المرأة في مجتمعنا إلى أين؟
عالية فريد - 28 / 2 / 2011م - 2:32 م - العدد (21)

قضية المرأة من المواضيع الحيوية والشائكة في واقع الحياة المعاصرة بشتى جوانبها، وليست مجرد قضية بحثٍ فكريٍ أو نظريٍ. فقد أصبح كل ما يرتبط بالمرأة من أعراف وتقاليد وتشريعات محكاً للصراع الحضاري، و الذي استمر لفترات طويلة منذ بداية التاريخ.

وبعد نصف قرن مضى تقريباً على الاختلافات الشائكة ووجهات النظر المتعددة في معالجة موضوع المرأة، والرد على الشبهات التي ألقاها الغرب والعلمانيون من أنصار المرأة ودعاة التحرر على رؤية الإسلام وموقفه من هذا الموضوع، دفع الكثير من الكتاب والمفكرين الإسلاميين إلى محاولة إيجاد صيغة وبلورة رؤية موضوعية عقلانية ترتكز إلى الأصول الإسلامية، وتتجاوب مع تطلعات وحاجات الأمة الإسلامية في الواقع المعاصر، فقد تطور الحديث عن واقع المرأة في هذه المجتمعات وفقاً للتطور المستمر الذي رافق الإنسان في شتى مناحي الحياة.

ومن مدلولات هذا التغير أو التطور بدأ واضحاً في الخطاب الإسلامي الموجه للمرأة، ومن ثم في المؤتمرات و المنتديات الفكرية والثقافية التي تجلت في التسعينات، وكانت تعقد في مواقع مختلفة وأماكن متعددة في العالم تتناول واقع المرأة المسلمة وتعالج قضاياها.

* ففي 31/7/1996م، عقد في الخرطوم الملتقى العالمي النسائي الرابع، وانبثقت من هذا الملتقى منظمة الاتحاد النسائي العالمي، وقد حدد فيه (إعلان الخرطوم بشأن المرأة) حيث تم التأكيد فيه على المبادئ التي تعني من كرامة المرأة وتدافع عن حريتها وحقوقها كما وردت.

* وفي مطلع شهر ديسمبر 1997م انعقد في طهران المؤتمر الثاني للاتحاد الدولي للمنظمات النسوية الإسلامية غير الحكومية، وذلك بمشاركة اتحاداً دولياً نسائياً يتكون من24 دولة عربية وإسلامية ومن بعض الدول الأوربية، وفي الجلسة الافتتاحية ألقى السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية كلمة دعا فيها إلى ضرورة توفير الفرص المتساوية للمرأة و الرجل.

كما ألقت في المؤتمر السيدة فاطمة رفسنجاني، والسيدة رنده بري عقيلة رئيس مجلس النواب اللبناني، وأستمر المؤتمر ثلاثة أيام صدر عنه بيان ختامي، تضمن التأكيد على التمسك بالشريعة الإسلامية واعتبارها النظام الأمثل والمتكامل في الحياة، كما دعا البيان حكومات الدول الإسلامية إلى تمكين المرأة من ممارسة حقوقها في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة وبقية المجالات الأخرى.

* كما نظم الاتحاد النسائي الإسلامي العالمي، المؤتمر العالمي للمرأة المسلمة في "صنعاء" في اليمن وذلك خلال شهر ديسمبر 1997م لمدة ثلاثة أيام، وبحث المؤتمر عدة قضايا وخطط ومن أهمها الدعوة لإتاحة الفرصة لنساء الأعمال لممارسة نشاطاتهن في هذا المجال بكل حرية، وكيفية إيجاد السبل لتوحيد مواقف المرأة في العالم الإسلامي من خلال التبادل الثقافي وعقد المؤتمرات، والدعوة إلى تأصيل العمل العالمي للمرأة انطلاقاً من المنظور الحقوقي الإسلامي الذي كرم المرأة، وخصها بمجموعة كبيرة من الحقوق الواقعية والمنسجمة مع فطرتها وغاية وجودها.

