من يُنقذ هؤلاء الأبناء؟
بهية بوسبيت * - 16 / 10 / 2007م - 4:45 ص - العدد (44)

إن عالم الأسرة عالم كبير، وأسراره أكبر، فالبيت هو الملاذ الآمن لكل منا، وهو السكن الذي نجد فيه الآمان، ونحس بداخله بالسكينة والاطمئنان. البيت هو العش الذي يحمينا من عيون الأشرار والرقباء، وهو الحصن الذي يقينا غوائل الأيام، وكما أن لكل شيئاً أساساً وعموداً يقوم عليه؛ فالوالدان هما أساس هذا البيت وعموداه: الأم بحنانها الكبير الذي لا يوصف، واهتمامها ورعايتها، والأب الذي يعتبر بمثابة الحارس الأمين، والراعي لمصالح أفراد رعيته. إن الأم والأب هما أساس إحساسنا بالحب، وشعورنا بالسعادة والفرح والطمأنينة. بحبهم يدفعاننا للعمل وللاجتهاد، وبمواساتهما لنا يخففان من معاناتنا وآلامنا، وما نتعرض له من نكبات الحياة. بوقوفهما معنا نشعر بالقوة، وبالتفاؤل والنصر. فلنا حق عليهما في جميع سنوات عمرنا ولهما حق علينا في الكبر، ولكن هناك آباء - للأسف - لا تصدق أنهم آباء لأبنائهم، بل كأنهم قد وجدوا ليستعبدوهم لشدة مايعاملونهم به من قسوة وإهمال. فكثير من الأولاد والبنات يشكون من إهمال أمهاتهن وبعدهن عنهم. فبدلاًً من أن يكن لهم أمهات وأخوات وصديقات مقربات يسمعن لشكاواهم، ويعملن على حل مشاكلهم بالتوجيه والنصح والإرشاد نجد أن أغلبهن تغلب عليهن الأنانية. فهن دائما مشغولات عن أبنائهن وبناتهن بحضور المناسبات والأفراح، والتسوق، أو استقبال الصديقات، أو الخروج معهن، في حين لا يجدن وقتا للجلوس مع أولادهن والاستماع لهم، وحينما يلجأون للآباء - والذين عادة ما يكونون قريبين للبنت أكثر من أمها - لعلهم يجدون لديه الصدر الحنون، والعقل الواسع، والفكر النير الذي يستمع لهم يجدونه إما مسافرا أو في عمله أو لديه ضيوف، أو مدعوا لقضاء إحدى السهرات مع أصدقائه.
إن كثيرًا من البنات يشتكين عدم إحساسهن بوجود والديهن معهن؛ فالأب غائب عن البيت طوال الليل بحكم عمله، وفي النهار نائم، وإن استيقظ قبل الذهاب إلى العمل ذهب للتسوق، أو لمقابلة أحد الأقارب، أو الأصدقاء. أما الأم فهي دائمة النكد، والانشغال، والتذمر، ولا تحب الاستماع لأحد، وإن حدث وتحدثن معهن فهن لا يلقين اهتماما لما يسمعن على الرغم من حاجتهن لقربهن، وإحساسهن بحنانهن، وحبهن لهن، لأنهن يفتقدن هذا الحب وهذا الحنان.
 فئة أخرى شكت من غياب والديها عن المنزل بحكم عملهما، وإذا عادا الى البيت عادا منهكين، فلا يجدان وقتا للجلوس معها والتحدث إليها مما قد يجعل الأبناء يتركون البيت لساعات متأخرة من الليل، إذا علموا أن لا رقيب عليهم، ولا حسيب، وليس هناك من ينتظرهم، ويسأل أين كانوا، ومع من؟ وربما وقع بعضهم في فخ الإدمان بسبب أصدقاء السوء الذين وجدوا فى مرافقتهم لهم صيدًا ثمينا يستمدون منه المال للصرف على ملذاتهم المدمرة لأنفسهم.
إن قضية إهمال الآباء للأبناء أصبحت قضية شائكة، فكم من ابن ضاع بسبب إهمال والديه، أو أحدهما، أو انشغالهما عنه!؟ وكم من فتاة ضاعت بعد أن أهملت وأعطيت لها الحرية غير المقيدة دون قريب أو حسيب من الأم أو الوالدين معًا!؟ وكم من فتاة أضاعتها صديقتها التي لم تعرفها الأم من قبل؟ ولم تحاول السؤال عنها!؟ وكم من فتاة سيئة تعمدت أن تجر زميلة طيبة معروفة عند الجميع لتصبح مثلها فى السوء وعالم (النت)!؟ هذا العالم الواسع المخيف الذي يدفع بالجاهل الضعيف إلى مزالق التهلكة، خصوصا إذا مشى فى طريقه دون حساب لما قد يقع فيه من مهالك بسبب عدم الحرص!؟
أنا لا أنكر فوائده، وضرورة تعلمه، والاستفادة منه، ولكن لكل شيء حدود.
أنتِ أيتها الأم، وأنت أيها الأب، إن دوركما في هذا العصر أصبح أصعب من دور آبائكم في السابق؛ فالتربية في هذا العصر تحتاج إلى حرص، واهتمام أكثر منكما إتجاه الأبناء. فلا تهملوهم بسبب الأعمال والانشغال، وتعطوهم ثقة زائدة، وحرية مطلقه وتتركوهم. إنهم مسؤوليتكم، وأنتم مسؤولون عنهم. فاحرصوا عليهم.
استراحة قصيرة
 الطفل كالزهرة اليانعة الرقيقة إذا لم تتعهده بالرعاية والاهتمام؛ ذبل ثم مات، وإذا أحسنت رعايته، واهتممت به؛ رأيته بأجمل منظر، وأزكى رائحة.

amel_m@gawab.com

كاتبة
353195