التعليم في القطيف
توثيق الجهد الأهلي المبكر
جعفر محمد العيد * - 6 / 2 / 2011م - 2:42 م - العدد (53)

قصة بداية التعليم في المملكة العربية السعودية، يكتنفها التداخل والروايات المتعددة كأي قصة من قصص السياسة والاجتماع في هذه البلاد، ويرجع ذلك إلى اختلاف كل كاتب في نظرته إلى نقطة البداية الحقيقية للتعليم، فمنهم من اعتبر التعليم النظامي في ظل الحكومة السعودية هو البداية الحقيقية للتعليم، ومنهم من يرى البداية حدثت قبل ذلك.

لذلك أود - في هذا المقال - أن ألقي الضوء على الجهود الأهلية التي رافقت بداية التعليم النظامي في المنطقة الشرقية بشكل عام، وفي منطقة القطيف بشكل خاص، مع الاعتراف، ضمناً، بالجميل والسبق للباحثين الذين سبق أن تناولوا هذا الموضوع، وكتبوا عن هذا الجانب، وأخص بالذكر منهم الأساتذة: محمد سعيد المسلم في كتابه (واحة على ضفاف الخليج - القطيف) والدكتور صالح الدوسري مدير عام التعليم بالمنطقة الشرقية سابقا، (التعليم في المنطقة الشرقية: وقفة تاريخية)، والدكتور عبد الله ناصر السبيعي، (الحياة التعليمية في المنطقة الشرقية)، والسيد عدنان العوامي، (التعليم في القطيف – ماضيه القريب وبدايات التحديث)، مجلة الواحة، العدد 44)، والدكتور عبد الرحمن عبد الله الأحمري في كتابه: (دور أرامكو في تنمية المنطقة الشرقية)، رسالة مقدمة لنيل الدكتوراه، كلية الآداب، جامعة الملك سعود، الرياض: 1427 هـ، 2006م، ومحمد سعيد الخنيزي في كتابه (خيوط من الشمس)، وسأعرض لوجه العلاقة والافتراق بين ما تناولوه وما أتناوله في هذه الكتابة.

بين الحجاز والمنطقة الشرقـية

لما عرف عن الحجاز من انفتاح كبير على العالم الخارجي، والحرية المذهبية المتاحة فيه، إضافة إلى وجود الحرمين الشريفين، وقربها من مصر، ذات الثقل الثقافي والعلمي، في ذلك الوقت لم ينافس الحجاز في هذه المكانة المرموقة إلا ما عرف قديماً بالبحرين (الأحساء والقطيف والبحرين)، لوجود منابع علمية كبيرة للمعرفة، سواء على مستوى الجهود الأهلية، أو على صعيد الحكومات التي تتسلم زمام الحكم هناك، الأمر الذي قل نظيره في مناطق أخرى في الرقعة التي تقوم عليها المملكة العربية السعودية في العصر الحاضر[1] .

ولا يجانب الصواب من يقول إن هجر (المصطلح يشمل الأحساء الحالية والقطيف) هي من أنشط أقاليم الجزيرة العربية علماً وثقافة دينية، وأدبية، تأتي بعد الحجاز في هذا الجانب[2] .ولقد وصل عدد الكتاتيب في الأحساء خصوصا والمنطقة الشرقية عموما لأكثر من (100) كتاب في مرحلة من المراحل[3] ، أما الشيخ محمد الحرز فيرى أن هناك أكثر من 400 كتاب في ذلك الوقت[4] .

جهود أهلية مبكرة للتعليم في القطيف

كثيرون هم الذين تحدثوا عن التعليم في المنطقة الشرقية، لكن الذين تحدثوا عن بدايات التعليم النظامي في القطيف وملابساته محدودون - حسب ما اطلعت عليه - منهم محمد عثمان الملا، عبد الله الحامد، عبد الرحمن عبد الله الأحمري، محمد سعيد المسلم، د. عبد الله ناصر السبيعي، عدنان العوامي، السيد علي السيد باقر العوامي، محمد عبد الرزاق القشعمي، ومحمد سعيد الخنيزي.

وإذا كانت ظروف بداية التعليم في الحجاز تبدأ من مدارس الفلاح في جدة (1905م)، والفلاح في مكة (1912م)، فإن الوضع مختلف - نوعاً مَّا - في المنطقة الشرقية، فقد بقي التعليم، هنا، على حاله القديم، ممثلا في الكتاتيب إلى أن أتى العام 1922م، 1340هـ، حيث بادر الشيخ حمد النعيم فافتتح مدرسة النجاح في الهفوف بالأحساء، بتشجيع من أسرة القصيبي، وذلك قبل أن يبدأ التعليم الحكومي بحوالي ثمان سنين، إذ إن التعليم الحكومي لم يبدأ خطوته الأولى بصورة فعلية إلا سنة 1350هـ، 1931م، وتشير المصادر إلى أن (جلالة الملك عبد العزيز صدرت بفتح سبع مدارس في مقاطعة الأحساء (الهفوف)، والقطيف، والجبيل (وغيرها......) في العام 1355 هـ، 1936م2.

كما أن تلك المصادر تشير، أيضًا، إلى أن لبداية التعليم الحديث في الأحساء قصة لا ينبغي تجاهلها، فلقد شلت مقاطعة أهالي الأحساء عمل المدرسة الأولى بسبب الموقف الديني من التعليم الحديث، وعدم تقدير مدير المدرسة الأولى خصوصية الأحساء الاجتماعية، فقد حدث أن تحدث - في خطبة من الخطب - عن العلم، واتهم أهل الأحساء بالجهل، فقرر العلماء، ومِن خلفهم الجمهور، مقاطعة هذه المدرسة، ويبدو أن هدف التعليم في ذلك الوقت جدُّ متواضع، فهو يحمل أهدافًا دينية أكثر منها تعليمية، فالمدارس - في ذلك الوقت – كانت أشبه بكتاتيب ضمن بنايات، وليس أدل على ذلك من رسالة محمد علي النحاس مدير أول مدرسة في الأحساء عام 1356هـ جاء فيها: (حضرات العلماء، إن مدارس البحرين وغيرها من البلاد المجاورة ما هي إلا مدارس إنجليزية بحتة، يسيطر عليها جورج الخامس[5] .