* كما أقيم مؤتمر المرأة المسلمة في جنوب شرق أفريقيا عام 1998م، تم فيه مناقشة دور المرأة المسلمة ومكانتها وقدرة تأثيرها في الساحة الاجتماعية انطلاقاً من مجتمع الأسرة الذي يشكل النواة الحقيقية لبناء المجتمع، ودعيت فيه المرأة للمبادرة باتخاذ دورها الحقيقي حسبما أقره لها الشرع الإسلامي.

كما تم فيه مناقشة أهم المشاكل التي تعترضها في طريق الدعوة ونشر الرسالة الإسلامية.

وإضافة إلى كل ذلك هناك وثيقة منتدى (مسلمة القرن لدراسات وأبحاث المرأة في الكويت) وهو منتدى فكري ثقافي إعلامي مستقل، يعمل على رصد الواقع الفكري والثقافي والاجتماعي للمرأة، ويوفر الرؤية الإسلامية الصحيحة تجاه قضاياها المعاصرة، ويكون مركز إشعاع توعوي يعيد لها مكانتها الحضارية ويرتقي بواقعها ويحدد لها أدوارها كما رسمها لها الإسلام.

كل ذلك يدفعنا للتساؤل حول كل هذه التغيرات والتحولات في العالم، عن مسيرة المرأة في مجتمعنا إلى أين؟

وبالنظر لما وصلت له البشرية من تقدم، وما تم تحقيقه من إنجازات على مختلف الأصعدة وما هي حدود التقدم لدى المرأة المسلمة؟

وفي ظل الهيمنة الغربية والغزو الفكري الذي استهدف المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية، وما يبث من سموم عبر أحدث ما توصلت إليه تكنولوجية العصر الإعلامية، و في ظل كل هذه المؤامرات والدسائس التي تصيغها سياسة الغرب بمسمياتها المتعددة للقضاء على ثقافة الإسلام، هل لازال الرجل يعيش أسير لثقافة الماضي وهل لازالت المرأة تعيش متقوقعة في أطر نظرياته؟ إلى متى سيفسح لها المجال ويجعلها تمارس دورها الحقيقي وتنطلق في رحاب الحياة؟

عقبات في الطريق

هناك عوامل عديدة واقعية تركت بصماتها وتأثيرها بشكل واضح جلي على المرأة ولعبت دوراً بارزاً في أعاقة تقدمها وانطلاقها نحو صياغة مستقبلها المشرق، وقبل استعراض هذه العوامل، يجب أن لا ننسى بأن هناك جدلاً مثاراً أيضاً حول طبيعة دور المرأة في المجتمع ومشاركتها في الوظائف العامة، بين مؤيد ومعارض وبين مقيد لمسؤولياتها الاجتماعية و السياسية، وبين مطلق لها بلا حدود.

يذكر الأستاذ زكي الميلاد في دراسته حول المرأة في المشروع المعاصر: من المفاهيم التي يشتد حولها القلق أي تتعدد حولها الاجتهادات ووجهات النظر المختلفة وأحياناً المتناقضة هي مسألة المرأة وجدلية دورها الاجتماعي العام.

ويعبر عن ذلك السيد محمد حسين فضل الله في كتابه (تأملات إسلامية حول المرأة): إن الحديث عن المرأة ودورها الفاعل في البعد الإنساني المتنوع والمتحرك المواقع، يثير الحوار حول الكثير من المفاهيم القلقة التي يحملها الناس في النظرة إليها، لاسيما في الإطار الديني الإسلامي، مما قد يؤدي إلى الارتباك في التعامل معها على صعيد الواقع، أو إلى فقدان ثقتها بنفسها من خلال الإيحاءات المختلفة المؤثرة في شعورها وإحساسها بالحياة من حولها ونظرتها إلى المسئولية الملقاة على عاتقها.

