مجلة المنهل تطالعنا -من حين لآخر- بمواضيع أدبية، وقطع شعرية في بعض الصحف، ولولا التزام مجلة المنهل بطابعها الأدبي إلى اليوم لاستطعنا أن نقول: إن الأدب قد أصيب بنكسة، مع أن جيل الأدب الذي بدأ حياته الأدبية في تلك الفترة لا زال حياًّ يرزق...»[29] . وقال: «والصحافة -على أي حال– هي ربيبة الأْدب، فالأدب هو الذي أرسى قواعدها، وأشاد بنيانها وطورها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من ازدهار وقوة...»[30] .

وقال علي جواد الطاهر عن المنهل: «... وهي مجلة شهرية تخدم الاْدب والثقافة والعلم (أدبية الطابع)، وإلى جانب وفاء مجلة المنهل بما وعدت به من إحياء التراث الأدبي في هذه البلاد، فإنها شجعت تلك الأنواع الأدبية التي وفدت -آنذاك- على الأدب في المملكة؛ كالقصة القصيرة، والشعر الحر، واهتمت -كذلك- بنشر ما يترجم من الأدبين الشرقي والغربي، وحرصت على نشر ما يتصل بالمملكة من دراسات تاريخية...»[31] .

وقال بكري شيخ أمين: «... وتعتبر «المنهل» أقدم مجلة أدبية في البلاد، وهي -من حيث المستوى الأدبي- تساير رصيفاتها في البلاد العربية الأخرى، كما تعتبر من المصادر الأساسية في دراسة الأدب في قلب الجزيرة العربية، ولاسيما في العصر الحديث»[32] .

وقال عبد الفتاح أبو مدين في (صحافتنا في بداياتها): «... ومجلة المنهل كان بها زخم من المقالات وندوات يعقدها صاحبها الأستاذ عبد القدوس الأنصاري، يتحدث فيها الأدباء -الذين يتحلَّقون حوله- أحاديث جادة قوية في القضايا التي يقترحها صاحب المجلة، أو التي يلقي بها الأدباء من حوله، وكانت تلك الآراء التي قرأت بعضها تصور وعي الجيل الماضي، وإتقان قراءاته، وإدراك ما يقرأ، وما يشارك به في هذه المدارات التي تعقد بين حين وحين، يلقى فيها الآراء والبحث والجدل، حول قضية من قضايا الأدب والتعليم والنهضة التي يتطلع إليها، بما يدعم نهضة البلاد بمختلف شؤونها...»[33] .

وبعد أن يستعرض عبد الله سالم القحطاني الدوافع التي أدت إلى ظهور المنهل يقول: «... بالإضافة إلى هذه الدوافع التي جعلت صاحب هذه المجلة - وهو في سن الشباب، وكله حماس إسلامي - رأى أن يصدر هذه المجلة لتكون أداة فعالة في مقاومة التيارات الاستعمارية والغربية والعودة باللغة والدين إلى منهجهما القويم...»[34] .

وتميزت (المنهل) بجدِّيَّتها الشديدة؛ فقد تبنت عدداً من القضايا الأدبية الهامة، واهتمت بها اهتماماً كبيراً، وكان من أبرز هذه القضايا التي تبنتها وكتبت عنها:

 

أ - أسباب ركود الحياة الأدبية في المملكة وكيفية تطورها.

ب- أدبنا المحلي وهل هو صالح للتصدير؟

ج - تفرغ الأدباء سعياً إلى إنتاج أدبي أفضل.

وكان صاحب (المنهل) حريصاً على أن يستهل مجلته بمقال افتتاحي يتناول فيه بعض هذه القضايا، ولكنه كان يؤكد -دائماً- أن مجلته يجب أن تبتعد عن المعارك الأدبية؛ لأنها -في رأيه- تتحول إلى خصومات شخصية، ومهاترات، ومع ذلك فقد أثيرت على صفحات المنهل كثير من المعارك الأدبية»[35] .

ومثلما كان من أوائل من دعا لافتتاح الإذاعة السعودية؛ فإنه -بعد افتتاحها- ظل يمدها بأحاديث في موضوعات مبتكرة وشائقة، يدون بعضها في العدد الخاص من مجلة المنهل بعنوان (أوعية وغلال)[36] .

[1]  بحث ألقي في ملتقى العقيق الرابع بالمدينة المنورة: 1431هـ، 2010.

[2]  الصحافة في المدينة المنورة، محمد بن إبراهيم الدبيسي. مركز بحوث ودراسات المدينة، ط1 1429هـ / 2008م ص: 44.

