رفقاً بناشئتنا أيها المغالون
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 17 / 10 / 2007م - 10:07 ص - العدد (39)
الأحداث المؤسفة المتعاقبة، وأقصد بها التفجيرات الظالمة التي تستهدف الآمنين في بيوتهم كتلك التي حدثت في الحادي عشر من شهر ربيع الأول لعام 1424هـ، التي تورط بها شباب غُسِلت أدمغتهم، وسُلبوا أرادتهم، وتحوَّلوا إلى مجرد آلات توجه بـ>الريموت< من بعد لتحقيق أهداف ظلامية مجرمة، وتقود المجتمع إلى حال لا يعلم مداها إلا الله؛ تذكرت، ما كتبته الأخت هدى السالم تحت عنوان (جميعاً ضد الإرهاب) في جريدة الرياض ليوم الأربعاء 20/3/1424هـ ومنها ما قالته لها إحدى الأمهات عن أبنائها الذين شجَّعتهم للإلتحاق بجماعة يفترض أن تقوم بإصلاح وتوعية الشباب، كيف تحوَّل، بعد أسبوعين فقط من هذا النشاط التطوعي، منزلهم الهادئ إلى ساحة غير متكافئة من الجدل العنيف، حيث اتهمها ابنها الأصغر بالفسق لأنها ترتدي عباءتها على كتفها، وامتنع الابن الأوسط من الجلوس مع الأسرة لوجود الطبق الفضائي ضمن محتويات المنزل، أما الابن الأكبر فاتهم أباه بالكفر لحلقه اللحية وممارسته عادة التدخين.
وتقول عن سيدة أخرى إن أولادها بعد أن رافقوا، لأول مرَّة، مجموعة من معلميهم في رحلة مدرسية للمرحلة الابتدائية يوماً كاملاً عادوا لا يستطيعون النوم من هول ما سمعوا عن مصاعب يوم القيامة، وعذاب القبر. وقالت ضمن مقالاتها، وبعد استطراد بالأمثلة مستغربة، كيف تعطى الفرصة لهذا النشء يفتون في أمور ربما اختلف فيها كبار علماء المسلمين.. والمشكلة أن الجميع يحلل، ويحرم ضمن اجتهاداته الشخصية والشباب في حيرة بين ما يلقن في مدرسته، وآراء معلميه المختلفة وبين ما يراه على أرض الواقع...
واختتمت مقالها قائلة: «شئنا أم أبينا؛ العمليات الإرهابية التي تمت كان لبعض أبناء هذه الأرض الطيبة يد في تنفيذها مما يدل على وجود خلل هو من مؤثرات قوية شكلت هذا الكيان الإرهابي..السؤال الذي نعرف، بالإجابة عنه، بعض مؤثرات هذا الخلل ماذا أعددنا لمن هم يشكلون أكثر من نصف المجتمع؟ انظروا من يشكل ثقافة هذا النشء، من يسمعهم؟ من يحاورهم؟ من يتبنى همومهم؟ من يصحح مفاهيمهم ويوجههم؟.. ».تذكرت ما سبق أن عانيته وعاناه الكثير من ازدواجية الشخصية في هذا المجتمع فنجد الواحد منا يحمل من الأقنعة العدد الكثير منها؛ ففي العمل بقناع، وفي المنزل بآخر، وفي الشارع بثالث، وعند أصحابه، وفي القهوة وفي السفر شيء آخر.. إلى متى ونحن نعيش بلا ثقة بالنفس، ولا وضوح بالرؤية والفكر؟كنت قبل خمسة عشر عاماً مع أحد الأصدقاء نذهب بعائلتينا إلى أحد المتنزهات، وهي مزرعة كبيرة حولت إلى متنزَّه جنوب الرياض. جلست مع صديقي على جانب بالقرب من زوجتينا وبيننا ما يقارب العشرة أمتار ونشرب الشاي، وكنا نراقب صغارنا وهم يلعبون بالدراجات حولنا، وبمجرد أن أذن لصلاة المغرب، وكنا نتهيأ للذهاب للصلاة فقط ننتظر عودة الأطفال لأمهاتهم، وإذا بواحدة تجر بيدها طفلاً، وتصرخ بنا أنتم ما تسمعون الأذان؟ أنتم كفار؟ حاولت أن أرد عليها، ولكن صاحبي أسكتني بإشارة منه فالتفتت إلى زوجتينا وقالت لهما أنتما تسمحان لزوجيكما بالنوم معكما وهما لا يصليان!؟ أنتما تعتبران زانيتين. وكانت هذه آخر زيارة لهذا المنتزه.