وفي القطيف، كذلك تعرضت، أول مدرسة للإغلاق لكن لظروف وأسباب سنرى أنها مختلفة عن ظروف إغلاق المدرسة الأولى في الهفوف؛ إذ لا يبدو أن لأهل القطيف موقفًا مضادًا للتعليم، ولم يلحظ لديهم شيء من أثر ذلك التوجس، بل الملاحظ أن ذوي اليسار منهم كانوا يقومون ببعث أبنائهم للبحرين لأجل التعليم الحديث، أو النجف للتعليم الديني.

أول مدرسة في القطيف

(يمكن اعتبار التعليم الحديث في القطيف بدأ بمبادرة لفيف من أهالي القطيف بمطالبة الحكومة بافتتاح مدارس حسب المنهاج الحديث، ولما لم يُستجب لمطلبهم بادر البعض منهم بإرسال أبنائهم إلى البحرين؛ لأنها أقرب بلد للقطيف توجد بها مدارس عصرية، فنال عدد من هؤلاء حظهم من الدراسة الحديثة، وحين عادوا إلى وطنهم شرع بعضهم بافتتاح (كتاتيب) على غرار الكتاتيب الموجودة، لكنها تختلف عنها بأن منهاجها حديث، ولذا أصبح في البلد من يحسن التدريس حسب المناهج الحديثة، بما في ذلك اللغة الإنجليزية، بفضل تلك المدارس المنزلية في ذلك الوقت المبكر) هذا ما يراه السيد عدنان العوامي[6] .

أما محمد سعيد الخنيزي فيستفاد من كلامه أن الدولة فتحت مدرسة في القطيف في العام 55/1356هـ، وكان مديرها(آنذاك) السيد رضوان من المنطقة الغربية، كما رآه آخرون كذلك؛ لكن السيد عدنان العوامي يقول إن السيد رضوان هو من منطقة الزبير [7]  وكان مقر المدرسة بيتا تحت يد الدولة يسمى (بيت عبد الرزاق الكردي)، واستمرت قرابة ثلاثة أعوام، بعدها انفصل عنها السيد رضوان، وراشد الغانم، وتولى إدارتها علي أحمد عبد الوهاب الغانم، ونقل مقرها إلى بيت استأجرته الدولة بالقلعة من مالكه: عبد الحميد سعود ابو السعود[8]  بينما يرى العوامي أن هذه المدرسة: (لم تعمر طويلاً وتوقفت بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1358هـ، 1939م، فبسبب هذه الحرب تعرضت الحكومة السعودية لأزمة مالية اضطرتها للتوقف عن دفع رواتب المدرسين، وعن تمويل المدرسة، فأغلقتها، لكن أحد المدرسين بها، واسمه علي بن أحمد الغانم، بادر بنقل التلاميذ إلى بيته، وجعل منهم نواةً لكتّاب افتتحه في بيته، واستمر يعلم فيه حتى وفاته في أوائل الستينات للهجرة[9] ، الأربعينات للميلاد)[10] .

بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، واستردت الحكومة عافيتها، وبدأت دورة الحياة فيها إلى ما كانت عليه، بادر أهالي القطيف سنة 1366هـ، فرفعوا خطابًا للملك عبد العزيز يطلبون فيه افتتاح مدرسة لأبنائهم، يفهم ذلك من البرقية الموجهة من الملك إلى أهالي القطيف بتاريخ 4 صفر 1366هـ، ونصها:

(المملكة العربية السعودية، عدد 20/5/

من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى كافة أهل القطيف، سلمهم الله.

السلام عليكم، وبعد، فقد وصل إلينا كتابكم المؤرخ في 27 صفر 1366، وأُحِطنا علمًا بما ذكرتم عن رغبتكم في بناء مدرسة لتعليم أولادكم، والحقيقة أننا كنا غافلين عن ذلك وإلا نرى أنه من الواجب إنشاء مدرسة عندكم، وقد عزمنا – إنشاء الله (إن شاء الله؟) على إنشائها في أول هذا الصيف، ليكون معلومًا والسلام.

حرر في 4 ربيع الأول 1366هـ. ختم[11] ).

فإذا كان وعد الملك هذا قد نفذ في حينه؛ فهو يعني أن صيف العام 1366هـ، قد شهد افتتاح المدرسة للمرة الثانية بالقطيف، وهذه يمكن اعتبارها أول مدرسة ابتدائية للبنين بالقطيف في مسيرة التعليم الحالية المتصلة في المملكة العربية السعودية، وكان مقرها، أول الأمر (حسب ما يذكره عدنان العوامي) في عمارة (النَّهاش) بسوق (الجبلة) قبل أن تنقل إلى أول مبنى حكومي على ساحل البحر إلى الشمال الشرقي من القلعة، في الموقع الذي يشغله معهد الأمل حاليًّا، وفي ذات الوقت قام بعض الشباب (بافتتاح مدرسة ليلية، وتكوين لجنة (تشجيع الطلاب)[12] .

أولاً - لجنة تشجيع الطلاب

يبدو أن الناس كانوا عازفين عن التعليم؛ مشغولين بتدبير لقمة العيش، ولم تكن الحالة المالية مشجعة على تحمل تبعات التعليم والنفقات الإضافية للدراسة كشراء الدفاتر والأقلام، والحقائب إلخ. الأمر الذي أدى إلى إحجام الناس عن المدرسة، وقد فكر بعض المتنورين من الشباب في حل لهذا الإحجام، فقاموا بتكوين لجنة أسموها (لجنة تشجيع الطلاب)، يقول السيد علي العوامي عن هذا الموضوع: (في عام 1367 هـ، 1948م، فتحت الدولة أوَّل مدرسة ابتدائية القطيف للبنين، وكان الإقبال عليها ضعيفاً، وكان عدد كبير ممن التحق بها قد تجاوز سنَّ التعليم الابتدائي; ورأى الشباب أن يقوموا بخطوة تدفع بالأطفال ? ولاسيما أبناء الفقراء ? إلى الإقبال على الالتحاق بالمدرسة فكونوا لجنة أسموها (لجنة تشجيع الطلاب)، وغرَضُها واضح من اسمها، وهو تشجيع الأطفال الصغار على الالتحاق بالمدرسة، والاستمرار في الدراسة.

