إنصاف الخصم في شعر الحرب
(عنترة بن شدّاد نموذجًا) 1/3
عبدالله فيصل آل ربح * - 17 / 10 / 2007م - 4:29 ص - العدد (40)

يرجع اهتمامي بهذا الموضوع الشعري إلى السنة الأولى من دراستي في قسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود عام 1416هـ عندما درست الأدب الجاهلي، ووجدت فيه نماذج لشعراء أسبغوا على خصومهم صفات الممدوح، فتعجبت لذلك وتساءلت: كيف يمتدح الشاعر عدوّه؟! ولماذا يفعل ذلك؟!
وحاولت، خلال سنيّ دراستي الجامعية، البحث عن مصدر ألَمّ بهذا الموضوع، وأوفاه حقّه. فبدأت التجوّل في المكتبات الكبرى بالرياض، وسألت بعض الأساتذة بقسم اللغة العربية فلم أجد كتابا مستقلاًّ قد بحث هذا الموضوع بشكل مفصّل واضح.
لم أجد أكثر من مقال، أو جزء من فصل من كتاب يتحدث عن الفخر، أو أيام العرب وحروبهم، أو نماذج متفرقة هنا وهناك في كتب الحماسة والجمهرة، وأخيرا وقعت يدي على كتاب بعنوان (المنصفات) لعبد المعين الملوحي لكنه كان عملا يحسب في مجال كتب الجمهرة، وليس الدراسة؛ إذ إنّه يورد القصائد مع التعريف بقائلها، وجَوّه العام باقتضاب، دون دراسة واضحة لمعالم إنصاف مدح الخصم في الشعر.
هنا بدأت تراودني، بقوّة، فكرة إنشاء بحث مستقل حول موضوع إنصاف الخصم لدى الشعراء العرب، حتّى أنّي فكرّت جدِّيّا في أن يكون موضوع أطروحتي لنيل درجة الماجستير هو هذا الموضوع الذي شغلني.
ووجدت الفرصة للبدء في البحث والتعرف عليه بشكل أوسع خلال دراستي لمقرّر (دراسات في الأدب - السنة الأولى في مرحلة الماجستير عام 1422هـ) مع أستاذنا المحقّق الدكتور عبد العزيز المانع الذي كان المدرب الأول لنا على الأطروحة الجامعية، وذلك بفرضه البحث منهجا للمقرّر واختبارًا له.
ومن خلال تتبعي للشعراء الجاهليين - إذ إنّ النصوص هي مادتي المعتمدة - وجدت هذا البحث يقتضي تقسيمه على ثلاثة فصول يشتمل كلّ منها على عدد من المباحث يرتبط بالموضوع الرئيسي للفصل.
وقد جعلت الفصل الأول مَدخلا للحياة العربية القائمة على الصراع والحرب؛ فكان هذا الفصل محاولة لفهم الطبيعة العربية في العصر الجاهلي، والحياة الجاهلية التي تقوم على عوامل اقتصادية، وفكرية، وسياسية تسبب الصراع الحتمي بين ثنائيات عدّة تبدأ بالفرد مع الفرد، وتمرّ بصراع العشائر والقبائل مع بعضها البعض حتى تصل إلى صراع البادية والحاضرة.
وقد عرضنا خلال هذا الفصل مفهوما مهمًّا قامت واستمرت بسببه حروب طاحنة في أيام العرب؛ ألا وهو (النديّة)، فعرضنا مفهومها وأمثلة على تأثيرها.
أما الفصل الثاني فقد جاء في صلب موضوعنا وهو: إنصاف/امتداح الخصم، فعرضنا في المبحث الأول تعريفات عدّة من مصادر متنوعة -بعضها تراثي والآخر حديث - لإنصاف الخصم عند الشعراء العرب، وقد حاولت المقارنة بين تلك التعريفات حتّى وصلت إلى تعريف خاص بي في هذا الصدد.
وطرحت في المبحث الثاني سؤالا حاولت الإجابة عنه، وهو: لماذا يمتدح الشاعر خصمه؟ وكان لا بدّ من طرح سؤال مرادف له هو: بماذا يمتدح الشاعر خصمه؟
ثم طرحت في المبحث الثاني علاقة هذا المضمون بالأغراض الشعرية الأخرى، فوجدت أن أبرز الأغراض التي لها علاقة بهذا الغرض هي: الفخر، والاعتذار، والهجاء، بالإضافة للمدح.
