أخطاء وأوهام شائعة (3)
في أدب الرحلات
عدنان السيد محمد العوامي * - 27 / 2 / 2011م - 6:08 ص - العدد (19)

ناصر خسرو والأحساء

عندي أن قراءة النصوص المكتوبة من أكثر الأمور تعقيدًا وصعوبة، فهي ليست بالبساطة التي نتصورها للوهلة الأولى لما تستوجبه من التدقيق والتأمل والأناة، فلرب فقرة تُرِكت أو قُرئت على عجل؛ أوقعت من اللبس والغلط وسوء الفهم ما لا يمكن تصوُّره، ولعل هذا ما حصل لكثير من قراء كتاب (سَفَر نامة) المترجم إلى العربية[1] ، وهو الكتاب الذي سجل فيه ناصر خسرو رحلته إلى الشام، وفلسطين، ومصر، والجزيرة العربية، فالمترجم - غفر الله له - لو أنه وقف عند الترجمة دون تدخلٍ في ما ظنه خطأً؛ فلربما اختلفت النتائج، ولربما لم يقع ما وقع فيه المؤرخون، الذين اعتمدوا على هذا الكتاب، من لبس وسوء فهم لحِق بسببه ظلم وتشويه كبيرين بسكان بلد بأكمله في تلك الحقبة، حتى نسبوا لهم الكفر، والعياذ بالله.

ولا أكتم القارئ العزيز أن المسألة التي أطرحها هنا مسألة بالغة الحساسية والحرج، لا سيما وأن (سفر نامة) اعتبر من أوثق المصادر التي اعتمد عليها المؤرخون الذين تناولوا تاريخ شرق الجزيرة العربية، وإذ قرَّ في الأذهان أن ناصر خسرو زار الأحساء، وسجل ما سجل عنها من معلومات عن مشاهدة ورؤية، فإن نسف هذا التصور هو في الحقيقة نسف لكل ما بني عليه من نتائج، ولذلك عنيت بالكتاب عناية خاصة، فأكثرت المراجعة والتدقيق، والتمعن، وخصوصًا الفصل المعنون: (إلى الحسا عن طريق الطائف ومطار والثريا وجزع وسربا واليمامة)، وزيادة في الحيطة والتثبت طلبت النص الفارسي لفسرنامة احترازًا من أن يكون فيه ما يخالف النص المترجم، فتفضل سماحة ابن العم السيد حسين بن السيد محمد العوامي بترجمته لي، فلم أر فيه فرقًا يذكر.

لقد تأملت في هذا الفصل بتؤدة وحرص شديدين، وقرأته قراءة نقدية متفحصة أوصلتني إلى نتيجة تأكد لي منها أن قَدَم ناصر خسرو لم تطأ تراب الأحساء أبدًا، وعينه لم تبصر شيئًا مما وصفه فيها، وكل ما في الأمر أنه بعد أن أتم حجته الأخيرة (الرابعة) صمم على العودة إلى وطنه عن طريق الأحساء، إذ أفهمه الجمَّالة بأنهم: (يبلغونها من مكة في ثلاثة عشر يومًا)، فتصور أن طريقها أقصر الطرق الموصلة إلى الخليج العربي المعروف في زمنه ببحر فارس، وهو أقصر الطرق المؤدية إلى بلده، لكن الظروف لم تبلغه مناه، فانقطع في فلج وحول طرقه إلى البصرة - كما سنرى – وعلى هذا فإن ما دوَّنه عنها لم يكن إلا نقلاً ربما كان إلى الخيال أقرب منه إلى الحقيقة والصدق. فأرجو أن يوفقني الله لدحض هذا الوهم الذي ظل عالقًا بالأذهان طيلة ما يقرب من ألف عام، وترتب عليه ما ترتب من تشويه لهذا القطر المؤمن.

الرحلة

استغرق ناصر خسرو في رحلته سبع سنوات منذ انطلاقه من مرو في السادس من شعبان سنة 437هـ متوجهًا إلى الشام وبيت المقدس ومصر، ثم إلى الحجاز، وبقي مترددًا بين بيت المقدس ومصر والحجاز طيلة سبع سنين حجَّ خلالها أربع مرات، قبل أن يفكر في العودة إلى وطنه، وفي طريق عودته آثر أن يسلك طريق الأحساء, لأنه ظن -كما قلت- أنها الطريق الأقرب إلى الديار الإيرانية. فهل شملت هذه الرحلة الأحساء؟

هذا هو المتيقن عند عامة المؤرخين المعاصرين الذين أرَّخوا لشرق الجزيرة العربية. لكن نتائج أخرى مناقضة لهذا ظهرت لي عند التأمل والتدقيق، فقد لاحظت - على امتداد الرحلة - أن لناصر خسرو في ثنايا سطوره شخصيتين اثنتين لا واحدة؛ إحداهما شخصية الرحالة حين يتحدث بلغة المشاهد معبرًا عن مشاهداته بعبارات المشاهدة، مثل: (فسِرْتُ، و: غادرْتُ، و: بلغنا: وأقمنا، و: مكثْت، و: خرجنا، و: قلت، و: رأيت، وقلت له، و: قال لي). وما يشبه هذه العبارات مما يستخدمه الحاضر في حديثه عادة. أما الشخصية الأخرى فشخصية الجغرافي الراوي، وهذه نلحَظها بوضوح في فصول الوصف غالبًا، كوصفه لليمن وغيرها من الأقطار التي لم يزرها، ففي هذه المواضع تختفي عبارات الرحالة المشاهد وتحل محلها عبارات أخرى مختلفة مثل: (ويقال، و: وسمعت، وكان لهم في ذلك الوقت)، وما شابه ذلك من صيغ الرواية، وحتى لا أطيل في ما لا غنية فيه نخلص إلى المرحلة الأخيرة من رحلته بعد أن أتم حجته الرابعة وغادر مكة متجهًا إلى بلده حيث انتهى إلى (فلج). لينعطف خط سيره إلى البصرة فهي غرضنا من هذا البحث.

خسرو الرحالة خطاط في فلج

ليأذن لي القارئ الفاضل أن أعرض الفصل الذي وضعه للحديث عن فلج كاملاً كعينة نستغني بها عن التطواف في الكتاب كله، وأملي أن يدقق مليًّا في صيغه كلازمة من لوازم فهم أسلوب الرجل ومنهجه فسوف يقودنا ذلك – بإذن الله - إلى فهم كلامه عن الأحساء.

