الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي و ..
منهجية الحوار الإسلامي 1291 ـ 1363 هـ / 1874 ـ 1944م
زكي الميلاد * - 15 / 10 / 2007م - 4:24 ص - العدد (3)

 

في ظرف انسدت فيه أبواب الحوار، وانعدم فيه الأعتراف بالآخر وان كان من الداخل الإسلامي، حيث يجد في الإسلام شرعيته في حق الإجتهاد، في هذا الظرف الذي قد يدفع بالإنسان الى أن يخرج عن اعتداله وتوازنه.. كان رجل الحوار والتسامح، يقف على الدليل ليكون حجته عليه، وعلى الطرف الآخر، يناظر بالتي هي أحسن، اذا اتفق فبدليل، واذا اختلف فبدليل.

ذلك هو المصلح الإسلامي الشيخ "علي أبو الحسن الخنيزي"، أحد كبار أعلام المملكة العربية السعودية، وباعث النهضة العلمية في منطقة القطيف شرق المملكة.

كان من رجالات الوحدة الإسلامية، مع ذلك لم ينصفه الكتاب والباحثون فيمن كتبوا وبحثوا في مسألة الوحدة الإسلامية والحوار الإسلامي، وان أشار الدكتور "حميد عنايت" بلمحة عنه، لكنها لمحة سريعة وخاطفة، حيث قال أن (الموضوعات الأساسية للردود والإعتراضات بين العلامة الحلي وابن تيمية في القرن السادس الهجري، تجددت في المائة سنة الأخيرة في هجوم رشيد رضا وأحمد أمين وعبدالله القاسمي، وردود عبد الحسين أميني ومحمد حسين كاشف الغطاء وأبي الحسن الخنيزي وشرف الدين العاملي الموسوي من جانب الشيعة) (1).

من هذا الكلام للدكتور الباحث "عنايت" نجد أن الشيخ "الخنيزي" كان في مصاف رجالات الوحدة الإسلامية من الشيعة. مع ذلك لا تجد له ذلك الحضور الذي يستحق.. وهذه ملاحظة في الصغرى، وأما الكبرى فقد تحدث عنها الشيخ "فرج آل عمران" [في سنة 1372 هـ/1953م] في مقدمته على كتاب "وسيلة المبتدئين، الى عبائر المنطقيين" للشيخ "حسن علي البدر القطيفي" [1278 ـ 1334 هـ / 1878 ـ 1934م] حيث قال: (لعل التاريخ لم يسيء لشعب قدر ان يسيء لهذه البقعة الطيبة المباركة الخصبة بالعلم والخير والصلاح فقد أهملها أهمالاً كلياً، وأرتكب في إغفالها جناية لا تغفرها له الأقلام. فأنت اذا رحت تفتش في المؤلفات الضخمة والموسوعات التاريخية التي وضعت للبحث عن الشعوب العربية وما أكثرها، فإذا أمعنت النظر أخالك لا تعثر على إسم القطيف ولا تكاد تظفر بنبأ يسرك عنه، واذا عثرت على شيء فهو لا يروي الغليل، وربما هاج كامن حزنك واستثار شجونك، فماذا تقول والحديث ذو شجون ولكنها الدنيا، ولكنه القضا). وأضاف: (ما أصلف التاريخ وما أظلمه أذ يهمل هذه البقعة الزكية التي أنجبت أبطالاً لهم مكانتهم ومنزلتهم في عالم الواقع والحقائق، في حين أنه قد احتفى بكثير من الشعوب الخاملة التي لو اعطى التاريخ من نفسه النصف لكانت أحرى بهذا الأهمال والأغفال. والقطيف ليست من المدن الخاملة حتى يعرض التاريخ عنها صفحاً ولم يعتن بآثارها، فان لها ماضياً مجيداً وألواحاً ناصعة متلألئة لو عني التاريخ فيها بعض عنايته لكانت صفحات مشرقة. ولو فتشها بتمحيص ودقة لظهرت فيها كنوز ربما لا يحصل مثلها في معظم المدن ذات الشأن، وظني أن الباحث اذا حاول بعض المحاولة تنكشف له بسهولة وتظهر له دونما جهد) (2).

وبعد أربعين سنة على هذا الكلام لا زال أبناء القطيف يعيدون طرحه من جديد بوعي أكبر... فالقطيف واحة أدبية وثقافية ووجه حضاري في الخليج العربي.

الدعوة الإسلامية الى وحدة أهل السنة والإمامية
 
 

هذا الكتاب الذي يقع في [949] صفحة من القطع الكبير في مجلدين، صدر عن دار الفكر في بيروت سنة 1376 هـ / 1956م ، يكشف عن معالم منهجية الشيخ "الخنيزي" في الدعوة الى الوحدة الإسلامية، والحوار الإسلامي.

وقد جاء في الصفحة الأولى في تعريف الكتاب انه "معول يهد من الطائفة البغيضة: أسسها المنهارة، ويدعو للوحدة والتآلف، دعوة تتمثل هذه الآية الكريمة: (أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيل، وهو أعلم بالمهتدين).

وهذا الكتاب هو آخر مؤلفات الإمام الخنيزي ما أن أكمله حتى عاجله المنون فكأنه وصيته الأخيرة لمجتمعه وأمته..