أما الفصل الأخير فخصّصته لدراسة نموذج تطبيقي للشعراء الذي أنصفوا خصومهم. ومن خلال التتبع وجدت أن خير مثال يعتمد عليه هو: عنترة بن شدّاد العبسي.
فدرست، في المبحث الأول، مادة شعره الأساسية، وهي: الحرب، وأبرز صفتين اتصفت بهما هذه المادة، وهما: الواقعية، وروح الحكاية، والسرد، وأهم الأسباب التي جعلت شعر الحرب لديه يقوم على هذين العنصرين.
وفي المبحث التالي انتقلت للتطبيق العملي على شعر عنترة، وجعلت مقطع (وحليل غانية...) من معلقته هو أساس تحليلي لهذا المضمون في شعر عنترة، واستشهدت بأبياته الواردة في نصوص أخرى داخل إطار دراستي لهذا المقطع، ولم يفتني دور عبلة وحبها الذي شغف قلب عنترة الفارس الشجاع، وسيطر على عنترة الفارس، وعنترة الشاعر. وأخيرا وضعت ملاحظاتي العامة حول إنصاف/امتداح الخصم عند عنترة، وأبرز ما ميّز عنترة في هذا المجال.
وقد حاولت قدر الإمكان إخراج هذا البحث بشكل متماسك ملمّ بأبرز العناصر التي يجدر بالباحث دراستها في هذا الموضوع.
وبعد حوالي عام من كتابة هذا البحث كتبت بحثا آخر حول بُنية قصيدة إنصاف الخصم في الحرب في العصر الجاهلي أرجو أن أتمكن من نشره لاحقا.
الفصل الأول: مدخل إلى الحياة العربية القائمة على الصراع
المبحث الأول: طبيعة الحياة الجاهلية القائمة على الصراع:
عاش العرب الأوائل في حيّز يُعرف بشبه الجزيرة العربية ذات الطبيعة القاحلة في أغلبها - إذا استثنينا اليمن والأراضي المنخفضة في تهامة وهجر والبحرين - فلم تكن هناك مصادر ثابتة للمياه - كالأنهار مثلا - تنبع وتجري باستمرار لتمدّ الأرض وسكّانها بما يكفيهم من المياه، بل اعتمد العرب الأوائل على الأمطار التي تهطل في فصلي الشتاء والربيع.
وبهطول الأمطار كان ينمو العشب والكلأ الذي يعني الكثير للسواد الأكثر من العرب وهم: البدو الرحّل الذين يعيشون مبعثرين بين أرجاء الجزيرة العربية؛ يعتمدون في حياتهم على الماشية في شتى الأمور من مواصلات، وطعام (لحوم/ ألبان)، ولباس، (وبر/ شعر/ صوف)، وسكن (الوبر في الأغلب للخيام) وغيره، وأهم تلك الحيوانات هي: الإبل، والغنم، والخيل.
كانت هذه الحيوانات بالنسبة للعربي ثروة لا تُقدّر بثمن، وعُدّة له في السلم والحرب “ومن ثَمّ أصبح لها في نظرهم قيمة كبرى وسمّوها (المال) فكانت ثروة الشخص تُقدّر بعدد ما يملكه من هذه الحيوانات”(1).
ولأنّ هذه الحيوانات تمثّل عصب الحياة الاقتصادية لدى العربي، كان لزاما عليه أن يحافظ عليها، ويحميها من الهلاك، بل ينمّيها، ويزيدها إن تمكّن من ذلك.
ولأنّ العشب والكلأ نادر وشحيح، كان العرب يرتحلون بحثا عنه، ويقطنون حيثما وجدوه، ويستولون على المكان الذي يحويه، ويتشبثون به، والويل لمن ينازعهم فيه. بل حتّى لو كان لديهم منازل حول بعض الينابيع - القليلة جدا وقتها - فإنّهم يوفرون ماءها في المواسم، ويغادرون لمواطن الكلأ العارض، ثمّ يرجعون أدراجهم موفّرين جزءًا من مياههم لوقت الحاجة.
وهنا نرى أنّ الفقير يحاول سدّ رمقه ورمق ماشيته قدر المستطاع، يقابله في هذا الغني الذي يحاول التوسّع في مكتسباته دون أن يأخذ في الاعتبار أي شيء آخر.