وقد قامت اللجنة بجمع التبرعات، كما صار أعضاؤها يدفعون اشتراكات شهرية، وقامت بتزويد الطلاب بما يحتاجون اليه من دفاتر، وأوراق، وأقلام، وكتب، كما أنها زودت الطلاب الفقراء بملابس جديدة، وكانت تقوم بذلك في أول العام الدراسي، وفي الأعياد.

ولقد نجحت الفكرة، وزاد عدد التلاميذ ازدياداً ملحوظا، واشتد الإقبال على المدرسة، وصارت اللجنة تتعاون مع إدارة المدرسة في بحث مشاكل المدرسة، وحاجاتها، بعد أن حصلت على تصريح، بذلك، من إدارة التعليم بالدمام.

وكان لتشجيع مدير التعليم بالمنطقة، آنذاك، الشيخ عبد العزيز التركي أثره الفعال في إنجاح اللجنة; إذ أصدر أوامره لإدارة المدرسة بوجوب التعاون مع اللجنة، وانتداب اثنين من أعضاء هيئة التدريس لحضور جلسات اللجنة، عندما تكون جلسات اللجنة مخصصة لبحث مواضيع تتعلق بالمدرسة والطلاب، وأصبحت اللجنة، وكأنها مجلس إدارة للمدرسة)[13] .

ويذكر المرحوم محمد سعيد المسلم حديثا عن التعليم الحديث في القطيف يتضمن قصة (لجنة تشجيع الطلاب) وخلاصته التالي: (في العام 1372هـ أُسنِدت إدارة المدرسة إلى الأستاذ عبد الله المبارك... وكان الأستاذ المبارك شعلة نشاط، فقد بذل جهدًا مشكورًا في تطوير المدرسة ورفع مستواها، واستطاع استقطاب خيرة شباب القطيف الواعي لمؤازرته، وطلب منهم تكوين جمعية خيرية لمساعدة الطلاب.فتألفت ( جمعية تشجيع الطلاب، وكان من بين أعضائها كاتب هذه السطور)[14] .

من الواضح أن الأستاذ محمد سعيد المسلم ليس دقيقًا في ترتيب تاريخ الحدث؛ مقارنة بالمصادر الأخرى فتلك تشير إلى أن لجنة تشجيع الطلاب تأسست عام 1367هـ وهو تاريخ يتقدم على التاريخ الذي ذكره المسلم بخمس سنوات، وهو فارق كبير، وفي تقديري أن المصادر التي ربطت بين افتتاح المدرسة وتأسيس (لجنة تشجيع الطلاب) هي الأقرب إلى الدقة، ولاسيما أن المطالبة بفتح المدرسة جاءت من قبل الأهالي، فمن غير المتصور أن يسكتوا على تعثر المدرسة طيلة خمس سنوات، مما قد يؤدي إلى إغلاقها، وبالتالي فشلهم في تحقيق طموحهم ورغبتهم في تعليم أبنائهم[15] .

وعلى الرغم من أنني لست بصدد الحديث عن لجنة تشجيع الطلاب إلا من حيث المقارنة والتمييز بينها وبين المؤسسة الخيرية أولاً، ولأن هذه اللجنة وجد من كتب عنها؛ لكن المؤسسة الخيرية التي تأسست بشكل منافس وصل إلى حد الصراع.

 ثمة خطً دقيق كان يفصل بين المؤسسة واللجنة، وضحته بعض المصادر الكتابية والشفوية، لا نملك في هذه الحالة إلا مقابلة هذه المصادر مع بعضها للوصول إلى ما يدنينا ويقربنا إلى الحقائق.

ثانياً - المؤسسة الخيرية

كما رأينا فإن المصادر التحريرية اقتصرت على ذكر (لجنة تشجيع الطلاب) وحدها ولم تشر من قريب ولا من بعيد إلى هذه المؤسسة (المؤسسة الخيرية) الرديفة والمنافسة لهذه اللجنة، ونحن لا نعلم إن كان هذا الإغفال ناجمًا عن الخلط بين الاثنتين بسبب التشابه في بعض الأهداف والأعمال والمهام أم لأسباب أخرى، الله أعلم، المهم أن المؤسسة الخيرية كاد ذكرها أن يطمس لولا تفضل الأستاذ المهندس أسامة محمد الزهيري بتقديم بعض من وثائق هذه المؤسسة من متروكات جده الأستاذ عبد الجليل بن الشيخ محمد الزهيري.

ولا أكتم القارئ الكريم أن هذه الوثائق سببت لي كثيرًا من الإرباك، إذ ظننتها - في بداية الأمر- خاصة بلجنة تشجيع الطلاب، لاسيما وأن بعض الأسماء الفاعلة في (لجنة تشجيع الطلاب) ومنهم محمد سعيد المسلم، وطالب الخميس، والسيد علي العوامي وهم من أبرز الأعضاء في (لجنة تشجيع الطلاب)، هؤلاء يرد ذكرهم - بصورة أو بأخرى - في وثائق الزهيري؛ ولجلاء هذا الغموض تباحثت مع الأخ السيد عدنان العوامي، وكان رأيه أن (لجنة تشجيع الطلاب) غير (المؤسسة الخيرية)، وأن المؤسسة الخيرية متأخرة، زمنيًّا، عن اللجنة، وإن كان بينهما التقاء في بعض الأهداف، لكنه ليس لديه تفاصيل أخرى، واقترح علي زيارة الأستاذ الأديب محمد سعيد الخنيزي لأنه معاصر لتأسيس المؤسسة، وربما مشارك فيها.

