الأسرة في التطور الحضري بين رؤية الاجتماعيين والإسلاميين
جعفر محمد العيد * - 17 / 10 / 2007م - 10:43 ص - العدد (39)

يستهدف هذا البحث محاولة قراءة التأثير الحضري على الأسرة، الإطلالة على ما تركه لنا آية الله السيد الشيرازي في كتابه (الفقه، الاجتماع) باعتباره تنظيرا من قلب المرجعية الإسلامية، ومن ثم محاولة المقاربة والمقارنة بين كتاباته وعلماء علم الاجتماع الأسرى، وهو أيضاً مساهمة لزيادة الوعي الأسري في التعامل مع الأزمات والمشكلات الأسرية.
مقدمة
في البداية أورد هذه النقاط للعبور إلى جسم البحث:
1- علم الاجتماع علم واسع ومتفرع لكثير من الفروع، الأمر الذي أدى إلى صعوبة الإحاطة بجميع مواضيعه خصوصا إذا عرفنا أن السبب في هذه الصعوبة كون العلم يدرس المجتمع الإنساني والمجتمعات الاجتماعية، والظواهر الاجتماعية، والمشكلات الاجتماعية مثل (الهجرة والبطالة)، ويدرس أيضاً النظم الاجتماعية.. من النظام الأسري، والنظام التربوي إلى النظام السياسي، والنظام الاقتصادي وتفاعل هذه الأنظمة وتعدد مشاربها، والمشكلات الناجمة عن تطبيق أي نوع من هذه الأنظمة.. الخ.
2- إن علم الاجتماع (وبالرغم من أنه) أصبح علماً مستقلا بذاته، وله نظرياته الخاصة، إلا أنه يعتبر من العلوم الدائمة التطور والتغير، نظرا للثبات النسبي في حياة المجتمعات، وميلها إلى التغير المتتابع، إضافة إلى المشكلات التي تواجهها البشرية جمعاء. مثل الكوارث الطبيعية، (الزلازل، البراكين، وحالات التصحر، الفيضانات) والكوارث غير الطبيعية، أو المفتعلة مثل (الحروب وغيرها..) مما يؤدي إلى نشوء عوامل الطرد الاجتماعية.
وربما تؤدي عوامل طبيعية مثل اكتشاف البترول والذهب إلى نشوء عوامل جذب اجتماعية إلى السكان،وإغرائهم بالهجرة إلى هذه المناطق والعمل فيها.
هاتان النقطتان وغيرهما من النقاط التي تجعل من الصعوبة بمكان تناول هذه العناصر جملة واحدة، فكل نقطة من النقاط تشكل ثروة كبيرة من المعرفة، ومجالا خصباً للبحث والتمحيص والإفادة.
3- لعب المصلحون الاجتماعيون دوراً مهماً في القرن الثامن عشر والتاسع عشر في ما يسمى ببيوت الإحسان.
ومن الواضح أن مبادئ الخدمة الاجتماعية مستفادة من الأديان السماوية، التي ما جاءت إلا لكفالة الأيتام، ورعاية الأرامل، والعاطلين عن العمل.
آية الله السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) من العلماء الذين بذلوا في حياتهم جهداً كبيراً في خدمة المجتمع.. لذا لا غرابة في طرقه مجموعة من المواضيع التخصصية، ولكنه لم يكن يطرحها على إنها بديل عن العلم، و إنما تشكل هذه الكتب رؤيته الإسلامية لهذه المواضيع.
مفهوم البحث:
بين الأسرة والعائلة
1- الأُسْرة: الدرع الحصينة، والعشيرة، والرهط، وهو من أسرة فلان أي رهطه الأدنين لأنه يتقوى بهم. محيط المحيط.
2- الأسرة من الرجل: الرهط الأدنون، وعشيرته لأنه يتقوى بهم. كما قاله الأزهري، وقال جعفر النحاس: الأسرة، بالضم، أقارب الرجل من جهة أبيه. تاج العروس.
3- الأسرة: الدرع الحصينة، وأسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم، وفي الحديث: زنى رجل في أسرة من الناس. الأسرة: عشيرة الرجل وأهل بيته. لسان العرب.