وفي مقدمة (المنطق الإسلامي) للسيد محمد تقي المدرسي، يصور هذا القلق قائلاً: محل المرأة هل هو البيت فقط أم رحاب الحياة كلها؟ فريق من الناس لا يكفون عن الصراخ بأن الله والقرآن والرسول والمسلمون يقولون أن المرأة يجب أنا لا تخرج من رحاب البيت، بينما فريق آخر يقولون بكل ثقة وقناعة: أن الإسلام يفرض على المرأة الاحتشام، ثم يوجب عليها أن تساهم في بناء الحياة ابتداء من البيت وانتهاءاً بالإصلاح السياسي. وهؤلاء وأولئك يقدمون معاً شواهد عديدة على جذر المشكلة أن الدين اختلط بالتقاليد، والقرآن يفسر بالأهواء وفي هذا الجو يتطرف الذين يريدون الإصلاح فيتجاوزون حدود الأصالة، ويتطرفون في التمرد على الماضي بخيره وشره بقيمه الصالحة وتقاليده الباليه، ويكفرون بالتالي حتى بالشخصية المتميزة للأمة.

عوائق تقدم المرأة

1ـ قلة الوعي الديني..

الإسلام منهاج حياة شامل، وهو منظومة أيدلوجية وعقائدية متكاملة يضمن بها صلاح الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، وكل فرد في المجتمع يجب أن يسير وفق هذه المنظومة. لكن إذا نظرنا إلى واقع المرأة المعاصر في المجتمع الإسلامي، فأننا نجد وبكل أسف حياة التناقض والازدواجية التي تعيشها المرأة المسلمة بين بعض الممارسات و السلوكيات الخاطئة وبين ما يأمر به الشارع الإسلامي، فمثلاً عندما نشرح الواقع الداخلي للمرأة فأننا نرى ما يلي:

* ممارسة العبادات مجرد طقوس وشعائر كالصلاة والصوم والحج و.. الخ، لكن بعيداً عن الالتزام بمضمون روح الحجاب الإسلامي.

* الالتزام بالحجاب الإسلامي بعيداً عن التقيد بالأخلاق الفاضلة وقيم الدين السمحة، كاستماع الغناء المحرم.

* الالتزام بالحجاب كمظهر فقط، فالابتذال في الحديث مع الرجال، وعدم الاتزان في الأسواق و المحلات التجارية، وعدم مراعاة قواعد "الاختلاط" الشرعي في العمل وفي مكان الوظيفة.

* التظاهر أمام المجتمع بالصلاح والفضيلة، بينما داخل البيت تتعرى الشخصية بالأخلاق السيئة، وسوء المعاملة مع الزوج، وفساد التربية مع الأبناء.

* المشاركة في الأعمال الاجتماعية، بدون أن تخلق أدنى رادع داخلي على مستوى الاهتمام بالأرحام، ومساندة الضعفاء وذوي الحاجة من الأهل والأقارب والأصدقاء.

* الثقافة الهامشية التي تتشدق بها المرأة وتمثل اهتماماً كبيراً في حياتها، كمعرفة حياة الممثلين والممثلات وحفظ أخبار أهل الفن أكثر مما تحفظ المرأة عن شؤون دينها وعقيدتها، وعن قيمها الرسالية ومبادئها الدينية، إضافة إلى ذلك جهلها بالمسائل الشرعية وعدم تفقهها في ممارسة العبادات الواجبة وأمور دينها في شتى المجالات.

وبناءً على كل ذلك فالإيمان دين متكامل، ومنهاج حياة شامل ولا يكفي الإيمان ببعض الكتاب وترك البعض الآخر حسب الرغبة أو المزاج، فالإيمان الحقيقي يعني التطبيق السليم لقيم الدين ومعارفه والالتزام بكافة التشريعات ومقاصدها التي أمر بها الله سبحانه وتعالى وكما قال عز وجل (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء الذين كفروا...).

2ـ ضعف الثقة بالنفس:

عاشت المرأة ضحية لظروف اجتماعية تاريخية فكرية تراكمت عبر الأجيال والقرون، حتى أصبحت الكثير من القيود تحاصرها وتكلبها في شتى الجوانب إضافة لجهل المرأة بأهمية دورها في المجتمع، جعلها تعيش الخوف و التردد من الإقدام لممارسة دورها الرسالي المطلوب منها، فبقية حبيسة تصارع الذات بمشاعر وأحاسيس تخالجها، كأن تقول ما قيمة دوري وأنا انسانة عادية في هذا المجتمع، أصلح نفسي أولاً ومن ثم لن أتردد في ممارسة الإصلاح، وبالتالي ما قيمة أي دور أؤديه أو أقوم به، دعني مرتاحة في البيت، هناك من هو أجدر مني، المسئولية تحتاج إلى جهد وتفرغ وووو.... الخ. فتختلق الأعذار تلو الأعذار لتبرر انهزامها وتراجعها، مما يؤدي بها إلى اليأس والاحباط فتصبح عاجزة عن تحمل المسؤولية.