الأستاذ الخنيزي تفضل بجلاء ذلك الغموض الناتج من رسائل المؤسسة لبعض أعضاء لجنة تشجيع الطلاب تدعوهم للانضمام إليها، بأن مثل هذه الدعوات جاءت لتجنب الصراع وتوحيد الصفوف، لكن شاءت الأقدار أن تصير الأمور على ما وصلت إليه؛ إذ أغلقت المؤسستان في ذلك الوقت وصودرت ممتلكاتهم؛ وكذلك الأموال التي تحت أيديهم،وحسب تعبير الخنيزي: (إن كل جماعة ترتاح في العمل مع جماعتها)[16] ، 3صص3ثومن هذه الإشارة نفهم أن المؤسسة واللجنة دخلتا في تنافس أدى في النهاية إلى إغلاقهما معًا.

وثائق هذه الدراسة

سجل المؤسسة الخيرية، والمدرسة الليلية التي انبثقت من خلالها استفدناه من أوراق ووثائق المرحوم عبد الجليل الزهيري كاتب عدل القطيف، ورئيس المؤسسة التي نحن بصدد الحديث عن جهودها في القطيف[17] ، والمدرسة الأهلية الليلية، فيما بعد، ويبدو أن المرحوم الزهيري كان من الترتيب بمكان؛ إذ إنه يسجل كل الأحداث بصورة محكمة، ولا شك أن الخطابات التي أرسلت أو البرقيات هي نسخ أخرى، لكن الصورة عنها طبق الأصل حفظت في هذا السجل، وحسنا صنع؛ فقد حفظها للتاريخ والأجيال.

ويمكن تلخيص فحوى هذه الوثائق بأنها عبارة عن (مجموع الخطابات التي حررتها اللجنة لمراسلة المسؤولين الحكوميين والمتبرعين والأعضاء)، وكان لعبد الجليل الزهيري دور كبير في هذه اللجنة إلى درجة أني اعتقد بأن الزهيري يقف خلف هذه الفكرة، والأسباب في نظري كالتالي:

1 - احتفاظه بهذا السجل

2 – وجاهته، ومكانته لدى الدولة، في ذلك الوقت، فهو - بالإضافة إلى شغله في كتابة العدل - شغل عدة مناصب منها، رئيس رعاية الشباب بالإنابة.

3 - قدراته العلمية والفنية والإدارية.

4 - النفوذ الذي كان يتحلى به، وقدرته على التداخل مع المسؤولين الحكوميين.

5 - قدرته المالية، والتي يمكن أن يعول عليها في دعم المشروع في حالة تأسيسه؛ واحتياجه أو تعثره.

مؤسسو اللجنة الأهلية

(الوثيقة الأولى): عبارة عن خطاب دعوة للاجتماع الأول وهو مخطوط لعله بخط يد عبد الجليل، وقد كتب في أعلى الصفحة عدد: 1 بمعنى أن هذه الصفحة الأولى.

النص: (الأكرم سيد راشد الغانم (كأول اسم مدعو للاجتماع)، ويذكر بعده عدة أسماء بإضافة عبارتي (الأكرم)، أو (السيد) إلى هذه الأسماء، وهي: (عبد الرسول الجشي، حسن الجشي، محمد سعيد الجشي، أحمد السنان، حسين الشماسي، علي السيد باقر، طالب الخميس، ومحمد سعيد المسلم).

أسعدتم صباحا ومساءً.

نكون مسرورين، جدًّا، إذا تكرمتم بالمساهمة في مشروع المؤسسة الخيرية لوطنكم المحبوب، واعتقادنا في روحكم الطيبة تقدير وتنشيط مثل ذلك ولكم الاحترام، في 19/6/1369هـ.

التعليق

1 - تشير هذه الوثيقة إلى أن تاريخ التأسيس هو 19/6/1369هـ، وهذا التاريخ يحدد، بصورة موثقة بداية تأسيس هذه المؤسسة الخيرية، ويعد المبادرة الثانية من الأهالي لتكوين مؤسسات خيرية، بعد (لجنة تشجيع الطلاب)، ويمكن اعتبارها أول كشف موثق عن الجهود الأهلية المبكرة لدعم وتشجيع التعليم في منطقة القطيف.

ومن هنا فإني أرجح أن يكون صاحب الفكرة هو عبد الجليل الزهيري، ومجموعته، مع عدم استبعاد أن تكون هناك شخصيات مجهولة هي التي ساهمت في المبادرة لهذه الفكرة؛ لم تظهر وثائقها حتى الآن.

2 – واضح من أسماء الشخصيات التي وجهت إليهم الرسالة أن هدفها غير مقصور على الدعوة للمساهمة المادية وحسب، وإنما المساهمة الفكرية، وتداول الرأي في هذه المؤسسة، كون هذه الشخصيات قد عرفت بالثقافة والكتابة والأدب والمعرفة، والعمل في سبيل خدمة المجتمع، إذ إن منهم ملاكًا، وتجارّا، وكتابًا وشعراء، وموظفي دولة).

أعضاء الشرف في المؤسسة الخيرية

تكشف الوثيقة رقم 3 في الصفحة 3 من المجلد عن رسالة موجهة إلى مجموعة من الشخصيات انتخبتهم إدارة المؤسسة ليكونوا أعضاء الشرف لها، وهم كل من:

1 – الحاج عبد الله بن نصر الله

2 - الشيخ عبد الحميد الخطي

3 – الحاج حسن علي المرزوق

4 - الحاج أحمد بن سنبل

5 - الحاج عبد الله إخوان

وهذا هو نص الخطاب: (حضرة الأجل الأمجد محترم المقام (.............) الأفخم

بعد التحية والاحترام.

تغتبط لجنة المؤسسة الخيرية بكل سرور، متشرفة بانتخابكم عضو شرف لهذه المؤسسة الخيرية التي وجهتها: إسعاف الطلاب، وتشجيعهم ليكون ذلك إسعافا وتشجيعا لهم لتناول دروسهم بكل سهولة.

فعليه ترجو اللجنة من حضرتكم الموافقة على انتخابها لكم عضو شرف.

