مـجـــلـة (القـافـلة)
مَدْرَسَةٌ، ومنارةٌ ثقافيَّة
محمد الجلواح * - 15 / 2 / 2011م - 7:41 ص - العدد (59)

عبور المحطات والمحيطات

بدأ الحديث عن شركة (أرامكو)، التي تبزغ منها القافلة، منذ ما يربو على خمسة وسبعين عاماً، وهذا الحديث بدأ لكي لا ينتهي، وأحسب أنه لن ينتهي إن شاء الله.

وبدأ الحديث عن (قافلتها) بعد هذه الفترة بقليل. وهنا - في الوقت الذي يبدو للمرء من السهل عليه أن يمتاح ما شاء له من الكتابة والرصد والاستعراض والأعمال والنشاطات (الأرامكوية) (بحسب تعبير زميلنا الحبيب الدكتور عبد الله المغلوث)، فإنه من الصعب عليه أن يختار جانبًا مَّا من تلك الإنجازات والأعمال، وحسبي منها ما يخص قناتها الثقافية المقروءة، وأعني بها مجلة (القافلة) التي كان اسمها (قافلة الزيت) والتي كانت وما زالت نميراً عذباً قويا صافيا من الثقافة والعلم والفكر والأدب، ومصدراً أساسا من مصادر المعرفة على مستوى الوطن العربي بأكمله.

هذه المجلة التي كانت ترافقنا في حقيبة المدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعية، إلى جانب كل الكتب والكراسات والمذكرات.

كانت الرافد الأساس في تشكيل المخزون الثقافي والمعرفي لجيلنا، وللأجيال التي كانت قبلنا، ومن أتى بعدها حتى اللحظة.

وأقرب صورة تأتي هي ما كنا نساهم به في إعداد وحل المسابقات الثقافية المدرسية وغير المدرسية من المجلة نفسها، وتبرق هنا في لحظة الكتابة الإشارة إلى حرص شركة (أرامكو) على استمرار شيوع هذه المجلة وبقائها.

قيمة العمل، ورائحة الأنابيب

قد يكون الحديث عن المجلة لا يصل إلى حرف (ي) النهاية، كالشركة نفسها التي انبثقت منها، لكن أن تحرص هذه الشركة على تقديم هذه المطبوعة العربية بهذا الشكل، وبهذه القوة والرصانة والرزانة والجدية والاستمرار والدعم بكل ألوانه من بين أنابيب الزيت، وفوران الغاز، ورائحة المواد الصناعية، فهذا ما تكاد تنفرد به هذه الشركة العملاقة دون سواها من الشركات العالمية المماثلة، وتلك، والله، نعمة من النعم، وأعجوبة من العجائب!

أقول ذلك دون أدنى مبالغة أو تزلف أو حاجة، وأعلم أن أحبتنا في الشركة لا يرغبون في كيل المديح لهم، ولا للشركة وعوالمها، ولا لـ(قافلتها)، لكنك لن تجد بُدّا من ذلك؛ فالأعمال تتكلم بنفسها عن نفسها، وإذا كانت المقولة المعروفة (قيمة كل امرئ ما يُحْسِنُه) فإنني أستميح لنفسي إضافةً، ولا أقول تحريفاً، وهي (قيمة كل شركة ما تـُنجز)، وبالتالي فلا ضير أن نـُثـْني على هذه الشركة، ولو من باب ذكر الحقيقة في دعمها غير المحدود لمجلة (القافلة) فقط.

خمسة وسبعون عاما، أوج الشباب

نتوقف عند الرقم (خمسة وسبعون)، ونحن نتصفح العدد التذكاري الخاص الذي صدر قبل عامين من الآن، والذي أعدته الشركة، وهي تحتفل بمرور خمسة وسبعين عاما على إنشائها، والرقم خمسة وسبعون رقم يزحف بصاحبه إلى الشيخوخة والتهالك والهرم، كما نعلم، بحسب الناموس السائد للعمر الطبيعي لعموم المخلوقات، لكن في (أرامكو) لا.

هي -في الواقع العملي- خارجة عن هذا الناموس، إن صح التعبير، فهي شابة بعمر خمسة وسبعين، وتلك حقيقة ملموسة، لا إطراء أو غزلاً أو استحسانا أو من باب (جبر الخواطر).

وهي -في الواقع أيضا- انبثقت في الصحو لتستمر واقفة من دون نوم أو حتى تثاؤب، فلنا أن نهنئها بهذه المناسبة والعمر المديد، وما سيليها من آماد ومناسبات تهنئة دائمة سيارة، ما سارت الليالي والأيام، وقائمة ما دامت الشركة قائمة،إن شاء الله تعالى.

لا شك أن مجلة (القافلة) - التي كانت، ولا زالت، تتلقفها القلوب قبل الأيدي في المنطقة الشرقية، ثم بقية مناطق المملكة والخليج، والدول العربية - عَـبَـرَت محطات عدة، وبأساليب مختلفة لتصل إلى تلك الأيدي من أبناء موظفي (أرامكو) أنفسهم وإلى أيدي أقاربهم وأصدقائهم، وإلى أيدي سائر شرائح المجتمع.

