أهمية تحقيق المخطوطات
نسمة السحر للصنعاني نموذجاً
علي البهادلي * - 20 / 2 / 2011م - 11:45 ص - العدد (16)

من بين آلاف الكتب التي تحتضنها رفوف هذه المكتبة أو تلك، تبقى للكتب المخطوطة ميزة خاصة، يحرص القائمون على شؤون المكتبات على حفظها ورعايتها والعناية بها، بل يشبه أديب ظريف تلك المخطوطات وهي تحظى بالرعاية والعناية والحفظ يشبهها بالمحكوم بالسجن المؤبد!!

ولعل شدة الحرص تلك، تستتبع أحياناً منع الباحثين والمحققين من الوصول إليها، والإطلاع عليها، والاستفادة منها، وتعميم محتوياتها. وكثيراً ما نقرأ عن تلف هذا المخطوط أو ذاك أو ضياعه بسبب إنتقال المكتبة من مورث حريص إلى وارث مهمل. أو بسبب آخر كالحريق والكوارث الطبيعية أو البيئية.

تحقيق المخطوطات

ومما تقدم يمكن أن نستدل على أهمية تحقيق المخطوطات كفنٍ من فنون الكتابة، ولهذا الفن قواعده وأصوله، وعدته، إذ تبقى غاية التحقيق هي تقديم المخطوط صحيحاً كما وضعه مؤلفه. وللقارئ أن يتخيّل غياب وافتقاد عدد هائل من الكتب التراثية المهمة المطبوعة لولا جهود المحققين في المخطوطات الذين يفتشون عن المخطوطات أولاً، ويحددّون أهميتها ثانياً، ثم يحققون في صحة الكتاب المخطوط وفي صحة اسم مؤلفه ونسبته إليه، ويردّون النصوص إلى أصولها ومصادرها الأساسية، ويصححون ما قد يكون أخطأ فيه المؤلف، أو خانته فيه الذاكرة. مشيرين إلى اختلاف النسخ، واختلاف الروايات في كل لفظة، مشيرين إلى ما يرجح صحته بعد دراسة يقوم بها المحقّق لكل رواية واضعاً في الحاشية المصحف والمحرف والخطأ، إلى غير ذلك مما يبذله المحقق حتى يقدم للقارىء مخطوطاً قديماً كُتب بخطٍ غير واضح، وبأوراق قديمة صفراء مهلهلة، يقدمه، بحلة قشيبة، وبثوبٍ زاهٍ، يشف عما تحته من علم وثقافة بجمال ووضوح.

أهمية الكتاب

ولعل من بين أعمال التحقيق في المخطوطات، ما قدمه الأستاذ كامل سلمان الجبوري في تحقيقه لكتاب مخطوط معروف في الأوساط الأدبية وقد تردد ذكره في بعض الدراسات الثقافية كمصدر أدبي، هذا المخطوط هو:[نسمة السحر بذكر من تشيع وشعر] لمؤلفه الشريف ضياء الدين يوسف بن يحيى الحسني اليمنى الصنعاني، المتوفى في صنعاه باليمن سنة (1121هـ/1709م)، وصدر محققاً عام: (1420/1999م) للمرة الأولى عن دار المؤرخ العربي في بيروت في ثلاثة أجزاء، لا تقل صفحات كل جزء عن خمسمائة صفحة، من الحجم الكبير، بل قاربت صفحات الجزء الثالث سبعمائة صفحة.

يتحدث المحقق عن أهمية الكتاب، فيقول: (( إن عنوان الكتاب يبين بوضوحٍ مضامينه وموضوعه، إذ عرض المؤلف أخبار من ترجم لهم ونماذج من شعرهم، ووشاه بما عُرِف عنه من القدرة على الاستطرادات الأدبية الرائعة، والاستدراكات العلمية المفيدة وذكر الحوادث التاريخية، والمواعظ والطرائف، وأورد الكثير من الشواهد المختارة نظماً ونثراً، ما يشرح الخواطر، ويبهج النفوس، ويوسع المدارك، وبالإضافة لذلك فقد ترجم لجماعة كبيرة من علماء عصره وأدبائه الذين عاصرهم والتقى بهم: (ج1/ص25). مرتباً على حروف المعجم:( أ ـ ب ـ ت ـ ث ـ الخ). إقتداءً من المؤلف الصنعاني بأفاضل أئمة اللغة والتاريخ )) : (ج1/ص68).

ولعل ما يشير لأهمية كتاب [نسمة السحر] أن عدداً من مكتبات العالم قد احتوت نسخةً عنه، في خزائنها على رغم المدة الزمنية القصيرة من تأليفه حتى يومنا هذا. فهناك نسخة في مكتبة حيدر أباد في الهند محفوظة تحت رقم(43)، وهناك نسخة مصورة على الميكروفلم في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم (3154)، وهناك نسخة من المخطوط في توبنجن بألمانيا تحت رقم (7423ـ 131) وهناك نسخة في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء باليمن برقم (200). ونسخة في جامعة كامبردج، مكتبة برلين تحت رقم (7423) ونسخة في دار الآثار للمخطوطات ببغداد برقم(11517) بالإضافة إلى نسخٍ أخرى من هذا الكتاب هنا وهناك أو هنالك.

الشكل المضمون


وزعت مواد هذا الكتاب على ثلاثة أجزاء كما أسلفنا، لقد ضمّ الجزء الأول -على مدى(582) صفحة- كل من يندرج من الشعراء المترجمين تحت حرف( الهمزة ) حتى حرف ( الحاء )، وبلغ عدد المترجمين في الجزء الأول (54) شاعراً أولهم: إبراهيم الصولي البغدادي، وآخرهم الحسن بن عبداللّه الكبسي.

وترجم المؤلف لاثنين وسبعين شاعراً من المندرجين تحت حرف (الدال) حتى حرف (الكاف)، مبتدئاً بداود بن سلم أبو سليمان التميمي الشاعر، حتى الكميت بن زيد بن حبيش وذلك في(560) صفحة هي عدد صفحات الجزء الثاني، فيما جاء الجزء الثالث على ترجمة من يندرج تحت حرف الميم حتى حرف الياء في (417) صفحة إحتوت ترجمة (59) شاعراً.

وجاءت فهارس الكتاب العامة في القسم الأخير من الجزء الثالث من ص(420) حتى ص(678) لتذكر الآيات القرآنية الكريمة، والحديث النبوي الشريف، والأمثال، واللغة، والأعلام، والأعلام المترجمين في هامش الكتاب ومتنه، والأشعار، والأماكن والبقاع، والملل والقبائل والجماعات وفهرس للوقائع والأحداث، بالإضافة لمصادر التحقيق.

ومن الطبيعي أن عملاً بهذه الضخامة شكلاً ومضموناً بذل المحقق في سبيل إخراجه جهداً مضنياً قد تعتريه بعض الهفوات والعثرات، نجد المحقق في نهاية مقدمته يطلب من القارئ، التجاوز عمّا يلمسه فيه من هفوات. ولعمري فإن في مثل هذا الاعتراف من محقق الكتاب يتجلى تواضع العلماء.

رئيس المنتدى الثقافي العراقي في لبنان.
122076