مواقع مجهولة: صفحات من تاريخ الجزيرة
هل كانت تاروت عاصمة الدلمونيين؟
أحمد مكي الغانم * - 4 / 3 / 2011م - 7:25 ص - العدد (23)

يورد الجيولوجيون من علماء الأرض والبحار بعض الأسباب لتكوين الجزر في البحار وهي أما تكون بفعل: الطمي أو الترسبات أو نتيجة لعوامل أنزلاقية التوائية لقشرة الأرض، أو نتيجة لنمو الشعب المرجانية في البحار، أو بسبب انفجارات بركانية في البحار. مما يؤدي إلى انخفاض في بعض المناطق وارتفاع في مناطق أخرى، وهذه نظرة شمولية وعامة.

أما بالنسبة للجزر الممتدة على الخليج العربي فأرجع العلماء إلى ثلاثة عوامل: ترسبية و مرجانية وانزلاقية. كما هو الحال لجزر أوال في البحرين وجزيرة تاروت في شرق المملكة العربية السعودية، التي هي موضوع حديثنا.

الجزيرة:- اسم مشتق من الجزر، وهو انخفاض الماء إلى أدنى مستوى له، بفعل التجاذب بين القمر والأرض، ويحدث المد والجزر في الخليج العربي مرتين كل أربع ساعات واثنان وخمسين دقيقة[1]  وتعد جزيرة تاروت من أكبر جزر الخليج العربي بعد جزيرة البحرين الحالية، وتقدر مساحتها 40كم في العام 1414هـ - 1993م، وتقع على بعد:50ْ من خطوط الطول- 32، 26ْ من خطوط العرض شمالاً، وبها مساحات شاسعة من السبخات المتكونة من الطمي والطفل الرمل الطيني الممزوج بالأملاح[2] .

وقد قسمت فيما مضى إلى ثلاث وحدات: تاروت، السنابس، دارين.

تاروت: وتقع غربي الجزيرة وفي، وسط الجزيرة، سنابس شمال شرق تاروت، ودارين في ركنها الجنوبي الشرقي، وتقسم أيضاً إلى قسمين- دارين البندر ودارين الحالة، وتعتبر الجزيرة في مجملها وحدة متكاملة من المواقع الأثرية التي يصب التمييز بينها، والتي تعود لأزمان مختلفة.

يروي علماء الآثار أن أرض الجزيرة تتكون من طبقتين- الأولى/ يمكن أرجاعها إلى فترة العبيد، وهذه بدورها صنفت إلى أربع فترات: وتعود فترة العبيد إلى الألف الخامس والرابع قبل الميلاد، وشواهد الأستقرار بها سابقة للكتابة (3500  -  3000) ق.م، وعصور فجر الأسرات، ويذكر ايضاً أنها كانت في فترة من الفترات. (عاصمة لمملكة دلمون) غرب الخليج العربي في الفترة فيما بين (3500  -  3000) ق.م حيث امتدت هذه المملكة من عمان جنوباً والبصرة جنوب العراق، والطبقة الثانية: فتعود لحضارة (باربار) في جزيرة المنامة من البحرين حالياً.

بأقرار من جميع المؤرخين (حضارة دلمون) من اكبر الممالك التي شهدتها منطقة الخليج العربي، إذا ما استثنينا أول إمبراطورية عربية قامت به، وذلك عام 2371ق.م. على يد الملك السومري (سرجون) والتي شملت كل أرض العراق وبعض من سوريا وآسيا الصغرى (أن أسم حضارة دلمون بقي علماً تعرف به غالبية منطقة الخليج وشعوبها قبال الشعوب المجاورة وغير المجاورة من الزمن حتى غادر أمام مسميات أخرى طمسته)[3] .

واستمرت الجزيرة مزدهرة خلال الحقب التاريخية الاحقة، في فترة المد الحضاري- الأغريقي و البرثي و الساساني. وهذا لايعني أنها خرجت عن طابعها الحضاري المحلي كبقية المراكز في منطقة الخليج العربي[4] .

