الزواج بين الماضي والحاضر في مجتمع القطيف
عبدالله حسن آل عبدالمحسن * - 16 / 3 / 2011م - 8:37 ص - العدد (31)

إن عادات الزواج ترفرف أمام الكثير، أكثر كثيراً مما يفعل التصور الذي كثيراً ما يكون غامضاً لجيل اليوم.. وعندما يسمع عن العادات القديمة يتجلى له التناقض بين العادات قديماً وحديثاً، ولا يستطيع أن يستشف بواسطة الوعي إلا جزءاً من الحقيقة.

لم يكن في ساحة الزواج عند الأسلاف حوار حر، إلا في القليل النادر، وكل ما يعرفه الآباء هو أن الزواج له أهمية كبيرة في مجتمعنا، فهو تكملة للدين، وصيانة للشرف وزيادة في النسل، لكل تلك الأسباب نجد أن للزواج في "مجتمع القطيف" قدراً اجتماعياً واقتصادياً كبيرين.


إذن لا حوار حر، إذ ما أكثر أن يكون الزواج بيد أصحاب الأمر والنهي (الوالدين) وبشخوص الأسرة، وليس للأبناء أن يضعوا الزواج على أرض البحث، إذ البحث عند الأجداد لا يفرش له بساط، فالفتى الذي لديه ابنة عم أو عمة أو خال خالة لا خيار له سوى القناعة والاستسلام للعادات، لأن البيئة لا تقر للبنت أو الولد بحق في أن تكون ميولهما ورغبتهما موضع اعتبار.

فالشاب يجبر على الزواج من ابنة عمه أو خاله، وكذا الفتاة وليس لهما سوى السمع والطاعة، ويتعذر على الأبناء النجاة من سحر العادات والتقاليد، وسلطة الوالدين، وإن أيسر السبل وآمنها من الزلل هو أن يتقبلوا كل ما يسير عليه المجتمع، وما يأمر بها الآباء. وهيهات أن تجد من الشباب أو الشابات من تبلغ بهم الجرأة أن يفضوا صندوق عادات الزواج ويفتحوه ليجدوا ما فيه من خواء أو ما يشبه الخواء، أو ما فيه من قدر اجتماعي. فالتقاليد والعادات تحتم عدم تزويج الفتاة من خارج العائلة إلا إذا لم يكن لها أقرباء، وذلك حرص -كما يعتقدون- على كرامتها من أن توضع في يد غريبة لا تصونها، إضافة إلى ضمان تجنب الطلاق، فيحمل الأب ابنته على قبول الزواج من ابن عمها، رغبت فيه أم لم ترغب، فتزف إليه مرغمة راضخة لأمر والديها حتى وإن كان عمرها لا يتجاوز الخامسة عشرة.

حيث يرى الأجداد أن الزواج في مثل هذه السن فائدة للفتاة اقتصادياً ونفسياً وفسيولوجياً. فالمرأة قوة إنتاجية في البيت أو في الحقل، أو عن طريق ما سوف تنجبه من أبناء.

بيد أن الاهتمام بهذه العادات أخذ يتدنى تدريجياً في الوقت الحاضر فسن الزواج قد تأخر وذلك لتكاليف نفقات الزواج واختلاف النظرة للقرين، وكذا تفضيل الشباب إكمال تعليمهم، كما يفضل الزوجان الاستقلال في السكن ورغبتهم في الاعتماد على أنفسهم مادياً. كذلك أصبح للفتاة القطيفية والشاب الرأي الأول والأخير في قبول الزواج أو رفضه، ويرجع ذلك إلى التعليم والوعي الديني والثقافي، إضافة إلى التغير الاقتصادي الذي أدى إلى حدوث تغيرات في العائلة المشتركة.

ومن المعروف أن دور الموروث يتضاءل بتعاظم دور الحرية والعلم، ومن المعروف للجميع أن عادات الزواج كانت عرضة للتغيرات خلال التطور التاريخي. فقد جرت العادة قديماً أن تقوم أم الشاب أو ابنتها باختيار الخطيبة، إن تكن لهن قريبة، فتقوم بالزيارات لبيوت الجيران أو الحي للتأكد من أن الفتاة التي ستشاركها في البيت، مستوفية لجميع الشروط والتي تحددها القيم والمعايير السائدة في المجتمع، فإذا ما راقت فتاة ما، لعين أم الشاب، تبدأ الحديث مع أمها بتلميحات لتصل إلى أن البنت ليس لها أقرباء، أو أنها غير مخطوبة أو محجوزة لشخص ما، فإذا ما تأكدت من ذلك، صارحتها برغبتها في أن تكون ابنتهم من نصيب ابنهم، فإذا صادف كلامها قبولاً عند أم الفتاة، تعود الأم لتخبر زوجها ليفاتح ابنه في موضوع الزواج، وكم يكون حياء الشاب كثيراً من كلمة الزواج حتى أن بعضهم يهرب من البيت.