فالكثير من موظفي الشركة، أو من ذويهم، أو من أصدقائهم يقولون إنهم كانوا يحصلون على المجلة ثم يقدمونها - بعد قراءتها - إلى أصدقائهم وأقاربهم، وأولئك كانوا يقدمونها، بدورهم، إلى آخرين للنهل من نهرها العذب.

ولعلك تجد قيام أحد عشاق المجلة بتقديم نسخة منها هدية إلى مُعَلـّـِمِه، أو صديقه، أو حتى مَـنْ تكون العلاقة معه على غير ما يرام، فتكون المجلة جسر تواصل بينهما، وبطاقة مودة وإرضاء لهما.

وقد يتحول هذا الموضوع إلى حروف نرجسية غير مرغوب فيها، بالاستمرار في الحديث عن مشاعري الخاصة تجاه المجلة، وأحاسيس الفرحة حين أتلقفها - منذ أن عرفتها - والتهم حروفها بشكل سافر حتى قدوم العدد التالي منها، وأجزم أن هذه المشاعر يشاركني فيها الكثير ممن تصلهم المجلة، أو أنهم من متابعيها.

وأحسب أنني أعربت عن شيء من ذلك في العدد الذهبي الخاص الذي احتفلت به المجلة بمناسبة بلوغها - هي لا الشركة - الخمسين عاما، والذي صدر في شهر رجب من عام 1423هـ، سبتمبر – أكتوبر2002 م، الزاخر بالعديد من الأسماء اللامعة البارزة في المملكة والوطن العربي من مختلِف التوجهات الفكرية والأدبية، ممن كتبوا في المجلة خلال مشوارها الطويل كطه حسين، وعباس محمود العقاد، ومحمد عبد القادر المازني، وأنور العطار، وغازي القصيبي، وشكيب أرسلان، ونقولا زيادة، وإلياس أبو شبكة، وطاهر زمخشري، وأحمد الصافي النجفي، وحسين زيدان، ومحمد حسن فقي، وعبد الله الشباط، وخليل الفزيع، ومحمود حسن إسماعيل، وغيرهم كثير.

القافلة: الأقدم خليجيًّا

وقد لا نكشف حقيقة جديدة إن قلنا إن مجلة القافلة هي رائدة المجلات الثقافية الخليجية وأقدمها، التي قد يكون أخِـذ عنها الكثير من خطها وأسلوبها وموادها التحريرية من قِـبَـل المطبوعات الأخرى، فلم تسبقها أية مجلة أخرى، إذ صدر العدد الأول منها في عام: 1373هـ/1953 م، حيث لم يكن قبل هذا التاريخ وجود أي مجلة ثقافية خليجية أخرى، ولا حتى في العام المذكور نفسه، سوى القافلة. نعم، ربما كانت هناك صحف، لا مجلات[2] .

واللافت للانتباه أنه رغم اعتماد الشركة - منذ وجودها في المملكة - في كل أمورها قاطبة على التاريخ الميلادي، إلا أن القافلة كانت تصدر مع مطلع الشهر الهجري، وهذا مما ساعد على أن تكون قريبة أكثر لدى المواطنين والمتلقين على مدى عقود طويلة. غير أن (القافلة) - التي كان اسمها حتى عام 1983م (قافلة الزيت) - أصبحت تصدر الآن كل شهرين ميلاديين، منذ عام 2003م، وهي اليوم وجبة دسمة، جدًّا، من الموضوعات، والتحقيقات، والفنون التشكيلية، والبصرية، والتجارب العلمية، وغيرها.

 وقد استحدَثـَتْ - في خطواتها التطويرية الأخيرة - مادة صحيفة رائعة، ذات طابع مهني وحِـرَفي ومعلوماتي، هي (ملف العدد) الذي يحتل الصفحات الأخيرة من كل عدد، وتستعرض فيه معظم جوانب المادة المـُختارة، وكل ما يتعلق بها تاريخيًّا ولغويًّا وأدبيًّا وفنيًّا واجتماعيًّا وغير ذلك، وأول هذه الملفات كان عن (الجسر)، ثم (الطباعة)، ثم (القهوة والشاي)، ثم (الشجرة الطيبة)... إلـخ. ولا تخلو هذه الملفات من انتقاء طريف، وطرح مفيد نافع، وأسلوب بسيط محبـّب لدى أغلب القراء، كملف (الحمار)، و(البطاطس) و(المُهـَرّج)، و(القفل والمفتاح)، و(الكـَذِب وحبائله)، وغير ذلك.

التميز للشركة والقافلة

كانت هذه المجلة إحدى أهم المصادر والروافد الثقافية والفكرية التي شكّـلـّت المخزون المعرفي العام لعدد من الأجيال منذ بداياتها، فكانت رفيقة للطالب، والمعلم والبَنّاء، والمهندس، والموظف، ورجل الأعمال، والمرأة، وحتى الفلاح، في الأحساء والقطيف، وغيرهما من مدن وقرى المنطقة الشرقية، بل وسائر مدن المملكة، إذا عرفنا أن هناك مئات العاملين في الشركة من خارج الشرقية يرسلونها إلى ذويهم في مناطقهم.