بينما المرأة الواعية هي التي تدرك بأن أدنى دور تؤديه أو تقوم به فأنه يساوي الكثير، ولهذا يؤكد الدين الإسلامي على أهمية كل عمل يمارسه الإنسان (رجل وامرأة) كل حسب طاقته وقدرته على العطاء، حتى لو كانت كلمة طيبة، أو تبرع بريال واحد لمشروع خيري أو اجتماعي، فعظمة العمل وقداسته تنبع بما يمثله من قيم وأخلاق وحضارة لا بحجم العمل ونوعه، فالمثل يقول "من قطرات المطر يتكون السيل " وجاء في القرآن الكريم قول الله تعالى (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره).

3ـ النظرة الدونية للمرأة:

لقد عانت المرأة من نظرة الرجل الدونية التي عطلت إمكاناتها وأبعدتها عن هموم المجتمع، و بالرغم من الإسهامات الكثيرة الفاعلة التي كانت تشارك بها في مختلف نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لازالت تعيش المعاناة، لأنها حوصرت في بوتقة الأفكار المتحجرة واللامسؤولة التي كان يحملها المجتمع. يعبر عن ذلك الشيخ حسن الصفار في كتابه (المرأة العظيمة): (أسوأ ما في الأمر أن يتم تجهيل المرأة واحتقارها وتهميشها باسم الإسلام، حيث يرى بعض المتدينين كراهة تعلم المرأة، واستحباب الأمية والجهل لها! ويرون أفضلية انزوائها في بيتها فلا تخرج للمشاركة في البرامج الدينية كصلاة الجماعة! وان صوتها عورة فلا يبلغ مسامع الرجال، وأن لا دخل لها في الشؤون السياسية فجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها فقط! ويستندون في نسبة هذه الآراء على نصوص وروايات مختلقة لا أساس لها أو أنهم أساؤوا فهمها وحرفوا تفسيرها بما يتناسب مع أفكارهم المتحجرة.

وحتى ننهض بمستوى المرأة والدور الذي تبتغيه يجب أولاً نبدأ "بصاحب السيادة" وهو الرجل، بمعنى حتى نعرف ماذا نريد من المرأة يجب أن نسعى أولاً لمعرفة ماذا نريد من الرجل؟!

4ـ الموروثات الفكرية القديمة:

هناك مغالطات اجتماعية ورواسب موروثة كثيرة تشل حركية المرأة وتقف سداً منيعاً ضدها يجب التحقق منها، وهناك أفكار مشبوهة، وأعراف وتقاليد مغلوطة فرضت على المرأة حصاراً رهيباً منعها من الانطلاق ومن الإبداع، وهذا يتطلب من الجميع أن يدرك بأن تقاليد وأعراف أية أمة من الأمم ليس بالضرورة أن تكون صحيحة وسليمة، لكنها تبقى تشكل مقياساً اجتماعياً لا يمكن إنكاره أو تجاوزه.

ورد في مقال لعبد الله النفيسي في مجلة المجتمع (سلسلة مقالات حول المرأة المسلمة) طالب فيها المرأة أن تقوم بدورها ومهامها التاريخية دون خوف من شيء، وأن تفصل بين موقف الإسلام والتقاليد من المرأة.

ويشير الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه (مسائل حرجة في فقه المرأة) (أن منشأ حالة التخلف التي تعيشها المرأة هو التقاليد والأعراف الدخيلة، وليس الإسلام الذي يساهم الجهل به والبعد عنه في ترسيخ هذا التخلف، ولذا فلا بد من نقد كل تقليد أو عرف سائد على ضوء الشريعة الإسلامية ليرى أن كان له أصل فيها أم لا، وكل ما لا أصل له في الشريعة فلا بد من نبذه وتحرير المرأة المسلمة منه).