4- الأُسرة بالضم، الدرع الحصينة، والأسرة من الرجل رهطه الأدنون. القاموس المحيط.
الأسرة عند الثعالبي: هي أصغر وحدات المجتمع وأكبرها الشعب، ولم يذكر العائلة في تقسيماته.
العائلة: عائلة الرجل: زوجته وأولاده ومن يتكفل به وأقاربه لأبيه. محيط المحيط.
لم تذكر العائلة باللفظ في تاج العروس، ولكنها لا تخلو معاني ألفاظ عول (عال) من نفس المعنى، مما يعني أن الكلمة مولدة.
الأسرة هي: الوحدة البنائية الأساسية التي تتكون في أبسط صورها من الزوج والزوجة والأطفال، وتتسع لتشمل الأقارب الذين يسكنون مع بعضهم البعض، ويشتركون في معيشة واحدة(1).
أشكال الزواج:
هناك شبه إجماع بين الدارسين في علم الاجتماع والانثربولوجيا على أن تاريخ الزواج الإنساني قد طرح أشكالاً أساسية هي كالتالي:
1- وحدانية الزواج (monogamy): وهو من الأشكال المفضلة في كثير من المجتمعات (رجل واحد لامرأة واحدة) وهو الأشهر عالمياً، بل إن بعض القوانين لاتسمح الابالزواج بهذه الصورة ن لكن هذا لايعني أن هذا الزواج لايمكن أن يحدث مرة أخرى في العمر، إذ يمكن أن يتزوج الإنسان من امرأة أخرى، خصوصا في حال الوفاة أو المرض(2).
2- تعدد الزواج (polygamy): وهو الشكل الذي يعتبر عكس وحدانية الزواج، وهناك أنواع عديدة من هذا الزواج مثل الزواج من القبيلة أو البدنة العشيرة (زواج داخلي)، وهو عكس الزواج الخارجي الذي لا يجوز حدوثه بين أعضاء البدنة أو القبيلة أو العشيرة لانتمائهم إلى (طوطم)(3) فيعتبرون أخوة، ويحرم زواجهم، ولا بد من زواج خارجي(4).
وهنا ينقسم الزواج التعددي إلى ثلاثة أنواع من الزواج:
1- زواج رجل من عدة نساء ويسمى تعدد الزوجات (polygamy).
2- زواج امرأة واحدة من عدة رجال ويسمى تعدد الأزواج (polyandry).
3- وزواج عدة نساء من عدة رجال ويسمى زواج جماعي (group mariage).
ويتطرق الإمام الشيرازي إلى هذا الموضوع فيقول (أما كيفية التزويج فقد اختلفت في الأمم على خمسة أقسام:
1- رجل وامرأة.
2- رجل وأكثر من امرأة.
3- امرأة وأكثر من رجل.
4- جماعات رجال ونساء.
5- الفوضى الجنسية بدون ميزات كما طبقت في روسيا والصين، أول سيطرة الحكم الشيوعي فيهما).
ويضيف الإمام الشيرازي بأن زواج المرأة لأكثر من رجل، وقعت في بعض الامم أما لفقر الرجال عن المهر أو لقلة النساء (في ذلك المجتمع)لحادث ما(5).
ويتضح هنا مدى اطلاع الإمام الشيرازي على تاريخ الشعوب في هذا الجانب. فقد أقر بوجود الزواج المشاعي الذي يقضي بزواج امرأة واحدة من مجموعة رجال الأمر الذي سبق أن كتب عنه بعض علماء الاجتماع الأسري.
وقد تبين من عينه عالمية أخذها ميردوك (Murdock) من 554 مجتمعاً أن تعدد الزوجات يلقى قبولاً وتأثيراً ثقافياً في 415 مجتمعاً(77%) بنما لم يجد زواج امرأة من عدة رجال قبولاً سوى في أربعة مجتمعات أي بنسبة تقل عن (1%)(6).
الأسرة ومسؤولياتها:
الأصل في الأسرة أما أن تكون ضيقة أو واسعة، والضيقة يطلق عليها في أغلب الأحيان (أسرة نووية) و التي عادة ما تتكون من (الزوج - الزوجة - الأولاد القصر). أما النوع الآخر من أنواع الأسرة، الأسرة الممتدة أو الواسعة و التي تتسع فيها الأسرة (بالإضافة) إلى الزوج. والد الزوج ووالدته، والأولاد المتزوجين، والأعمام والأخوال... الخ.
