أضواء على ملف
(وقعة الشربة)
عبدالمحسن الشيخ علي الخنيزي * - 14 / 10 / 2007م - 8:17 م - العدد (3)

صدر العدد الأول من مجلة "الواحة" في محرم 1416 - يونيو 1995، وقد غلب على موضوعاتها التاريخ وبخاصة تاريخ الساحل الشرقي للجزيرة العربية خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر والأول من القرن العشرين الميلاديين. ولم يفت المجلة الإشارة إلى ذلك في تقديمها العدد، رغم أن ذلك لا يخرج عن الإطار العريض الذي حددته لتحركها ألا وهو العناية "بشؤون التراث والثقافة والأدب في الجزيرة العربية".

إن اعتبار التراث واحدا من محورين يدور حولهما مجمل النشاط الفكري للمجلة سوف يتيح لها بعث صور غنية من التراث وأحداث التاريخ منتمية إلى فترات مختلفة، يجب أن يأتي في مقدمها ما كان منها أقرب إلى زماننا، أي ما كان ثاوياً في تاريخنا الحديث والمعاصر، لأن الماضي القريب يشكل المقدمة المباشرة التي أسهمت في إنتاج الحاضر وتوجيه مساراته الثقافية والنفسية الاجتماعية والفنية.

على أن ذلك يجب ألا يؤخذ على إطلاقه، ويفهم منه صرفا للاهتمام عما يضم تاريخنا البعيد العريق من كنوز. إذ أن الفيصل في جميع الأحوال مدى إيجابية وحيوية التراث الذي سوف يبعث، مدى قدرته على خدمة عملية التطور الاجتماعي والثقافي والعلمي والفني، ومدى إمكان توظيفه في خدمة الحاضر والمستقبل، وكذلك قدرته على تعزيز الثقة بالذات لدى الأجيال. وهذا يعني أن نخضع التراث الفكري والأدبي والعلمي والفني لعملية غربلة تقودنا إلى اختيار عناصر القوة والجوانب المضيئة فيه، فنبرزها ونسلط الأضواء عليها بهدف دمجها في بنائنا الحضاري الراهن المتجدد.

وأخيرا فان توجه المجلة شطر التراث يستجيب لنزوع عام للتنقيب عن التراث ووقائع التاريخ ورموزه، أخذ ينتشر في السنوات الأخيرة بين المثقفين وفئة متسعة من المتعلمين سوف يفضي إلى ترميم الهوية وتصليب أركانها، وبث الثقة في النفس، وهذه عملية دفاعية تلقائية تلجأ إليها الأمم والشعوب عندما تتعرض لمخاطر تهدد وجودها أو هويتها، وتلجأ إليها مرة أخرى عندما تتأهب للشروع في امتلاك أسباب نهضة فكرية وثقافية عامة.

بعد هذه المقدمة التي رأيتها ضرورية في هذا الوقت المبكر من عمر المجلة حيث ما تزال أهدافها مجرد مشروع أو تصورات يحملها القائمون عليها، لم يقدر لها بعد التجسد والتبلور على صعيد الواقع، أود الانتقال لمناقشة واحد من موضوعاتها الأكثر إثارة، وبالتالي الأكثر مدعاة للاختلاف وتضارب الأقوال والآراء ذلك هو "وقعة الشربة" بالقطيف سنة 1326 هـ.

يتكون ملف "وقعة الشربة" من قسمين: مقدمة من المجلة، وسجل وثائقي بريطاني مأخوذ من سجلات وزارة شؤون الهند ووزارة الخارجية البريطانية، هو عبارة عن تقارير/ رسائل صادرة خلال الفترة 8 أغسطس 1908 - 18 سبتمبر 1908 تغطي بعض أحداث "وقعة الشربة" وبعض تداعياتها.

مقدمة الملف
 
 

بالإضافة إلى الإشارة إلى بداية أحداث "وقعة الشربة" وبعض تطوراتها كما أوردها الشيخ فرج العمران في "الأزهار الارجية في الآثار الفرجية" وكذلك عبد العلي السيف في "القطيف وأضواء على شعرها المعاصر" نقلاً عن مهدي السويدان في مقابلة مع مجلة "المنهل" السعودية، بالإضافة إلى ذلك احتوت مقدمة ملف "وقعة الشربة" على مجموعة من الأحكام والاستنتاجات الناجزة بحق أهالي القطيف عامة وقياداتها خاصة. وهذه الأحكام ليست وليدة أحداث "وقعة الشربة" وحدها وإنما قد تأسست اثر علاقة فكرية طويلة بوقائع التاريخ الحديث للقطيف والاحساء، ومن هنا جاءت في صيغة جاهزة قاطعة متحررة من التفاصيل والحيثيات، مما يضعف قدرتها على الإقناع الذي يتطلب رصداً للوقائع، وتحليلاً ومعالجة موضوعية تنأى عن العاطفة والمواقف المسبقة.

