النقد الذاتي وسلطة العوام
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 12:24 م - العدد (1)

 

مطهري: حكومة العامّة منشأ رواج الرياء والمجاملة والتظاهر، وكتمان الحقّ، والإهتمام بالمظاهر، وشيوع الألقاب والمقامات، والتطلّع الى المراكز العليا. حكومة العوام تدمي قلوب أحرارنا وطلاب الإصلاح فينا
 
هبة الدين الشهرستاني: جهال الامم يميلون، من قّلة علمهم، ونقص استعدادهم، وضعف طبعهم، الى الخرافات وبدع الاقوام والمنكرات. فإذا سكت العلماء ولم يزجروهم أو ساعدوهم على مشتهياتهم.. غلبت زوائد الدين على أصوله، وبدعه على حقائقه، حتى يمسي ذلك الدين شريعة وثنيّـة همجيّـة تهزأ بها الامم
 
أبو الحسن الأصفهاني: ان استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري اليوم من أمثالها في مواكب العزاء بيوم عاشوراء، باسم الحزن على الحسين، إنما هو محرّم وغير شرعي
 

 

في غمرة التحديات والصراعات التي يعيشها فرد أو جماعة، يتبدّد الجهد في سبيل المراجعة الذاتية، لافتقار الشروط الموضوعية لذلك، وكلّما كان الصراع حاداً كانت المراجعة في أتونه شبه مستحيلة، خاصة إذا ما كان موضوع المراجعة متصلاً بأحد عناصر الصراع الأساسية، كالهوية والتاريخ والتراث، وهي أمور تدور حولها صراعات وحروب.

إن القبول بهذا لا يجب أن يعطّل المراجعة، ولا يبرّر السماح لطاقة الغضب والانفعالات النفسية بالانفلات لتدمّر من يقف في طريقها، حينئذ يصبح الكلام عن معايير غير دينية. ولا شك أن الإنصراف كليّة عن عيوب (الأنا) والاشتغال بـ(الآخر)، بات من الظواهر المستفحلة التي قوّضت فرص تصحيح الرأي والموقف والسلوك، حتى بات الإنسان العادي عصيّاً على القبول بما يخالف ما جبل عليه من اعتقادات ومسلكيات، وإن خالفت نصّاً قرآنياً، أو حديثاً نبوياً، أو حكماً شرعياً، فكلّ ما لديه مسلّمات لا يحرز النصاب الكامل للايمان إلاّ بمزاولتها والتلبّس بها.

ولقد تشرعنت ظاهرة الاشتغال بالآخر واغفال الانا، ببعض النصوص الضعيفة السند، وتحت غطاء الفرقة الناجية، التي لا يطالها عذاب يوم القيامة إلاّ قليلاً، وإن أخلّت بالفرائض وارتكبت المعاصي، وكأن المشمولين من هذه الفرقة يمتلكون بطاقات عبور الى الجنّة اختصّهم الله ورسوله بها. وتحولت تلك النصوص التي تعزّز مثل هذه القناعات الى مادة مخدّرة لدى البعض، يضفونها على تقاعسهم عن أداء فروض الله وحقوق العباد. ومثل هذه التأويلات تتطاول على عدالة الله عز وجل، وكأنه جلّت عظمته، خلق الجنة لمن عصاه وخلق النار لمن أطاعه!. في حين أن أئمة أهل البيت حذّروا من التوسّل بتلك التأويلات المغلوطة. قال الإمام الباقر : (ياخثيمة أبلغ موالينا أن لا يغني عنهم من الله شيئاً الا بعمل، وأنهم لن ينالوا ولايتنا الا بالورع، وأن أشد الناس حسرة يوم القيامة، من وصف عدلاً ثم خالفه الى غيره).

الاحتقان المذهبي
 

إن وجود مناخات محتقنة تسود العلاقات بين المذاهب الاسلامية، يزيد في تحصّن الاتباع داخل تراثهم المذهبي، ويؤجّل ظهور شعور الحاجة الى التجديد، والنقد الذاتي للتراث. وقد كان أدّى تعطيل النقد الى: إعادة إنتاج دائمة للتناقضات، وتعميق الانشقاق، والعزلة، وفرض الحدود الفاصلة المصحوبة بموجات من العدوانية.