أن الكتابات المسمارية المتأخرة تشير إلى إقليم الجزيرة العربية وجزر الخليج العربي: باسم تلمون- دلمون، وإلى السكان والتجار من هذا الأقليم بأسم الدلمونين. وحاول علماء الآثار والدرات الأشورية تعريف الحدود الجغرافية لمناطق مثل: دلمون وملوحاً التي وردت في نصوص حضارة بلاد مابين الرافدين. منذ عهد نابونيدس حوالي544ق.م.، ويلاحظ أن المصادر الأثرية تصمت عن ذكر دلمون في الفترة ما بين 1240وَ 709ق.م.

ويبدو أن دلمون اكتسبت وضعاً مميزاً في الأسطورة السومرية حيث وصفت بأنها أرض طهر ونقاء وضياء واعتبرت أرض مقدسة. وتذكر المصادر السومرية أن المعبودة الحارسة لدلمون- نينسيكيلا. كانت تتوسل إلى انكي. الذي هو زوجها ووالدها في الوقت ذاته[5]  ويامر الأخير إله الشمس اتو.

مواقع في النسيان

الأخبار التي تتحدث عن المعثورات الأثرية في الجزيرة، كثيرة وتدل على عمق حضاري وهي أكثر من ان تحصى، ومنها ما نراه في المتحف الوطني بالرياض وفي المتحف الإقليمي بالدمام، وتشمل على:- قطع معدنية وزجاجية وأدوات زينة وأواني فخارية مختلفة الألوان والأشكال، وعملات تعود لفترات تاريخية عدة، ومما تم رؤيته/ تمثال من الذهب الخالص للبعلة (عشتروت)، تم العثور عليه في أحد بساتين الجزيرة عن طريق الصدفة، عثر عليه فلاح كان يحرث الأرض، وعثر أيضاً على تمثال من حجر يشبه التماثيل السومرية، بالقرب من البلدة القديمة- بالديرة.

والحديث في ذلك يطول ويحتاج إلى بحث مستقل، وسوف نقتصر حديثنا هنا على المواقع التي تم تحديدها من قبل- إدارة الآثار والمتاحف، وركنت في زاوية النسيان، ولن نعيد ما سبق وقيل عنها، بل سنعطي ملاحظات للحالة التي هي عليها بوقتنا الحاضر.

إن أي أمة لا تهتم بتاريخها ليست جديرة بالحياة، ويخطئ من يقول: أن أسلافنا لم يكونوا ذوي اهتمام بتاريخهم، إذاً ما معنى الاكتشافات الأثرية التي يعلن عنها في كل يوم من قبل علماء الآثار، ولا يمكن متابعتها لأي من كان، فما يكاد يفرغ الإنسان من تلاوة خبر عن مكتشف حتى تنهال عليه آلاف الاكتشافات الأثرية في الأرض طولاً وعرضاً، التاريخ هو صراع مستمر بين الأجيال.

وما تم الإعلان عنه من مواقع بـالجزيرة، ما هو إلا جزء يسير مما تضمه هذه الأرض وقليل جداً، وما أظن أن المواقع المسيجة، قد عمل بها مجسات لتحديد ماهيتها وهذا واضح من الحالة التي هي عليها. وما فائدة تحديد تلك المواقع وتسويرها ورفع اليافطات (موقع أثري يمنع العبث به) مادام المواطن يجهل أهميتها.

يقال أن أول نص ظهر فيه اسم (تاروت) كان جغرافية بطليموس سنة (150 ميلادية)

مما يؤكد أنها كانت معروفة قبل هذا التاريخ، ويبدو أن جزيرة تاروت هي نفس الاسم التاريخي (Taro و Tahr و Thar) كما يذكر ذلك الدكتور جواد علي نقلاً عن جغرافية بطليموس.

ولعلها كانت معبد الإله ( عشتروت ) اشتهرت به، ثم حذف المقطع الأول من اسم الإله اختصاراً، وصارت تعرف بالمقطعين الأخيرين، وهما ( تاروت )[6] .