مناقشة المقدمة
 
 

تتكون القطيف (ومثلها تقريباً الاحساء) خلال سنوات  "وقعة الشربة" من مجموعة من البلدات والقرى تشكل حلقات مترابطة في سلسلة واحدة، تتداخل سيحة أحدها (النطاق الزراعي) مع الأخرى المجاورة، ولا تبعد المسافة الفاصلة بين مساكن هذه البلدة ومساكن جارتها أكثر من خمسة كيلو مترات، وتقل أحياناً عن كيلو متر واحد. كما أن مجموع هذه البلدات والقرى تشترك في تكوين ثقافي واحد، فلغتها عربية اقرب ما تكون إلى الفصحة التي أصاب بعض كلماتها التحريف، ونطقها الألفاظ متقارب على العموم، مما يميزها ككتلة سكانية واحدة مثلها مثل "الكتل السكانية" الأخرى في مناطق المملكة والخليج، ورغم ذلك يستخدم في كل بلدة وقرية عدد محدود من الأفعال والأسماء والمصطلحات التي تطلق على الأشياء، ومعان تعطي في بلدة أو قرية أخرى أفعال وأسماء ومصطلحات أخرى، ولا نجد ضرورة هنا لان نسوق أمثلة على هذا، والقاريء المهتم يمكنه التحقق من ذلك بيسر بالاختلاط بالمسنين والفلاحين في مختلف مدن وبلدات وقرى القطيف، ممن لم يخالطوا سكان المناطق الأخرى، حيث بقي لفظهم ونطقهم المحليان نقيان. فكيف حدث هذا التباين الجزئي في الألفاظ؟.

إذا نظرنا إلى المستطيل الضيق من الأرض الذي تشغله بلدات وقرى القطيف، نجده أرضاً منبسطة محصورة بين شاطىء الخليج شرقاً والصحراء غرباً، كانت تتناثر عليها ينابيع المياه الغزيرة. وقد أفضى هذا إلى قيام زراعة كثيفة على مر القرون.

وأدت وحدة الأرض وتماثل أجزائها ووحدة المناخ، إلى تماثل الإنتاج الزراعي للبلدات والقرى الذي كان قوامه التمور بالإضافة إلى صيد اللؤلؤ من الخليج. وبالنظر لتماثل الإنتاج وقبل ذلك الطبيعة الخاصة لنمط الإنتاج الزراعي شبه الإقطاعي المتصف بالسكونية والمحدودية والانعزال، فقد اصبح من المحال قيام علاقات اقتصادية متبادلة، وتكامل اقتصادي بين البلدات والقرى، وامتنع بالنتيجة حدوث حراك اجتماعي وتفاعل ثقافي يومي بينها، من شأنه أن يؤدي إلى انصهارها في بوتقة وطنية واحده، على الرغم من تلاصقها على رقعة مستطيل ضيق من الأرض طوله 18 ميلا وعرضه 3 أميال(1).

ذلك أن مهمة كهذه (الإنصهار في بوتقة وطنية واحدة) لا يمكن أن يضطلع بها سوى نمط إنتاجي آخر أكثر تطورا قائم على الصناعة والسوق الوطنية الموحدة، ما سمح لكل بلدة وقرية بالانكفاء على ذاتها وضرب نطاق من العزلة على نفسها وبلورة وملامح شخصيتها المستقلة، التي من بينها ذلك التباين في عدد محدود من الألفاظ وتباينات جزئية أخرى في جوانب أخرى.

ويستثنى من ما ذكرنا علاقة الملكية الزراعية والعلاقة الزراعية القائمة على الدوام بين حاضرة القطيف وبين كل من تلك البلدات والقرى التي كانت على كل حال محكومة بالطابع السكوني لعلاقة الملكية تلك.

هذا هو الظرف الموضوعي الذي حكم العلاقة بين البلدات والقرى والذي لا سيطرة للذات عليه، فقد كان من شأنه أن يحبط أي رغبة أو طموح قد ينشأ لدى هذا الزعيم أو ذاك من زعماء الحاضرة في استنفار البلدات والقرى وتكوين جيش من المتطوعين، دفاعاً عن أي منها عند تعرضها لعدوان قبيلة، أو الدفاع عن المنطقة ككل عند تعرضها أو تعرض أجزاء منها لعدوان واسع من قبل تحالف عدد من القبائل كما في  "وقعة الشربة".

لقد أفصح القدر اليسير من المعلومات المتواضعة الذي توفر لنا عن بعض الحروب أو "الوقعات" عن أن البلدة أو القرية التي تقع في حرب، لا تلبث أن تهب للدفاع عن نفسها بشجاعة متميزة حتى يندحر المهاجمون أو ينسحبوا، غير أن البلدات والقرى الأخرى، وبسبب تقوقعها وانعزالها، الذي فصلنا الحديث فيه، كانت تعتبر نفسها غير معنية بتلك الحرب، فتبقى مراقبة تطورها من بعيد!

هكذا كان الأمر في "وقعة الطف" سنة 1326 هـ في القديح، حيث حارب القديحيون وحدهم (باستثناء عدد من المتطوعين من أهالي العوامية الذين حاربوا إلى جانبهم) والأمر نفسه تكرر في "وقعة الجبل" في العوامية سنة 1330 هـ، وكذلك "وقعة سيهات" التي ربما كانت سنة 1329 هـ (وقد انضم أيضاً إليهم عدد من متطوعي العوامية). بل هكذا على الأرجح كان الحال في  "وقعة الشربة" سنة 1326 هـ نفسها: كل ضاحية وقرية وبلدة أخذت تدافع عن نفسها بمعزل عن الآخرين، ولا يغير من الأمر شيء كون القلعة قد استقبلت أثناءها النساء والأطفال والعجزة من قرية البحاري وضواحي الحاضرة.