بعد وصف فلج وذكر قلاعها ومزارعها قال: (والسكان هناك فقراء جدًّا وبؤساء، ومع فقرهم فإنهم كل يوم في حرب وعداء وسفك دماء... وقد لبثتُ بفلجٍ هذه أربعة أشهر في حالة ليس أصعب منها. لم يكن معي من شؤون الدنيا سوى سلتين من الكتب، والناس جياع وعراة وجهلاء، ويلتزمون حمل الترس والسيف إذا ذهبوا للصلاة، ولا يشترون الكتب، وكان هناك مسجد نزلنا فيه، وكان معي قليل من اللونين القرمزي واللازورد، فكتبتُ على حائط المسجد بيت شعر، ووضعت في وسطه ورق الشجر، فرأوه وتعجبوا، وتجمع أهل القلعة كلها ليتفرجوا عليه، وقالوا لي: إذا تنقش محراب هذا المسجد نعطيك مائة » مَنٍّ « تمرًا. ومائة مَنٍّ تمرًا عندهم شيء كثير، فقد أتى، وأنا هناك، جيش من العرب وطلب منهم خمسمائة منٍّ تمرًا فلم يقبلوا وحاربوا، وقتل من أهل القلعة عشرة رجال، وقُلِعت ألف نخلة، ولم يعطوهم عشرة أمنان تمرًا، وقد نَقشتُ المحراب – كما اتفقوا معي- وكان لنا في المائة مَنٍّ مِن التمر عونٌ كبير، إذ لم يكن ميسورًا أن نجد غذاءً، ولم يكن لدينا أمل في الحياة، ولم نكن نستطيع أن نتصور خروجنا من هذه البادية، إذ كان ينبغي للخروج منها، عن أي طريق، اجتياز مائتي فرسخ من الصحراء كلُّها مخاوف ومهالك، ولم أر في الأشهر الأربعة التي أقمتها بفلج خمسة أمنان من القمح في أي مكان، وأخيرًا أتت قافلة من اليمامة لأخذ الأديم وحمله إلى الأحساء، فإنه يُحضَر من اليمن إلى فلج حيث يباع للتجار. قال لي أعرابي: أنا أحملك إلى البصرة، ولم يكن معي شيء قط لأعطيه أجرًا، والمسافة مائتا فرسخ، وأجرة الجمل دينار، ويباع الجمل العظيم هناك بدينارين أو ثلاثة، ولكني رحلت نسيئة، إذ لم يكن معي نقود، فقال الأعرابي: أحملك إلى البصرة على أن تأجرني ثلاثين دينارًا،(في النص الفارسي ثلاثة دنانير) فقبلت مضطرًا، ولم أكن قد رأيت البصرة قط، فوضع هؤلاء الأعراب كتبي على جمل أركبوا عليه أخي، وسرت أنا راجلاً، وتوجهنا في اتجاه مطلع بنات نعش[2] ).

هذا هو أسلوبه في وصف ما يشاهده ويراه، ومن وصفه هذا يتبين لنا أنه انقطع في فلج، ولم يجد الوسيلة ولا المال الذي يوصله إلى الأحساء، ولم يجد ندحة عن قبول عرض الجمَّال بأخذه إلى البصرة فانعطف نحوها سالكًا طريق اليمامة.

بعد وصف الطريق الصحراوي الذي سلكه إلى اليمامة، وتعجُّبِه من بصر البدو بالمجاهل والمناهل قال: (وبالإختصار بلغنا اليمامة بعد مسيرة أربعة أيام)، وبعد وصف مختصر لليمامة ختمه بقوله: (ومن اليمامة إلى الحسا أربعون فرسخًا، ولا يتيسر الذهاب إليها إلا في فصل الشتاء حين تتجمع مياه المطر فيشرب الناس منها، ولا يكون ذلك في الصيف).

في الأحساء أم في قحط البادية

بعد هذه الخاتمة لوصف اليمامة يأتي فصل عنونه (وصف الأحساء). هذا الفصل هو الذي أوقع لدى الباحثين كل هذا الضجيج هو أوضاع الأحساء، إذ حسبوا أن خسروا ينقل ما ينقله عن مشاهدة مع أن السياق يبدو واضح الدلالة على أنه استطراد لوصف اليمامة خارج عن سياق سرده لوقائع الرحلة، بقرينة أنه في ختامه عاد فوصل ما انقطع من سرد رحلته بما نصه: (والآن أعود إلى حكايتي: حينما غادرنا اليمامة إلى البصرة). وبهذه العبارة وصل حديثه عن رحلته التي توقف عن سرد أحداثها في اليمامة، ومنها يتضح أنه اتجه إلى البصرة لا إلى الأحساء.

إذن هذا هو مسار الرجل في رحلته، وسوف يعود إلى رسم خطه ثانية في نهايتها كما سنرى قريبًا. فهل نطلب أكثر من هذا تأكيدًا بأن محاولة ناصر خسرو في الوصول إلى الأحساء انتهت إلى الفشل فانقطع في فلج، وعدل إلى البصرة ؟ فينبغي ألا تتشوش رؤيتنا بوصفه للأحساء، فإنه وصف عارض فعله أكثر من مرة في أقطار أخرى، فضلاً عن أنه لم يكن مقتصرًا على وصف الأحساء وحدها وإنما تخلله وصف القطيف وجزيرة البحرين وعمان , ومن يدقق سيرى أنه جاء بهذا الوصف التزامًا لمنهج اتبعه في رحلته كلها فوصف كثيرًا من البلاد التي لم يصل إليها كالقيروان وصقلية والأندلس واليمن.

وصف سماع لا وصف عيان

سيلاحظ المتتبع أنَّ هذا الفصل الذي ظُنَّ أنه يحكي قصة دخوله الأحساء لم ترد فيه أية إشارة تدل على مشاهدة، وإنما ملئ بعبارات بينة الدلالة على أنها نقل سماعي، وحتى تظهر لنا الصورة بوجه أكثر وضوحًا يحسن أن ننقل هنا خاتمة وصفه لليمامة، وهذا هو نصه حرفيًا:(وباليمامة مياه جارية في القنوات، وفيها نخيل، وقيل إنه حين يكثر التمر يباع الألف مَنٍّ منه بدينار، ومن اليمامة إلى الحسا أربعون فرسخًا، ولا يتيسر الذهاب إليها إلا في فصل الشتاء حين تتجمع مياه المطر، فيشرب الناس منها، ولا يكون ذلك في الصيف، والحسا مدينة في الصحراء، ولبلوغها، عن أي طريق، ينبغي اجتياز صحراء واسعة، والبصرة أقرب البلاد الإسلامية التي بها سلطنة إلى الحسا، وبينهما خمسون ومائة فرسخ، ولم يقصد سلطان من البصرة الحسا أبدًا.

والحسا مدينة وسواد أيضًا، وبها قلعة، ويحيط بها أربعة أسوار قوية متعاقبة).

وهكذا دخل في وصف الأحساء استطرادًا متصلاً بوصف اليمامة دون أية إشارة لمغادرته اليمامة ووصول الأحساء، فإذا تابعنا هذا الإستطراد حتى نهاية لن نجد فيه أية عبارة تدل على مشاهدة أبدًا، وكل عباراته جاءت في صورة الرواية مثل: (وقيل إن سلطانهم كان شريفًا، وقد ردهم عن الإسلام وقال إني أعفيكم من الصلاة والصوم). أو: (ويقال إنه قال لأبنائه). أو: (وكان لهم، في ذلك الوقت، قصر منيف)، وما ماثل ذلك من عبارات السرد القصصي.