ويؤكد الدكتور الترابي في كتابه (رسالة في المرأة) على ضرورة الفصل بين التقاليد و الإسلام، وينتقد حرمان المرأة المسلمة من الإسهام الأدبي في تقويم حياتها والحياة الإسلامية عموماً، ويطالب بأن تكون المرأة المسلمة في حركتها مستقلة عن التقاليد والأعراف التي تقيد حركتها دون دليل شرعي ثابتاً منصوص عليه، ويحذر الإسلاميين من خطأ وقوعهم في التشبث بالقديم، كما يطالب الإسلاميين أن يقودوا هم النهضة بالمرأة وحل الأوضاع التقليدية.

5ـ لا للتبعية.. نعم للاستقلالية:

أما عن التبعية فصورة واضحة تعيشها المرأة، ابتداءاً بالتبعية السياسية والاجتماعية، وانتهاءاً بتبعية المرأة للرجل الأب أو الأخ أو الزوج، فبالنظر إلى الوسط الاجتماعي نرى المرأة تبع للرجل في آرائه وأفكاره، دون أن يكون لها استقلاليتها الفكرية الخاصة بها حتى في أبسط الأمور، فكيف توظف ثقتها بنفسها في أمور أكبر من ذلك؟ كأن تكون صاحبة مركز قيادي رفيع، أو حتى تصل لمركز القرار !! ولا أذكر ذلك يأساً من الواقع، بل لما يحتار فيه المرء حينما يفكر في إشكالية وضع المرأة في بلادنا، هل هي عنصر فعال وأساسي في وضع التبعية الذي تعيشه؟ أم هي ضحية ظروف اجتماعية تاريخية فكرية تراكمت عبر الأجيال حتى أضحت الكثير من القيود تحاصرها من كل جانب وهنا أؤكد على ضرورة تواجد المرأة بجانب الرجل بشرط المحافظة على استقلاليتها أي لا تكون أمعة، وفي كلا الأحوال على المرأة أن تعتمد على نفسها في تحقيق أهدافها بالعلم والتفكير والتخطيط السليم فالمرء سيد نفسه، و في الوقت نفسه لا يمكن للمرأة أن تستغني عن الرجل (الموجه ) صاحب الخبرة والتجربة ـ فما خاب ولا خسر من استشار ـ على أن يأخذ بيدها، لا ليقدم لها الدور بل ينير لها الطريق ويعطيها البصيرة النافذة، والرؤية الثاقبة، وهي تقود القافلة.

6ـ  الكسل وحب الراحة:

إن معظم الواجبات الاجتماعية تتطلب عادة العطاء والبذل والتضحية بالمال والجهد والوقت، بل حتى بالنفس في بعض الأحيان، لكن حب الراحة والكسل والاسترخاء والخمول يكرس حالة التخلف فيتثاقل الكثير من الناس عن القيام بواجبهم في حمل المسؤولية. وبالتالي فانطلاق الفرد في ساحة المجتمع بناءاً على حيوية الأفكار والقناعات والثقافة التي يحملها، لذلك نلاحظ تأثير الثقافة الإسلامية التي دفعت الكثير من الدعاة والمصلحين والعاملين نحو العمل والنشاط والتفاني في خدمة المجتمع، بينما الثقافة التبريرية والمصلحية هي التي تدفع بصاحبها نحو الاتكالية والتقاعس والأنا وحب الذات والراحة والاسترخاء، ولأن هذه المشكلة عامة في المجتمع فقد ألقت بظلالها على واقع المرأة بشكل مباشر لأنها جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع.

7 ـ غياب الحرية:

ترتبط الحرية بعموم المجتمع وإذا انعدمت هذه الحرية، افتقد المجتمع خاصيته في التقدم والتطور المطلوب، فغياب الحرية يعرقل الإبداع ويساهم في غيابه وذلك لأن الجو المحيط له تأثيره على الفرد، فالعامل الاجتماعي والبيئي من العوامل المهمة التي تؤثر في بناء وتكوين شخصية الفرد وهذا ما يؤكده علماء الاجتماع، لذلك نلاحظ حالة التقدم في المجتمعات متفاوتة، فإذا كان المجتمع يشجع على العلم والإبداع فسوف يكون ذلك دافعاً لتقدم ورقي أفراده، كما هي اليابان اليوم التي بدأت مرحلة منافسة سريعة مع الولايات المتحدة الأمريكية. أما إذا كان المجتمع يفتقر لأبسط مقومات الحضارة ويقمع الحرية فلا أمل له في التقدم، وأن سعى لذلك فأنه سيسير كما السلحفاة وهذا هو واقع المجتمعات النامية.