فإذا كانت هذه "الوقعات" وغيرها قد أثبتت حقيقة هي انكفاء كل قرية وبلدة على نفسها وانعزالها أيام الحرب، فقد أيدت هذه الحقيقة بدورها حقيقة أساسية إنتهى إليها التحليل السابق، ألا وهي انكفاء كل بلدة و قرية على ذاتها وانعزالها عن غيرها أيام السلم.

إذا فإن تحسر "المقدمة" على عدم قيام (السكان الحضر، أفرادا وزعامات، بسد النقص وصناعة القوة العسكرية الخاصة) هو ضرب من المثالية، على الرغم من الدوافع المخلصة التي تقف وراءه. ففي ظل نمط الإنتاج الزراعي السكوني، وعدم ولوج باب الاقتصادي الصناعي، لم يكن بالإمكان أن يتحقق حلم كهذا إلا  كحالة استثنائية لا يجود التاريخ بمثلها إلا نادراً، واستناداً ـ فقط ـ على عمق ثقافي خاص ينحو هذا المنحى مترسباً في وجدان الأفراد على مدى تاريخي طويل، يعاضده نمو تجاري وحرفي مناسبين، كما حدث في التاريخ الإسلامي غير مرة، ولو قدر لهذا الحلم أن يتحقق فسوف تضطلع به قوة اجتماعية جديدة منبثقة من بين صفوف الفلاحين، الفئة الأكثر اتساعا، وسوف يكون من جملة مهماتها إزالة الحواجز القائمة بين البلدات والقرى وتحقيق دمج اقتصادي واجتماعي بينها، مما سيضطرها للاصطدام بالبنية الاقتصادية / الايديولوجية القائمة والأتراك.

غير إن لتلك "الوقعات" وجه آخر هو أنها قد أثبتت بجلاء أن سكان البلدات والقرى والضواحي لم يكونوا "متقاعسين" في الدفاع عن أنفسهم، ولم يؤد "شيء من الترف" الذي "أصاب قسما منهم" إلى أن يكونوا غير قادرين على توفير الحماية لأنفسهم، كما ذهبت "المقدمة".

في "وقعة الطف" هاجم فخذ إحدى القبائل البدوية القديح من جهة الغرب، وهي أرض مرتفعة آنذاك عن مستوى البلدة، فتحصن الأهالي المسلحون وراء أشجار نخيل "الطف" المحاذية لذلك المرتفع من الأرض، ودارت بينهم المعركة طويلا (حوالي 3 أيام) دون أن يكل القديحيون أو ينتصر المهاجمون، رغم تميز موقعهم المرتفع.

وأثناء ذلك كان رجال من القبيلة نفسها مجتمعين في حاضرة القطيف بأحد زعماء القطيف في العهد التركي، من غير العلماء، حيث طلب منهم الأخير بيع أملاكهم (بساتين النخيل) في القطيف ومغادرتها، وكان مؤيدون له من أهالي القطيف والعوامية يطلقون الرصاص في الجو، حول مكان الاجتماع، ثم خرجوا غير متفقين فتوجه البداة فوراً إلى القديح عبر الطريق المؤدي إليها من القطيف، فلما وصلوها ظنهم القديحيون من أهالي القلعة لعدم توقع مجيء مهاجمين لهم من هذا الطريق، وكذلك لتماثل ثيابهم وثياب القلعاويين، فتنادى القديحيون إلى التوقف عن إطلاق النار، وبسرعة انقض عليهم البداة بالرصاص من الخلف. هكذا فعلت الخديعة والمفاجأة فعلهما(2).

أما "وقعة الجبل" سنة 1330 هـ ، فقد استدرجت إحدى القبائل البدوية أهالي العوامية إلى خارج البلدة وخارج بساتينها، في مكان يدعى "جبل القوم" يوجد فيه مرتفع صخري، مستغلة في ذلك حماستهم واندفاعهم لرد العدوان عن بلدتهم، وكان البداة متمترسين وراء الصخور، فأصبح بعض المحاربين من أهالي العوامية مكشوفا للرماة وهو الذي تعرض للإصابات أكثر من سواه. أما البعض الآخر فقد تمترس وراء الصخور في جهة أخرى، كما فعل البداة، وشكل جبهة أخرى ضدهم فاحدث بين صفوف البداة خسائر. وآخرون من أهالي العوامية ظلوا يقاتلون محتمين بالنخيل.

وقد اختلفت الروايات في تحديد عدد القتلى، فإحداها تقول إن العوامية فقدت 21 قتيلاً، وروايات أخرى ترفع العدد حتى يبلغ عند أحدهم 70 قتيلاً، ومثلهم من البداة. وقد أحصى أحد المهتمين المعاصرين 22 اسما من قتلى العوامية. إلا أن عددا كهذا لا يعتبر ضئيلا بمقياس المعارك ومقياس عدد سكان الحواضر والبوادي المتواضع في الجزيرة العربية في ذلك الزمان.

هذان مثالان حيان على الشجاعة والحمية في دفاع السكان عن بلداتهم، وخلاف ما ذهبت إلية "المقدمة" فهم لم يتثاقلوا إلى الأرض بسبب انشغالهم "بتحسين سبل العيش" رغم مشروعية ذلك وكونه مطلوبا من أجل تقدم الحياة واطرادها.