وفي أغلب المجتمعات ليس ثمة حواجز بين أنواع الأسرة، لكن لابد أن تمارس الأسرة مسؤولياتها الطبيعية من (التغذية، و التربية، والرعاية، والتنشئة و الضبط الاجتماعي). يستثنى من ذلك ما قامت به بعض المجتمعات التي حاولت تطبيق تصورات خيالية مثل (الكميونات الصينية Chinese commune، و الكيبوتز الإسرائيلي Israeli kibbutz، والكلوخوز الروسي ryssiun kolkhoz) والتي قضت بنقل وظائف الأسرة التقليدية إلى جماعات متخصصة إلا أن المجتمع سرعان ما ابتعد عنها تدريجياً.
و كمثال على ذلك ما تعرضت له الأسرة الروسية بنمطها الممتد لمحنة فريدة في نوعها في تاريخ الثقافة البشرية الحديثة نتيجة للتقليدات (للتقاليد) التي حدثت خلال التجارب الثورية وخاصة عندما شرع في إعادة تنظيمها لتتوافق مع المجتمع الذي يتغير بناؤه ووظائفه بسرعة، ولكن نظراً لمقاومة الفلاحين وخاصة في مجال حرمانهم من الوظائف الرئيسية للأسرة، فقد توقفت الحكومة عن السير في هذا الطريق إلى نهاية الطريق(7).
ملاحظات:
نورد هنا بعض الملاحظات، ودعنا نطلق عليها مساعدات، أو معينات لفهم مغازي هذا البحث:
الملاحظة الأولى: هي أنه لا يمكن فهم توافق الأفراد والأسر على سلاح ردع الأزمات بعيداً عن وسطهم الاجتماعي. والمقصود بذلك أن المجتمع المحلي، بما ينطوي عليه من مضمونات مجتمعية فاعلة في زيادة الضغط على الأسرة، وتفاقم أزماتها؛ ربما أوجد في بعض الأحيان هذه المشكلة من العدم.
الملاحظة الثانية: إن المجتمع المحلي يمكن أن يسهم في الإرشادات أو المعونات المادية والمعنوية التي يمكن أن تؤدي إلى خفض حدة هذه الأزمات، وربما انمحاء تأثيراتها بالكامل.
الملاحظة الثالثة: إذا تعرضت الأسرة إلى نوع معين من الأزمات فهي تبحث في الغالب عن مناهج جديدة للتعامل مع هذه الأزمة، وربما أدى ذلك البحث إلى إيجاد طريقة جديدة ومجدية في التعامل مع الأزمات لم تخطر على بال الباحثين، ولم تتصور الأسرة صورة الحل مسبقًا.
الملاحظة الرابعة: يحدث في كثير من الأحداث أن تؤدي الأزمات إلى عكس التشاؤم المحيط بهذه الأزمة، فلا يمكن أن نقول إن الأزمات ضارة وسيئة ما لم ننظر إلى نهاياتها، فقد تؤدي أزمة خانقة إلى زيادة في تماسك أعضاء الأسرة، وتفاعلها مع بعضها البعض، بشكل لم يتوقع من قبل >إن مع العسر يسرا<، و>رب ضارة نافعة<.
الملاحظة الخامسة: هذه المشكلات وأوجه الحلول يمكن أن يطبق على أي جماعة من الجماعات مع تغيرات طفيفة تتعلق بشكل الجماعة ودورها، لأن الأسرة في عنوانها العريض ما هي إلا جماعة اجتماعية أولية وأساسية في المجتمع، إلى جانبها العديد من الجماعات الأولية والثانوية، التي تسهم بدور مهم في النسق الاجتماعي، وبالتالي ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها والعكس صحيح.
الأسرة.. والحضارة الحديثة:
 إن العلاقات المتبادلة بين بناء الأسرة والحضرية والتحديث كانت مثار نقاش نظري في كتابات علم الاجتماع الأسري، فقد ذهب وليام جود William Goode في كتاب الثورة العالمية وأنماط الأسرة إن دول العالم التي أصبحت صناعية ومتحضرة تتحول أنساقها الأسرية في اتجاه نسق الأسرة الزوجية، وهو يرى أن السبب في ذلك هو ملائمة شكل الأسرة الزوجية للمجتمع الصناعي الحديث(8).