هذا العامل المهم الذي نستطيع أن نلخّصه في المعادلة التالية:
حيوانات كثيرة تشكّل عصب الحياة الاقتصادية + حاجة هذه الحيوانات للماء والكلأ + ندرة ذلك الماء والكلأ = صراع حول مصادر الماء والكلأ (أماكنها).
وهذا، بالضبط، ما كان يحصل من صراعات، وشنّ غارات عدّة من أجل البقاء الذي ولّد لدى العربي كراهية الذل، وحبّ الحرب التي تخلّصه من الذلّ والجوع.
وإذا أضفنا لتلك العوامل الاقتصادية والجغرافية عاملا آخر مهمّا هو: عدم وعي واسع يُكسب العقل روية أكثر، وحكمة أوسع؛ فإنّنا لا نستغرب السمة السائدة لدى الأعراب وهي: حدَّة المزاج، والتسرّع في اتخاذ القرارات المصيرية في شنّ الحروب، وذلك بسبب المبالغة في فهم بعض الأمور لاسيّما ما اتصل منها بالشرف، والعزّة، والكرامة، والأنفة والإباء إلخ... فيثورون لأتفه الأسباب دفعًا للذل الذي يعتقدونه، وإعلاء للإباء، والعزة، والمنعة.
والأمثلة كثيرة، فلو فتّشنا في أيام العرب وأخبارهم سنجد العجب العجاب -بالنسبة لتفكيرنا، وثقافتنا اليوم - من الأسباب التي قامت واستمرّت بها الحروب، ومن إمكانية وسهولة حلّها بالطرق السلمية، أو - على الأقل - بأقلّ الأضرار. فمثلا:
1) حرب داحس والغبراء التي بدأت بسبب تافه -حسب وجهة النظر المتحضرة اليوم - وهو السباق الذي استتبعه سيل من الحوادث والاغتيالات بين أخذ ورد حتّى تطوّر إلى حرب شعواء امتدت لوقت طويل.
2) حرب البسوس التي أشعل فتيلها جسّاس بن مُرّة بقتل كليب، بسبب قتله (السراب) وهي ناقة، فقام المهلهل - أخو كليب - محاربا لقوم جسّاس سنينا طويلة. وكان بإمكان المهلهل بدلا من إشعال الحرب أن يقتل جسّاس بن مُرّة – وقد تسنّى له ذلك غير مرّة - لكنّه لا يريد إيقاف الحرب بقتل جسّاس لأنّه يرى أنّ دم كليب لا يُقدّر بثمن، فلا بدّ أن يقتل كلّ قوم جسّاس، ويفنيهم عن بكرة أبيهم حتّى ينتهي الأمر.
3) حياة امرئ القيس الشاعر بعد اغتيال أبيه، التي عاشها يطلب الثأر من قاتليه -بني أسد - ولم يكن ليرضيَه شيء غير قتلهم جميعا. وهذا ما يعيدنا إلى تقسيمات المجتمع العربي القائمة على الثنائيات:
1- الحضر والبدو.
2- العرب الشماليون: (عدنان)، والعرب الجنوبيون: (قحطان).
3- القبيلة والقبيلة الأخرى.
4- العشيرة والعشيرة الأخرى داخل القبيلة الواحدة.
5- داخل العشيرة الواحدة الفرد والفرد الآخر يتنافسان من أجل السمو والرفعة والسيادة بين أفراد القوم.
هذه الثنائيات تُولّد عداوة بين أطرافها، وتزيد من التعصّب المعروف بالحميّة لديهم، والتي تولّد الحروب لأتفه الأسباب، حتّى كأنّ العربي ينتظر الحرب انتظارًا.
ولكن لا ننسى أنّ للمجتمع العربي –بتقسيماته المختلفة - قواعدَ وأعرافًا لا بدّ أن تُحترم. فالفرد عليه واجبات تجاه القبيلة تتمثل في أن يقف معها، وينصرها، ولا يتخلّى عنها حتّى في أحلك الظروف، والقبيلة عليها واجباتها تجاه الفرد بأن تحميه وتمنعه وتُعزّه وتأخذ له ثأره إنْ قُتل.
وتتلخص واجبات القبيلة وأفرادها في:
1- صون الشرف.
2- حماية المرأة (وهي من الأشياء التي يفتخر بها العربي بشدّة).
3- حماية المال (الماشية).