وأملها فيكم وطيد لأن تقابل هذه الفكرة تمجيدكم لها،كما أن أملها منكم أن تشجعوها بتبرعكم الأساسي، وتبرعكم الشهري، وإسعافها بما تجود يداكم السخية بالكتب، فتسجل لكم هذه اليد البيضاء في سجل تاريخكم الكريم ورجاؤنا أن توافونا بتكرمكم بالجواب، هذا والله يرعاكم 20/6/1369هـ.

التعليق

لو تساءلنا عن مبررات اختيار هذه الشخصيات، دون غيرها، أعضاء شرف في اللجنة سنجد من المبررات التالي:

1- زيادة الدعم المادي عن طريق الاشتراك الأساسي والشهري الذي ذكر في الخطاب السابق.

2 - زيادة الدعم المعنوي باستقطاب شخصيات لها ثقلها في المجتمع، وإذا ما أصبحت هذه الشخصيات موجودة في هذه اللجنة فإن ذلك سيمتِّن علاقة المجتمع بها، وفيها تقدير لهذه الشخصيات، ومكانتها الشخصية أو الاعتبارية.

3 - إضافة إلى هدف آخر - كما يبدو من نوعية الشخصيات - هو استجلاب بعض الكتب للمكتبة المزمع إنشاؤها من قبل هذه اللجنة، فنجد أن عبد الله بن نصر الله يشغل منصب عمدة القطيف، ومدير الأملاك الأميرية في ذلك الوقت (أملاك الدولة حاليًّا)، وهو أحد الأعيان المعروفين، وله علاقات طيبة مع الأمراء، خصوصاً الأمير سعود بن جلوي، أما الشيخ عبد الحميد الخطي فلكونه عالماً دينياً، وابن مرجع سابق، إضافة إلى مكانته الأدبية والثقافية، أما الحاج حسن علي المرزوق فهو من أعيان المنطقة، وعمدة محلة الشريعة، وولي على مجموعة من الأوقاف، وتأتي أهمية الحاج أحمد بن سنبل من كونه رئيس المجلس البلدي من العام 1362 – 1367هـ تقريباً، وهو من أعيان المنطقة، وكان يعتبر بمثابة عمدة بلدة الجش في السابق؛ أما عبد الله إخوان فهو من أعيان القطيف، ومهتم بالشأن العام، ومن المثقفين، والأغنياء، إضافة إلى وجود بعض المصادر الثقافية لديه كالمجلات والكتب وغيرها.

المؤسسة تتوسع

 يبدو أن المؤسسة الخيرية لم تكتف بما وصلت إليه من أعداد، فبدأت في المراسلات، أو أنها لاقت قبولا اجتماعيا ففضلت أن تراسل كل من استطاعت مراسلته لتزيد من رصيدها اجتماعيا، وتوسع من قدرتها المادية، وأيضا لم تنس استجلاب كتب لمكتبتها المنوي إنشاؤها؛ ففي الوثيقة رقم (4) في الصفحة الثالثة يرد خطاب وجهت نسخة منه إلى (30) شخصية تقريبًا جاء فيه ما نصه: (حضرة محترم المقام الفاضل (....) الأفخم

تحية واحترامًا.

بكل سرور تغتبط لجنة المؤسسة الخيرية التي وجهتها:

إسعاف الطلاب، وتشجيعهم ليكون ذلك إسعافاً وتشجيعا لهم لتناول دروسهم بكل سهولة، فعليه ترجو اللجنة - لأن أملها فيكم وطيد لتمجيدكم لهذه الفكرة - أن تشجعوها بتبرعكم الأساسي، وتبرعكم الشهري، وإسعافها بما تجود يداكم السخية بالكتب، فتسجل لكم هذه اليد البيضاء في سجل تاريخكم الكريم، ورجاؤنا أن توافونا بتكرمكم بالجواب، هذا والله يرعاكم 20/6/131369هـهـ، وجاءت الأسماء المرسل لهم الخطاب بالترتيب التالي:

1- الدكتور أمين نصار بك

2 - عبد الباقي طلحة

3- حسن الشيخ علي الخنيزي

4- علي بن حسن أبو السعود

5 - محمد الصالح الفارس

6- الحاج عباس الخنيزي

7- الشيخ محمد صالح البريكي

8- الشيخ ميرزا حسين البريكي

9- الحاج أحمد المصطفى

10-السيد محمد السيد باقر العوامي

11- الحاج محمد بن طه الحداد

12- عبد الله بن حسين بن نصر

13 - الحاج مكي بن عباس

14 - الحاج علي العمران

15- علي بن احمد السيهاتي

16- الحاج حسن بن نصر الله

17- الحاج إبراهيم البحارنة

18- عبد الله بن حسن القصيبي

19- أحمد بن حسين السنان

20- سلمان بن عبد الهادي

21- الحاج مبارك أبو السعود

22- حسين بن صالح

23- الحاج عبد الله المطوع

24- الحاج حسن البيات

25- الحاج علي الحمالي

26- علي بن سعود أبو السعود

27- الشيخ احمد أبو النصر

28 - الحاج علي المنصور

29- الحاج علي السنان

30- الحاج مهدي عبد الله الفرج

اللجنة تعين وكلاء لها خارج المنطقة

في الخطاب رقم (37) أرسلت اللجنة خطابا للأديب السيد عبد العظيم محمد أبو السعود هذا نصه:

 (يسر المؤسسة الخيرية أن تدعو حضرتكم للمساهمة في تشجيعها، ومن ثم ترجوكم تتفضلوا بأن تكونوا وكيلا لها في كل من رأس تنورة، ورحيمة، وبموافقتكم تكونوا أحد واضعي حجر الأساس في القطيف على بني الإنسان، ولكم الاحترام22/6/1369هـ.