ولنضرب مثلاً على ذلك من كل من "وقعة الجبل" و "وقعة الشربة": لقد قتل في الأولى حسين بن علي بن عبدالله الفرج، زعيم - أو أحد زعماء - العوامية واغنى اغنيائها في ذلك الوقت برصاصة في الرأس، فلم تثنه ثروته عن الخروج إلى المعركة، ومثله فعل آخرون من فئته، جنباً إلى جنب مع الفلاحين، فالمعركة معركة دفاع عن البلدة وعن أنفسهم ككل، وليس دفاعا عن فئة أو مصالح فئة من السكان. أما في " وقعة الشربة " فقد قتل جعفر بن حسنعلي الخنيزي، وجرح أخوه احمد بن حسنعلي الخنيزي، في يده حيث شلت جزئياً، وذلك في معركة لفك الحصار عن القلعة، وهذان ابنان لواحد من أغنياء القلعة وزعمائها، فم تحل الثروة دون اشتراكهما وأبيهما وأخيهما الشيخ في تلك المعركة، وسنأتي على ذكرها في موضعها المناسب من هذا المقال.

أما ظاهرة التباغض والتحاسد والصراع بين قبضة من الزعماء أو بين عشيرتين أو فخذين من عشيرة واحدة، أو كما عبّرت عنها "المقدمة": "كانت مشكلة سكان القطيف تكمن في وأد قياداتهم في المهد.. لم تكن المشكلة في إنجاب الاكفاء ولكن التعامل معهم خصوصاً في حاضرة القطيف كان الأسوأ، فإذا ما تصدى أحدهم للمقعد الشاغر، ارتفعت الأصوات للنيل منه ولا يرتاح لهم بال إلا بتسقيطه". فقد كانت ظاهرة مألوفة، ليس فقط في حاضرة القطيف وإنما في القطيف كافة، وبصورة خاصة في البلدات الكبيرة، التي اصبحت الآن مدناً، حيث يتواجد فيها وضع عشائري قوي.

فقد كانت العشائر والأسر الأساسية في البلدة ومنذ عشرات السنين وحتى ذلك الوقت، منقسمة إلى فريقين ندين متخاصمين متصارعين، تشكل إحدى عشائر كل فريق الطرف الأقوى فيه، وقد تضعف هذه العشيرة بعد عدة عقود من الزمان فتتراجع عن مركز الصدارة لتستقوي عشيرة أخرى وتملأ هذا المركز. وكان يدور صراع الفريقين على إمارة البلدة أو مركز "عمدة البلدة" الذي كان يتمتع ببعض السلطات في إدارة البلدة، ووجاهة اجتماعية، ويتشعب الصراع بين الفريقين ليطال اموراً تمس ممتلكات ومصالح الفريقين واشخاصهم، وتشتد حدته، في أحيان نادرة، فيسقط قتيل من هذا الفريق وآخر من الفريق المقابل.

كانت الشكاوى والشكاوى المضادة من كلا الفريقين، إلى ما قبل ربع قرن، شغلا يومياً لدى الدوائر الحكومية. لقد شاهدنا بقايا تلك الصراعات التي استمرت حتى نهاية الستينات الميلادية، رغم تجريد مركز "العمدة " من سلطاته السابقة، ولم تختف إلا في السبعينات حين ابتلعتها الموجة البترولية، بعد أن شغلت أفراد طرفيها عن بعضهم بالمصالح الجديدة.

على أن هذه الظاهرة لم تكن بحال من الأحوال، وقفا على منطقة القطيف وحدها، فجميع المجتمعات الزراعية المغلقة ذات الحياة الإقتصادية/ الاجتماعية الرتيبة في انحاء المملكة والخليج، قد عاشت هذه الظاهرة، بهذه الدرجة أو تلك، خلال الفترة العثمانية الأخيرة وما قبلها.

كذلك فان المقارنة بين ما كان سائداً من خصومة وصراع بين الزعماء في الحاضرة والبلدات، وما كان سائداً من وحدة القيادة والالتفاف حولها لدى القبائل والعشائر البدوية في الجزيرة والخليج، مقارنة تفتقر إلى الموضوعية. تقول "المقدمة": "وحتى لو وجدت القيادة التي تتصدى، فإنها لا تلق الاتفاق الصحيح، اذا ما كان المطلوب من الناس امراً يخالف التوجه العام". إن الظروف الأمنية والمعاشية القاسية المحيطة بالقبيلة في الصحراء بوصفها معرضة للغزو من قبل القبائل الأخرى بين وقت وآخر، فيقتل أفراد منها وتسلب اغنامها وجمالها وممتلكاتها، فتقع في المجاعة بعد أن كانت حالها تسمح بسد الرمق، وبوصفها أيضاً مضطرة لان تغزو غيرها من القبائل بدافع الثأر أو النهب وكذلك قطع الطرق البرية أو البحرية أو مهاجمة القرى بقصد النهب والسلب، كلما عضها العوز بنابه أو حركها الطمع... كل ذلك قد جعل منها، وبدافع غريزة حب البقاء، وحدة اقتصادية/ عسكرية متماسكة، متنقلة على رمال صحراء قاحلة شحيحة الموارد، ولو قدر لأي قبيلة صغيرة أو فخذ من قبيلة كبيرة أن لا يكون على هذه الدرجة من التماسك لكن مصيرهما الفناء.