ومرة أخرى مع أحد أبنائي كنا متوجهين للمسجد، وقت الأذان، وعند تشغيل السيارة والمذياع مفتوح صادف أن كان وقت إذاعة أغنية فتباطأت في إسكاتها، فقال ابني: «أنت كافر يابوي؟». فقلت: «وإلى أين نحن ذاهبان؟ أوليس إلى المسجد؟» قال: «بلى ولكن هكذا يقول الأستاذ».
تذكرت هذا الكلام وأنا أستمع للشيخ عبد المحسن العبيكان في تلفزيون الشرق الأوسط بعد صلاة الجمعة 15/3/1424هـ في برنامج الفتاوى، وهو يستمع إلى اتصال من أبو محمد بدولة الإمارات العربية المتحدة، وهو يقول: «أن ابنه ذا الحادية عشرة يتمنى لو كان مع مفجري المجمعات السكنية بالرياض، وعندما سأله عن السبب رد عليه بأنهم شهداء، وعندما سأله والده ومن قال ذلك؟ أجابه بأنه مدرس الرياضيات. فهذه الطامة الكبرى، فالطالب صغير السن ما زال ينظر لأستاذه نظرة القدوة الصالحة فتجده يقلده ويتمنى أن يصبح مثله، فكيف لا يصدق ما يقول، فرحمة بهؤلاء الأطفال. فأنتم مؤتمنون على فلذات أكبادنا، وسيحاسبكم الله على ما تقدمونه إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر.
وقصة أخرى ليست ببعيدة فقد دُعيت كولي أمر أحد الطلاب لختام المركز الصيفي في إحدى مدارس الحي، وفرحنا بمناسبة ستجمعنا بأولادنا ومربيهم، وفي حفلة سمر وفرح. فماذا وجدنا؟
دخلنا وكأننا في مأتم ماعدا صوت المكرفون، وتعددت الوجوه، والخطابات، وبعض الأناشيد الإسلامية التي تخلو من أي مؤثرات موسيقية، وقد استمر الحفل بما لا يقل عن ثلاث ساعات، وزع بها ما لا يقل عن اثنتا عشر صحيفة أو مجلة أو رسالة تمثل الأسر المتنافسة، وقد قرأتها في الفراغات الكثيرة بين الفقرات فلم أجد بها كلمة واحدة تحث على حب الوطن، أو حب الوالدين، أو الاقتصاد في الماء والكهرباء، أو إماطة الأذى عن الطريق. كلها أو جلها تنذر وتحذر من عذاب القبر، ويوم القيامة، والموت، والحساب، ومنكر ونكير.. إلخ. نحن لا ننكر أهمية مثل هذه؛ ولكن الأمور الحياتية الأخرى أليس لها مكان في هذه الأنشطة، وفي مثل هذه المراكز؟ أذكر أنني في اليوم التالي التقيت بالدكتور علي النملة ـ قبل أن يصبح وزيراً للعمل والشئون الاجتماعية، بمكتب أمين مكتبة الملك فهد الوطنية الأستاذ علي الصوينع وكلاهما ولي أمر طلاب في المركز فتحدثت معهما عن هذه الظاهرة وبالذات النشرات الموزعة فاستنكرا هذا الغلو والإفراط في التهديد والوعيد.
والكل يعرف أن التوجيه والتربية تفعل فعلها، وبالذات ممن يملك مفاتيحها، وهو المربي وخطيب الجامع، ففي مقدور كل منهما أن يقدم المعلومة الصحيحة بقالب مفهوم مهضوم، وبإمكانه بناء المجتمع الصحيح، أو هدمه، والخطورة تكمن فيما يقدمه المربي وإمام المسجد لما تمتلكه أقوالهما من تأثير على العامة وخاصة النشء، ومن هنا تنبع ضرورة الصدق، والنزاهة فيما يطرح حتى الإدعاءات العارية من الصحة تكتسي الصدق؛ لأنها تصدر عن رجال يحظون بالثقة. بإذني سمعت من إمام مسجد هذه الإشاعة الباطلة التي لا يصدقها العقل ولكن وجدت من صدقها. لي زميل في العمل من أهل القطيف أي من أبناء الشيعة، وكان بعض السذج من الموظفين يسمعون ما يقال عن الشيعة، وأنهم ضالون بل وأنهم من غير البشر.. فهم لهم أذناب يلفونها كما تلف المرأة شعرها، وتربطه بخيط لا يلاحظه الشخص العادي.
وكان في إحدى المرات يزوره بعض أبناء طائفته، وعند خروجهم ذهبت معهم لأودعهم حتى باب المصعد، فوجدت أحد الموظفين يحدق بهم من الخلف وسألني بعد أن اطمأن لوجودي بمفردي قائلاً: هل هؤلاء شيعة؟ فأجبت: أي نعم. فسأل مستغربًا: أذن أين أذنابهم؟!!
* باحث
352866