إن التهرّب من مسؤولية النقد وما يتبعه من إعتراف بالخطأ، وإعلانه، يرجع في جانب منه الى الخوف المبالغ فيه من انقلاب القاعدة المذهبيّة، أو الخوف من استغلال ذلك التنازل من الطرف المقابل في المعارك الإحتجاجية. ومن هنا نجد ـ مثلاً ـ ظاهرة تاريخية طاغية، وهي ظاهرة (التوقّف) في تراث المذاهب الإسلامية، والتي نشأت إثر تفجّر الحرب في صفين، وقد تزايد استخدامها بصور شتّى تعبيراً عن الهروب والخوف الذي أشرنا اليه، فكثر التزام الصمت حيال بعض الحوادث التاريخية أو المسائل العقدية، التي تفضي الى الاعتراف بالخطأ، فأُهملت كليّة خوفاً من تداعيات ذلك على القاعدة المذهبية. وقد ترسخّت تلك الظاهرة، في مرحلة لاحقة، في الاعتراك المذاهبي، لتعطف بالتنوع داخل التراث الفكري الاسلامي، من الايجابية والاثراء، الى السلبية والجفاف والعجز عن مواصلة السير ومواكبة التطور الانساني، وأخيراً لتكرّس الانفصال عن الواقع، والجمود في الإطار تاريخي.

لقد توسّـل كل مذهب بترميم وتبرير الاختلال التاريخي داخل الجماعة الاسلامية، بما يطرد به الشبهات والتناقضات، وزاد الاتباع على ذلك بتقرير معايير تكرست وتشرعنت بمرور الوقت، فأوّلوا حوادث التاريخ بما يتسق وسياقهم العقدي، مما أضفى على الرؤية التاريخية للمذاهب تشويهاً كبيراً، واستاتيكيّة صارمة.

إن الخروج من أسار القيود التاريخية، إنما يتم من خلال إيقاف السجالات المذهبية ومعارك الاحتجاج العقيمة، ذلك أن نقد الآخر إضافة الى كونه فاقم من حدّة الخلافات المذهبية، وباعد بين الافراد والجماعات، وعمّق مشاعر التعصب والفرز المذهبي.. فإنه القى أيضاً بتبعات ثقيلة على رؤساء المذاهب أنفسهم، وصرف الاتباع عن مراجعة متبنياتهم الفكرية والعقدية والسياسية.

وقد نكون بحاجة الى بيان أن النقد الذاتي ليس متوقفاً على تقديم تنازلات مذهبية للآخر، كما قد يظن البعض، لأننا بذلك نستبطن من خلاله نفياً جديداً، حين يدور الحديث عن طرفين (الأنا والآخر)، بينما النقد الذاتي هو حديث عن (الأنا) فحسب، بحيث تصحح تصورات الذات في مختلف الحقول: التراث التاريخي والفكري والسياسي والفقهي، وتمارس إزاءها نقداً موضوعياً.

حكومة العوام
 

ثمة مشكل آخر يواجه عمليّة النقد الذاتي، ويتمثّل في ضغط العامة الشديد على رجال الدين وفرض خيارات محددة عليهم، بشكل يبعدهم عن كل ما يثير العوام، خصوصاً في المسائل التي اعتادوا على استقبالها كمسلمات داخل المذهب، والتي يدرك العلماء بأن الخوض فيها أو التشكيك في صحّتها يفضي الى ثورة عارمة ضدّهم، ويسلب منهم المكانة الاجتماعية والنفوذ، ولذلك فهم يؤثرون عدم الخوض فيما جرت العامّـة على الاخذ به من معتقدات، وما درجت عليه من طقوس، وإن كانت مبتدعة باطلة.

وسيطرة العوام شديدة على كل رؤساء المذاهب الإسلامية، بشكل عام، ولكن في الوسط الشيعي، تجرّأ السيد هبة الدين الشهرستاني وقال بقدر كبير من الصراحة في الاربعينات من هذا القرن، في مجلته (العلم) في مقالة بعنوان: (علماؤنا والتجاهر بالحق) جاء فيها ما نصّه: (وأما في القرون الاخيرة فالسيطرة أضحت للرأي العام على رأي الأعلام. فصار العالم والفقيه يتكلم من خوفه بين الطلاب غير ما يتلطّف به بين العوام وبالعكس، ويختار في كتبه الاستدلاليه غير ما يفتي به في الرسائل العملية، ويستعمل في بيان الفتوى فنوناً من السياسة والمجاملة خوفاً من هياج العوام. حتى أنه بلغنا عن فقيه سأله أحد السوقيين، عن يهودي بكى على الحسين فوقعت دمعته على ثوبي، هل نجس الثوب أم لا؟. فأجاب المسكين خوفاً منه: إن جواب هذه المسألة عند الزهراء . وسأل سوقي آخر فقيهاً عمّن شجّ رأسَـه للحسين فأجابه كذلك، الى غير ذلك. لكن هذه الحالة تهدد الدين بانقراض معالمه، واضمحلال أصوله، لأن جهّال الامم، يميلون من قلة علمهم، ونقص استعدادهم، وضعف طبعهم، الى الخرافات وبدع الاقوام والمنكرات. فإذا سكت العلماء ولم يزجروهم أو ساعدوهم على مشتهياتهم، غلبت زوائد الدين على أصوله، وبدعه على حقائقه، حتى يمسي ذلك الدين شريعة وثنـيّة همجيّة تهزأ بها الامم)(1).