أما البلدات والقرى، باعتبارها جزءاً من الحياة الحضرية فقد تحول أفراد عشائرها إلى قوة فلاحية منتجة مرتبطة بالارض، أو ملاك، واعتمدت طوال قرون، على حماية قوة عسكرية أخرى ليست قوتها، هي قوة السلطة الحاكمة، فتراخت عصبيتها العشائرية وضعفت بالتالي قوتها الحربية.

روايتان عن "وقعة الشربة"
 
 

إن الرواية التي أوردها الشيخ فرج العمران(3) عن بداية "وقعة الشربة" وبعض تطوراتها، هي رواية متداولة بين الناس، إلى جانب رواية أخرى، تقول بان بدايتها كانت امتناع أحد البداة عن دفع ثمن الماء الذي شرب إلى السقاء صاحب "الشربة" أو "الجرة" وليس رمي الجرة المنكسرة قريباً من البدوي. أما رواية محمد سعيد المسلم فتختزل بدايتها باعتداء أحد البداة على السقاء المتجول(4). وهذا اختلاف بسيط لا اهمية له على كل حال، لأن هذا الحادث لا يعدو أن يكون القشَّة التي قصمت ظهر البعير، لا بد وان ثمة مقدمات أو ظروفاً اكتنفت المنطقة، قد مهدت السبيل لانفجار "وقعة الشربة". لنعد إلى الوراء قليلاً، ونلقي ضوءاً على الوضع الأمني الذي ساد القطيف والاحساء خلال السنتين اللتين سبقتاها:

- في 1324 هـ (1906 م) مارست القبائل هجمات مروعة على القوافل، وداهمت الهفوف موقعة خسائر كبيرة في حاميتها التركية(5).

- في 1324 هـ (أغسطس 1906) حدث اشتباك بين أهالي المبرز وقبيلة العجمان(6).

- في 1324 هـ ( اكتوبر 1906 ) هاجم البداة من عدة قبائل مجتمعة الهفوف والقوات التركية (7).

- على امتداد الفترة 1298 هـ - 1325 هـ ( 1881 - 1907 ) مارس عناصر من البداة المنتمين إلى قبائل عدة القرصنة على ساحل القطيف، وكان اشهرهم احمد بن سلمان، وذلك على شكل هجمات وسطو على السفن التجارية وسفن صيد اللؤلؤ الراسية في الموانىء والمبحرة التي تعود ملكيتها في الغالب إلى أهالي القطيف والبحرين، وقد فاق عددها 40 عملية، وراح ضحيتها قتلى وجرحى واموالاً وبضائع وسفن، مما شكل ضربة قوية لتجارة هذه المنطقة (8).

- أشرنا عند ذكر تفاصيل "وقعة الطف" بالقديح، إلى طلب أحد زعماء القطيف آنذاك من البداة، أن يبيعوا بساتين نخيلهم، ونقلنا كذلك عند محاولتنا التحقق من تاريخ "وقعة الطف" نفسها، فقرة وردت بمذكرة من السجل الوثائقي البريطاني تقول ان مصدر العداء واثارته (أي وقعة الشربة) كان رفض أهالي القطيف السماح لأفراد من قبيلتي السبيع والعماير من دخول بساتين التمور لقطف مؤونتهم من ثمار النخيل. والحقيقة اننا لا نملك أي معلومات عن أسباب نشوء هذين الموقفين من البداة، ونميل إلى الاعتقاد بأن ذلك كان رد فعل على اعتداءات كان البداة يقترفونها بصورة متواترة في تلك الفترة بحق سكان القرى والبلدات، ونهب محصول بساتينهم، مما ولد حالة من الاستياء الشديد بين الأهالي بلغت بهم حد اتخاذ ذينك الموقفين من البداة، رغبة في إبعادهم عن ديارهم ومنع الاحتكاك بهم.

- إن الحامية التركية المناط بها أمن القطيف مكونه فقط من 70 جندياً تركيا، مما أغرى القبائل بالقطيف.

كان الوضع الأمني ـ إذن ـ مضطربا، والعلاقة متأزمة بين الحاضرة والبادية قبيل  "وقعة الشربة": هجمات مسلحة على القوافل البرية، وغزو مسلح ضد الاحساء والقوات التركية فيها، وهجمات مسلحة بحرية على السفن المبحرة والراسية، تقوم بذلك القبائل منفردة، واحياناً متحالفة، في حين أن قوة الحماية صغيرة. وكانت الخسائر البشرية والمادية كبيرة، تلك التي تكبدها السكان وتجار البحرين المتعاملين مع المنطقة، ويضاف إلى ذلك ما يمكن اعتباره دوراً تحريضياً بهذا الاتجاه مارسته قوى محلية.

هذا هو المناخ الأمني الذي كان ملائماً لانفجار "وقعة الشربة" والذي كان بمثابة نار تحت الرماد قابلة للاشتعال في أي وقت، فكانت "الشربة" المكسورة أو ثمنها غير المدفوع، الريح الخفيفة التي لامست النار واشعلتها.