في الواقع إن هذا الخطاب يشكل خطوة من الخطوات التي خطتها المؤسسة، وتلبي حاجة من حاجاتها، وهي وجود الممثل المخول لعمل الرعاية، ولاستقبال الهبات، أو التبرعات من تجمعات العمال العاملين في شركة أرامكو في حي رحيمة برأس تنورة، إلا أن الملاحظ أن صورة طبق الأصل أرسلت إلى السيد باقر الزاهر (من بلدة العوامية)، ولم توضح الوثيقة، ما إذا كان باقر مندوباً في مكان آخر، أو أنه بديلا للسيد عبد العظيم أم إن كلاهما مندوبان في المكانين المذكورين، كانت رأس تنورة تابعة للقطيف إداريًّا، وبها فرع لبلدية القطيف، وعندما سألنا الأستاذ محمد سعيد الخنيزي عن سبب اختيار عبد العظيم أبو السعود قال: لأنه يعتبر من المؤسسين، ولكونه كان يعمل برأس تنورة لدى المقاول محمد رضي الأسود، فقد رأت المؤسسة تنصيبه ممثلا لها لجلب الكثير من المساعدات من منطقتي رأس تنورة ورحيمة، أما الصورة المرسلة لباقر الزاهر فقد يكون الأصل معدلا بما يناسب تفويضه وكيلا عن اللجنة في العوامية).[18] 

ومن الملاحظ – هنا، وبالتحديد في الصفحة رقم (5) – أننا بدأنا نقرأ خانة الموقعين من الرئيس ونائبه والأعضاء إلا أن ذلك كان من دون تواقيع باستثناء خانة الأعضاء، وقع فيها محمد سعيد الخنيزي، وتوقيع باسم السكرتير، وكان مذيلا باسم عبد الله الخنيزي.

الرئيس .......

نائب الرئيس ............

أمين الصندوق...............

السكرتير: عبد الله الخنيزي[19] 

عضو.....

عضو محمد سعيد الخنيزي

المؤسسة تراسل الأمير عبد المحسن بن جلوي

في تاريخ 20/6/1369هـ حررت اللجنة خطابا للأمير سعود بن جلوي، لكنها عادت عن هذه الصيغة وأرسلت، خطابا آخر جاء فيه:

حضرة صاحب السمو الملكي سيدنا الأمير الجليل الشيخ سعود نجل المغفور له الشيخ عبد الله الجلوي المعظم. أيده الله.(... ) وما من مسلم، إلا ويرغب أن يرى ابنه متعلما لقوله : «طلب العلم فريضة، على كل مسلم ومسلمة»)... لهذا رأت بعض أفراد من أهل الخير والصلاح إيجاد مؤسسة خيرية هدفها اسعاف الفقير، وغايتها رفع المستوى الثقافي في البلاد، وتكون تحت إشراف المعارف، وتقوم بفتح مدرسة ليلية لمن لا يستطيع التعليم نهارا، وتجتهد في تكوين مكتبة تمكن التلميذ من المطالعة، فيما تهفو اليه نفسه، من كتب الأدب، التي ستجد المؤسسة الخيرية في ايجاد ما تستطيع ايجاده، وهي معتمدة في ذلك على الله أولاً، ثم على ما تجود به أيدي المحسنين.[20] 

أهداف المؤسسة الخيرية

نستطيع أن نشخص أهداف هذه اللجنة من خطاباتها، ففي أكثر من خطاب إلى المسؤولين في الدولة، أو حتى إلى وكلائها في المناطق الأخرى، كرحيمة، ورأس تنورة، توضح اللجنة أهدافها ويمكن تقسيمها إلى (أهداف عامة) وهي:

1- رفع هذا الشعب والسير به إلى الأمام حتى يساوي الشعوب الراقية في الحضارة والثقافة.

2- القيام بأي عمل يطلق عليه اسم الخير للمجتمع.

أما الأهداف الخاصة فهي:

1- تشجيع وإسعاف الفقير المحتاج بمواد التعليم والكتابة.

2- فتح مدرسة ليلية لمن لا يستطيع التعليم نهاراً في المدرسة الحكومية.

3- فتح مكتبة ليستطيع الطالب المطالعة فيما تهفو إليه نفسه[21] .

في خطاب جوابي للحاج حسن الخنيزي تؤكد اللجنة على أهدافها بالقول: «ليس هدفها (اللجنة) - كما تظنون - تشجيع الطالب وإسعافه فقط بل فتح مدرسة ليلية، وإيجاد مكتبة ثقافية.

في خطاب مؤرخ (بدون تاريخ) (كيف يكون مؤرخًا، وهو بدون تاريخ؟ لكنه لا يخرج عن شهر 7 من العام 1369هـ لمعتمد المعارف الشيخ عبد العزيز التركي توضح فيه اللجنة نظام المؤسسة على النحو التالي:

1- مؤسسة خيرية مهمتها مساعدة الطالب بمواد التعليم والألبسة المدرسية ومعالجته.

2- وارد المؤسسة من أعضائها المؤسسين، ومن المساهمين، وتبرعات المحسنين.

3 - وجوه الصرف:

أ- شراء الكتب والألبسة والدفاتر وما يتبعها للطلبة المعوزين.

ب- علاج المرضى من الطلاب الفقراء.

ج- إيجاد مكتبة ثقافية للمطالعة.

د - صرف هذه الأشياء بصورة منتظمة شهريًّا حسب الميزانية.

هـ- تتألف إدارة المؤسسة من 11 عضوا إداريا.

بعض خطابات المؤسسة الخيرية

1- في تاريخ 18/8/1369هـ أرسلت المؤسسة برقية ترجو الموافقة فتح مكتبة ثقافية أهلية على حساب الأعضاء.

3- في تاريخ 27/6/1369هـ أرسلت المؤسسة برقية استرحام لولي العهد للسماح لها بفتح مدرسة ليلية، وتؤكد أن المصاريف أهلية.

4- في تاريخ 6/7/1369هـ تعيد المؤسسة استرحامها لولي العهد لفتح المدرسة الليلية.

5- في تاريخ 11/7/1369هـ - ويبدو أنها حصلت على الموافقة – وجهت خطابًا تشكر فيه سمو ولي العهد على السماح لها بفتح المدرسة الليلية، وتستأذنه بفتح مكتبة بالمدرسة باسم تشجيع الطلاب.

6- في تاريخ 22/7/1369هـ أرسلت المؤسسة برقية استرحام إلى ولي العهد، وانتظار الرد عليها بخصوص فتح مكتبة ثقافية.