وبعد أكثر من عقدين من الزمن، ألقى الاستاذ الشهيد مرتضى مطهري محاضرة نقد فيها بحماسة وجرأة فائقة سلطة العوام على رجال الدين، بما اصطلح عليها: آفة (الاصابة بالعوام)، واعتبرها (أشد بلاء من الاصابة بالسيول والزلازل أو لسع العقارب والحيات). ويرجع جذر الافة وأصلها الى السلطة المالية للعوام على العلماء: (إن أصل هذه الآفة، هو نظامنا المالي)(2).

وتناول الشيخ مطهري بقدر كبير من التقريع آثار سلطة العوام على عمل العلماء، فقال بما نصه: (إن منظومتنا الدينية على أثر إصابتها بهذه الآفة، لا تستطيع أن تكون طليعة فتتحرك امام القافلة، وأن تهدي القافلة بالمعنى الصحيح للهداية، وإنها مضطرة الى التحرك وراء القافلة. إن من سمات العامّة أنهم لا يفارقون القديم الذي اعتادوا عليه، بل يتمسكون به دون تمييز بين حق وباطل، إنهم يعتبرون كل جديد بدعة واتباعاً للاهواء. لا يعرفون قوانين الطبيعة ومقتضيات الفطرة، لذلك فإنهم يخافون كل جديد من هذا المنظور، ويحافظون على الوضع القديم دائماً)(3).

ويحاول مطهري بيان تداعيات تلك السلطة دينياً: (فمجتمعنا الديني المصاب بآفة العامة لا مندوحة له عندما يريد أن يتحدث في مسألة اجتماعية من الخوض في مسائل سطحية ثانويّة، مبتعداً عن الجذور العميقة التي يتعامل معها بطريقة تدل، مع الاسف، على تأخره، وعلى نقضه الاسلام، مما يكون سلاحاً بيد اعداء الاسلام). ثم ينقد تلك الظواهر السائدة في الحوزات العلمية التي يعبّر عنها بالمجتمع الديني فيقول: (ليس أمام مجتمعنا الديني سوى السكوت في موضع الكلام، والسكون في موضع الحركة، والنفي في موضع الاثبات، لأن ذلك ينسجم مع طبيعة العامة)، لتنشأ عن تلك الصورة حكومة اصطلح عليها مطهري بـ (حكومة العامة) والتي يقول عنها: (إن حكومة العامة هي منشأ رواج الرياء، والمجاملة، والتظاهر، وكتمان الحقائق، والاهتمام بالمظاهر، وشيوع الالقاب والمقامات، والتطلع الى المراكز العليا في مجتمعنا الديني مما لا نظير له في العالم. إن حكومة العوام هي التي تدمي قلوب احرارنا وطلاب الاصلاح فينا)(4) .

ويبني المطهري موقفه من (حكومة العامة) بتمثّل بعض الحوادث الحاصلة داخل الحوزة الدينية في ايران والعراق: (لقد ارتأى المرحوم آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي، مؤسس الحوزة العلمية في قم، أن يطلب من عدد من الطلبة تعلم اللغات الاجنبية وبعض العلوم كمقدمات، لكي يستطيعوا عرض الاسلام على الطبقات المثقفة الجديدة، وفي البلدان الاجنبية، ولكن ما انتشر هذا الخبر حتى جاءت جماعات من العامة وأشباه العامة من طهران الى قم، وقالوا أن هذه الاموال التي يدفعها الناس بإسم سهم الامام، لا يقصد بها أن تصرف لتعلّم الطلبة لغـة الكفار، وإنهم سوف يفعلون كذا وكذا، اذا نفذ الاقتراح. فلما رأى المرحوم أن ذلك سيكون سبباً لانهيار الحوزة العلمية من أساسها، ألغى الفكرة مؤقتاً. وبعد ذلك بسنوات في عهد زعامة المرحوم السيد أبو الحسن الاصفهاني، عقد عدد كبير من علماء النجف الاشرف وفضلائها المبرزين، وبعضهم اليوم من مراجع التقليد اجتماعاً تبادلوا فيه وجهات النظر، واتفقوا على اعادة النظر في برنامج الدروس التي يدرسها الطلاب، آخذين حاجات المسلمين الآنيّة بنظر الاعتبار، وبالاخص تلك المسائل التي هي جزء من أصول عقائد المسلمين فيدخلونها في البرنامج لتدريس الطلاب، وكان الهدف إخراج الحوزة العلمية في النجف من نطاق الاقتصار على الفقه والرسائل العلمية. ورفعت هذه النتائج الى المرحوم لاقرارها، غير أنه ـ وقد سبق له أن تلقى درسه مما جرى مع المرحوم آية الله الحائري ـ أرسل يقول: مادمت حياً لا يحق لأحد أن يغيّر من تركيب هذه الحوزة. وأضاف: إن سهم الامام، الذي يوزّع على الطلاب، يجب أن يكون من أهل الفقه والاصول دون غيرهما).