ومن اطلع على هذا الكتاب من الباحثين والمحققين كالعلامة السيد "مرتضى العسكري" وآخرين كان رأيهم ان هذا الكتاب من أقوى كتب الحوار والمناظرة في المسائل الخلافية من حيث قوة الدليل وحجة البيان وانصاف الآخر.. وقال عنه الشيخ "محمد جواد مغنية" في تقديمه الكتاب (نجد فيه الحقيقة والهدوء، والأخلاص والأنصاف، وما الى هذه الصفات، التي يتجلى بها العالم القدير والمجتهد الكبير) (3).

وكان من الموضوعي ان يكتسب هذا الكتاب شهرة لا يقل مكانة عن غيره في موضوعه..

منهجية الشيخ الخنيزي في الحوار الإسلامي
 
 

من معالم هذه المنهجية :

1 ـ أن الحوار هو المنهج السليم في حل المشكلات، وهو الطريق الى الأعتراف بالآخر والتعايش معه.. وفي الدعوة الى الحوار جاء كتاب "الدعوة الإسلامية الى وحدة أهل السنة والإمامية" والذي هو نقد هادىء في قضية صاخبة على كتاب "الصراع بين الإسلام والوثنية" للشيخ "عبدالله بن علي القصيمي"، وهكذا جاء كتاب "المناظرات" (4) الذي يتناول بعض المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، على ضوء الهدي الإسلامي والمناظرة الهادئة التي لا تهدف سوى أحقاق الحق.

2 ـ الذهاب مع الدليل أينما ذهب، والوقوف على البرهان إينما وقف، والتمسك بالحجة الدامغة فكتاباته رحمة الله عليه كتابات استدلالية يجتهد فيها بالدليل والى الدليل لا تأخذه مصلحة أو عاطفة أو عصبية.

وعن ذلك يقول الشيخ "سليمان ظاهر" عضو المجمع العلمي العربي (تنم مؤلفاته الكثيرة عن: علم جم، وفكر نير بعيد النظر، وخلق كريم، ان جادل فبالتي هي أحسن، أو قارع الخصوم فببالغ الحجة، وضح البرهان، ورائده تحرير الحق من رق الباطل، وغايته القصوى، وهدفه الأسمى في كل ما خبر وحرر في حياته، وما أخرج من المطبوعات من محض للتقارب الإسلامي، وتوحيد كلمة التوحيد، في عصر يحيق الخطر على الإسلام) (5).

3 ـ أن الوصول الى الوحدة لا بد أولاً من الغاء التفرقة المذهبية فيقول: "لايكون النظم والإجتماع والالتآم، الا بالغاء التفرقة المذهبية، فلا سنية، ولا شيعية، ولا خارجية، ولا معتزلية، ولا أشعرية فيكون الناظم لهذا العقد، الذي تفرقت خرزه، والجامع لهذا الشمل المنصدع، التصداعات المتفاقمة، هو الدين الإسلامي: لا إله الا الله محمد رسول الله. فهناك تحصل القوة الرابطة، والنشاط الجامع، وتصفو داخلية الإسلام، ويطيب هواؤه، وتنقى جوانبه، وتعود له الروح التي فيه أيامه وأيام الخلفاء الراشدين"(6).

4 ـ التحرر من أي عصبية كانت، تاريخية أو إجتماعية أو عقائدية ففي مقدمته على كتابه "روضة المسائل في اثبات أصول الدين بالدلائل" يقول: "حررتها لمن طلب حق اليقين من أي فرقة كان من المسلمين أو غير المسلمين خلعت فيها ربقة التعصب والعناد، ونزعت فيها حلة مذهب الآباء والأجداد، وسلكت طريق الأنصاف والأقتصاد فأرجو ممن وقف عليها النظر بعين الأنصاف والالطاف لا بعين التعصب والأعتساف، ولا بلحاظ مذهب المتقدمين والأسلاف" (7).

5 ـ التسامح مع الآخر وان اختلف معنا. فقد كان، رحمه الله، عليه معروف بالتسامح والتودد.. في بيئة هي أشد ما تكون في حاجة اليهما.

فهذه دعوة الى إحياء الدور الأصلاحي للمصلح الإمام الخنيزي واستكشاف هذا الدور الذي لم يأخذ قسطه من العناية والأهتمام عند الباحثين والكتاب.

فهل الى إحياء الحوار الإسلامي ـ الإسلامي من سبيل؟!.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) ـ الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، حميد عنايت، ص 67.

(2) ـ وسيلة المبتدئين الى عبائر المنطقيين. الشيخ حسن علي البدر، النجف: المطبعة الحيدرية، ص ج.

(3) ـ الدعوة الإسلامية الى وحدة أهل السنة والإمامية. ج1، ص ل.

(4) ـ صدر الكتاب عن مكتبة الأنجلو المصرية بالقاهرة، حققه وعلق عليه الشيخ عبدالله الخنيزي نجل الإمام الخنيزي.

(5) ـ الدعوة الإسلامية. ج2، ص ب.

(6) ـ المصدر نفسه، ج1، ص225.

(7) ـ روضة المسائل في أثبات أصول الدين بالدلائل. الشيخ علي الخنيزي النجف الأشرف: المطبعة الحيدرية، ص2.

 

كاتب
371308