لقد استمر في هذا الوصف إلى النهاية، حتى أتى على وصف الحسا والقطيف والبحرين وعمان، وبعد ذلك عاد لإكمال ما توقف عنه من سرد لمسار الرحلة بقوله: (والآن أعود إلى حكايتي، حينما غادرنا اليمامة إلى البصرة كنا نجد الماء في بعض الجهات). أما النص الفارسي لهذه الفقرة فهو أكثر وضوحًاودلالة على توقفه عن سرد وقائع الرحلة، يقول النص ما ترجمته: (و لنرجع إلى صلب الموضوع. لما ذهبنا من اليمامة نحو البصرة كنا نرى الماء في بعض المنازل دون الأخرى إلى أن وصلنا البصرة)[3] 

واضح هنا أن خط سيره انعطف إلى البصرة، ولم يتجه إلى الأحساء. نعم، وردت فقرة يتيمة ربما أوهمتنا بأنه وصل الأحساء ونصها حرفيًّا: (وقد ذهب أمير عربي إلى أبواب الحسا، ورابط هناك سنة، واستولى على سور من أسوارها الأربعة، وشن عليها غارات كثيرة، ولكنه لم ينل من أهلها، وقد سألني – حين رآني – عما تنبيء به النجوم. قال: أريد أن أستولي على الحسا فهل أستطيع أم لا ؟ فإن أهلها قوم لا دين لهم، فأجبته بما فيه الخير).

إن هذه الفقرة، إن فهم منها أحدٌ أنه لقي الأمير في الأحساء فأنا أفهم منها أن لقاءهما في غير الأحساء، وأنه سابق على مهاجمة الأمير لها، وهذا يظهر من نقطتين واضحتين، الأولى قوله: (أريد أن أستول على الحسا فهل أستطيع أم لا ؟)، فجملتا (أريد، وهل أستطيع) تفيدان المستقبل لا الحاضر كما لا يخفى، والثانية أنه حاصرها طيلة سنة، وناصر بلغ البصرة بعد ثلاثة شهور من مغادرته اليمامة. فلا يفهم من هذا أنه شهد تلك الحرب وعايش الحصار، وإنما الأدنى إلى التصور أن يكون هذا الأمير زعيمًا لإحدى قبائل البدو الذين عاش بينهم تسعة شهور كما يقول، فقد يكون لقيه هناك، أو ربما لقيه في مكة وكان في نيته مهاجمة الأحساء، الله أعلم.

ثم إن علينا ألا ننسى أنه حين وقع الغزو على فلج أثناء وجود خسرو فيها لم يكتف بذكره عرضًا بل نص بوضوح على مشاهدته لتلك الحرب بعبارة صريحة هي قوله: (فقد أتى، وأنا هناك، جيش من العرب). أما واقعة حصار الأمير العربي للأحساء فإنه لم يشر حتى إلى زمنها فضلاً عن مشاهدته لها، لذلك لا ينبغي أن نعول كثيرًا ولا قليلاً على قوله (سألني حين رآني) فنتخذ منه دليلاً؛ على وصوله الأحساء، إذ الأقرب أنه بعد رجوعه إلى بلده سمع بالحصار فدونه عند تدوين الرحلة.

وينبغي أيضا أن نتمعن في ما ينطوي عليه اتهامه البدو بعدم التدين، فقد نستفيد منه امتعاض الرجل مما سمع عن فرية حمل أهل الأحساء على الارتداد، لكنه لم يجرؤ على نفيها لرسوخها في الأذهان، فعمد إلى اتهام البدو بأنهم أيضًا لا دين لهم. مؤكدًا ذلك بقوله: (أقول هذا عن بصيرة لا شيء فيه من الأراجيف، فقد عشت في وسطهم تسعة شهور دفعة واحدة لا فرقة فيها[4] ). فمثل هذا التأكيد أو قريب منه لا أثر له في ما ذكره عن أهل الأحساء، وفي اعتقادي أن إجابته للأمير العربي الذي استشاره في شأن غزو الأحساء بما فيه الخير لا يخرج عن باب الخوف من العواقب فيما لو لم يواربه بمثل هذا الجواب المرضي.

وصف الأندلس والقيروان فهل ذهب إلى هناك؟

قلت إن الفقرة التي أتى بها بعد أن فرغ من وصف الأحساء والقطيف والبحرين وعمان، وهي قوله: (والآن أعود إلى حكايتي: حينما غادرنا اليمامة إلى البصرة كنا نجد الماء في بعض الجهات)؛ واضحة الدلالة على أنه توقف عن سرد رحلته في اليمامة، ثم أتى بوصف الأحساء عرضًا، تبعًا لمنهج اتخذه لنفسه بأن يلم بوصف البلدان القريبة للبلد الذي يزوره، فقد وصف الأندلس والقيروان وصقلية حين كان قريبًا منها في مصر، وحين كان في مكة قطع وصفه لها، وأتى بوصف اليمن، ثم عاد لمتابعة وصفه لمكة، وما فعله في وصف الأحساء لا يختلف عن هذا. ثم هل من الطبيعي أن يصف الأندلس، وهو على هذا البعد منه، ويتعرض لوصف الجزيرة العربية ويمر قريبًا من الأحساء دون ذكرها مع ما هي عليه من الشهرة والأهمية بين الحواضر العربية في عصره ؟ لا أظن ذلك، بل الذي أرجحه أن الرجل ذو منهج، وما كتبه عن البلدان التي لم يزرها يؤكد هذا، ففيه ترويح يطرد به سأم القارئ، واستقصاء يستوفي غرضه من الإحاطة.

بقيت ملاحظات لا بدَّ من الإلمام بها قبل أن نختم هذا الموضوع، نوجزها في ما يأتي:

1- لقد نبه خسرو إلى أنَّ السفر إلى الأحساء لا يكون إلا في الشتاء حين تتجمع مياه المطر، وقبل ذلك أخبرنا أن خروجه من فلج كان في أواخر شهر جمادى الثانية سنة 443 هـ، وهذا الوقت يوافق أوائل شهر أكتوبر. أوائل الخريف، ولأن السفر إلى الأحساء – كما اعتقَد - لا يكون إلا في الشتاء، وقد داهمه الصيف وهو في فلج فأغلب الظن أنه مكث الشهور الأربعة هناك منتظرًا الفصل الذي يسهل فيه السفر، ولذلك لم يفكِّر في التعاقد على السفر إلا في هذا الوقت،حين بدأ المناخ في الصحراء في الإعتدال.

2- إن منهج ناصر خسرو هو أن يؤرخ لوصوله للبلد أو مغادرته له، ولم يؤرخ دخوله الأحساء ولا مغادرته لها، وهو عين ما يفعله دائمًا في وصف البلدان التي لم يزرها.