7- في تاريخ 1/8 /1369هـ أرسلت المؤسسة رسالة إلى صاحب السمو الملكي النائب العام لجلالة الملك، وفيه طلب إجازة للمؤسسة الخيرية مع توضيح دورها (تقديم العون، وفتح مكتبة)

8- في تاريخ 18/8/1369هـ أرسلت اللجنة برقية للأمير سعود بن جلوي لفتح مكتبة ثقافية، والتأكيد أنها على حسابهم الخاص.

9- صورة من البرقية السابقة إلى مدير المعارف.

10- في تاريخ 22/8/1369هـ - بعد أن حصلت المؤسسة على الموافقة على عملها كمؤسسة – وجهت خطابًا تشكر فيه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز رحمه الله.

المؤسسة تشكو تدخلات معتمد المعارف

في خطاب موجه إلى الأمير سعود بن جلوي بتاريخ 17 \ 9 \ 1369هـ تشكو للأمير تدخلات مدير المعارف في خصوصيات المؤسسة، وفرض أشخاص من قبله كي يكونوا مشرفين على عمل المؤسسة، الأمر الذي لم يرض أعضاء المؤسسة.

ملخص هذا الخطاب أن اللجنة تقدم للأمير جزيل الشكر على الإذن لها بفتح المدرسة الليلة، والمكتبة الثقافية، وتخبره باستئجار دار للمدرسة والمكتبة بمبلغ 600 ريال، وقيامها بتأثيثه بالكراسي والأمياز، وأنها تنوي فتح فصل صيفي، مع استعداد تام من قبل المدرسين المتطوعين، لكنها تشكو من أن معتمد المعارف كون لجنة أخرى باسم (تشجيع الطلاب) – بدون أوامر سامية – ولما فشل مشروعه أراد عرقلة المؤسسة المعنية بتأجيل فتح المدرسة والمكتبة، ووضع (أي معتمد المعارف) برنامجًا بدار الإمارة، وكتب مذكرة مرفقة بهذا الخطاب مفادها، تأخير فتح المدرسة الليلة.

في الأخير أوضح الخطاب - بصريح العبارة - إن عبد العزيز التركي (معتمد المعارف) يعمل ضد المؤسسة، فقد جاء في الخطاب ما نصه: (إن عبد العزيز التركي يعمل ضدنا بكامل ما في مقدوره، إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، وفعلا بعد أن بلغتنا الإمارة طرفنا بصدور أمر سموكم بحضوره لنا بالفسح للمدرسة الليلة للتعليم، والمكتبة الثقافية، في الصباح الباكر حضر عبد العزيز التركي بإمارة طرفنا، وقدم مذكرة للأمير يطلب منه إبلاغنا توقيف فتح المكتبة، وذلك (اثر اجتماعه بجماعته ليلا، بعد اجتماعنا به بدار الإمارة وموافقته على الفتح).

ويشير الخطاب إلى تدخل آخر من أنه سيعمد عضوين من أساتذة مدرسة القطيف للحضور هما:

عبد الله بن سحيم.

عبد الله بن دهام.

في الأخير يسترحم القائمون الامير (بن جلوي) على معتمد المعارف بالقول:

(والأمير وإن كان لا يمتثل خلاف أوامركم العالية، غير أن مذكرته هذه كشفت ما في ضميره نحونا، فنسترحم سموكم الملكي الكريم حسن النظر تجاه ماذكر، دمتم لمناصرة العلم والأدب).

المذكرة موضع الخلاف بين معتمد المعارف والمؤسسة الخيرية:

لقد وجدنا ورقة صغيرة مرفقة بملف المؤسسة، ويبدو أن قبلها كلام، لكن الموجود يكفى ويدلل على الخلاف الحاصل بين معتمد المعارف والمؤسسة الخيرية لمساعدة الطلاب، تقول المذكرة: (وجرى انتخاب لجنة لذلك موقعة من قبل المنتخبين نرجو - فيما إذا وافقتم على إيجاد هذه المؤسسة الخيرية - تتكرم بمنحنا عضوية شرف عن مدرسة القطيف للإشراف على كل جلسة تعقد، كما نرجو موافاتنا ببيان بأسماء الطلاب الفقراء لإسعافهم بمواد التعليم والألبسة والله يرعاكم)، و يبدو أن عضوية الشرف والإشراف على الجلسات أزعجت القائمين وأثارت حفيظتهم؛ لأن المذكرة تتضمن السيطرة على المؤسسة، بينما يرى القائمون أنهم أصحاب هذه المؤسسة، والأحق بالإشراف عليها.

المؤسسة تعين مديراً للمدرسة الليلة

بعد مرور شهر من بدء الخلاف مع متعمد الوزارة وبتاريخ 27 \ 28 \ 10 \ 1369هـ تخاطب المدرسة السيد راشد بن عبد الله الغانم في خطابين متتاليين، الخطاب الأول رقم (59) كان يتضمن تعيين الأستاذ راشد عضوا إداريا بإجماع أعضاء المؤسسة أما الخطاب الثاني رقم (60) فتقرر تعيين الأستاذ راشد مديراً للمدرسة الليلة.

وفي الخطاب رقم (61) وتاريخ 27\28\10\1369هـ تخاطب المؤسسة عبد الرؤوف حسن الخنيزي وتدعوه ليكون مديرًا إداريًّا للمؤسسة الخيرية.

المؤسسة تراسل شخصيات خارج المنطقة

في تاريخ 8 \ 11 \ 1369هـ حررت المؤسسة مجموعة من الخطابات المتسلسلة مرقمة من (62 – 67) إلى مجموعة من التجار والشخصيات معظمهم من منطقة الجبيل تعلمهم بوجود المؤسسة وتطلب منهم مد يد العون لها.

الشخصيات هم كالتالي:

سيلمان الناصر السعدي

حمد المعجل

محمد القاضي

عبد الرحمن الصالح السحيمي

خليفة الكبيسي

عبد العزيز المعجل

سعد محمد المعجل

اللافت للنظر أن هذا الخطاب مذيل باسم الرئيس ووقع في أسفله عبد الجليل الزهيري، وهذا يشير إشارة واضحة الى أن عبد الجليل هو رئيس هذه المؤسسة الخيرية.