وبالرغم من أن وجهة نظر جود لا تخلو من صحة خصوصاً وأن الأسرة الزوجية أو (النووية) والتي لاتزيد عن الأولاد القصر برفقة والديهم، خصوصاً إذا ما عرفنا أن متطلبات الصناعة هو الانتقال من بلد إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى وهذه لايمكن تصورها مع الأولاد المتزوجين و زوجاتهم.
إلا أن الإمام الشيرازي لايرى ذلك من متطلبات الصناعية، بل أنه من متطلبات المادية حيث يقول (أن ذلك ليس من لوازم الصناعة بل من لوازم المادية(9).
ولا يرفض الإمام الشيرازي العائلة الممتدة فحسب مهما كبرت وشملت بالإضافة للأبوين والأولاد والأصهار وزوجات الأولاد، وأجدادهم وأعمامهم وأخوالهم بل انه يتحفظ عليها، لأن ذلك قد يؤدي إلى منافسات ومنازعات، بل بعض المفاسد الخلقية.وهنا يتعرض الإمام الشيرازي إلى بعض الفساد التي قد تطال الحياة الأسرية في الأسرة الممتدة (الكبيرة).
فيحذر من تسرب فساد الأخلاق بين الزوج وأخت الزوجة وبين الزوجة وأخ الزوج، وكيف كان (ومهما يكن)فالعائلة عش لا للجهات الجسدية للأولاد، بل للجهات النفسية أيضاً، فإنهم يتعلمون من الأبوين، ويتربون بأخلاقهما وسلوكهم، لذا كان(من) اللازم عليهما تحسين السلوك حتى لا يخرج الأولاد منحرفين، كما إن (من)اللازم عليهما مدارات الأولاد، حتى لا يصبحوا معقدين(10).
وهنا يشير الإمام الشيرازي إلى مسألة مهمة في علم الاجتماع وعلم النفس التربوي وهو ما يطلق علية (التعلم بالقدوة) كأسلوب من أساليب التنشئة الاجتماعية، والتي يفضلها بعض الآباء، كأمر عملي ومؤثر أكثر من الاعتماد على النصح والإرشاد والمحاضرات البينية، والتي هي أقل تأثيراً من سابقتها خصوصا إذا ماخالف قول الأب عمله فالطفل (عادة) يتخذ من والديه أسوة حسنة فيحسن إذا أحسنوا ويسيء إذا أساءوا؛ لذلك يرفض الشيرازي فكرة طرد الأولاد بعد رشدهم باعتبار إن مثل هذه الأسرة هي أقرب إلى المادية،أما الأسرة التي تستبقي الأولاد، حتى بعد رشدهم واستقلالهم في أمور معاشهم فهي أقرب إلى الإنسانية (حيث أن الحب والعلاقة فوق المادة بل اللازم ـ كما جعله الإسلام إنفاق العائلة على الأولاد، إن كانوا فقراء وبالعكس كذلك...)(11).
إن الحضرية كمصطلح أكبر من التحضر، والمدنية، إنما كطريقة حياة والتي نظر لها العالم لويبس فيرث في العام 1938م، والتي وضع فيها زبدة أفكاره عندما تصور (الحجم، الكثافة، واللاتجانس) كمتغيرات أساسية أو مستقلة، أو خصائص مميزة للمجتمع الحضري وما يتبعها من تغيرات تطرأ على الجماعات الأساسية أو الأولية في المجتمع، والأسرة أحد أهم هذه الجماعات ومنها فقدان الأسرة لأدوارها ووظائفها الرئيسية(12).
وهنا نورد ملاحظتين على هذه النظرية، ومدى تعميمها على العالم، والإسلامي على الأخص،(الأولى) أن بعض القرى والأرياف والتي تحولت حياتها حسب النظريات الاجتماعية إلى حواضر، لايمكن أن نعطيها صفة الحضرية كمدن كبيرة مشابهة للمدن الأوروبية أو الحواضر الإسلامية، لكن يمكن أن نطلق عليها امتداد ريفي حضري، أو امتداد حضري ريفي أو ما أمسى يسمى في الأدبيات السيسيولوجية (تريف المدن) أو (تمدين الريف).