أما الرواية الأخرى التي أوردها مهدي السويدان على صفحات مجلة "المنهل" السعودية عن  "وقعة الشربة" وبعض تطوراتها، ونقلها عنه عبد العلي السيف(9)، فوجدت بعد اطلاعي عليها في كتابه، شيئاً من الغموض. انه يتحدث عن خطة ارتآها الحجة الشيخ محمد بن نمر، ونفذها أهل القطيف في فك الحصار، وهي تتعارض مع رواية أخرى سمعتها منذ مدة طويلة عن الاسلوب الذي تم في فك الحصار عن "القلعة". كذلك فان معرفتي بان الحجة الشيخ ابن نمر من أهالي العوامية ويتردد على "الدبابية" لأنه متزوج من امرأة من إحدى اسرها، قد عزز ظني بأن المقصود بالحكاية "الدبابية" دون سواها.

ومن اجل إزالة التعارض، زرت يوم السبت الموافق 1 / 5 / 1414 هـ - 16/10/1993، الأخ مهدي السويدان في مكتبه عندما كان مديرا لبريد القطيف، وأطلعته على ما نقل عنه عبد العلي السيف، ثم سألته عن المكان الذي نفذت فيه تلك الخطة، وقلت له بأن الصياغة توحي بأنها قد نفذت على مستوى حاضرة القطيف كلها، وليس جزءً من أجزائها (القلعة، الشويكة، الدبابية، الكويكب، الشريعة، مياس، المدارس..) فأجاب بأن المقصود "الدبابية" وليس القلعة أو غيرها.

وقد لاحظت بأن هذه الحكاية قد تم نقلها عن عبد العلي السيف في اكثر من إصدار لاحق، دون تمحيص، وفهم الناقلون بأنها تشمل الحاضرة كلها، وهو غير صحيح.

أما عن فك الحصار عن القلعة، فقد أعلم أهالي القلعة ليلة 18/7/1326 هـ أي بعد مضي شهرين على أحداث  "وقعة الشربة" بأن الشيخ سوف يخرج في اليوم التالي من أجل طرد المحاصرين، فمن شاء فليجهز نفسه.

وفي اليوم التالي خرج الشيخ (10) متقلداً سيفاً، في جمع من أهالي القلعة يصحبه أبوه الحاج حسنعلي بن حسن الخنيزي، وأخوه جعفر واحمد، واستطاعوا بفعل المفاجأة والتصميم أن يدحروا المحاصرين ويطاردوهم حتى حدود قرية "الخويلدية"، وفيها قتل جعفر وجرح أحمد في يده وكان على وشك أن يجهز أحد البداة عليه بعد إصابته، لولا أن أنقذه أحدهم وكان له به معرفة، وحمله معه إلى ديارهم وأخرج الرصاصة من يده وداواه مدة ثلاثة أيام، ثم أتى به إلى القلعة، بعد أن أخذ له الأمان من أهلها، فأكرمه أبوه الحاج حسنعلي الخنيزي واحتفى بعودة ابنه.

لكنا لا نعلم ان كانت هذه المعركة هي خاتمة حصار القلعة في "وقعة الشربة" أم ان الحصار ضرب عليها من جديد، ذلك ان هذه الحرب التي طالت بنارها بلدات وقرى وضواحي القطيف قد دامت حوالي 6 أشهر(11).

السجل الوثائقي البريطاني
 
 

الحق يقال، ان السجل الوثائقي البريطاني الذي تناول "وقعة الشربة" قد حفظ لنا عددا من الوقائع وقت حدوثها، مما أبقى جوانب من تلك الحرب حية. وتتضح هذه الأهمية إذا عرفنا بأن المعاصرين لتلك الأحداث لم يقدموا على تدوينها مما تركها رهينة للذاكرة النسية، عرضة للزيادة والنقصان، اللذين يطرآن عادة على الحدث بعد تناقله، بله اثر تقادم الزمان عليه كما هو حال  "وقعة الشربة" التي تفصلها عنا تسعة من العقود الهجرية.

غير ان هذا لا يصرفنا عن تسجيل عدد من الملاحظات على ذلك السجل يمكن للمطلع المهتم مصادفتها للوهلة الأولى. فالوثائق لا تقدم صورة متكاملة عن  "وقعة الشربة"، لا تعلمنا كيف ومتى واين بدأت، وأسماء البلدات والقرى التي شملتها الحرب، إذ اقتصرت على ذكر القلعة وضواحيها، وعنك وسيهات والقديح، وهل من قرى قد سقطت بيد المهاجمين، وهل انتهت الحرب فعلا بتمكن الأهالي من فك الحصار عن بلداتهم وقراهم، أم أن المهاجمين  قد   انسحبوا من تلقاء انفسهم (احتملت الوثائق بان قدوم التعزيزات العسكرية التركية قد حد من النشاط العسكري للبداة) ثم ما هي بنود اتفاقية السلام التي وقعها الطرفان بعد وصول التعزيزات العسكرية التركية، ولماذا تم إيقاف قائم مقام القطيف عن ممارسة مهامه، واعتقال ستة من كبار تجار القطيف بمن فيهم ضامني الجمارك، كل هذه التساؤلات لا يملك السجل الوثائقي المذكور إجابة عنها.