3- إن أسلوبه واضح في التعبير عما يراه أو يصنعه بنفسه، كما رأينا من وصفه لفلج، فعلى أقل الإفتراضات أن يذكر المكان الذي أقام فيه في الأحساء، والأشخاص الذين لقيهم، فهذا ما لم يذكر منه شيئًا أيضًا.

4- أشار إلى أنه أمضى تسعة شهور متصلة مع البدو لا انقطاع فيها، فإذا حسبنا المدة بين ارتحاله من مكة في التاسع عشر من ذي الحجة سنة 442 هـ إلى دخوله البصرة في العشرين من شهر شعبان سنة 443 هـ منعطفًا إليها من اليمامة؛ تكون مدة سفره ثمانية شهور وسبعة أيام، ولكن الظاهر أنه اعتمد في حسابه على الشهور تامة أي منذ شهر ذي الحجة إلى شعبان، فهذه المدة تكمل تسعة شهور مجبورة، فأين هي مدة مكوثه في الأحساء؟ وفضلاً عن ذلك فإن نص عبارته صريح في أنه أمضى تلك المدة في وسط قوم لا يجد لديهم الماء، وإذا طلبه أعطي اللبن بدلاً منه، وأن القوم الذين عاش في وسطهم بدو: (لم يروا الحمامات أو الماء الجاري)، وليس هذا حال المقيم في الأحساء، فإنه هو نفسه قد أفاض في وصف وفرة المياه والأغذبة فيها، فقد ذكر أن في الأحساء عيون عظيمة تكفي كل منها لإدارة خمس سواق.

وَهَم المترجم فأوهم القراء

إن النص الأصلي لسفر نامة -كما نص عليه مترجم الرحلة- يقول: (والآن أعود إلى حكايتي، حينما غادرنا اليمامة إلى البصرة) وهو تصريح بأنه غادر اليمامة إلى البصرة لا إلى الأحساء. هذه العبارة تصرف فيها المترجم -سامحه اللَّه- فأبدل كلمة (اليمامة) ووضع مكانها كلمة (الحسا) ونبَّه على الأصل في الحاشية بقوله: (يقول النص: اليمامة، وصحتها الحسا كما يبدو من سياق الكلام). هذا التصرف من المترجم هو الذي أحدث كل هذا اللبس، وحرف الموضوع من أساسه، بينما الحقيقة هي أن سياق الكلام واضح الدلالة على أن نص الأصل هو الصحيح، فإننا علمنا أنه انقطع في فلج، وتعاقد مع الجمَّال على أن ينقله إلى البصرة، ولم يرد ذكر الحسا بتاتًا عند تعاقده على الرحلة مع البدوي، كما أنه لم يذكر وصوله الأحساء، ولا خروجه منها على عادته، فأين هي دلالة السياق الذي توهمه السيد المترجم؟

إننا إذا تابعناه يكمل حديثه عن الفترة التي أمضاها منذ مغادرته اليمامة حتى وصوله البصرة فسوف نفاجأ بصورة غاية في الغرابة لا يمكن أن تكون لشخص قادم من الأحساء بحال، فلنقرأ: (حين بلغنا البصرة كنا من العري والفاقة كأنا مجانين، وكنا لبثنا ثلاثة شهور لم نحلق شعر رأسنا، فأردت أن أذهب إلى الحمام التمس الدفْء، فقد كان الجو باردًا، ولم يكن علينا ملابس. كنت أنا وأخي كلانا يلبس فوطة بالية، وعلى ظهرينا خرقة من الصوف متدلية من الرأس، حتى قلت لنفسي: من الذي يسمح لنا الآن بدخول الحمَّام لنزيل ما علينا من كدر؟).

فمن ذا الذي يتصور أن هذه حال الخارج من الأحساء ؟ ولزيادة الصورة جلاءً يحسن أن نلم بمراحل رحلته زمنيًا منذ وصوله إلى فلج عسى أن نعرف أين أمضى الشهور الثلاثة التي لم يتمكن فيها من قص شعره.

أ - خرج من مكة في اليوم التاسع عشر من ذي الحجة سنة 442 هـ، السابع من مايو سنة 1051 م، وبعد أربعة أيام وصل الطائف.

ب - وصل فلجًا في 23 صفر 443 هـ أي بعد شهرين من خروجه من الطائف تقريبًا.

ج - أقام في فلج أربعة شهور. أي أنه لبث فيها إلى الثلث الأخير من شهر جمادى الثانية ثم غادرها إلى اليمامة.

د - وصل اليمامة بعد أربعة أيام من مغادرته فلجًا.

هـ – وصل البصرة في عشرين شعبان 443هـ.

نلاحظ، من هذا، أن المدَّة التي قضاها بين خروجه من فلج إلى وصوله البصرة هي الفترة الواقعة بين الثلث الأخير من جمادى الثانية إلى الثلث الأخير من شعبان، وهي لا تتجاوز الشهرين، ومع ذلك فقد عدها ثلاثة مما يؤكد ما قلناه أنه يحتسب الأشهر مهملاً أجزاءها معتبرًا جمادى الآخرة كاملاً، ورجب، وشعبان كاملين، فهل بقي في الأحساء مدة ثلاثة شهور دون أن يتمكن من قص شعره أو الحصول على ملابس؟ أم إن هذه المدة قضاها في البادية بين قوم لم يرو المياه الجارية؟

بعد هذا لا يبقى سوى الإحتجاج بوصفه الأحساء، وهذه الحجة سبق القول بإنها ليست دليلاً على وصوله إليها فقد وصف بلدانًا كثيرة غيرها، فإذا اعتمدنا وصفه البلد دليلاً على وصوله إليه فيتعين أن يكون قد وصل إلى اليمن وعمان والبحرين والأندلس والقيروان، وصقلية، وهذا ما لم يقم عليه دليل.