فالأم إذن هي التي تختار الفتاة التي ستكون زوجة لابنها، فتاة لا يعرف عنها ابنها شيئاً، ولا رآها قط، وربما يكون قد رآها في الحارة عن طريق الصدفة، فما عليه إلا الموافقة والخضوع لرغبات الوالدين. فالشاب لا حول له ولا قوة، أشبه بلعبة في يد والديه، ولو اقتصر الأمر في هذا على سواد العامة، لما أخذنا عجب، ولكن بعض أقراننا المعاصرين يقبلون بهذه الطريقة من الاختيار، يقبلون بها راضين مغتبطين مؤمنين باختيار الأم والأخت. وإذا كان هذا من شأن بعض المتعلمين منا.. فماذا نتوقع من أشباه المتعلمين؟

أقول ذلك وفي ذهني معان كلية لأخطاء عن عادات الزواج أريد التحدث عنها، كصفات العروسة أو العريس، والخطبة والقران وحفل الزفاف وغير ذلك من معان كلية وأشياء كثيرة ترهق كاهل العريس. فلو قلت "تراث" فيندر أن تجد من يوصي بأن يُلقي "بالتراث" في البحر، والعكس لدى البعض صحيح.

لنقرأ باهتمام عن أقدم عاداتنا في الزواج، والصفات التي تبتغيها الأم في خطيبة ابنها.. نجد فيها القدرة على العمل المنزلي من كنس وطبخ وغسيل أوان وملابس، ومهارة في حلب البقرة، والعمل في المزرعة، وأن تكون مطيعة، "هادئة وديعة"، "لا ليها حس ولا وس"، "مسنعة ومكمله" وأن تكون بها مسحة من جمال، صغيرة السن. وفي المقابل نجد أن الوالدين لا يقبلان خطيباً لابنتهما إلا إذا كان تقيًا صالحًا، كسوباً دؤوباً على العمل.

في حين أخذ الزواج في يومنا الحاضر يتم على أساس الجمال والمركز الاجتماعي والاقتصادي والعلمي، وبقيت نقطة الشرف ثابتة إلى يومنا هذا.

إن لكل قطب من هذين القطبين إذاً نقطة ضعفه ونقطة تفوقه، كما أنها تبرز تطور الشخصية وتطور المجتمع وهنا ينفتح الأفق أمام العادات والإبداع في تطويرها، ليضعنا أمام أطر اجتماعية جديدة غير أن هذه الأطر قد خيطت تبعاً للعادات قديماً، وخيطت الآن تبعاً للمستوى الجديد الذي بلغه الإنتاج الاجتماعي والعلمي والاقتصادي وتأثير كل ذلك على المجتمع بعاداته وتقاليده. فلم تعد الملكية المطلقة الآن مجرد جماعة أبوية محدودة، وقائمة بحكم ضيقها على العلاقات الحسية المباشرة بين الناس، إنها الآن المجتمع المدني الذي يعيش فيه الفرد، دون أن يشعر عملياً بحدود المجتمع. فمن الإطار الأول تنتهي إلى حكم الوالدين والعادات، ومن المبدأ الثاني تنتهي إلى ثقافة الإنسان ومركزه. وهكذا نجد أنفسنا أمام منظومتين فكريتين، كل منهما ترتكز على ركيزة، وكل منهما يحكم على نتائجها بالصواب أو بالخطأ بحسب استنباطها من مبدئها فكيف نفصل بينهما، إذا أردنا أن نختار لأنفسنا إحداهما دون الأخرى؟