ويخلص المطهري من عرضه لآفة سلطة العوام بإثارة مجموعة تساؤلات استنكارية: (لماذا خرجت حوزتنا العلمية من شكل جامعة دينية الى شكل كليّة فقهية؟ لماذا عندما يبرز علماؤنا وفضلاؤنا ويشتهرون يخفون ما عندهم من العلوم، غير الفقه والاصول، وينكرونها؟ لماذا يكثر العاطلون والمتطفّلون في هذا الوسط المقدّس، بحيث أن الزعيم الديني اذا أراد، أن يسقي نبتة ورد، يضطرّ الى سقي الاشواك والنباتات الطفيلية الكثيرة؟ لماذا يطغي السكوت والسكون والتماوت في محيطنا الديني، على المنطق والحركة والحياة؟ لماذا ضعفت فيما بيننا حرية الفكر والعقيدة؟ لماذا لا ينظّم منهاج تدريس طلاب العلوم الدينية تنظيماً يتفق ومتطلبات العصر؟ لماذا نرى طلاب العلوم الدينية بدلاً من أن يكونوا سباقين في الطليعة والهادين لمسيرة المجتمع، يعرجون خلف القافلة؟ لماذا؟ لماذا؟!).

لقد ظهر في الوسط الشيعي علماء حاولوا الخروج على حكومة العامة، فأشعلت الاخيرة حرباً ضارية في وجه العلماء لثنيهم عن تقديم آراء جديدة تتعارض وقوانين العامة، ونذكر هنا الميرزا النائيني مؤلف كتاب (تنبيه الامة وتنزيه الملة)، والشيخ محمد مهدي الخالصي، والسيد محسن الامين العاملي، والسيد أبو الحسن الاصفهاني، والشيخ محمد جواد مغنية، والسيد محمد حسين فضل الله، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، فقد تعرض هؤلاء جميعاً لحملات تشهير وإسقاط من جانب العامة.

فقد اضطرّ النائيني كيما يستقر في مقام المرجعية، الى سحب كتابه من الاسواق، فوضع مبلغاً معيناً مقابل كل نسخة مسترجعة، بعد أن ثارت ثائرة العوام ورجال الدين التقليديين.

وكُتب ضد الشيخ الخالصي نحو خمسة عشر كتاباً، لأنه أبدى ملاحظات على الطقوس المذهبية الشيعيّة من بينها: المجالس الحسينية، ومواكب العزاء، فانفجرت العامّة في وجه الخالصي، وأصدر بعض العلماء الشيعة فتاوى بتكفيره، وتعرّض لحملة تعبويّة ضارية، وأثار بعض المتعالمين الشيعة الصبية والاطفال للخروج في مظاهرات سخرية ضده.

كما تعرّض السيد محسن الامين العاملي لحملة مماثلة، فـرُمي بالزندقة، وأشاع عنه مخالفوه براءة عترة الرسول منه!، لأنه وضع الخلاف بين (أبي بكر وعلي) في حجمه الطبيعي. بيد أن أم الكوارث، كما يصوّرها جماعة من الشيعة، جاءت في مطالبة السيد محسن بتنقيح الطقوس الحسينية من بعض المدخولات الخاطئة، من قبيل استخدام السلاسل والتطبير في العزاء الحسيني وغيرها مما جاء به الصفويون. ووصل الأمر أن قال أحد الشعراء معرضاً بالأمين، وقد كان مقيماً بدمشق، ومتهماً إياه بالزنزقة:

يا راكباً أما مررت بجلق
 فابصق بوجه (أمينها) المتزندق
 

وقال شاعر آخر:

ذريّةُ الزهراء إنْ عدّدتْ
 يوماً ليطري الناسُ فيها الثنا
 
فلا تعدّوا محسناً منهمُ
 فإنّها قد أسقطتْ مُحسنا
 

وهنا وقف المرجع الديني السيد أبو الحسن الأصفهاني الى جانب الأمين، وأصدر في رسالته العملية، الطبعة الأولى، هذه الفتوى: (إن استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق، وما يجري اليوم من أمثالها في مواكب العزاء بيوم عاشوراء، باسم الحزن على الحسين، إنّما هو محرّم وغير شرعي).