4- حماية الحِمى (المكان الذي يمثّل حدود القبيلة).
5- الإجارة.
أيّ عنصر من هذه العناصر الخمسة يحاول الغير مسّه؛ ستقوم له الدنيا، ومن العسير جدا قعودها.
ونجد، هنا، أنّ علاقة الفرد بالقبيلة قائمة على المنفعة. ليس بمعناها الماديّ فحسب، بل والمعنوي أيضا، فالفرد للجميع، والجميع للفرد، ومن ذلك أنّهم عدّوا الثأر شرَفًا للقبيلة، وأن الدِّيَةَ عارٌ يترفّعون عنه، وقصة الهامة الطائرة (2) دليل على هذا.
ولعلّ ممّا ساعد على انتشار هذه الفَوضى فقدان السلطة المركزية الحاكمة في الجزيرة العربية- رغم وجود ممالك تقوم وتنتهي هنا وهناك لكنّها تقوم على أساس قبلي فتكبر القبيلة بدلا من ذوبانها في الوطن - فالبقاء للأقوى، وما دام البقاء للأقوى فلا بدّ أن يسعى العربي لتقوية نفسه؛ إمّا بالدخول في أحلاف قبلية، أو تقوية الذات لتصبح القبيلة بعدها جمرات العرب التي تستطيع أن تخوض أشنع الحروب دون الحاجة لمحالفة سواها.
ومن هنا بدأ الاهتمام بالفارس وتنشئته حتى يحفظ شرف القبيلة في حروبها، وبلغ من اهتمام العرب بالحرب، وتكريسهم حياتهم لها؛ أنّهم كانوا يسمّون أبناءهم بأسماء الوحوش، والجوارح مثل: أسد، كلب، عقاب، أسامة... إلخ. في الوقت الذي يسمّون خدمهم - العبيد - بأرقّ الأسماء، وأعذبها مثل: ميمون، ياقوت، فيروز... إلخ، ويقولون: نسمّي أبناءنا لأعدائنا، ونسمّي خدمنا لنا، ولهذا كانت المبادرة - أحيانا - للحرب حتى تكون القبيلة مهابة؛ فالهجوم خير وسيلة للدفاع، وخير برهان للقوة هو إيقاع الظلم بالآخرين كما يقول زهير:
وَمَن لا يَذُد عَن حَوضِهِ بِسِلاحِهِ
يُهَدَّم وَمَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ(3)
بل إنهم عَدَّوا السلم، والكف عن الظلم عيبًا يُعيرون به. يقول النجاشي الحارثي يهجو بني العجلان:
إذا الله عادى أهل لؤم ورِقَّة
فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
قُبَيِّلةٌ لا يغدرون بذمة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
وننقل هنا عبارة الدكتور صلاح عبد الحافظ الذي يقول في هذا الصدد: “والعرب أمّة محاربة، ولد أفرادها على صهوات الخيل، وأطعموا مبادئ القتال على ظُبى السيوف، وأسنّة الرماح، وأشربوا دماء الأعداء شبابا، وكهولاً. وإحراز البطولة الحربيّة قمة الفخار والشرف يعطي للقبيلة وأفرادها عزّة ما بعدها عزّة، وشرفا لا يفوقه شرف، فالحقيقة أن انتصار المحاربين في معركة انتصار القيم القبلية ومبادئها، حتّى وإن كانت الحرب نفسها قامت لمجرد ثأر أو نزاع فردي”(4).
فالفارس هو عماد القبيلة وذخرها الأوحد لحفظ شرفها على ساحة الميدان، وإذا أضفنا له الشاعر الذي يشحذ همّة الفرسان، ويرفع قدر القبيلة، ويذيع انتصاراتها، ويبرّر انتكاساتها؛ سنجد أنّ الشاعر صنو الفارس، وخارج ميدان القتال هو حامي القبيلة لأنّه لسانها الناطق.
إذن؛ نستخلص من هذا كلّه أنّ: “الظروف التي أحاطت بحياة العرب الجاهليين هيّأت جوّا مناسبا لحدوث الخصومات والمنازعات، ونشوب الحروب والقتال. وقد حفظت لنا كتب التاريخ كثيرا من القصص التي تتحدث عن مشاحناتهم وحروبهم”(5).