8ـ تجنب العزلة و الانفتاح على الآخرين:

من ضمن المتغيرات التي رافقت مجتمعاتنا المنغلقة، الانفتاح المفاجئ و السريع على العالم، فالعالم اليوم أصبح قرية كونية واحدة، رافقت هذا الانفتاح تحديات عديدة لها تأثيرها الفكري والاجتماعي في حياة الفرد، كالانفتاح العالمي بوسائله المتعددة من تلفزيون، صحف، مجلات، كومبيوتر و انترنت... الخ، بالإضافة إلى كثرة سفر الناس و اختلاطهم بالمجتمعات الأخرى و احتكاك وتعدد الثقافات وما شابه ذلك، والذي سبب خلخلة في بعض القيم والثوابت الاجتماعية. فلكي تواجه المرأة هذا التحدي يجب أن تكون متسلحة بالعلم والثقافة، والرؤية الواعية المبنية على قيم الإسلام، والقراءة الناضجة المستفيضة للثقافات المتعددة في جميع الأديان وأن تنمي كفاءاتها العلمية والمهنية والأخلاقية، حتى تستطيع من خلالها أن تحافظ على أصالتها وهويتها الإسلامية ضمن هذا الانفتاح. ولا ننسى أن للانفتاح على الآخرين أهمية بالغة في حياة الفرد، حيث يكسب من خلال علاقاته وتعامله مع الناس الخبرة والتجربة، وتعلم فنون الحياة التي تساهم في بناء الشخصية وتمنحها أفكارا ناضجة ورؤى سديدة في مواجهة أمور الحياة.

واللقاء مع الآخرين يعني التقاء للفكر والثقافة، وتبادلاً للتجارب والخبرات، والمرأة في مجتمعنا اليوم بحاجة إلى أن تخرج من عزلتها، ومن دائرة المحيط المغلق الذي تعيش فيه، لتتعرف على المجتمع وتشخص حاجاته، حتى تتمكن من اختيار الأسلوب المناسب لتحمل المسئولية الاجتماعية، وتتعرف أيضاً على واقع المرأة المتقدم، القريب والبعيد سواء في المجتمعات العربية و الإسلامية، أو في المجتمعات الغربية، وتتلمس نشاطات مثيلتها المرأة من خلال دورها السياسي والثقافي والاجتماعي، في المؤسسة الثقافية و الجمعية الخيرية و المشروع الثقافي والعمل الاجتماعي، ومن خلال الحضور في المؤتمر والنادي والمنتدى الفكري الذي يمنحها سعة الأفق ويحقق لها التطلع نحو المستقبل، وهذا بدوره يصقل شخصيتها وينمي فكرها ويطلق موهبتها نحو التقدم ! ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال الانغلاق والتمحور حول الذات، وانما يتم إنجازه من خلال الاحتكاك بالمجتمع والتعرف على جميع قضاياه.

ولقد أتاحت وسائل الإعلام الحديثة فرصة التلاقي والتعارف والتثاقف بصورة واضحة وسريعة، عن طريق الاتصال السريع عبر جهاز الكومبيوتر واستخدام "الانترنت " فيمكن الاستفادة الإيجابية من هذا الجهاز والتعرف على المواقع التي تتيح تعارف أكبر وتجارب أكثر، ففي التجارب علم مستحدث، و خيركم من اتعظ بتجارب غيره، والحكيم من وعظته التجارب.