متى ألِّفَت الرحلة ؟

مما تسالم عليه مترجمو الرحلة أن خسرو كان يدوِّن مشاهداته يومًا بيوم، لكنه لم ينظمها في كتاب إلا بعد سنوات من عودته إلى وطنه[5] ، واختلافهم في تحديد الزمن الذي كتبت فيه لا يغير شيئًا من كون الرحلة كتبت في زمن متأخر عن زمن انقضائها، وأن معلوماته التي دونها عن البلدان التي لم يصل إليها، ومنها الأحساء، اعتمد فيها على النقل إما من الكتب أو السماع، وهذه النتيجة لا بد أن نصل إليها إذا تابعنا التلخيص الذي رسمه خسرو لخط رحلته في نهايتها، وما قاله عن المعلومات التي تضمنهتا الرحلة، فإنه نص صراحة على أن ما فيها ليس كله مشاهدة، بل إن بعضها كان سماعًا، وإليك النص حرفيًّا: (وتبلغ المسافة التي قطعناها من بلخ إلى مصر، ومن مصر إلى مكة، ومنها إلى فارس عن طريق البصرة، ثم إلى بلخ عدا الأطراف التي زرناها في الطريق؛ ألفين ومائتين وعشرين فرسخًا، وقد وصفت بأمانة ما رأيت في رحلتي، وأما ما سمعته، وكان عليه اعتراض، فلا ينسبه القراء إلي، ولا يؤاخذوني أو يلوموني…)، فهل اتضح لنا الآن أن خط سيره كان عبر اليمامة إلى البصرة، وليس الأحساء؟ وأن ما دونه ليس كله مشاهدة عيان؟ وأنه في الرحلة وصف سماعياً لا يلتزم بصحة ويتنصل منه؟

على أن الأغرب من كل هذا أن أحدًا من مترجمي هذه الرحلة أو ممن كتب عنها أو اعتمدها مرجعًا في كتاباته عن تاريخ شرقي الجزيرة العربية؛ لم يتنبه إلى أن ناصر خسرو متأخر، زمنيًّا، عن الحقبة التي وصف فيها الأحساء، وهي فترة قال إن الأحساء فيها كان يحكمها ستة من أبناء أبي سعيد الجنابي مجتمعين، فالمشهور، تاريخيًّا، أن أبا سعيد الجنابي اغتيل سنة 300 هـ أو سنة 301هـ([6] ) على اختلاف الروايتين. وناصر خسرو أرَّخ وصوله إلى (فلج) في الثالث والعشرين من شهر صفر سنة 443 هـ وبقي فيها أربعة شهور ثم غادرها إلى البصرة في نهاية شعبان سنة 443 هـ أي بعد مائة واثنتين وأربعين سنة من موت أبي سعيد، وناصر خسرو حتى لو أفسح لنا المجال للتخرص والتخمين، وسمح لنا بأن نفسر كلامه بمعنى تعاقب الأبناء الستة على الحكم واحدًا بعد آخر، فسوف يصبح هذا الاحتمال مستحيلاً، لأنه، ببساطة، يمد عمر أصغرهم مائة واثنتين وأربعين سنة، وهو عمر خارج عن المعتاد من عمر البشر، فكيف وقد حسم الأمر بتقريره بأنهم يحكمون مجتمعين، كما هو واضح من قوله: (ولهؤلاء الحكام الآن قصر منيف، هو دار ملكهم، وبه تخت يجلسون هم الستة عليه، ويصدرون أوامرهم بالإتفاق، وكذلك يحكمون. ولهم ستة وزراء، فيجلس الملوك على تخت، والوزراء على تخت آخر، ويتداولون في كل أمر، وكان لهم - في ذلك الوقت – ثلاثون ألف عبد زنجي وحبشي يشتغلون بالزراعة)؟

قوله: (ولهؤلاء الحكام – الآن – قصر منيف) إذا لم تكن خطأً طباعيًا أو من تصرف المترجم؛ يعطي المبرر للمعترض لأن يقلب المنضدة في وجهي، وينسف كل حساباتي ونتائجي، وله الحق إذا لم يواصل قراءة النص حتى يصل إلى قوله: (وكان لهم في ذلك الوقت)، وقوله: (وقد ذهب أحد هؤلاء السلاطين بجيش إلى مكة، أيام خلفاء بغداد). فهاتان الفقرتان واضحتان في دلالتهما على قِدَم الزمن الذي يتحدث عنه، فالسلطان الذي ذهب إلى مكة هو أبو طاهر أحد أولاد أبي سعيد. وذلك على ما يروى سنة 317هـ[7] ، فخسر ببساطة حج في زمن كانت مكة تحت سيادة الفاطميين، أما انحشار كلمة (الآن) فتحتمل التفسير بأن القصر المنيف ما زال موجودًا إلى أيام ناصر خسرو، أو إنها من خطأ المترجم أو النساخ، إذ ليس بمقدورنا إيجاد مخرج آخر لتبرير الفرق الزمني كالقول بأن الأبناء الستة تداولوا الحكم بالتعاقب واحدًا بعد آخر، فهذا لا يجوز حتى لو لم ينص صراحة على اشتراكهم معًا في إدارة الحكم وتداولهم الرأي وجلوسهم سويّا على التخت قبالة وزرائهم. فإننا حتى لو افترضنا التعاقب وافترضنا أن في أولئك الأبناء من وُلِد في السنة التي اغتيل فيها أبو سعيد وهي سنة (300 أو 301هـ) فكيف نبرر بقاءه حيًّا إلى سنة 443 هـ ؟ ثم لو افترضنا المحال وعاش أولئك النفر إلى ذلك الوقت؛ أفلا يكون ذلك من الخوارق العجيبة التي لا بد أن تستلفت انتباهه فيذكرها ؟

والخلاصة أن ما قاله ناصر خسرو عن الأحساء من إبطال الصلاة وغيره لم يقله عن مشاهدة، وإنما هي مما سمعه من تلفيقات أعداء القرامطة ومناوئيهم.

أحبتنا الذين تعودوا الخوف من المغامرة بالبحث في كهوف التاريخ وأغواره، وألفوا الاطمئنان إلى المدونات وتصديق ما فيها، ألتمس منكم العفو عما اقترفته من تشويش أذهانكم إن كان هذا عندكم من الثوابت المحكمة التي لا تحول ولا تزول.

ابن بطُّوطة هل زار الخليج حقًا ؟

المعلومات التي ذكرها ابن بطوطة، استوقفت عددًا من الباحثين، فشك فيها ابن خلدون، وابن حجر العسقلاني من المتقدمين، وفيليب حتي، وأحمد العوامري، ومحمد أحمد جاد المولى من المعاصرين. كما شك فيها أيضًا بعض المستشرقين [8] . ولعلي لن أكون آخر المتشككين في هذا الرحالة خصوصًا في ما زعمه من سياحته في بلدان الخليج؛ فهي – بدون ريب – تحمل على الظن بأنه إنما نقلها نقلاً لا مشاهدة، بل الواضح أنه نقلها من كتاب، ولكنه دلَّس ولفق وأضاف بعض الإضافات التي كشفت ذلك التلفيق، وأبدته للعيان، وإن أدخل فيه ما يدخل في حيز الممكن؛ كوصفه للمزروعات في البحرين مما يمكن معرفته بالشهرة. وسنرى بعد قليل أنه ينقل معلوماته سارقًا لا سائحًا كما زعم.

1 - في البلدان:

في وصفه لرحلته من قيس إلى البحرين قال: (ثم سافرنا منها إلى مدينة قيس - وتسمى أيضًا سيراف - وهي على ساحل بحر الهند المتصل ببحر اليمن وفارس)[9] .