النتائج المستخلصة

من خلال هذا الاستعراض لمسيرة المؤسسة الخيرية، يمكن استخلاص النتائج التالية:

إن التعليم النظامي لم يأت إلا من خلال الجهود الأهلية، ومطالبة الحكومة بافتتاح المدرسة لأهل القطيف

إنه وبالرغم من الوضع الاقتصادي الضاغط على الناس إلا أن الدافعية للعلم، والالتحاق بالمدارس كان حلما بعيدا لدى الأجيال التي كانت تواكب تلك الفترة.

تشير الوثائق والكتابات إلى جهود أهليه تطوعية متواصلة هي التي ساندت قرار افتتاح مدرسة ليلية أهلية، ومكتبة للقراءة.

يجب ألا نهمل أي جهد مهما صغر، بل نقابله بالتأييد والتقدير.

هناك انقسامات لم تشر لها الوثائق التي بأيدينا، لكن أشار لها كل من السيد علي العوامي في مخطوطه، ومحمد سعيد المسلم رحمه الله في كتابه (واحة على ضفاف الخليج - القطيف)، لم نجد أنفسنا مدعويين لخوض غمارها سيما، وأنها أصبحت من الماضي، لكننا نقف بكل احترام لتلك الجهود التي بذلت في سبيل رفعت المواطن والوطن.

أشارت الوثائق التي استعرضناها إلى محاولة معتمد المعارف - في ذلك الوقت - عبد العزيز التركي السيطرة على المؤسسة الخيرية.

إن الخلافات والصراعات بين العاملين في العمل التطوعي هي المقتل الرئيس للكثير من المشاريع التطوعية، ومنها هذه المؤسسة التي بدأت بمباركة الجميع، لكن الصراع وقف خلف إغلاقها من قبل الحكومة.

[1]  دور شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) في تنمية المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، عبد الرحمن عبد الله الأحمري، مطابع الحميضي، الرياض، الطبعة الأولى، 1428، 2007م، ص: 269، عن الدكتور عبد العزيز الخويطر، جريدة الجزيرة، عدد 9599 في 22/ 9/ 1419هـ.

[2]  دور شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) في تنمية المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، مرجع سابق، ص: 269، عن عبد الله الحامد، الشعر في الجزيرة العربية في قرنين، ومحمد عثمان الملا، مطارحات شعراء هجر.

[3]  الدكتور عبد الله السبيعي، الحياة العلمية والثقافية والفكرية في المنطقة الشرقية (1350- 1380هـ / 1930-1960م، الدار الوطنية الجديدة للنشر والتوزيع، الخبر، الطبعة الأولى 1407هـ /1987م ، ص: 52 57.

[4]  محمد الحرز، الواحة، العدد.

[5]  نص الرسالة، وصورة منها بخط يده في كتاب الدكتور عبد الله السبيعي، مصدر سابق، ص: 54- 56.

[6]  التعليم في القطيف - ماضيه القريب وبدايات التحديث، عدنان السيد محمد العوامي، مجلة الواحة، بيروت، العدد 44، الربع الأول، عام 2007، عن الحركة الوطنية في المنطقة الشرقية، سيد علي السيد باقر العوامي. الجزء الأول، مخطوط.

[7]  واحة على ضفاف الخليج - القطيف، محمد سعيد المسلم، مطابع الفرزدق، الرياض، 1411هـ 1991م، ص: 344، والتعليم في القطيف - ماضيه القريب وبدايات التحديث، عدنان العوامي مصدر سابق.

[8]  خيوط من الشمس (قصة وتاريخ )، محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي، مؤسسة البلاغ، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ، جـ1/39 – 40.

[9]  يحدد الخنيزي وفاته في العام 1364هـ، راجع: خيوط من الشمس، مصدر سابق، ص: 40.

[10]  (التعليم في القطيف - ماضيه القريب وبدايات التحديث)، مجلة الواحة، مصدر سابق.

[11]  البرقية من محفوظات علي بن حسن أبو السعود، كتاب تحت الإعداد بعناية عدنان السيد محمد العوامي.

[12]  التعليم في القطيف - ماضيه القريب وبدايات التحديث)، عدنان العوامي، مصدر سابق، وواحة على ضفاف الخليج – القطيف، محمد سعيد المسلم، مصدر سابق، ص: 344.

[13]  الحركة الوطنية في المنطقة الشرقية، سيد علي السيد باقر العوامي، مخطوط، جـ1/131 – 132.

[14]  واحة على ضفاف الخليج – القطيف، محمد سعيد المسلم مصدر سابق ص: 344 – 345.

[15]  الحركة الوطنية، سيد علي السيد باقر العوامي، جـ1/131 - 132، مصدر سابق، وخيوط من الشمس (قصة وتاريخ)، مصدر سابق، جـ1/ 39 – 40، والتعليم في القطيف - ماضيه القريب وبدايات التحديث، مصدر سابق.

[16]  مقابلة مع الأستاذ محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول 1430هـ.

[17]  جميع هذه الوثائق راجعة للمرحوم عبد الجليل الزهيري، وقد ساعدنا في الاطلاع عليها وتصويرها حفيده المهندس أسامة محمد عبد الجليل الزهيري.

[18]  مقابلة مع الأستاذ محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول 1430هـ.

[19]  نقلنا هنا نص الوثيقة، وإلا فإن المقصودين هنا هما الأديب المعروف محمد سعيد الخنيزي، وفضيلة الشيخ عبدالله الخنيزي قاضي محمة الأوقاف والمواريث بالقطيف السابق.

[20]  ص: رقم 5/6 من السجل خطاب رقم (40) بتاريخ 24/6/1369هـ بدل خطاب رقم (2) من مجموع الخطابات، محفوظات عبد الجليل الزهيري.

[21]  وثيقة رقم 42 من خطاب موجه إلى وكيل المؤسسة في رأس تنورة ورحيمة، مؤرخ بتاريخ 25/6/1369هـ.
عضو هيئة التحرير
348395