(الثانية) هذه النظرية وإن كانت أخذت نصيبها من الشهرة والمكانة، إلا أن ذلك، لم يمنع من خروج علماء آخرين، سددوا هذه النظرية بالخصوص في انعكاسها على التنظيم الأسري. فقد انتهت بعض الدراسات التي تزعمها العالمان(ويلمان،وجود)إلى نتائج عكسية لما توصل إليه لويس فيرث ملخصها؛ إن الفروق الريفية الحضرية في مجال الروابط الأسرية والعلاقة الوثيقة بالجماعات القرابية ليست بذات مغزى... فعلى الرغم من وجود بدائل للأسرة والجماعات القرابية لساكني المدن، إلا أنهم غالبا مايعودون إلى جماعاتهم القرابية عند الحاجة إلى المساعدة؛ وان وجود فرص لسكان المدن لإشباع حاجاتهم خارج حدود أسرهم وجماعات القرابة لايجبر هؤلاء الأفراد على ضرورة الانفصال أو البعد عن جماعاتهم الأسرية أيا كان شكل هذه الجماعات(13) والخلاصة لايبدو أن نظرية لويس فيرث للحضرية كطريقة متلائمة ومنطبقة على المدن الغربية فضلا عن صحتها على مدن وحواضر العالم الإسلامي.
* بعض مشكلات (أزمات) الأسرة الحديثة... وجهة نظر علماء الاجتماع
لأن الموضوع الأسرى موضوع شائك باختلاف الزمان والمكان والمحيط الاجتماعي واختلاف البعد المعنوي للأسرة الأمر الذي قد يؤدي إلى استجابات مختلفة تجاه أحداث متشابهة من قبل أسر لها نفس الكفاءة والمقدرة.
لذا لا يستطيع علماء الاجتماع إيجاد حلولاً سحرية لكافة المشكلات لكن ذلك يعتمد على مجموعة من الأمور، يمكن من خلالها توقع حدوث الأزمات بصورتها النسبية لاعتبارات الاختلاف بين البشر من حيث القدرات المختلفة على التكيف والمواجهة لهذه الضغوط، ولكن يمكن توضيح ذلك باستخدام الصفة التالية:
إن أي (حادث) يحصل لأي أسرة وليكن رمزه (م) عندما يتفاعل مع (ب) التي تعني (وسائل مواجهة الأسرة للأزمة) بدوره يتفاعل مع (ج) التي تعني (التعريف الذي تضعه الأسرة للحادث) ينتج عنه (د) (نوع من أنواع الأزمات) وتصور للحل.
فالنتائج تختلف تبعاً لمصدرها، فقد يكون فقدان العائل في أسرة معوقاً لحياة أعضاء الأسرة وسير حياتها بشكل سليم، وقد يكون نفس الحادث سبباً لزيادة التماسك في أسرة أخرى، ولطريقة التعامل معها.
والأمثلة كثيرة، ولا يمكن أن نحسم الأمور بالسلب أو الإيجاب إلا كتوقعات ليس إلا، ونظرا إلى تعدد العوامل الداخلة في التأثير في الأمور الأسرية، ونظرا لحياة الإنسان الدائمة التغير (سواء) ناحية السلب أو الإيجاب قد تخرج النتائج على عكس التوقعات، إلا إن المختصون في العلوم الاجتماعية، يصلون في إحدى نتائجهم بأن الأمور السلبية هي الأكثر جاذبية، وهي الأكثر والأقرب للأحداث وللتوقع دون نفي النتائج الإيجابية الأخرى.
وقد قام العالم هيل hill بتصنيف أزمات الأسرة إلى ثلاث فئات هي(14):
1- التمزق أو فقدان بعض الأعضاء.
2- التكاثر أو الإضافة.
3- والانهيار الخلقي.