المفاضلة بينهما يجب أن تكون على أساس النفع للإنسان في حياته ولمجتمعه، فقد تكون إحداهما قليلة النفع عند التطبيق، وقد تكون الأخرى غزيرة النفع عند التطبيق العملي، فعندئذ تكون هي أولى بالتطبيق والاختيار. ولو ضربنا أمثلة على ذلك لقلنا الغلاء في المهور أو قلته، وجهاز العروسة ومطالب الزواج والوليمة، فنجد أن هذه المبادئ في الماضي أو الحاضر في شتى بناءاتها الفكرية ليست "حقائق" تفرض نفسها على البيئة، بحيث لا يملك المجتمع تغييرها أو تبديلها بل هي -بحكم طبيعتها- فروض يفرضها المجتمع لنفسه حراً مختاراً وهو يفرضها لتخدم أغراضه فإن هي أفلحت في خدمة تلك الأغراض كان بها، وإلا فهو يبدلها بسواها حتى يقع على أنجع المبادئ لحياة الزواج العملية. فالمهر على سبيل المثال نجده يتباين بين فئات مجتمع القطيف. ففي القديم كان المهر لا يتعدى قلة من التمر وأربعين روبية هندية مع تأمين حصير ومرقد ومخدة وثوب وسروال وقبقاب ورداء، ونظراً لأن المهور تتباين من أسرة لأخرى، ومن فئة اجتماعية لأخرى، تبعاً لاعتبارات كثيرة منها القدرة المالية، ومدى الصلة التي تربط العائلتين، لذا نجد البعض من القادرين يقدم إضافة إلى ما سبق بشتخته (صندوق خشبي) وقد يدفع مهر حوالي ثمانين روبية وأكثر مع أدوات الزواج الأخرى كالأثاث والأواني والملابس والذهب. ومع مرور السنين لا ننسى بطبيعة الحال ما يفرضه تغير الزمان والاقتصاد وارتفاع الأسعار، فأصبح المهر خمسمائة روبية، وقبل ثلاثين سنة وصل المهر إلى ثمانية آلاف ريال حتى وصل في يومنا هذا إلى عشرين وخمسة وعشرين ألف ريال، ففي اعتقادي هناك مجموعة من العوامل أدت إلى كل تلك التغيرات والتدرج في المهر وتغير متطلبات الزواج من أبرزها تغير النمط الاقتصادي. فقد تحول المجتمع القطيفي من مجتمع يعتمد اعتماداً كلياً على الزراعة وصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ والتجارة والأعمال اليدوية إلى مجتمع تجاري صناعي، ويزاول أبناؤه الأعمال في المؤسسات الحكومية والخاصة، فاتسعت فرص الحياة أمامهم، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع مستوى المعيشة مما دفع المجتمع القطيفي لشراء الكماليات فخرج لذلك نظام المهر وعمل الحفلات وتقديم الهدايا إلى المبالغة والإسراف. نشاهد في كل ذلك أنماط وحدة الفرد والكل لدى الأجداد، متفقة مع درجات الوعي ومع متطلبات الزواج، فنحن نشاهد انعزال الفرد في العصر الحاضر وذلك بسبب رغبة ابن اليوم في تخطي المحدود.

لقد كان الزواج قديماً محصوراً في إطار العرض أما زواج اليوم فإنه أصبح منفتحاً على الحياة فزادت الطلبات كالزواج في الفنادق والاستراحات، وخياطة ثوب الزفة الذي تصل قيمته من عشرة آلاف إلى عشرين ألفاً، وكوشة وفرقة موسيقية وهنا تبين تأثير الانفتاح في الممارسة الاجتماعية في عصرنا الحالي، مما يؤدي إلى إرهاق الشاب الذي يرغب في الزواج، أو تأخير الزواج المؤدى إلى الانحراف غير أن هذا ليس مرسلاً على عواهنه، بل هو خاضع لمطالب الزواج. وهذا ممكن التفاهم حوله ليحصل التوازن فمطلب التوازن يضمن للزواج القيام برسالته لتنظيم الناس اجتماعياً وأخلاقياً وكبح العفوية والفوضى، ومن ثم يتقبل الفرد مطالب الكل كأنما هي مطالبه وذلك لأن معايير الأخلاق في الزواج كانت تنبع من إحساس داخلي لدى المجتمع الذي ما زال قادراً على تقرير مصير الزواج والاختيار.