يروي كثير من المؤرخين: أن أسمها في الأصل عشتاروت، وأنها كانت معبداً لإله الفينيقيين ( عشتاروت أو عشتروت )، ويذكر البعض من المتأخرين: أن البلدة الحالية - الديرة، تقوم على أنقاض بلدة قديمة، كما يبدو من أسس البناء الذي يتكون من صخور ضخمة تحيط بمجرى العين الحالية، ويقع منبع العين داخل البلدة من تحت ربوة عالية من بقايا لقلعة مرتفعة أقيمت في العصور التاريخية على مرتفع كما يرى البعض: انه هيكل للوثن (عشتروت) و منه اشتق اسم الجزيرة. ويقال: عشتاروت في الاصل الهة كنعانية، ويضيفون قائلين: اقترن الاسم قديماً بعشتاروت ليس عفوياً في موطن الفينيقيين الاصلي قبل نزوحهم الى سواحل الأبيض المتوسط، واقامة الفينيقيين كانت في بادئ الأمر في جزيرة ( تيروس ) وهو اسم آخر من اسماء الجزيرة ( تاروت ) حالياً.

ومما ذكره الاستاذ / حمد الجاسر: فالجزيرة كانت موطناً للفنيقيين قبل نزوحهم إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط. فقد جاء في تاريخ لبنان نقلاً عن بعض مؤرخي اليونان: بأن أهل هذه الجزيرة كانوا يباهون بأنهم الذين أسسوا صور وارود، ولا تخلوا هذه الجزيرة من بعض آثارهم.

يقول أحد أبناء تاروت: استدعيت مع نفر من تاروت لمشاهدة بعض الزخارف الإسلامية في بيت يبعد عن عين العودة (حمام تاروت) حوالي مائتي متر، وكان في البيت ( جب ) بئر، وكان الماء لا يزال في قعره حتى وقت الزيارة، وذكر أحد الحاضرين: أنه فيما مضى كان الغاصة من أهل تاروت ينزلون إلى قعر البئر ويخرجون من العين المذكورة،فإن صح هذا القول فإنه يؤكد وجود قناة تحت الأرض تصل بين العين والبئر، وهو دليل آخر على أن الديرة القديمة قد شيدت على أنقاض بلدة قديمة، وأضاف المتحدث: أن البيت يعود إلى الدكتور جميل الجشي، السفير السعودي الحالي في إيران[7] .

من الباحثين من يرى: أن تل الجزيرة المؤرخ للعصر الحجري الحديث (النيوليثي) و الذي يمثل أقدم موقع لمدينة في شرق الجزيرة العربية، ولوحظ أن المساحة التي يحتلها التل الصغير من أن تدعو للافتراض بأنها كانت تشكل مدينة منتظمة في تاروت، وتشير إلى أن المبنى البارز في التل يوحي بأن هناك شيئاً أكبر من مجرد قرية، وخلال الفترات المبكرة لعهد الاسر العصرية تحولت تاروت إلى مستوطنة رئيسية كما تدل على ذلك الفخاريات الباكرة لعصر الأسر. وأقدم الطرز الفخارية لتل تاروت من تنقيبات عبد الله المصري، عثر عليها في خنادق تصل أعماقها إلى205 متر تحت مستوى سطح الماء تعلوها فخاريات حضارة دلمون في الطبقات العليا[8] .

و ما حديث أهل الجزيرة عن وجود بعض القنوات المائية تمتد من عين الحمام إلى البلدة القديمة، وبأعماق لا تكاد تصدق ووجود آبار عدة في بيوتها، الا دليل على عمق تاريخها وقدمه، حتى يخال للسامع أنه من نسج الخيال.

مواقع في الأسر

يبلغ عدد المواقع التي وقفت عليها في الجزيرة ( ستة ) وذلك بعد المسح الذي تم لمنطقة القطيف، في 16/ فراير/ 1977م، وكلها تنسب لحضارات في وادي الهلال الخصيب وهي من الاثار الدالة على قدم حضارت تاروت، وواقع الحال يقول أنها سابقة لحضارة الخصيب، ويدلل على ذلك وجود تماثيل صغيرة الحجم ولعلها تكون البدايات الأولى لصناعات التماثيل، لها مثيلات في العراق وسوريا الكبرى ويعود بعضها لأزمان مختلفة ومعاصرة للحضارة العيلامية الفارسية وحضارة (الموهنجودارو) على نهر السند، وحضارة أم النار التي قامت بالمنطقة الجنوبية من المنطقة الخليج العربي، والتي تم أكتشاف بقاياها في (أبوظبي) بواسطة البعثة الدنمركية سنة 1966م[9]  والمواقع التي نحن بصددها هي:

1- القلعة، الديرة: اسمان يطلقان في العالم العربي على المستوطنات السكنية القديمة، وبلدتنا التي نحن بصددها تكاد تكون من أقدم الوحدات السكنية بهذه المنطقة، وما تزال باقية بينما مناطق قريبة منها أخذت معالمها في الاختفاء وإذا نظرنا إلى تكوينها الداخلي تذكرنا ببعض المدن القديمة في عالمنا العربي، أزقتها وتصميم بيوتها وسورها وحتى الفسحات الداخلية تقودنا إلى أنها من أمهات المدن العربية القديمة، زمن نظائرها مأذنة الشحم في دمشق والقلعة في القاهرة أبنية المدن العراقية القديمة حسبما يؤكد المؤرخين، غير أن موضوع حديثنا تتميز عن مثيلاتها العربيات في أنها تقع على ربوة عالية وبعكس القلعة بالقطيف المقامة على أرض منبسطة والبحر إذا مد يلامس سورها، وقد تكون فيما مضى من الزمن الغابر غير ما هي عليه الآن.

والقلعة من الداخل والخارج أشبه ما تكون بحارة مأذنة الشحم في دمشق. وفي ظني أن موقع البلدة الحالي له امتدادات نحو الغرب والشمال، يؤكد ذلك ما رايته من كسر فخارية باشكال وأحجام مختلفة، يحمل بعضها رسومات وعلامات مميزة وبعض العظام التي لا أستطيع تحديد ماهيتها، لصغر حجمها، وبعض الكسر من الزجاج الفارسي الصنع، ما زلت احتفظ بها، كل ذلك عثرت عليه من حفرية قاعدة مسجد السوق الجديد، الواقع غرب جنوب المسجد القديم، وأعتقد أن بعض العاملين في متحف الدمام سبقني لزيارة الحفرية لقاعدة المسجد المذكور سلفاً، تم حفرها في يوم 8/ 7 / 1420هـ - 17/10/1999م، ولم أعلم بذلك إلا يوم السبت 10/7/1420هـ وأنا في زيارة المتحف.

2- الرفيعة: وتعرف بأسم العلاة، وكانت آخر زيارة لها في يوم الإثنين 12/7/1420هـ - 21/10/1999م وهو الموقع الذي رأيت آثار التنقيب فيه، وأظن أن الأوصاف الذي أعطاها الأستاذ/ علي صالح المغنم، لموقع الربيعية هي لموقع البدرية، وقد حدث التباس بين الأسمين، وحديث الأستاذ عن الموقع ما يؤيد ما ذهبنا إليه قال: الرغبة في اكتشاف التل التراكمي بمنطقة مستوية غير مأهولة تقع بين الربيعية وبلدة دارين. وأضاف قائلاً: كون هذه المنطقة يقال أنها كانت حقل مدافن قديم هدم الكثير منها أثناء رصف الطريق الشرقي الواصل بين الربيعية ودارين[8] . والطريق الواقع بين الربيعية ودارين يمر بموقع آخر وهو الرفيعة وهو غير مسور، حيث أن الطريق في الجنوب من الربيعية والموقع الذي يعنيه في الغرب للجنوب بينها مسافة ليست بقصيرة، ولعله يقصد الطريق المستحدث، والممتد من الشرق للغرب جنوب الرفيعة، أما موقع الربيعية فيقع جنوب غرب.الربيعية يفصل بين الأول والثاني مسافة (300م) مليئة بحشائش القصب والأسل وموقع الرفيعة شمال الطرق الواقع شمال دارين بمسافة تقدر بـ/50م.

وفي موقع آخر غرباً من الرفيعة: قبر واحد رئيسي يتصل بمدافن جانبية، داخل نطاق الجدار الدائري، في شكل مدرج، وهو في تكوينه يختلف عن القبور التي تم كشفها في جنوب مطار الظهران وبقيق. وبرر المغنم ذلك بقوله: يوجد القبر في منطقة رطبة، والخلاف ليس في الشكل فحسب، بل في المواد المستعملة في بناء القبر وسماكة الجدران، قاعدة قبر الرفيعة أسمك من قبور الظهران، وكلما أرتفع الجدار فيه قلت سماكته، والمواد المستعملة فيه (حجارة البحر- فروش، والجص المستخلص من طين البحر أيضاً. وبيوت القطيف عامة بنيت من نفس المادة.