المبحث الثاني: النديّة، مفهومها وأمثلة عليها
من خلال فهمنا لطبيعة الحياة العربية الجاهلية تبرز لنا قيمة اجتماعية قويّة، متأصّلة في الفكر العربي الجاهلي، ناتجة عن الفخر والعزّة والكرامة، ألا وهي: النديّة. فالعرب -ولاسيّما الأشراف والفرسان منهم - الذين يترفّعون عن مخالفة قواعد وأصول المروءة التي ترفض عدّة أشياء؛ منها: طعن العدو من الخلف، وهو مدبر، قتل الأسير المستسلم للأسر، خرق الهُدنة المتفق عليها من أطراف الحرب. يضيفون أمرا آخر وهو: أنّ الفارس يرفض منازلة شخص دونه في القدر، وذلك لأنّ في ذلك تقليل من شانه، فهو مهتم بأن يتناقل الناس في مجالسهم أنه قد قتل بطلا كريما، وفي حالة خسارته وموته يهمه أن يتناقل الناس أنّه قد هلك على يد بطل ليس بالهين، وبالتالي فإن قتله ليس عارًا، أو ضعفًا، وهذا مفهوم سائد عند الأبطال الذين يحترمون قدرهم.
وفي موضوع الثأر نجد تجلّيات لهذا الموضوع، نذكر منها:
1) رفض أخذ الديّة:
نادرًا ما كانت العرب ترضى بأخذ الديّة لقاء الكفّ عن طلب الثأر، خصوصا أنّهم يعتقدون بفكرة الهامة التي تطير، ولا تهدأ إلا بأخذ الثأر. فالمجتمع يعتبرها عارًا وبيعًا لابن القبيلة - القتيل - بثمن بخس هو المال.
ونتذكر هنا قصّة غضب وفد بني تغلب عندما عرض عليهم مرّة بن شيبان ديةً لكليب مقدارها ألف ناقة، فردّوا قائلين: “لم نأتك لترذلنا - أي تعطينا - رذال بنيك، ولا تسومنا باللبن”(6)، وهناك أمر آخر أشدّ وهو أنّه “إذا ظُنّ أنّ هناك ميلا من بعض الأفراد لأخذ الديّة فإنّ ذلك يلهب مشاعر القوم، وبخاصّة الشعراء فيقولون من الشعر ما يثيرون به الحميّة، بل إنّ شعرهم في تلك الحالة كان يتعدّى حدود الإثارة، وينقلب ذمّا وتوبيخا، وقد يكون سبًّا وشتمًا لمن تحدّثه نفسه بالإقدام على مثل هذا السلوك المشين الذي يجلب العيب والعار للعشيرة بأسرها”(7). ومن الأمثلة على هذا ما قالته امرأة من ضبّة في تحريض قومها على رفض أخذ الديّة، وعلى الانتقام:
ألا لا تأخذوا لبنًا ولكنْ
أذيقوا قومهم حدَّ السلاحِ
فإنْ لم تثأروا عمْرًا بزيدٍ
فلا درّتْ لبونُ بني رياحِ(8)
2) الأخذ بالثأر يكون بدماء خاصّة:
عندما يُقتل الشخص -ولاسيّما إذا كان سيّدا شريفا فارسا - فلا يُكتفى بقتل قاتله فحسب، لأنّ ذوي المقتول قد يرون أنّ قاتله لا يساوي شيئا مقارنة به. عندئذ تدور الدوائر على قبيلة القاتل، وقد يصل الأمر إلى فكرة جنونية هي إبادة قوم القاتل عن بكرة أبيهم كما فكّر المهلهل عندما قتل جسّاس بن مرّة أخاه كليبا غدرا. فبالرغم من أنّ المهلهل قد استطاع - غير مرّة - أن يقتل جسّاس منفردا إلا أنّه آثر إبقاءه حيا ليقتل من قومه أكبر عدد ممكن، لأنّ دم كليب لا تساويه جميع دماء البكريين.
وهنا نجد أنّ بعض الشعراء الحديثين قد تأثر بالفكرة وصاغ خطاب كليب - بعد الموت - لأخيه المهلهل، فقال:
لا تصالح على الدم.. حتى بدم.