فمن معايير الأخلاق في الزواج قديماً: الخطبة والملچة. وقد جرت العادة عند معظم الأسر في منطقة القطيف أن يتخير أهل الخطيبين يوماً يتفاءلون به لإعلان الخطبة، وجرت العادة أيضاً أن يقدم أهل العريس البيدان والقناطي والسمك والخبز الأصفر، وفي ليلة الخطبة يحضر الخطيب دون إعطاء خبر لأحد، بعض الهدايا للخطيبة تتمثل في الملابس كأن تكون سبعة طوالة بريسم، وسبعة طوالة فلسن زري، وسروال وقبقاب إلى غير ذلك. وجرت العادة أن تحجز الفتاة (الخطيبة) في البيت بعد إعلان خطبتها فلا تبرحه إلا للأمور الهامة التي تستدعي خروجها، ولو صادفت في طريقها عمتها (حماتها) فإنها تختفي حياء وخجلاً.. وبقاءها في البيت يفتح لها المجال لتتعلم من والدتها الكثير لتصبح زوجة كاملة لتحوز على رضا زوجها وأهله.

ومن العادات الأخرى أن الخطيب لا يحضر بيت خطيبته أيام الخطبة ولا يراها إلا ليلة الدخلة. ول وصادف -لغرض ما- أن حضر الخاطب بيت عمه، فلا يمكنه رؤية خطيبته أو حتى سماع صوتها. لكننا نجد جيل اليوم قد رأى أن من حقه أن يغير هذه العادات وأن يستبدلها لما هو مثمر. تغيرت ظروف الحياة لكن لا يعني ترك كل شيء من عادات الزواج وتقاليده. بل يجب على جيل اليوم أن يعي أن ما بقيت ظروفه على حالها رغم السنين وتغير الظروف، تبقي مبادئ ومثلاً عليا كما كانت في الماضي وذلك لارتباطها بنظام اجتماعي إسلامي، وما تغيرت ظروفه وأدواته تتغير أنظمته. فالموروث عن الأسلاف هو بمثابة نقاط ابتداء نُبقي بعضها ونحذف بعضها بحسب ما يقتضيه الشرع والحياة العصرية.

فالشرع أباح لنا رؤية الخطيبة، والحديث معها إذا ما تم عقد القران ولكن في حدود الشرع والأخلاق. فالشرع عدة للإنسان ولدنيا هذا العصر. ولابد لجيل اليوم من اختيار موقف الوسط بين ما كان متعارفاً عليه وبين ما يسير عليه بعض الشباب من خروج وسفر و... و... قبل ليلة الدخلة. فللشرع ما يقتضيه من مبادئ الزواج وللعرف أثره، وذلك كيلا يمد أي من الطرفين (الخطيبين) الإساءة للآخر. فالأجداد في حبس الفتاة بعد العقد قد انتهوا إلى بناءات فكرية، يعتقدون بقيمتها، بينما في نظر جيل اليوم هذا التفكير عقيم. ونجد في المقابل أن جيل اليوم باتجاههم إلى الخروج عما هو مألوف من العرف والتقاليد دليل على فساد تفكيرهم.

على أي حال ينظر إلى عقد القران بأنه من الشرع وأنه أقدم التقاليد القديمة في مجتمع القطيف، وأنه بدونه يصبح الزواج فاسداً فقوام هذا العقد الرضا والقبول. ويتم بأن يحضر الشيخ أو من ينوب عنه يسأل إلى من يريد كل من (الخطيب أو الخطيبة) أن يكل أمره، وتعقد الخطبة حسب الشرع والعادة المألوفة، يسألها أترضين أن تكوني زوجة لفلان؟ فتجيبه بحياء وخجل بالقبول وإن كانت مجبرة على الزواج، ولا يمكنها المعارضة أمام الحاضرين كشهود. وكذا يقال للعريس ويحدد المهر في عقد القران وتبدأ الزغاريد والصلوات والتبريكات "جعله الله زواجاً مباركاً"، "منك المال ومنها العيال"، "عساكم تعمروا واتثمروا".

يتفق أهل العريسين على تحديد ليلة الدخلة، هذا ومن السلوك المرغوب فيه

-كما يعتقد القطيفيون القدامى- يرفع من قيمة الفتاة قبل ليلة الدخلة إلا تتزين ولا تتجمل بأي شكل من أشكال التجميل، فلا تضع الكحل ولا تستخدم الديرمه (الحمرة)على شفتيها ولا تتطيب ولا تزيل الشعر الخفيف المنتشر على وجهها ويديها، بل الواجب عليها أن تظهر أمام الفتيات طبيعية دون استخدام الزينة.