ويحتاج كل واحد من هذه الفئات الثلاثة إلى تفسير. ومن أجل تقريب الصورة إلى القارئ الكريم نضع الجدول التالي:
ولكن بالعودة إلى النقاط السابقة التي أوضحناها وهي ارتباط الحادث (أ) وما هي العوامل الأخرى التي تمكن الأسرة من التغلب على الأزمة، والى أي مدى يمكن الأسرة تعريف الحدث كالأزمة (العامل ج) ويمكن أن يدخل ضمن إمكانات مقابلة الأزمة (للعامل ب) على عوامل عديدة منها تماسك الأسرة، والتأمين والأصدقاء والعقائد الدينية ودرجة التعليم والصحة وغيرها.. علما أن الأزمات عادة ما تصيب الأسر التي لا يوجد لديها إمكانات ملائمة لمواجهة الأزمات.
* التوافق مع المشكلة (الأزمة):
إن التوافق مع الأزمة يعتمد أساسا إلى أداء أعضاء الأسرة لأدوارهم، وكذلك يعتمد على استجابة المجتمع المحيط.. الأمر الصحيح كما يقول هيل hill إن هناك عدة عوامل مؤدية إلى التوافق مع الأزمة منها: مدى العلاقات العاطفية بين أعضاء الأسرة، التوافق الزواجي القوي بين الزوجين، علاقات الصداقة بين الآباء و الأبناء، مشاركة مجلس الأسرة في اتخاذ القرارات، والمشاركة الاجتماعية للزوجة إضافة إلى التجارب السابقة الناجحة مع الأزمات من قبل الأسرة(15).
ولتوضيح ذلك يمكن أن نضع الجدول التالي إلى القارئ الكريم(16):
وإذا عرفنا أن التكيف المقصود يشير إلى قابلية الجماعة الأسرية، وكذلك قابلية كل عضو على تغيير استجابته للآخر والعالم من حولهم حسبما يقتضيه الموقف. أما الاحتواء فانه يعني: الاندماج،أو المشاركة في الحياة الأسرية عن طريق أعضاء الجماعة.التكامل ويغني الدور التساندي أو الدور العاطفي الاجتماعي للأفراد في الجماعة، فإن ذلك يعني أن قابلية الحل لمشكلات الأسر لايمكن أن تكون بعيدة عن محيطهم الاجتماعي والبيئي، فماذا يرى الإمام الشيرازي في هذا الصدد ؟!
مشكلات الأسرة المعاصرة..
وجهة نظر الإمام الشيرازي
وهنا أقدم مشكلات الأسرة المعاصرة من وجهة الإمام الشيرازي (ره) بتصرف بسيط لايخّل بالمعنى لكنه يساعد على الاختصار والتركيز على الموضوع، وذلك نقلا عن كتابه (ره) في كتابه (الفقه الاجتماع).
إن عدم تمكن القائمين على الشؤون الأسرية والتربوية من وضع برامج صحيحة محورها الإنسان للعائلة ابتلت الأسر الحديثة بمجموعة أمور هي:
1- صغر حجم العائلة، أدى ذلك إلى فقدان الكثير من الأسر الشعور بالدفء والسعة وحنان الأقارب.
2- عدم وجود الثقافة الاجتماعية الكفيلة بزيادة التماسك الأسري، أدى إلى زيادة التفكك على صعيد الأسر اجتماعياً
3- زيادة المتطلبات المادية التي تثقل كاهل الأسر يؤدي في بعض الأحيان إلى خروج البنات إلى العمل من أجل تسديد الفواتير أو إيجار البيت.
4- تساهل الأبوين مع الأولاد يؤدي إلى عدم التمكن من ضبطهما وتربيتهما تربية صالحة.
5- ونظراً لتوفر العمل للمرأة وعدم حاجتها المادية للرجل أدى إلى تسيبها وانشغالها بالعمل أكثر من البيت، وقلل ذلك من اهتمام الرجل بها مما جعل الجو الأسري باهتاً وخالياً من العطف والدفء
6- (الأمر الأهم) هو تحول أدوار الأسرة الرئيسية إلى مؤسسات أخرى في المجتمع مثل (مؤسسات الرضاعة - أو الحضانة) وكذلك المدارس التي تكمل الدور التربوي قي مرحلة الطفولة والبلوغ والرشد، كل ذلك بسبب انشغال الأبوين.