كذلك يؤخذ على السجل المبالغة في اكثر من وثيقة: "كما نهبت 28 قرية ثم احرقت عن بكرة أبيها". "إن البداة استولوا على جميع الأماكن في الواحة باستثناء حصني عنك والقطيف" (وثيقة مؤرخة في 9 أغسطس 1908، مجلة الواحة ص 39). "المجازر والمذابح تتوالى"، "ما لم تصل تعزيزات فان المتوقع أن يتعرض سكان البلدة برمتهم لمجزرة ذبح جماعية" (وثيقتان مؤرختان بتاريخ 15 أغسطس 1908، مجلة الواحة ص 42، 43).

وبعد الزيارة التي قام بها قائد السفينة الحربية (ردبرست) الراسية في ميناء القطيف إلى القائم مقام، أدرك بِأن الوضع في القطيف ليس خطيراً بالقدر الذي ظنوه في بادىء الأمر (وثيقة مؤرخة في 17 أغسطس 1908، مجلة الواحة ص45).

وتعزى المبالغة في نظرنا إلى طبيعة المصدر الذي لجأ إليه البريطانيون في جميع معلوماتهم عن الحرب وتقييم أبعادها، وقد كان مصدرهم الأفراد الفارين أو المسافرين من القطيف إلى البحرين. وهؤلاء كانوا واقعين تحت تأثير صدمة الحرب وقسوتها وشموليتها برا وبحرا. لذلك نجد الصورة التي ترسمها الوثائق عن الهجمات البحرية على سفن القطيف والبحرين اكثر وضوحا ودقة - على الرغم من غموض بعض وقائعها - لأن البريطانيين بادروا بأنفسهم الى مراقبة الموانىء والمنطقة البحرية الواقعة بين القطيف والبحرين واستعرضوا فيها قوتهم العسكرية.

وأخيرا لابد من الاعتراف بالفضل لأهله، فقد ادت مجلة "الواحة" بوصولها إلى هذه الوثائق، واستخراجها ثم ترجمتها، خدمة جليلة لتاريخ تلك المعركة، أنارت جوانب معتمة ومشوشة كانت مجهولة أو نهبا للخيال. والأمل معقود الآن، بأن تواصل الجهد وتكمل العمل وتسد النقص بالوصول إلى السجل الآخر، أعني الوثائق العثمانية التي تغطي تلك "الوقعة" والتي من المفترض أن تحتوي على الكثير من الأحداث والتفاصيل التي من شأنها أن تشكل مع الوثائق البريطانية ملفا متكاملا عن ذلك الحدث الكبير.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) - محمد سعيد المسلم، ساحل الذهب الأسود، ط 3، ص 23.

(2) - توجد رواية موحدة عن "وقعة الحصارة" بالقديح تقول بحدوثها سنة 1326 هـ. وفيها حاصر البدو بلدة القديح المسورة، وكانت امتداداً "لوقعة الشربة". اما عن "وقعة الطف" فتوجد روايتان تحتاجان إلى مناقشة وتفصيل، إحداهما تقول بأنهما حدثت سنة 1325 هـ. والأخرى تقول بحدوثها سنة 1326 هـ لكنها سابقة على "وقعة الشربة" التي وقعت في السنة نفسها، ولا صلة لها بها. وبدورنا نرجح بلا شك كون "وقعة الحصارة" جزءاً من  "وقعة الشربة"، كذلك نرجح حدوث  "وقعة الطف" إلى سنة 1326 هـ وليس 1325 هـ، وانها ربما كانت إحدى معارك "وقعة الشربة" أو إنها سبقت أحداثها بأيام، فكانت منفصلة عنها زمنياً ومتصلة عنها موضوعياً، لقد كانت إحدى مقدماتها، أو إحدى التعبيرات الساخنة لأزمة العلاقة المتفاقمة بين الحاضرة والبادية. فلنورد بعض القرائن التي تؤيد ما ذهبنا إليه ولنمعن النظر فيها.

تقول فقرة وردت في المذكرة المؤرخة في 25 أغسطس 1908 من السجل الوثائقي البريطاني (الواحة ص49) المار ذكره: "4 - سكان قرية القديح وهي قرية مسورة قريبة من القطيف، تمكنوا بعد أن شارفوا على الوقوع في الأسر، من شراء حريتهم من البدو، حيث دفعوا لهم 4000 آلاف ربية، وسلموهم 8 بنادق. 5 - ما يزال هناك قرويون يقاومون على الرغم من اشتداد الضغط عليهم، في الكويكب والدبابية، ومدارس ومياس والشريعة، وهي جميعاً قرى تشكل ضواحي البلدة (القطيف)".

وعليه فمن المشكوك فيه أن تكون "وقعة الحصارة" حيث قاتل القديحيون من وراء الاسوار، هي المعركة التي شارفوا فيها على الوقوع في الاسر، فافتدوا أنفسهم، في الوقت الذي تستمر ضواحي الحاضرة الأصغر حجماً والأقل سكاناً في المقاومة حتى النهاية، وعليه لا بد أن يذهب الاعتقاد إلى "وقعة الطف" التي تعرض القديحيون فيها إلى الخديعة والمفاجأة معاً، وانها واحدة من معارك "وقعة الشربة" أو واحدة من ممهداتها، وان تاريخ وقوعها هو سنة "وقعة الشربة" نفسها.