والملاحظة الثانية التي نسوقها على هذا الموقع/ الوصف الذي أعطاه الأستاذ المغنم لموقع الربيعية، ينطبق على موقع الرفيعة والبدرية، ومن الملاحظ أنه الموقع الوحيد الذي شاهدت فيه حفريات مخبرية، خلاف المواقع الأخرى التي ماتزال بكراً في علم الغيب.

الموقع: جنوب غرب الجزيرة بين الربيعية ودارين، يمين القادم من شرق دارين للقطيف عبر الطريق المشار إليه سابقاً، والممتد من الشرق نحو الغرب وتقدر مساحته بـ/ 4304.42م2، ومسوراً بشبك من الحديد، وبه تل واحد نقب فيه، وباقي المواقع على حالته البكرية ولعدم وجود عناية بما تم إنجازه من حفريات، أخذت الرمال بدفن الموقع، زيادة على التاكلات في جدران القبور، ويقدر تاريخ المدفن إلى الألف الثالث قبل الميلاد، حسبما جاء في النتائج المخبرية للفخاريات التي التقتط من المكان المكشوف، وللزيادة في الإطلاع على هذا الموقع، انظر نشرة (كندة) العدد الأول 1414هـ موقع الربيعية.

الكشف عن الموقع

أرادت بلدية القطيف في عام 1962م أن تمهد الطريق بين الجزيرة والقطيف، وبدلاً من أن تعمد إلى الرمال التي أوشكت تلتهم البلدات غرب القطيف، عمدت إلى نقل تلال الرفيعة، وأثناء ذلك: كشفت عن مقابر بها صناديق وأدوات من صنع يد الإنسان يخمن أنها تعود للعصر الحبشي، وقد شملت الأواني من الحجر الصابوني، كما وجدت أيضاً مواد أخرى مبعثرة فوق الرمال. وفي نفس السنة كان سكان تاروت، يعملون على توسيع بساتينهم التي تحولت فيما بعد بوار. ونتيجة لذلك أزيلت تلك المقابر التي شملت تحفاً صغيرة بجانب الفخار و المعدن والمرمر وأواني الحجر الصابوني (البازلت)، وبهذا تكون الصدفة وحدها هي التي حددت مكان الموقع، بعد هذا أخذت الأيدي تعبث بقصد وبدون قصد لعدم وجود مؤسسة تعمل على جمع التراث وحفظه.

تأسست إدارة الآثار و المتاحف، في سنة 1964م، بعد أن ضاع الكثير الكثير مما يحتويه الموقع، وفي عام 1968م، حصل (جيفري بيبي) على تصريح رسمي للتنقيب في نفس المكان، وكان لجيفري أن تعرّف على المكان من قبل، وبعد دراسة ما تم العثور عليه، توصل إلى التمييز بين مرحلتين للموقع:

المرحلة الأولى: ذات علاقة بالفترة الخاصة بحضارة بلاد ما بين النهرين، عصر فجر السلالات  الثاني والثالث.

المرحلة الثانية: بعدها بكثير وتصل إلى العصر الهلينستي 150ق.م. وقد أثبت العديد من قطع الحجر الصابوني التي وجدت أثناء التنقيب بواسطة البعثة الدنمركية أن منطقة الرفيعة: كانت مصدر الأواني غير المنقوشة والمزخرفة والتي يعود تاريخها إلى أواسط الألف الثالث ق.م، وكان قائماً في هذه المنطقة، وأن كثير من المقابر المعاصرة تنتمي إلى ذلك الاستيطان، وتم الكشف أيضاً عن أواني من الحجر الصابوني غير المنقوش والمزخرف. وحجر اللازورد

والمرمر و المعدن وفخار الألف الثالث. [10] 

ويذكر الأستاذ المغنم: أنه تم تعيين الموقع منذ العام 1395هـ - 1975م، وسور في سنة 1407هـ [11]  ورغم التسوير ووجود يافطة تحذيرية، إلا أنه تعرض للاعتداء مرات عدة امتثالاً للمقولة (مال بلا حارس يعلم السرقة).