بينما فتاة اليوم تتزين وتزيل الشعر قبل أن تتم خطوبتها، وفي الكثير من مناسبات الزواج نجدها في الكوافير وتستخدم كل أنواع الزينة، ولشد ما تذكر هذه المشاهد بممثلات هوليود أو مذيعات الفضائيات متشبعة بفكرة التقليد. فالآباء والأجداد يرون أن الموازين قد انقلبت، بينما يرى جيل اليوم بأنه مسايرة للعصر والموضة. فيغدوا منطق التناقضات >اللاعقلاني< منطقاً عادياً، فيما يصبح المنطق السليم منطقاً غريباً لدى الآباء. لئن كانت عادات الزواج في الماضي تنطلق من حياة البساطة، كما يبدو فإنه يتبن الآن فجأة أن العادات السالفة إنما تكمن في عالم الاغتراب، فالأجداد يرون ما يفعله جيل اليوم في الزواج بأنه عمل عبثي ولا عقلاني، بينما جيل اليوم يرونه من التطور.

وعلى كل حال فأننا نجد من عادات أهل القطيف في الماضي أن في يوم لغسالة أو ليلة لغسالة.. نجد أن العروس تكون مستعدة لاستقبال صديقاتها عصراً، وكذا بنات الحي وقريباتها فيسرن في موكب ضخم تتقدمهن العروسة وهن ينشدن حتى يصلن إلى إحدى العيون الخاصة بالنساء في البلد مثل حمام أبو لوزة، لغميري، عين العودة بتاروت وغيرها من العيون، وبعد الانتهاء من الاستحمام يعدن بالعروسة إلى بيتها بأغانيهن وزغاريدهن ومن أغانيهن:

الترملي يرداها

زهره كحيلة عين الترملي يرداها

يا سعد من شراها

زهره كحيلة عين الترملي يرداها

ومن أغانينهن أيضاً:

على العين والرأس

جينا نبارك لش على العين والرأس

ولو زعلت الناس

وأحنا بنات عم ولو زعلت الناس

البنت ما تتخذ

إلا بشور الناس

إلابشور الناس

والولد ما يتخذ

إلا بأول ساس

إلا بأول ساس

إلى آخر الأغنية.

إذن جاءت عادات الآباء في الزواج، انعكاساً لحياة البساطة التي تعلي من شأن الداخل على حساب الخارج، فالمعيار ينبثق من الطوية ولا يهبط عليه من الآخرين، فكانت الأولوية في حياتهم لحيوية المضمون لا لسلامة الشكل، وتسرب هذا المضمون إلى مناشط الزواج كله ما دامت قد حافظت على الشرع والعرف بغض النظر عما ينطوي عليه هذا الشكل من لباب الفعل نفسه لذا نجد العريس نفسه في الغسالة يجلس على كرسي صغير وحوله الشباب يغنون ويرقصون والحلاق يحلق شعر رأسه "حسونه" وكذا ذقنه، وبعد الانتهاء من الحسونه يأخذه الشباب في موكب حافل بالأناشيد والتصفيق حتى يصلوا به إلى إحدى العيون أو حمام أبو لوزه أو حمام تاروت، ولا يكادون يدخلون العين أو الحمام حتى يتسابق الشباب لخدمة العريس من فرك جسمه وتجهيز منشفته وملابسه ثم يبرحون العين بأغانيهم الشعبية والتي تتمثل في المواويل والأبوذيات.. ويرددون بين الحين والآخر:

أفضل الصلاة والسلام عليك يا رسول الله.. محمد وآل محمد صلوات ربي عليه..