لا تصالح، ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟
أعيناه عينا أخيك؟
وهل تتساوى يدٌ سيفها كان لك؟
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون: جئناك كي تحقن الدم
جئناك. كن - يا أمير - الحكم
سيقولون: ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا، وأخًا، وأبًا، ومَلِك(9)
والأمثلة والحكايات في هذا المورد كثيرةٌ، ولكنّنا سنأخذ مثالا واحدا وهو: قصة المهلهل عندما قتل بجير بن الحارث بن عباد، وقال له قبل أن يقتله: بؤ بشسع نعل كُليب. فثارت ثائرة الحارث بن عباد لتلك الكلمة التي سبقت قتل ابنه أكثر من ثورته للقتل، فقال فيما قال:
قتلوهُ بشسعِ نعلِ كُليبٍ إنّ قتْلَ الكريمِ بالشسْعِ غالِ(10)
ولم يتمكّن ابن عباد من المهلهل إلا متأخرًا عندما أسره، ولم يتعرّف على هويته إلا متأخرًا - لضعف بصره - فظنّه مجرّد فارسٍ من معسكر المهلهل، ويمضي الخبر فيذكر لنا “أنّ الحارث طلب من الفارس الأسير أنْ يدلّه على أحد ابني ربيعة مهلهل أو عدي - كما في رواية الضبّي - قال: فمالي إنْ دللتك على أحدهما؟ قال: أخلّي عنك، قال: فالله لي عليك بذلك. قال: نعم. فلمّا استوثق منه كشف له عن شخصيّته، فقال الحارث: فأحلني على امرئ كريم الدم شريف، فأحاله على عمرو بن أبان فحمل عليه الحارث فقتله”(11).
فالنديّة أساس لا يُتنازلُ عنه بسهولة، وهو الشيء الذي يكون - أحيانًا - خاتمة للحرب عندما يظفر أهل القتيل بندٍّ - يقتنعون به - لمقتولهم من قبيلة قاتله، وهو الذي يزيد من أُوارها عندما لا يجدون له ندًّا، أو عندما يقتلون به من هو أعظم منه شأنًا، فتثور ثائرة الطرف الآخر لهذا الأمر.
وهي في المتمّة اعتراف مباشر بمقام الخصم وقدره، هذا قبل أنْ ندخل في موضوع إعلاء شأنه في الحلقة التالية من هذه الدراسة.
الهوامش:
(1) علي الجندي (شعر الحرب في العصر الجاهلي) مكتبة الجامعة العربية، ط3، بيروت 1966م، ص16.
(2) الهامة: كانت العرب تزعُم أن رُوح القتيل الذي لم يُدْرَك بثأْره تصيرُ هامَة، فتَزْقو عند قبره، تقول: اسقُوني اسقُوني، فإذا أُدْرِك بثأْره طارت؛ وهذا المعنى هو الذي أَراده جرير بقوله:
ومِنَّا الذي أَبكى صُدَيَّ بنَ مالكٍ
ونَفَّرَ طَيراً عن جُعادةَ وُقَّعا
ويقول ذو الأصبع العدواني:
يا عمرو، إن لم تدع شتمي ومنقصتي
أضربْك حتى تقول الهامة اسقوني
(3) أبي عبدالله الزوزني (شرح المعلقات السبع) دار الكتاب العربي، ط4، بيروت 1993م، ص80.
(4) صلاح عبدالحافظ (الزمان والمكان وأثرهما في حياة الشاعر الجاهلي وشعره) دار المعارف، القاهرة د.ت، ص140.
(5) علي الجندي (شعر الحرب في العصر الجاهلي) مكتبة الجامعة العربية، ط3، بيروت 1966م، ص22.
(6) المفضل الضبي (الأمثال) دار المعارف، ص57.
(7) علي الجندي (شعر الحرب في العصر الجاهلي) ص312.
(8) أبو عبادة البحتري (الحماسة) شرح أبي علي المرزوقي، تحقيق أحمد امين، دار الجيل، ط1، بيروت1992م، حماسة رقم 28.
(9) أمل دنقل (الأعمال الشعرية الكاملة) دار العودة “بيروت” - مكتبة مدبولي “القاهرة”، ط2، 1985م، ص396.
(10) أبو سعيد عبدالملك بن قريب الأصمعي (الأصمعيات) تحقيق: أحمد شاكر-عبدالسلام هارون، دار المعارف، ط3، القاهرة1967م، الأصمعيّة رقم:17.
(11) عبدالرحمن عفيف (الشعر وأيّام العرب في العصر الجاهلي) دار الأندلس، ط1، بيروت 1984م، ص437.


 

ناقد
352866