المعروف أن (سيراف) مدينة على الساحل الشرقي من الخليج في البر الفارسي، و(قيس) جزيرة في بحر عمان[10] ، لكن ابن بطوطة لم يميز بينهما، وعدَّهما مدينة واحدة، وهذا خطأ لم يقع فيه أحد ممن كتب عن الخليج - حسب اطلاعي - غير ابن بطوطة، (انظر قيس وسيراف عند ياقوت الحموي، وعصره سابق لعصر ابن بطوطة بنحو قرن من الزمان - توفي ياقوت سنة 626هـ.، وابن بطوطة بدأ رحلته من طنجة في الثاني من رجب سنة 725هـ ودخل الحجاز قادمًا من الأحساء كما يزعم سنة 732، وانتهت رحلته في فاس في ذي الحجة سنة 750 هـ، ثم قام برحلة أخرى بين عامي 753-754، ودوَّن رحلته سنة 756هـ، وتوفي سنة 779هـ[11] ).

2 - البحرين

يدلُّ وصفه للبحرين على أنه لم يرها قط، فوصفه لها نقلٌ مشوَّهٌ عن البكري عبد الله بن عبد العزيز صاحب كتاب معجم ما استعجم، من كتابه (الممالك والمسالك)، وهو سابق على ابن بطوطة بما يقرب من ثلاثة قرون، حيث توفي سنة 487 هـ، والفارق أن البكري يصف البحرين القطر، في حين اختزله ابن بطوطة في مدينة سماها (مدينة البحرين)، فهو يقول عنها: (ثم سافرنا من سيراف إلى مدينة البحرين، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات بساتين وأشجار وأنهار، وماؤها قريب المؤنة، يحفر عليه بالأيدي فيوجد، وبها حدائق النخل والرمان والإترج والليمون، ويزرع بها القطن، وهي شديدة الحر، كثيرة الرمال، وربما غلب الرمل على بعض منازلها، وكان فيما بينها وبين عمان طريق استولت عليه بعض الرمال وانقطع، فلا يوصل من عمان إليها إلا في البحر، وبالقرب منها جبلان عظيمان يسمى أحدهما بكسير، وهو في غربيها ويسمى الآخر بعوير، وهو في شرقيها، وبهما ضرب المثل فقيل: (كسير وعوير وكل غير خير[12] ).

وحتى لا أرمى بالتجني على الرجل في اتهامي إياه بالكذب والسرقة يتعين أن أنقل نصُ ما قاله البكري، في صفة بلاد البحرين، فبعد أن ذكر حدودها قال [13] :(وهي بلاد سهلة كثيرة الأنهار من العيون. عذبة المياه. ينبطون الماء على القامة والقامتين. والحنا والقطن على شطوط أنهارها بمنزلة السوسن، وهي كثيرة النخل والفواكه)،

وعن المناخ يقول: (وبساتينهم على نحو ميل منها، ولا يأتونها إلا غدوةً أو رواحًا لإفراط حر الرمضاء)، وعن الزراعة فيها يقول: (وهي كثيرة النخل والموز والجوز والإترنج، والأشجار والزرع والأنهار، ومما يلي أوال جبل في البحر أسود يسمى الحازم يقيم به الغواصون الأشهر.) - يعتقد الشيخ حمد الجاسر (رحمه الله) أنه فشت الجارم، واعتقاده صحيح على ما أرى فالتصحيف في اللفظة محتمل.

ونمضي مع البكري في معلوماته التي نتهم ابن بطوطة بانتحالها؛ فنأتي على وصف الرمال: (وبلاد البحرين منهالة الكثبان، جارية الرمال حتى يسكروها بسعف النخل، وربما غلب عليهم في منازلهم، فإذا أعياهم حملوا النقوض وتحولوا).

هذا ملخص ما ذكره البكري عن قطر البحرين، وبالتدقيق فيه نتبين أن ابن بطوطة لم يفعل أكثر من حصره في مدينة واحدة مع إجراء التغيير في بعض مفرداته وعباراته، ويبقى مما لم يرد في كلام البكري ما قاله أن للبحرين طريقًا يصلها بعمان استولت عليه الرمال، فهذا يدل دلالة واضحة على عدم تمييزه بين الجزيرة والبلاد الواقعة في البر. وقوله بأن بالقرب منها جبلين عظيمين اسم أحدهما كسير واسم الآخر عوير يضرب بهما المثل، وهذه الإضافة ليست أكثر من تخليط، فكسير وعوير كما عند ياقوت: (جبلان عظيمان مشرفان على أقصى بحر عُمان[14] )، وهما ما يزالان معروفين إلى الآن.

وأما المثل فلا صلة له بالجبال ولا الهضاب، وإنما هو منسوب إلى أمامة بنت نشبة بن غيظ بن مرة، وكان قد تزوجها رجل من غطفان، أعور، يقال له خلف بن رواحة، ثم نشزت عليه، فطلقها، ثم زوجت لرجل من بني سُليم، وكان أعرج، فلما أدخِلت عليه رأته مكسور الفخذ فقالت: (كسير وعوير، وكل غير خير) فأرسلتها مثلاً[15] .

ومن الغريب أن الشيخ الجاسر (رحمه الله) حاول التماس العذر لابن بطوطة عما وجد عنده من العجائب فقال: (إن البحرين إقليم وليس مدينة كما ذكرنا هنا وكما سيأتي عن ابن خلدون. ولعله يقصد بكلمة (مدينة البحرين) قاعدة البحرين التي هي الأحساء في ذلك العهد). أقول هذا تسامح من الشيخ رحمه الله، فالرجل لم يترك مجالاً لحسن الظن به، بعد أن رتب رحلته ترتيبًا متقنًا لف به الحبل على عنقه بيده في عبارات تحرج من يحاول الإعتذار له، وهي قوله: (ثم سافرنا من سيراف إلى مدينة البحرين....)، وقوله (ثم سافرنا إلى مدينة القطيف …)، وقوله (ثم سافرنا إلى مدينة هجر وتسمى الآن الحسا …) هذا الترتيب المتوالي في المدن التي زعم أنه دخلها يجعل تلمس الأعذار له أوهى من حجج النحاة.

3 - القطيف

قال في وصف القطيف: (ثم سافرنا إلى مدينة القُطَيف، كأنه تصغير قطف، وهي مدينة كبيرة حسنة، ذات نخل كثير، تسكنها طوائف من العرب، وهم رافضة يظهرون الرفض جهاراً، لا يخافون أحدًا). ثم يصف أذانهم فيقول: (ويزيد بعد التكبير الأخير: محمد وعلي خير البشر، من خالفهما فقد كفر).