3- الربيعية: بعد أن تمت حفرية أساسات روضة جمعية تاروت الخيرية، أشيعت أحاديث كثيرة عن رؤية أشياء مختلفة منها: أواني فخارية وتماثيل من الحجر، من بينها تمثال يبلغ طوله بين (80-90سم ) رفض المتحدث أن يذكر اسم الشخص الذي يحتفظ به، والذي قام بتصويره عند مقتنيه، وأضاف آخرون: أنه تم العثور أيضاً على أحجار نفيسة، هذه الأشياء وغيرها هي التي دلت على مواقع الربيعية.

المكان: شمال شرق منطقة العلاة - الرفيعة، وتل الربيعية الأثري يقع جنوب غرب الربيعية، وبه مجموعة من التلال لم يكشف أي منها حتى الآن، وأن تقييمه قد تم على ما اعتقد على ما عثر عليه من الموقع الواقع في الجنوب الغربي منه في الرفيعة، وقد يكون أجري به مجس، غير اننا لا نعرف عنه أي شيء وليس هناك ما يدل على ذلك، وقد تكشف الأيام ما استتر، والحالة التي وجدت عليها مزرية للغاية، نار مشبوبة بشكل متعمد والشبك الحديدي المسوّر به في الجهة الشرقية المحاذية للمنزل مرفوعة تماماً من مكانها وكذا جزء من الجهة الشمالية الشرقية.

وتبلغ مساحة الموقع / 2644.4م2، وبين الموقعين الرفيعة و الربيعية مسجد الخضر، الأول جنوب غرب المسجد أما الثاني شرق المسجد وبينهما فسحة من الأرض مليئة بالأحراش الطبيعية وبعض المزارع القديمة والمستحدثة، ومن المحتمل أن تكون الأرض الحرشية ذات أهمية لا نعلمها، ويذكر البعض: أنه تم العثور على بعض من العملات القديمة في إحدى المزارع جنوب المسجد، وقبل أن لا ننسى أن الأرض الواقعة جنوب موقع الرفيعة

والملاصقة للشارع، التي خططت لتكون منازل، وقد يأتي يوم ونحن في غفلة من الأمر ويمسح الموقع ويصبح منزلاً لأحدنا.

4- أم جلوة أو فلوة:- أم جلوة بالجيم الفارسية كما ينطقها العامة من الناس، وينطقها البعض أم فلوة، شمال المنطقة المعروفة بالمغيسل، جنوب شرق فريق الأطرش الذي سمي الموقع به خطأً، على مسافة تقريبية - خمسمائة متر، ومن أهم المعالم المستحدثة في المنطقة مدرسة الإمام الحسن (عليه السلام)، وهي تستره حيث يقع في الركن الجنوبي الشرقي منها، وينمو عليه حالياً شجر الاثل وأعشاب الأسل، وكما لعبت الصدفة في اكتشاف موقع الربيعية، تم اكتشاف هذا الموقع، وذلك عن طريق حفرة قناة مائية في الطرف الشمالي من الجزيرة[12] .

وكانت المنطقة التي تم فيها اكتشاف الموقع مليئة بالنخيل، أما الآن فقد غدت المساكن تنمو فيها، وفي الغرب منها حارة الخارجية، الواقعة جنوب فريق الأطرش يفصل بينهما الطريق، ومن هنا كان الخطأ في التسمية بفريق الأطرش، لا من اسم النخل الذي فيه الموقع، وهو مثل المواقع السابقة لم يعمل به مجس مخبري وقيم على أساس ما وجد من كسر فخارية فقط، والمواد التي التقطت منه تفتقر إلى التحديد الدقيق لمكانها ومصدرها، وجميع الأواني والمجموعات الأخرى من مادة الحجر الصابوني، وتشكل ملتقطات قام بها أفراد من أصحاب المزارع المحيطة بالموقع، فيما بين عام 1962-1972م، وخطأ آخر تم في الاسم، حيث كتب في النص الإنجليزي (الأخرش) وترجم للعربية بنفس اللفظ، أما المساحة فتقدر بـ/ 4752م2، ولولا السياج واليافطة لما اهتديت إليه، ولا يمكن أن يعتقد أحد أن هنا موقعاً أثرياً البتة.