على ابن أبي طالب صلوات ربي عليه

يا سامع الصوت صل على النبي

أول محمد وابن عمه علي

فهنا نجد العفوية مقابل الشكل.. فنجد مثلاً لدى جيل اليوم أن العادة المألوفة لدى العريس في يوم الغسالة أنه يستحم بمفرده في البيت بعد أن يتم حلاقته دون أن تصحبه جوقة موسيقية ولا طبول ولا أناشيد، وكذا فتاة اليوم فنجد أن البيت هو المكان المخصص للاستحمام ثم تتجه إلى الكوافيره لإزالة الشعر الخفيف في الوجه وتعمل لها تسريحة تأثراً بما هو سائد في عصرنا الحالي في المجتمعات الغربية.. وقد مد التقليد جذوره في الأرض مما أدى إلى إضافة أعباء على أعباء الزواج. ولسنا نرى ما يمنع أن يبقى هذا التأثر لكن في حدود الشرع وإلى هنا والأمر أوضح من أن نذكر التفاصيل، لكن النتيجة التي يصل إليها الزوج هي تكبيله بالديون، مع أن الواجب أن يخضع الإنسان للواقع مع ضرورة أن تظل للذات حريتها، فتختار وتدع، وتستجمل وتستقبح، وتحب وتكره، لكن للأسف أصبح الزوج في يومنا هذا، الوقود الذي يُبقي على حركة الآلات وليس هناك لدى العريس مجال للاختيار أو القصد. بينما نجد في الماضي أن جهاز العروسة في مجتمع القطيف بسيط كما ذكر الأخباريون من كبار السن، ولو حاولنا استعراض الجهاز لصنفناه إلى:.

1ـ الصيغة: الملابس ومنها الثياب المزخرفة والتي يطلق عليها الثوب المنثور والثوب الهاشمي والثوب المخصوص أو ثوب المسرّح الزري وكذا السراويل المسمى "نارجيلة حمد"، "أبو خويصه" والمشامر والمراقد والتكيات.

وهناك أنواع من الذهب يقدم للعروسة كالأساور والخلاخيل والمعاضض والتراكي والحجول وطوق من الذهب وبالطبع يختلف تقديم هذه الصيغة من زوج لآخر حسب القدرة.

2ـ أدوات المنزل: وتشمل الأواني النحاسية المجلوبة من الهند والبصرة، والمديد والسلال والقفاف والزبلان. وجرت العادة قديماً أن يتضمن جهاز العروسة حلة كبيرة لتسخين الماء وتستخدم للاستحمام شتاء ولغسيل الثياب. أما سفرة الطعام فتتضمن الصفرية والمشاكيب والغنجات وحلة للطهي وصينية وأخرى من الصفر لتنسيق الأرز وچيلة، وهواناً لطحن البن، وهناك المصخنة والبرنية لحفظ الماء واستخدامه للشرب. وصوان لفظ الملابس وصندوقاً من الخشب إضافة إلى المراقد والتكيات والطرحات. وسرير من الخشب يطلق عليه "سجم"، وقد تختصر تلك الأشياء وقد يزاد عليها تبعاً للحالة المادية لأهل العريسين.

أما جيل اليوم فقد بالغ كثيراً في الجهاز وأثقل كاهل الزوج بأعباء مالية، مما أدى إلى تأخر الشباب في الزواج، مع أن الجهاز والفعل الاجتماعي أمران يحددان بالوعي. والطلبات الواجب تأمينها هي شيء نخلقه جميعاً، فالإسراف والمبالغة في تأمين المسكن وتأثيثه بالكامل وبأفضل أنواع الأثاث والتجهيزات والديكورات والأدوات المنزلية قد يرهق الشاب فيتدين.. وأنا هنا لا أتحدث عن التوقعات والممارسات والقواعد التي يتفنن فيها أهل الزوجة لكني أؤكد فكرة أن الطلبات التي لا تنتهي ليست في صالح الزواج. لذا يجب فتح بعض الأبواب وإغلاق أبواب أخرى كي نسهل عملية الزواج.

ومن عادات الزواج في مجتمع القطيف قديماً أن يرسل الجهاز إلى بيت العروسة قبل ليلة الزفاف بأسبوع أو أكثر، حيث العادة تقضي أن يبقى الزوج مع زوجته في بيت أهلها طيلة سبعة أيام ليتم التعارف والتقارب أكثر بين العائلتين، ولكي لا تشعر الزوجة بالخوف والقلق، وبعد انقضاء الأسبوع يتم الانتقال إلى بيت الزوج ويسمى بـ(الحوال) يتم فيها تقديم وليمة صغيرة يدعى إليها أهل العريسين والجيران وبعض الأصدقاء.