ولا يخفى ما في قوله هذا من كذب، فالمفترض من رجل زار بلدًا أن يعرف اسمها على الأقل، ثم ما هو الفرق بين أذان سكان القطيف وسكان البحرين والأحساء؟ وهو يزعم أنه زارهما، فكيف لم يسمع الأذان فيهما وصيغته واحدة في تلك البلدان جميعًا لأن سكانهما شيعة إمامية، وإذا كان مروره بالبحرين والأحساء من السرعة بحيث لم يتمكن من سماع الأذان فيهما؛ فكيف تسنى له معرفة تلك الأمور التي وصفها في البحرين من غوص وبساتين وجبال؟

لن يكون بالإمكان التماس العذر له بأنه ربما كانت البحرين في عصره على غير المذهب المعتنق في القطيف، التي قال عن أهلها بأنهم كلهم روافض. فهذا ابن المجاور، وهو من أعلام القرن السابع الهجري أي أنه أقدم من ابن بطوطة بقليل، زار جزيرة البحرين ووصفها بقوله: (سمي البحرين بحرين لأجل البحر، وأهلها العرب شبه البحر في كرمهم -أي بلاد تسمى البحرين- بحر ماء وبحر خُلُق، وتسمى الجزيرة جزيرة أوال، وبها ثلاثمائة وستون قرية، إمامية المذهب ما خلا قرية واحدة)[16] .

على أن المتأمل في عبارات ابن بطوطة يجدها قريبة النسب من عبارات ياقوت حيث جاء وصفه لمعتقد سكان البحرين في سياق وصفه لسكان عمان فقال: (وأكثر أهلها في أيامنا خوارج إباضية، ليس بها من غير هذا المذهب إلا طارئ غريب، وهم لا يخفون ذلك، وأهل البحرين بالقرب منهم بضدهم كلهم روافض سبائيون لا يكتمونه، ولا يتحاشون، وليس عندهم من يخالف هذا المذهب إلا أن يكون غريبًا[17] ). وقد تقدم أن تعريف البحرين عند ياقوت بأنه قطر يشمل الأحساء وأوال (البحرين) والقطيف. فلو انه زار أيًّا من تلك البلدان لما اختلط عليه معتقد السكان، ولوصفها وصفًا متقاربًا، ولكن الرجل ينقل ويشوه كما هو واضح.

وشيء آخر يدعونا إلى الشك في صدق الرجل، وهو أنه لم يصف القطيف والأحساء والبحرين بأكثر معالمها خصوصية، وهي العيون، فوفرتها، وغزارة مياهها، وقوة تدفقها لافتة للنظر، ومع ذلك لم يشر إليها من بعيد ولا من قريب، مع أن البكري أشار إلى ما في القطر من عيون وأنهار. عدا عن أمور أخرى لفتت نظر كثير من الرحالة مثل قلعة القطيف، وكانت موجودة في زمنه، فتأريخ بنائها هو سنة 216 هـ كما يشير إليه حجر كان مثبتًا في إحدى بواباتها نقش عليه كلمة (حجرة) وهي في حساب الجمَّل = 216. ومثلها قلعة البحرين وأسوار الأحساء.

ومن الغريب أن أرنولد ويلسون شكك في توصيف أبي الفداء للقطيف، واعتبر ابن بطوطة موثوقًا أكثر منه، وهذا نص ما قاله: (أما وصف ابن بطوطة فيما بعد للبحرين - وإن كان يخلط ما بين المقاطعة والمدينة - إلا أنه موثوق به أكثر من رواية أبي الفداء لأنه جاب المنطقة، وهو في طريقه إلى مكة، حيث عبر الخليج من ميناء سيراف الشهير[18] ). مع أن وصف أبي الفداء للقطيف هو المطابق للواقع الذي ظل مشاهدًا إلى عصرنا، وإليك الوصف الذي نقله ويلسون عن أبي الفداء حرفيًّا: (وفي القطيف على الساحل توجد أشجار نخيل ولكنها أقل عددًا مما في الأحساء كما أن هناك أماكن يغوص فيها الرجال على اللؤلؤ، وقد أخبرني أحد أبناء القطيف أن للمدينة سورًا ذا بوابات أربع وخندقُا، وفي حالة المد العالي يلامس البحر السور، وفي حالة الجزر يعود جانب من الأرض إلى الظهور فوق الماء). ثم يقول: (إنها كانت واقعة على خليج حيث يمكن لسفن كبيرة أن تدخل بحمولتها في حالة المد العالي[19] ).

إننا إذا استثنينا الخندق فلن نجد شيئًا قد تغير في قلعة القطيف حتى تاريخ إزالتها عما قاله أبو الفداء في القرن الثامن الهجري (ابو الفداء توفي سنة 732 هـ [20] ، والقلعة أزيل أغلبها سنة 1402 هـ، ومع ذلك فقد استحوذ ابن بطوطة بكذبه على ويلسون فوثقه، وشك في صاحب الوصف الصحيح. ومن هنا تأتي خطورة الكذب المنمق، ودعوى المشاهدة.

إن ابن بطوطة لم يعرف حتى الميناء التي عبر منها، على شهرتها، ولم يقل شيئًا واحدًا صحيحًا عن الغوص واللؤلؤ الذين شاهدهما، كما سنرى، ولم يصف البحرين وصفًا صحيحًا، ولم يعرف القطيف، بدليل تهجيته لها بالتصغير، ومع كل ذلك وثق به ويلسون وشك في رواية أبي الفداء مع إصابته الحقيقة في كل ما قال. فسبحان الله.

الغوص واللؤلؤ

يقول ابن بطوطة في وصفه للغواصين الذين شاهدهم في مغاص اللؤلؤ بين سيراف والبحرين: (ويجعل الغواص على وجهه، مهما أراد أن يغوص، شيئًا يكسوه من عظم الغيلم، وهي السلحفاة.... إلى أن يقول: (ويتفاوتون في الصبر في الماء، فمنهم من يصبر الساعة والساعتين فما دون)[21] ، ونحن حتى الآن نرى أن الغواصين لا تزيد مدة مكوثهم تحت الماء على دقائق ربما لا تجاوز الخمس إلا في حال استعانتهم بأجهزة التنفس، ومن يدري فلربما توفر لدى أهل ذلك العصر وسائل وأجهزة تزود الغواصين بالهواء.

وحين يصل إلى وصف اللؤلؤ يقول: (ويُفتح الصدف، فيوجد في أجوافها قطع لحم تقطع بحديدة، فإذا باشرت الهواء جمدت فصارت جوهرًا)، فهل هذه هي الكيفية التي يتشكل بها اللؤلؤ ؟ أم هل هذا الوصف وصف مشاهد؟

هذه قرينة أخرى تعضد رأينا في أن عين ابن بطوطة لم تكتحل بضوء أي بلد من بلدان الخليج، فلو زار المنطقة حقيقة لعرف الرأي الشائع، آنئذٍ، في كيفية تكون اللؤلؤ، لا سيما وقد زار مغاص اللؤلؤ كما يقول، فالإعتقاد السائد لدى أهل البحرين في تلك الأيام أن المحار تفتح أفواهها للمطر، فما دخل منه في أجوافها صار لؤلؤًا، وقد بلغ من سيطرة هذا الوهم أن تسلل إلى العلماء حتى أنهم نقلوا أن أبا البحتري نقل في كتاب (قرب الإسناد) عن الإمام جعفر الصادق تفسير قوله تعالى: ]يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [ أنه من ماء السماء وماء البحر، فإذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها في البحر، ويقع فيها من ماء المطر فتخلق اللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة، واللؤلؤة الكبيرة من القطرة الكبيرة[22] ، ولم يلتفت واضع هذا التفسير على الإمام أن الآية تذكر المرجان أيضًا.