وهناك إشارة وردت في "مذكرة" من السجل الوثائقي البريطاني نفسه (الواحة ص39) تقول: "مصدر هذا العداء وإثارته هو المشاكل التي برزت مؤخراً بين أهالي القطيف وبين قبيلتي السبيع والعماير البدويتين الساحليتين، وذلك حين رفض أهالي القطيف السماح لأفراد قبيلتي السبيع والعماير بدخول بساتين التمور لقطف مؤونتهم من ثمار النخيل". فمضمون هذه الإشارة يتفق مع طلب أحد زعماء القطيف في تلك الفترة من البداة بيع بساتين نخيلهم والرحيل عن القطيف، الذي أوردناه عند الحديث عن "وقعة الطف".

(3) - الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية، طبعة النجف، مجلة 13، ص330.

(4) - ساحل الذهب الأسود، محمد سعيد المسلم، ط2، ص192.

(5) ج.ج لوريمر، دليل الخليج، القسم التاريخي، الجزء الأول، ص 519.

(6) ج.ج لوريمر، دليل الخليج، القسم التاريخي، الجزء الثالث، ص 1481.

(7) المرجع السابق.

(8) ج. ج لوريمر، دليل الخليج، القسم التاريخي، الجزء الثالث، ص 1482 ـ 1492.

(9) القطيف وأضواء على شعرها المعاصر، ط1 1985، ص 43 ـ 45. نقلاً عن مجلة المنهل السعودية، الجزء الرابع ، المجلد 21، ربيع الثاني 1388، ص 582.

(10) - نعرِّف الشيخ في سطور منقولة، نصاً أو معنى، عن مخطوطة ترجمته بقلم ابنه الشيخ عبد الكريم، التي أنجزها في سنة وفاة الشيخ (1363 هـ):

هو حجة الاسلام الشيخ علي - أبي عبد الكريم - بن حسنعلي بن حسن الخنيزي (ولد على الأرجح سنة 1385هـ) بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق بنجف العراق سنتي 1322 هـ، هـ 1323 هـ فنال خمس شهادات من الأعلام والمراجع (السيد ابو تراب، الشيخ محمد طه نجف فتح الله، شيخ الشريعة، السيد محمد كاظم الطباطبائي - صاحب العروة الوثقى، الشيخ محمود ذهب). أثبتت المخطوطة نصوصها كاملة، كما اثبت الشيخ فرج العمران اربعاً منها في مقدمة الآثار الفرجية، مطبعة النجف، ص81 - 92.

- تتلمذ على يده في النجف الأشرف علماء فضلاء كثيرون من أهل وطنه وغيره، فمن أهل وطنه الشيخ منصور بن عبدالله آل سيف، والشيخ منصور بن محمد حسن الزاير، والشيخ منصور بن مرهون، والشيخ علي بن حسن الجشي (بلغ مرتبة الإجتهاد فيما بعد)، والشيخ محمد حسين بن شيخ حسين العبد الجبار. وفي وطنه بعد عودته اليه: العلامة الشيخ محمد صالح بن شيخ علي آل مبارك، وشيخ أحمد بن عبدالله بن سنان، وشيخ محمد حسين المذكور، وشيخ محمد صالح بن حسن البريكي، ومؤلف هذه الترجمة ابنه  عبدالكريم.

ومن غير وطنه كثير ممن تتلمذ على يده حتى اجتمع عنده من قراءة وتقرئه وحضور أبحاث خارجية تقريباً من عشرة أبحاث في اليوم والليلة دائماً، وإلا فينوف عن ذلك ازماناً ".

- من مصنفاته: شرح النظام. وشرح التبصرة للعلامة الحلي وسماه أسفار الناظرين في شرح تبصرة المتعلمين (شعبان 1322 هـ). وشرح نجاة العباد للشيخ محمد حسن الجواهري. ورسالة عملية في الشكوك. وتبصرة الناسك في أعمال المناسك. وله أيضاً حواشي جمة معلقة في كتب عديدة. ويبدو أن حمله عبء قضاء المنطقة والتصدي الدؤوب لقضاياها، إضافة إلى مباشرته بنفسه شؤونه الخاصة يفسر اقتصار نشاطه التأليفي على فترته الأخيرة بالنجف والأولى بالوطن، إذ كان من المحال أن يسعفه الوقت وفراغ البال وهو على تلك الحال من الإنشغال.

- كان أحد المراجع المُقَلَدِين.

- رغم أجواء الإضطراب التي كانت تغلف منطقتي القطيف والأحساء ورغم كونه في وضع مادي مريح (متزوجاً ويملك منزلاً بالنجف ويلقى دعماً من والده) فقد عاد إلى وطنه بلا إبطاء فور انتهاء دراساته سنة 1323 هـ، حيث أخلي ميدان القضاء أمامه ليشغله بوصفه قاضياً رسمياً للشيعة والسنة على حد سواء على امتداد أربعين عاماً (1323-1362 هـ) حتى وفاته.

- استطاع بحكمته ومثابرته على خدمة البلاد والعباد، أن يوحد الكلمة وينبذ الفرقة، فالتف حوله العلماء الكبار والأفاضل والرؤساء والأعيان، صفاً واحداً حتى وفاته، فتحققت في عهده وحدة قل نظيرها.

- عمل على إزالة الضغينة وإحلال الألفة بين البداة وأهل القطيف، بعد عهود من الصراع والحرب، فكان قاضي البداة المفضل، تقصده في صغيرها وكبيرها حتى وفاته.

(11) ساحل الذهب الأسود ، ص 192.

كاتب
267495