5- الزور: في الركن الشمالي الشرقي من الجزيرة، ويظن البعض أنها حديثة لم يمض عليها أكثر من مائة عام أو تزيد قليلاً، وواقع الحال يثبت العكس،فهي اعمق جذوراً وتمتد إلى آلاف السنين، هذا ما أكده البحث الأثري لمنطقتنا، وبها بعض المواقع التي يعتقد أنها (هيلينية) محترقة.

ويروى: أن سيارة غاصت في المنطقة الطينية، فاهتدى من كان يعمل على إنقاذها من ورطتها إلى إضافة بعض الرمال إلى الطين، كي يسهل إخراجها، فأتوا للتلال فأخذوا في رفع الرمال فتكشفت لهم هياكل بشرية محترقة، وبعد أن أنتشر الخبر وتم تحليل بعض ما عثر عليه من عظام وكذا بعض الكسر الفخارية التي رفعت من سطح الأرض، حدد الزمان التي تعود إليه تلك المستعمرات إلى الفترة- الهيلينية[13]  وفي الزور حالياً تلين مسورين بشبك من الحديد من قبل الإدارة العامة للآثار والمتاحف، يفصل بين التلين فسحة من الأرض مساحتها تقدر تقريبا 104م طولاً ولم يعمل بها أي مجس أو حفريات تنقيبية من قبل الجهات المختصة كان مهمتها تنحصر بتعيين المكان وتسويره فقط، والزور اسم يطلق على منطقتين في منطقة واحدة تسمى الثنية: وهي البلدة المعروفة لنا حالياً، ورأس الزور: وهو ميناء تأوي إليه قوارب صائدي الأسماك، ويذكر البعض من كبار السن في الجزيرة، أنهم رأوا بيوتاً متهدمة وأخرى تهدمت في سنينهم، وآخرون قالوا: هدمت بشكل متعمد للاستفادة من حجارتها لإنشاء البيوت في الجزيرة.

جاء في أوراق (لجنة التعريف السياحي بالقطيف): أن مساحة التلين الأثريين في الزور تقدربـ/ 13000م دون توضيح هل هي أمتاراً طولية أم مربعة، الأول أعطته (5000م) والثاني (8000م) وعلى كل حال أن هذا التقدير ليس بصائب، لأنه سبق لي أن زرت المنطقة قبل اللجنة بمدة تزيد عن السنة ونصف السنة، ومترت الموقعين وكانت النتيجة ما يقرب من(31.312.5م2) مقسمة كما يلي:- الشرقي/ 11.812.5م2 والغربي/19.500م 2. وقد لا تكون هذه الأمتار دقيقة لكنها أقرب إلى الصواب من التقدير الأولي، والمسافة بين السياجين سبق وان ذكرت، و حالهما ليس بأفضل من المواقع السالفة الذكر.

6- السنابس والفروق: تحدث الأستاذ علي الدرورة، عن موقعين في كل من السنابس والفروق، وقد بحثت المنطقتين، طولاً وعرض ولم أجد فيهما أي معلم يدلل على ما ذكر، وزيادة في التأكيد استوضحت من أهالي السنابس، ولم يفد واحد منهم، بوجود أي أثر وكذلك بالنسبة للفروق، وفي الجملة سمعت أحد أبناء الجزيرة يقول: عثر فلاح على تمثال من الحجر وكان بوده الاحتفاظ به،غير أن زوجته قالت له: أنه صنم من معبودات الكفار يجب تكسيره وفعلاً تم لها ما أرادت[14] . وعند حفر قاعدة مبنى البريد، شمال غرب الجزيرة شوهدت الكثير من الكسر الفخارية، ويذكر أيضاً أنه عثر على بعض الجرار سليمة لكن لا أحد يعرف أين ذهبت.