وقد بقيت هذه الأسطورة حتى زمن متأخر جدًّا، فهذا الشيخ عيسى بن صالح العصفور من أهل القرن الحادي عشر الهجري، من قصيدة مدح بها الشيخ جعفر بن كمال الدين يصف تشكل اللؤلؤ فيقول:

أمسى يمير عشار المزن وابله

ليضحك البحر والأشجار في الأجم

فكت لأفواهها الأصداف مذ علمت

بوبله، فغدت باللؤلؤ الرخم[23] 

ولقد نبه الرحالة اليهودي بدرو تخسيرا إلى هذا الوهم شاكًّا فيه، وتعليله لتكون اللؤلؤ قريب من الصحة وإن لم يكن دقيقًا، وهذا نص ما قاله: (وقد كتب الكثير عن اللؤلؤ، ومع احترامي لكل ما كتب لا أستطيع أن اتفق معهم في الرأي القائل بأن اللؤلؤ يتكون نتيجة نقطة مطر تسقط داخل المحارة حيث أنه لا يعقل أن تطفو هذه المحارة الثقيلة إلى السطح لكي تبتلع نقطة المطر، ونعلم، أيضًا، أنه كلما كانت المحارة على عمق أكبر كانت اللؤلؤة أكثر جودة.

ولقد وجدنا - أنا واليسوعيين والوثنيين العاملين في صيد اللؤلؤ - أن هناك جزءًا من المحارة لو قطع وصقل يتحول إلى لؤلؤة كما لو كانت غير ملتصقة، ولذا أؤكد أن اللؤلؤ يتكون من نفس مادة المحارة بسبب أو آخر، ويساعدني في هذه الفرضية بأن تركيب اللؤلؤة هو نفس تركيب المحارة الحاوية لها[24] ).

هذا الملاحظة على إجمالها لا تخلو من صحة فاللؤلؤة تتكون من تصلب (concretion) لامع ناشئ عن إفرازات كيميائية في جوف حيوان رخوي من ذوات الصدفتين (bivalve) قوامها كربونات الكالسيوم Calcium carbonate، وهذه المادة أيضًا تدخل في مكونات بطانة المحارة[25] ،

تفرز المحارة هذه المادة إذا دخل جسم غريب إلى أحشائها، كحبة رمل ناعمة، أو مخلوق دقيق (دودة) فتأخذ في إفراز تلك المادة حول ذلك الجسم الغريب لحماية أحشائها من الأذى، ومن تراكم تلك المادة تتكون اللؤلؤة، وليس من قطع لحمها إذا جف كما توهم ابن بطوطة، فلو أن الرجل وصل إلى مواقع الغوص فإن أقل ما يتوقع منه أن يعرف رأي الغواصين في كيفية تخلق اللؤلؤ فينقله، إذا لم يشأ أن يبدي رأيًا يعتقد أنه صحيح.

[1]  سفر نامة (رحلة ناصر خسرو. ترجمة د. يحيى الخشاب. دار الكتاب الجديد. بيروت ط 2. سنة 1970م.

[2]  نفسه ص: 139، وسفرنامه، حكيم ناصر خسرو قبادياني مروزي. حواشي و تعليقات الدكتور محمد دبير سياقي. الطبعة الثانية. الناشر مكتبة زوّار – طهران

[3]  سفر نامة. تعليقات الدكتور محمد دبير سياقي.

[4]  سفرنامة، ترجمة الخشاب.، ص: 145

[5]  نفسه ص: 16 وما بعدها

[6]  علي بن الحسين المسعودي. التنبيه والاشراف. دار صعب , بيروت. بدون تاريخ. ص: 341 - 342، ودائرة المعارف الإسلامية. أصدار أحمد الشنتناوي، وابرهيم زكي خورشيد، وعبد الحميد يونس. مراجعة محمد مهدي علام. دار الفكر. القاهرة. جـ 7/ 116. واتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الخلفاء. أحمد بن علي القمريزي. تحقيق جمال الدين الشيال. منشورات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وزارة الأوقاف. (لجنة إحياء التراث الإسلامي). القاهرة. ط 2. 1416 هـ جـ 1/ 165.

[7]  سفر نامة. مرجع سابق الهامش (1) ص: 129.

[8]  تحفة النظار في غرائب الأمصار، محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي (ابن بطوطة). شرح طلال حرب. دار الكتب العلمية. بيروت. ط 1. 1407 هـ ص:21 – 22.

[9]  تحفة النظار في غرائب الأمصار، مرجع سابق. ص: 289.

[10] ـ الخليج الفارسي، أرنولد ويلسون، ترجمة عبد القادر يوسف، مكتبة الأمل، الكويت، بدون تاريخ، ص: 174 و 180.

[11]  تحفة النظار في غرائب الأمصار، مرجع سابق. ص: 8 – 15، و292..

[12]  تحفة النظار في غرائب الأمصار، مرجع سابق. ص:291.

[13]  المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية - المنطقة الشرقية (البحرين سابقًا). الشيخ حمد الجاسر. دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر. الرياض. ط 1 1399.. ق 1 / 213.

[14]  معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ،جـ 4/461.

[15]  مجمع الأمثال، الميداني، مرجع سابق، المثل رقم: 3052جـ 2 /147.

[16]  المعجم الجغرافي للبلاد السعودية، مرجع سابق. ق 1 / 183.

[17]  معجم البلدان. ياقوت الحموي. مرجع سابق. جـ 4/ 150.

[18]  الخليج الفارسي، أرنولد ويلسون، مرجع سابق ص: 168.

[19]  ويلسون. مرجع سابق. ص: 167 – 168.

[20]  معجم المؤلفين. عمر رضا كحالة. دار إحياء التراث. بيروت. جـ 2/ 282

[21]  تحفة النظار في غرائب الأمصار، مصدر سابق. ص: 290.

[22]) الكشكول. الشيخ يوسف البحراني، دار مكتبة الهلال، بيروت، ومكتبة الريف بالبحرين، ط 1، 1986م جـ 2/274

[23]  م - نفسه. جـ 3/ 23.

[24]  تاريخ الخليج والبحر الأحمر في رحلات بيدرو تيخسيرا. ترحمة د. عيسى أمين. مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع. البحرين الإيداع في المكتبة العامة 1996 م. ص: 106.

[25]  99 Encarta Encyclopedia. قرص مدمج CD.
مدير التحرير
267486