وقد انقرضت هذه العادة في يومنا هذا مثلها مثل عادة ليلة الحناء لدى العريس، فقد كانت هذه العادة أن يجلس العريس وأعضاء أسرته من الرجال والأصدقاء في مكان بالبيت أو في براحة زينت بالفوانيس والشموع، ويبدأ أحد إخوانه أو أعز صديق لديه بأخذ مقدار من الحناء بين أصابعه ويضعها في كف العريس قائلاً: "زواج سعيد ومبارك" ثم يبدأ أحد الأصدقاء بتخضيب يدي وقدمي المعرس بطريقة القصة أي غمس الرجل كاملة ثم تلف بقطعة قماش حتى الصباح، بينما المواويل الشعبية البحرية ترتفع من حناجر الحاضرين.

ومن الصباح يتوجه الأصدقاء وأهل الحي لتجهيز الغداء بتعاون الجميع بحيث يصبح المكان المعد للطبخ كخلية نحل، ذاك يرفع زنبيلاً مليئاً بالأرز ليفرغه في القدر، وآخر جالس يقشر الباذنجان ويقطع البصل، وذاك قد انتهى من تقطيع البطاطس، وآخرون في أيديهم صفاري مليئة بالماء، والصغار يجلبون التِّلَّة والكرب من النخيل، وشباب أقبلوا وبيدهم الحطب وبعض جذوع الأشجار والسعف اليابس والصلوات على نبي الهدى تسبق كل حركة وعمل. فالجميع يعملون عن رضا وطيب خاطر. وفي المقابل نجد أن أم العروسة مع قريباتها ونساء وبنات الحارة في بيت العروسة يشرفن على الطهي الخاص بالنساء، ويتكون الغذاء والعشاء غالباً من لحم العجول والسمك والأرز ونوع الأكلات يطلق عليها "بحاري" أو "برياني".

وكانت العادة تعمل أكلة محمر يطلق عليها "برنجوش" وتكون مخلوطة بالعسل أو السكر وتكون حالية.

ويأخذ الشباب على عاتقهم غسل الأواني في العيون.

لكننا نجد اليوم اختفاء هذه العادة، واستعيض عنها بالطعام الجاهز من المطابخ، وهذا يعني أن بعض العادات في الزواج لم يتم التواصل معها عبر الزمان وذلك لتغير الظروف والأعمال ولتطور المجتمع. فمواقف المجتمع وظروف العمل وترتيباته الأخلاقية والعملية قد خلقت التزامات أدت إلى غلق بعض الأبواب وفتح أخرى.

وهكذا نجد أبواباً فتحت لدى جيل اليوم كالهدايا "الجنطة" والتلبيسة، وأغلق التجليسة التي كانت سائدة لدى الآباء والتي تتطلب إحضار العروسة وسط أو في مؤخرة الدار أو حوش البيت فتأخذ نساء وفتيات البلدة يتواردن زرافات لحضور تجليسة العروس وإذا كان من بينهن من تحسن الغناء تبدأ وتردد الحاضرات المقطع الأول من الأغنية حتى تصل "الملاية" فتبدأ الحاضرات بالصلاة على النبي وآله، وتبدأ الملاية تجلي العروسة بخمار واسع "مشمر خاص" فتمسك الملاية الخمار من أحد أطرافه وثلاث نساء يمسكن بالأطراف الباقية كل واحدة تمسك طرفاً وتقوم النسوة برفع طرف الخمار إلى أعلى تارة وإلى أسفل تارة أخرى خلال إنشاد المدائح الدينية. ويطلق على هذه الطريقة "المتيرب" بينما تقوم أخوات وصديقات العروسة بنثر ماء الورد على الحاضرات، والعود والبخور يدار به عليهن، وزغاريد النساء بين لحظة وأخرى ينطلق من حناجرهن. ومن أناشيدهن في المتيرب قولهن:

واتريمبوه واليومي

واتريمبوه واليومي

يم لحمر كله حواشي

مرصَّع بالذهب ويّ لقماش

وطول الليل يمازحها ويراشي

وطول الليل وغرفتهم ضوية

* * * *

ازهور إذا دخلت البيت سمّي

وقولي مرحباً بك يا ولد عمي

ازهور إذا دخلت البيت لالي

وقولي مرحباً بك يلهلالي

واتريمبوه واليومي

واتريمبوه واليومي

* * * *

الا يا البيض انا وجدي عليكم

سبع بيبان مقفولة عليكم

ولاني حيَّة واسعى واجيكم

ولاني طير ارفرف بالجناحين

واتريمبوه واليومي

واتريمبوه واليومي

* * * *

حبيبي لا تقول اشعب ولا العب

ولا تخلِّي بنات الناس تتعب

بنات الناس يبغون الدراهم

وخلخال الذهب بالساق يلعب

واتريمبوه واليومي

واتريمبوه واليومي

إذن فجيل اليوم تحرر من بعض العادات لكنه كبّل نفسه بعادات أخرى. وهنا يجب على المثقفين أن يكوّنوا صوراً ذهنية كلية عن الزواج بتعقيداته كي لا تزداد نسبة العنوسة، فالعقلانية تستلزم نسقاً اجتماعياً يشمل الجميع، هدفه الوصول إلى تفاهم أخلاقي مستند إلى الشريعة حول الزواج وتسهيله لجيل اليوم، لأن المصلحة العملية تقضي زيادة التفاعل والتواصل بين أفراد المجتمع.

إن الحديث عن الزواج بعاداته، حديث ذو شجون.. ففي الماضي جرت العادة أن يزف العريس حسب وضعية معينة فالرجال في الأمام ثم يكون فاصل ثم النسوة، وأن تكون الأتاريك في الجوانب وآخر في المقدمة وواحد في المؤخرة للرجال. ويتقدم هذا الموكب العريس مع الشيخ وأحد المقربين لدى العريس مع حامل الإتريك ويليهم كبار السن وفي الوسط الأغلبية من الحضور الذين يرفعون أصواتهم بالنشيد وهم يصفقون، ويلي الرجال حبل مشدود بواسطة اثنين من أقارب العريس أو العروسة ثم تأتي مجموعة النساء تتقدمهن مجموعة بأيديهن (درامات) يستخدمهن كطبول ثم الحاملات للشموع والفوانيس، وتثبّت الشموع على صحون عريضة بواسطة التمر وهن ينشدن:

يزفة العذرى يمحلاها

ويلوق بالكفين حنّاها

يا محلاها وسط الزفة

كل الحبايب تمشي احداها

ومن أغانيهن:

باركوا لأم احمد  عرَّس ولدها

جاب ليها مرّيه  وفرَّح قلبها

وهنا أغانٍ كثيرة نكتفي بقولهن:

جيته على شط البحر

مدري حصل لوما حصل

شيل الله

جيته على سدرة اكنار

الليل حسبته نهار

شيل الله

جيته على الخضاع

سكران ما هوا بواعي

شيل الله

أما الرجال فيكثرون من الصلوات على النبي وآله... وبعض الزيجات يحضر فيها جماعة العرضة بطبولهم ويغنون.. وعندما يصل العريس إلى أقرب مسجد يصلي ركعتين ثم يعاود سيره والجميع بأناشيدهم حتى يصل إلى البيت.

وقد جرت العادة قديماً أن يوضع برسيماً على عتبة البيت فيطأه العريس برجله اليمنى وذلك كما يعتقدون يمنع عنه الحسد ثم يتجه إلى حجرته، فيجد زوجته وقد سبقته مع صديقاتها وكذا الداية حتى يحضر "الملا" ليقريهما الدعاء ثم يخرج وتبدأ الداية بوضع إبهام الزوج مقابل إبهام الزوجة وتقوم بصب الماء على قدميهما والزوج يرمي النقود وما أن تنتهي من غسل الرجلين تقوم بجمع النقود لتكون من نصيبها، عندها تخرج صديقات العروس وتبقى الداية مع العريسين لتسهيل التفاهم بينهما ولا تخرج ألا قبل الفجر أو بعده.

وفي صباح اليوم الثاني يقدم العريس إصباحة إلى زوجته كهدية ثم يخرج للتبريك، فيقدم للمباركين والحلوى والشاي.

وقد انقرضت هذه العادة.. فالتغير في عادات الزواج أمر محتوم في دورات التطور، ومن هنا لا يجوز الحكم على تقاليد الأجداد في الزواج بأنها خطأ أو صواب، ولو حكمنا عليها لجاء غدنا كأمسنا، ولكن يجب أن ينظر إلى الحياة المتحولة، ففي كل فترة جديد لا يعرفه الآباء وإن مفتاح الصواب اليوم أن نبدأ بهضم فكرة التغير على أن يكون هذا التحول من الداخل لا من الخارج متمشياً مع عاداتنا وقيمنا وشريعتنا التي ترفض الإسراف والمبالغة في كل شيء.

كاتب
267495