[3]  ذكر ذلك عبد القدوس الأنصاري في (أدبنا الحديث كيف نشأ وكيف تطور). انظر: الصحافة في المدينة، مرجع سابق، ص: 32.

[4]  تطور الصحافة في المملكة العربية السعودية، عثمان حافظ. شركة المدينة للطباعة والنشر، جدة، 1396هـ / 1976م. ط1، جـ2/35.

[5]  مرآة الحرمين، اللواء إبراهيم رفعت باشا، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ، جـ1/414.

[6]  الصحافة في المدينة، مرجع سابق، ص: 43.

[7]  نشأة الصحافة في المملكة العربية السعودية، محمد عبد الرحمن الشامخ، دار العلوم، الرياض، ط1، 1402هـ، 1981م. ص: 65.

[8]  تطور الصحافة، مرجع سابق، ص: 55.

[9]  انظر الصحافة في المدينة، مرجع سابق، ص: 49.

[10]  انظر نشأة الصحافة، مرجع سابق، ص: 66.

[11]  ذكريات العهود الثلاثة، محمد حسين زيدان، مطابع الفرزدق، الرياض، ط1، 1408هـ، 1988م، ص: 105.

[12]  الصحافة في المدينة، مرجع سابق، ص: 54.

[13]  المدينة المنورة على أبواب عهد طباعي وصحافي جديد، عبد الرحمن الشبيلي، جريدة الشرق الأوسط، عدد 11313، الأربعاء 18/11/2009م.

[14]  عبد القدوس الأنصاري صحفياً، محمد القشعمي، ملتقى العقيق الأول بالمدينة المنورة، 1428هـ، ص: 5.

[15]  الكتاب الفضي، بمناسبة مرور 25 عاماً على صدور مجلة المنهل، مجلة المنهل، 1380هـ، 1960م، ص: 205 - 206.

[16]  عبد القدوس الأنصاري صحفياً، محمد القشعمي، ملتقى العقيق الأول بالمدينة المنورة، 1428هـ، ص: 6.

[17]  الكتاب الفضي، المنهل مرجع سابق، ص: 109.

[18]  الكتاب الفضي، مرجع سابق، ص: 147.

[19]  الكتاب الفضي، مرجع سابق، ص: 148.

[20]  أعلام الحجاز، محمد علي مغربي، دار العلم للطباعة والنشر، جدة، 1404هـ 1984م، ط1،جـ2/191-192.

[21]  أعلام الحجاز، مرجع سابق، ج2، ص191، 192.

[22]  مجلة العرب، جـ3، 4، س 18، رمضان- شوال 1403هـ، يوليو – أغسطس 1983م.

[23]  عبد القدوس الأنصاري، حياته وأدبه، نبيل بن عبد الرحمن المحيش، منشورات نادي المنطقة الشرقية الأدبي، ط1، 1419هـ، 1999م، ص: 64، وانظر أيضاً: الصحافة في المدينة المنورة، مرجع سابق، ص101.

[24]  انظر تطور الصحافة في المملكة، مرجع سابق، ص: 248-249.

[25]  عبد القدوس الأنصاري حياته وأدبه، مرجع سابق، ص: 92.

[26]  الصحافة في المدينة المنورة، مرجع سابق، ص: 114.

[27]  عبد القدوس الأنصاري من رواد الأدب والفكر الإسلامي، أكرم جميل قنبس، دمشق، دار الفرائد ط1، 1996، ص: 28.

[28]  تطور الصحافة، مصدر سابق، جـ2/267، 268.

[29]  تطور الصحافة، مصدر سابق، جـ2/271.

[30]  تطور الصحافة، مرجع سابق، جـ2/272.

[31]  معجم المطبوعات العربية، علي جواد الطاهر، ط2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، مطبعة إشبيلية، والمكتبة العالمية، بغداد، ط 1، 1985 جـ2/646.

[32]  الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية، بكري شيخ أمين. دار صادر، بيروت، ط1، 1392هـ، 1972م.ص: 114.

[33]  أوائل الأعداد من الصحف والمجلات السعودية، كتاب المجلة العربية، وزارة الثقافة والإعلام، الرياض، ط1، 1430هـ /2009م، تقديم عبد الفتاح أبو مدين، ص: 21.

[34]  الكشاف الجامع لمجلة المنهل، عبد الله سالم موسى القحطاني، منشورات مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط1، 1415هـ، ص: 31.

[35]  البدايات الصحفية في المنطقة الغربية (الحجاز) محمد القشعمي، ط1 منشورات نادي مكة الأدبي، 1427هـ، ص: 456.

[36]  (المرجع السابق، ص: 459.
* باحث
190009