9ـ إضاعة الوقت:

الوقت هو الحياة وثمنه في إدراك قيمته والاستفادة منه، وهو كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ولا يستطيع الإنسان أن يحقق السعادة والنجاح في هذه الحياة إلا إذا استثمر وقته وأحسن التعامل معه فيما يعود عليه بالنفع. وأن إهدار الوقت والتفريط فيه من أهم مسببات الفشل وضياع الفرص في حياة الإنسان، فاليوم الذي يمضي لا يعود أبداً، والفرص تمر كما تمر السحاب، وكما جاء في الأثر (ضياع الفرصة غصة) وأن من أهم مسببات تراجع المرأة في مجتمعاتنا سوء استخدامها وتعاملها مع الوقت، مما يجعلها تستشعر الملل وتعيش الفراغ، وتهدر أغلب وقتها في أمور تافهة، و اهتمامات زائفة تضفي عليها أهميتها وتبني عليها قناعاتها، فلا مانع لديها أن تقضي أكثر من ثلاث ساعات أمام شاشة التلفاز، أو في المحادثات الهاتفية الطويلة مع الصديقات، أ وجلسات المتعة والثرثرة، أو في الهروب من الوقت في صالونات التجميل والتنـزه في الأسواق، أو السهر في الليل والنوم في النهار و……. الخ. وحتى تنهض المرأة وتدخل معترك الحياة، لا بد لها أن تنفض عن نفسها غبار التخلف وتراكماته و تقوم بثورة على الذات لترسم لها من جديد طريق المستقبل، وتعي ما يجري حولها من أحداث ومتغيرات تنطلق عبرها لبناء الحياة بالنظام والإدارة والتخطيط السليم. وعلى المجتمع أن يساعدها في ذلك بإيجاد قنوات وبرامج ونوادي ومؤسسات وجمعيات نسائية تفجر من خلالها المرأة طاقاتها ومواهبها لتسد فيها هذا الفراغ.

الإسلام لا يريد المرأة طاقة معطلة

إن أزمة التخلف التي مر بها المجتمع انعكست بشكل مباشر على المرأة بسبب قابليتها، فالمرأة مسؤولة عن تخلفها، إذا بقيت راضية بما هي عليه ضمن الأطر التي تعيش فيها الآن، وإلا كيف يمكن أن نفسر بروز أسماء نسائية لامعة في مختلف المراحل التاريخية، مع وجود النماذج من القلة القليلة من النساء في الوقت الحاضر. أن الخشية المفرطة من مشاركة المرأة اجتماعياً قد تؤثر على دورها ومسؤولياتها داخل الأسرة، ليس أقل خطورة من سلبية عزل المرأة عن مجتمعها العام، كما لا يقل سوءا عن تحويل هذه الطاقة الإنسانية إلى مجرد حاضنة أو مهمتها الكنس أو الطبخ أو السرير.

فالإسلام لا يريد اطلاقاً للمرأة أن تكون طاقة معطلة أو مشلولة وهو يحث على العمل وفعل الخير، قال تعالى في سورة النساء/ 124 (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا).

وورد في سورة التوبة/ 71 (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم).

وفي سورة الأحزاب/ 35 (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات و المتصدقين و المتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً).

دوافع تقدم المرأة المسلمة

إن دوافع الإنسان نحو التقدم كثيرة، وأهمها التطلع والطموح و القدوة الصالحة، وفي تاريخنا الإسلامي هناك نماذج رائعة من النساء تحملن أدوارهن في نشر الرسالة الإسلامية و خدمة المجتمع بشقيه في الأسرة وفي ساحة المجتمع، وسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حافلة بأسماء مشرقة لامعة كالسيدة خديجة والسيدة فاطمة والسيدة زينب وبقية نساء أهل البيت (عليهم السلام).