7- دارين: عندما حفرنا قاعدة البيت الذي بنيته حديثاً رأينا جدران تحت الأرض، فدفناه وصبينا عليها القاعدة، وهذا توكيد لما يرويه الأهل من كبار السن: أن دارين الحديثة مقامة على أنقاض أربع مستوطنات مقامة فوق بعض، هذا ليس مستبعداً إذا ما أعدنا عجلة الزمن للوراء، بحيث نجد جذورها تمتد على لأعماق السنين، ولم يكن الحديث مقتصراً على المؤرخين فحسب بل حتى الشعراء يذكر البعض من دارسي الأدب العربي: أن أبي نواس الشاعر الماجن حسب اعتقادهم أنه تغنى بخمرها كما فعل الأعشى:

ومن المواقع في بلدة دارين، بلدة (البياضة)، ومن الناس من يسميها مناخ (الحسن) نسبة للإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ويقال: أنه عثر فيها على (عملات ساسانية وآخر أسلامية (بعضها تعود إلى أيام عبد الملك بن مروان سنة 76هـ، وقيل إنها دراهم ودنانير، وبعضها موجود في متحف الدمام الإقليمي) لا نريد الوقوف على الأطلال طويلاً، لأنها غير مجدية كما يذكر الكثير من الأبناء خاصة، وعلى العموم أن كل معالم دارين قد توارت عن الأنظار بما فيها- بيت محمد عبد الوهاب الفيحاني، ويسميه أبناء المنطقة اصطلاحاً قصر. والذي ظل يقاوم عاديات الزمن لوقت غير بعيد، ولم يبق منه سوى قاع صفصف، وقطع من جدار لا تسمن أو تغني من جوع.

وهنا لا يسعني غير تسجيل اقتراحين الأول من الدكتور حسن البريكي: يجمع معرض أرامكو للبترول والمتحف الأثري الإقليمي بالدمام، في مبنى واحد وفي ذلك فائدة للجميع.

الثاني: مني شخصياً، تعطى المواقع الأثرية المسيجة، لمستثمرين عرباً أو مواطنين أو من دول الجوار ممن يهتمون بالتاريخ والتراث، وأن تعذر ذلك لا بأس من أعطائها لشركات استثمارية أجنبية.

سبق القول أن جزيرة تاروت تمثل وحدة متكاملة من المواقع الأثرية، يعزز ذلك وجود بعض التماثيل الشبية الصنع بالتماثيل السومرية منها:

تمثال أمراء يعتقد أنها كاهنة، وآخر يظن أنه لإله عند السومريين، ويروى أيضاً أنه: عثر على تمثال من الذهب الخالص يمثل الأله عشتاروت، أما التماثيل التي أقل حجماً كثيرة وبأشكال متنوعة والحال نفسه بالنسبة للأختام الحجرية، المكتشفة في الجزيرة.

[1]  جيولوجية الخليج العربي (جامعة البصرة) حسين حميد كريم، د- حسين هاشم سلمان عام 1988م ص80.

[2]  نشرة كندة، نشرة أخبارية نصف سنوية، إصدار الجمعية السعودية للدراسات الأثرية، العدد الأول سنة 1414هـ – 1993م ص11.

[3]  محطات تاريخية، سعود زيتون الخالدي- طبعة أولى عام 1422هـ 2002م ص63.

[4]  نفس المصدر ص14.

([5- آثار ما قبل التاريخ وفجره في الجزيرة العربية، د. محمد عبد النعيم، ترجمة عبد الرحيم محمد خبير: الطبعة الأولى ص 402-405.

[6]  المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام عام1976م: جواد علي ص 176.

[7]  من أوراق لجنة التعريف السياحي: القطيف أواخر سنة 1421هـ- 2001م ص3.

[8]  آثار ما قبل التاريخ مصدر سابق ص384.

[9]  معجم المنطقة الشرقية الجزء الأول ص 288. ساحل الذهب الأسود، الأستاذ محمد سعيد المسلم.

[10]  نشرة كندة، مصدر سبق ذكره، ص 15.

[11]  نفس المصدر.

[12]  لجنة التعريف السياحي القطيف. من تاريخ جزيرة تاروت، من تراث جزيرة تاروت.

[13]  أطلال: حولية الآثار العربية السعودية العدد الثاني سنة 1978م ص 76.

[14]  من تراث جزيرة تاروت- من تاريخ جزيرة تاروت. نشرة كندة.

[15]  أطلال، مصدر سابق من تاريخ جزيرة تاروت- من تراث جزيرة تاروت.

[16]  واحة على ضفاف الخليج- القطيف- ص 68.
كاتب
267486