وليس في الأمر مبالغة إذا قلنا أنها امتدت، أيضاً، على دول الخليج، بل أجزم أنه غرف من نبعها العديد من إخواننا العرب في بقية أقطارهم بشكل أو بآخر، بدليل هذا التواصل الجلي الذي رأيناه في كتابات كبار الأدباء العرب المعاصرين الذين شاركوا في العدد الذهبي التذكاري -كما ذكرتُ آنفا- وذلك على امتداد مساحة زمنية تربو على أربعة عقود.

وقد مرت على المجلة فترات متفاوتة العطاء والمحتوى، كأي مطبوعة سيارة، لكنها حافظت على خط معين في الشكل والمضمون، وأحيانا في الحجم حتى ألفناها هكذا، ولو تجاوزته لنفرنا منها.

وفي الجانب المضيء لهذه القناة المعرفية الرصينة الرزينة التي تبزغ من بين أنابيب النفط في الظهران، ورائحة الغاز، وتعليمات شركة أرامكو الصارمة، كانت - ولا تزال - تعكس أجواء هذه الشركة، وأساليبها الأمنية والعملية والعلمية، ومكاتبها التي تمتاز برائحتها الطيبة المنعشة الخاصة، وهوائها المكيف البارد، كما تعكس الجانب الممتاز المتكامل الجميل الذي تمتاز به (أرامكو)؛ فأنت لا تجد شيئا متقنَ الأداء والكمال إلا وينصرف ذهنك إلى شركة أرامكو، وهكذا. فلا بد أن تكون القافلة انعكاسا لهذا التميز من الغلاف إلى الغلاف، في كل شيء.

هذه الشركة التي أعادت ترتيب حياتنا صحيا واجتماعيا وثقافيا وفكرا وعملا، وحببت إلينا الانضباط، تقوم بإصدار هذه المجلة لتتبوأ مكانتها المرموقة بين مختلف طبقات المجتمع السعودي، والخليجي، والعربي.

واستطاعت (القافلة) أن تكون صوتا (ولو بصورة محدودة) لموظف الشركة وإنسان المنطقة، كما استطاعت أن تحمل إليه، أيضا، آخر ما توصل إليه (العلم والطب والاختراع، وهذه كانت إحدى الزوايا السابقة للمجلة لزمن طويل، إن كنتم تتذكرون.

واستطاعت القافلة أن ترصد وتوثـّـق بالصورة جوانب وأشياء كثيرة للغاية في الأحساء بشكل خاص، والمنطقة الشرقية بشكل عام، وذلك في مسار الامتياز الذي انتهجته منذ البداية، أي إنها كانت منتبهة لثورة (ثقافة الصورة) التي نعيشها الآن في القرن الواحد والعشرين بكل تفاصيلها ووهجها، فكانت - ولا تزال - المرجع الهام للحصول على الصور النادرة للباحثين والدارسين والصحفيين.

التوقيع الشعري إليها

سويداءُ القلوب لها مَقرٌّ

ومن ماء العيون لها شرابُ

وتحضُنها الجوارح راقصاتٍ

وتعزفها الشفاهُ، فتُسْتَطاب

يَغارُ إذا الأيادي قَلَّبَتْها

بشوقٍ غامر، جَمٍّ كتابُ

تسيرُ مع الحُداة لعاشقيها

 فلا درب يُعوقُ، ولا صِعاب

أ(قافلةَ) الحضور بلا غياب

أ(قافلةَ) الحروف لك ِانجذابُ

وحسبُكِ في السنين خلودُ عُمْر

يلازمُهُ - مدى الدهر- الشبابُ

[1]  عضو مجلس إدارة نادي الأحساء الأدبي

[2]  ليست (قافلة الزيت) أول مجلة تصدر في الخليج، بل سبقتها مجلات أخرى، فمجلة (صوت البحرين)، مثلاً، أصدرتها نخبة من شباب البحرين في شهر ذي القعدة سنة 1369هـ، أغسطس آب 1954م. مديرها المسؤول السيد إبراهيم حسن كمال، وسكرتير التحرير محمود محمد المردي، وهيئة التحرير: حسن جواد الجشي، عبد العزيز الشملان، علي التاجر، عبد الرحمن الباكر. ومن حيث المادة وسعة المشاركات كانت أغنى من قافلة الزيت، وأكثر قيمة، ولقد أحسنت الدكتورة مي الخليفة أيما إحسان بإعادة طبع أعدادها وإتاحتها للقراء. أما أول مطبوعة أصدرتها أرامكو فلعلها النشرة التي أصدرتها عام 1945م بعنوان: (ARABIAN SUN – الشمس العربية)، ويحررها JACK Mahoney، صورة صفحتها الأولى على غلاف هذا العدد، وهي خاصة بشؤون عمال الشركة، وكانت تطبع على الآلة الكاتبة، أما أول جريدة صدرت في الخليج فهي جريد (البحرين)، أصدرها عبدالله الزايد عام 1939م. الواحة
شاعر وكاتب
125594