وفي واقعنا المعاصر اليوم توجد نسوة كرسن حياتهن من أجل خدمة المجتمع وساهمن مساهمة فاعلة في عملية النهوض به، وقمن بدور بارز في انماء المجتمع من خلال تفعيل دور المؤسسات والبنى الاجتماعية التحتية، التي تخلق الابداع والتطور والتقدم نحو المستقبل حيث امتلأت حياتهم بالجد و النشاط والحيوية والفاعلية، و التجارب الناضجة. فالمرأة في إيران نموذج مثالي يحتذى به، لأنها سجلت حضوراً واعياً وفاعلاً في المجتمع من خلال الأدوار المتنوعة، فهي الأم والمربية، والكاتبة، والعالمة، والطبيبة، والمعلمة، والمستشارة والنائبة حتى حددت مكانتها في الدستور الإيراني، وبقراءة سريعة لـ( المرأة في الدستور) نلاحظ ما نصت عليه المقدمة أن المرأة تخرج من إطار كونها شيئاً جامداً أو أداة للعمل، وكونها في خدمة الاستهلاك و الاستثمار، بالإضافة إلى أنها تستعيد مسؤوليتها الخطيرة والقيمة كأم ومربية في تنشئة الإنسان العقائدي الطليعي، فأنها ستكون زميلة الرجل في مجالات الحياة الفعالة، وبالنتيجة فأنها تتحمل مسؤولية أخطر لأنها تتمتع في المنظار الإسلامي بقيمة وكرامة أرفع، وجاء في الفقرة الثالثة من الدستور، تأمين كافة الحقوق للأفراد وإيجاد الفرص المتكافئة للجميع، وعلى جميع الأصعدة المادية و المعنوية، وتأمين كافة الحقوق للأفراد- المرأة والرجل- وإيجاد الضمانات القضائية العادلة للجميع والمساواة في الحقوق أمام القانون.

وجاء في المادة الواحد والعشرين، أن الحكومة مسؤولة عن كافة حقوق المرأة في كافة المجالات مع ملاحظة القيم الإسلامية، وعليها القيام بخلق الأرضيات المساعدة لنضج شخصية المرأة واحياء حقوقها المادية والمعنوية، وهذا ما نلحظه في الخطاب السياسي للرئيس محمد علي خاتمي، حيث أعطى المرأة موقعاً متميزاً، وبعد استلامه للسلطة شكل الحكومة وعين واحدا من نوابه امرأة وهي (معصومة ابتكار)، وعين (زهرة شوجري) مستشارة له في قضايا المرأة.

ولا يخفى على الجميع تقدم المرأة اليمنية وحيازتها دور المشاركة، فحزب التجمع اليمني للإصلاح انتخب (7 نساء) وعينهم في مجلس شورى الحزب.

وعندما نلقي نظرة سريعة لواقع المرأة في الدول العربية، نرى تقدم المرأة واضحاً وملموساً في مصر وسوريا ولبنان في عملية النهضة و البناء.

أما إذا سلطنا الضوء على المرأة في الخارج، فخير نموذج نراه في اليابان، حيث أثبت اليابانيون أنهم أصحاب مواهب ذاتية عاشوا ظروفاً معينة هيأت لهم هذا العطاء المتميز، حتى خرجوا بنظريات متعددة لقدرة الإنسان الطبيعي على العطاء والابتكار والتطور، ويمكن أن يستفيد من مواهب وأفكار المبتكرين، وقد أثبتوا ذلك في مخترعاتهم فمثلا الساعات السويسرية القديمة باهظة الثمن حولها اليابانيون من فكرة أوربية، إلى ساعات إلكترونية زهيدة الثمن كما بدت لدى شركة سيكو اليابانية هكذا الاستفادة من التجارب والأفكار التي تخلق الإبداع، وإضافة إلى ذلك تقدمت المرأة في اليابان محافظة على أصالتها وقيمها، لم تهمها صيحات الغرب ولم تبعدها عن أصالتها وهويتها.

هكذا يجب أن تكون المرأة في مجتمعاتنا، وحقيقة الأمر المرأة اليوم أصبحت أكثر وعياً وعلماً وثقافة من السابق في نظرتها للأمور، بدأت تبحث لنفسها عن فرص التقدم والازدهار والتطلع نحو المستقبل الحضاري بنظرة استشرافية ثاقبة في مختلف المجالات وعلى شتى الأصعدة، ولم تعد تقتنع بالأدوار التقليدية و المحدودة، وبدأت تُشكل رؤيةً إسلامية واقعية لدورها الحضاري وموقعيتها في الساحة الثقافية والاجتماعية، وتعي وترفض نظرة الرجل الدونية تجاهها، وممارسة سلطته عليها، فلماذا يسمح الرجل لنفسه بالتقدم ويحجب ذلك عنها؟ إذن يبقى السؤال الرجل في مجتمعنا إلى أين؟

113161