هذه الأمور وغيرها أدت إلى تزايد الاهتمام بالمحور المادي والثقافة التفتيتية، والتي منها الثقافة الماركسية التي لاتعطي للأسرة أي احترام، إضافة إلى الاختلاف الكبير بين الأسر في الموضوع الأسري، أدى بالنتيجة إلى تفاقم هذه المشكلات وتأثيرها على نسبة الطلاق في المجتمع المسلم(18).
اقتراحات الحلول..
وجهة نظر الإمام الشيرازي 
يرى الأمام الشيرازي أن تصورات الحلول يمكن أن تكون كالتالي:
1- قوية الثقافة الاجتماعية الصحيحة حتى تستوعب وتعوض ما فقد من حنان وثقافة في العائلة الحقيقية.
2- تكوين الأحزاب والنقابات الصحيحة لتجميع الشباب وتفريغ طاقاتهم.
3- تكوين وزارة الشباب للعمل الدائب وانتشالهم من المزالق والمهاوي.
4- تكوين المؤسسات الشبابية لجمعهم وهدايتهم إلى الصراط السوي وإعطائهم حاجاتهم (والحاجات تعني بالضرورة كل الحاجات النفسية والعقلية والجسمية والاجتماعية)(19).
هوامش ومصادر الدراسة:
1- راجع ميتشل،ب.دنيكن - معجم علم الاجتماع (ت د. إحسان الحسن) الطبعة الثانية - دار الطليعة 1986بيروت. راجع غيث، د. عاطف - قاموس علم الاجتماع - دار المعرفة الجامعية -1995- الإسكندرية.
2- سيكون هذا التناول تخصصياً في مجال (علم الاجتماع الأسري)ومن ثم أعرج على وجهة نظر السيد الشيرازي في هذا الصدد راجياً أن تكون هذه الطريقة مفيدة للقارئ الكريم.
3- طوطم: يمكن أن نقول أنه رمز أو وثن على صورة حيوان أو نبات أو أي شيء آخر من الطبيعة اتخذته العشائر لتميز بين بعضها البعض ولتشير إلى الخصائص الخاصة بها، فلقد أثارت الطوطمية مشكلة أساسية في كثير من الكتابات الإنثربولوجية في العشرينات من هذا القرن، غير أن العالم راد كليف براون في مقالة له بعنوان (النظرية السوسيولوجية للطوطمية) نشرها في كتابه المشهور (البناء والوظيفة في المجتمع البدائي) عام 1951، استطاع أن يحول الاهتمام من: (ماهي الطوطمية) إلى (مغزى وأهمية هذا الارتباط العقلي بين الكائنات الطبيعية وبين الجماعات الإنسانية، بالنسبة لبناء المجتمع.
4- الخولي، د. سناء - الأسرة والحياة العائلية (صفحة53) دار المعرفة الجامعية - 1994 الإسكندرية.
5- الشيرازي، الأمام السيد محمد الحسيني- الفقه (الاجتماع) - ج الثاني (ص 30) ط6 دار العلوم -1987 بيروت.
6- الخولي مصدر سابق ص 53.
7- الخولي مصدر سابق ص 56.
8- الخولي، د. سناء (مصدر سابق) ص 66.
9- الشيرازي (مصدر سابق) (ص 32 - 35).
10- الشيرازي (مصدر سابق) (ص 32 - 35).
11- الشيرازي (مصدر سابق) (ص 36 - 38).
12- عبد العاطي، د السيد (علم الاجتماع الحضري مدخل نظري) ج1،ص 99- 102، دار المعرفة الجامعية - 1990 الإسكندرية.
13- المصدر ص 318 - 319.
14- دور الكاتب هو تبسيط المفاهيم وتصنيفها وإعادة توزيعها في الجدول المدرج راجع الخولي، د. سناء(مصدر سابق) ص 251 - 254.
15- الخولي، د. سناء (مصدر سابق) ص 254.
16- دور الكاتب هو تبسيط المفاهيم وتصنيفها وإعادة توزيعها في الجدول المدرج راجع الخولي، د. سناء (مصدر سابق) ص 253 - 257.
17- الخولي، د. سناء (مصدر سابق) ص 256.
18- الشيرازي (مصدر سابق) (ص 36 - 38).
19- الشيرازي (مصدر سابق) (38 ص 38 -40)

 

عضو هيئة التحرير
352859