واتهم الشيخ المنتظري بممالأة السنّة، ولم يتورّع بعضهم ممن لهم مكانة كبيرة بين العامّة من إعلان كفره، وأنه (عدو الزهراء).. كل ذلك جاء إثر موقف له مختلف حول قضية (فدك).

ومن آخر ما ظهر، تلك الحملة التسقيطية ضد السيد محمد حسين فضل الله، إثر ملاحظاته على اهتمامات بعض الشيعة وانشغالهم بالقضايا الثانوية والتاريخية، وبلغت ذروتها في طرقه قضية الخلاف بين السيدة فاطمة الزهراء والخليفتين أبي بكر وعمر، حيث قال السيد فضل الله: (وأنا لا أتفاعل مع كثير من الاحاديث التي تقول أن القوم كسروا ضلعها، أو ضربوها على وجهها أو ما الى ذلك. إنني اتحفظ في كثير من هذه الروايات، كما أنقل عن المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين، وقد التقيت به في صور في اوائل الخمسينات، وسألته عن ذلك، قال: الثابت عندنا أن القوم جاؤوا بالحطب على باب الزهراء، فقالوا لهم: إن فيها فاطمة، قالوا: وإن. ثم رأينا أن الشيخين أبا بكر وعمر جاءا يطلبان المسامحة من الزهراء).

وتحدّث فضل الله عن الولايتين التشريعية والتكوينية للأئمة، فخالف القائلين بالولاية التكوينية، مستنداً في ذلك على الآيات القرآنية، وأضاف بأن (كل القرآن دليل على عدم الولاية التكوينية، لأن القرآن يؤكد أن النبي صلى الله عليه وآله لا يملك من أمره شيئاً، إلاّ ما ملّكه الله).

ورغم أن الرأي الاخير ليس جديداً في الفكر الشيعي، فقد ذكره محمد تقي الحكيم في كتابه (سنّة أهل البيت ومواضيع أخرى) بما نصه: (الخليفة الشرعي أي الامام، خليفة يستمد سلطته من الله، وهي في حدود السلطنة التشريعية لا التكوينية، لأن هذا النوع من السلطنة هو الذي تقتضيه كمشرّع).

ولكن لطبيعة تحفّز مشاعر البعض في مثل هذه القضايا، تعبّأ الشارع الشيعي في لبنان وايران ومناطق أخرى ضدّ السيد فضل الله، فصدر كتاب بعنوان: (ملاحظات على منهج السيد محمد حسين فضل الله) لمؤلفه ياسين الموسوي، وكان الكتاب باكورة لاصدارات (دار الزهراء) التي أُنشئت للغرض نفسه، فيما كرّست المنابر في أمكنة عديدة لجهة (الثأر للزهراء!!) وحملت على فضل الله معتبرة إيّاه (عدواً للزهراء) أو (دشمن زهراء)!

وأمام سيل النقد والشتائم، ودعوات التبريء منه، واخرى لثنيه عن موقفه، لم يجد السيد فضل الله مناصاً من شرح آرائه، والتقليل من شأنها، بما يوقف ضراوة الحرب الكلامية المعلنة ضده، ولكن ذلك لم يفد ، فاضطرّ كارهاً، وبصورة من الصور الى التراجع عن بعض تلك الآراء بنحو أو آخر.

خاتمة
 

ولذا كله، ثمة ضرورة لتحرير ارادة العلماء وتفكيك سلطة العامة كمدخل موضوعي لتصفية (التراث) الديني من كل ما يلفظه الدين، ويتعارض مع تعاليم القرآن ونصوصه، وما يخالف العقل البشري، وذلك عن طريق إعادة بناء الفكر وفق أسس علمية رصينة، وتفكيك النص الديني عن الموروث التاريخي.

إن تجسيدات هذا الموروث التاريخي في جانبي السلوك والمشاعر وأنماط التفكير، تحيل ـ في ظل طغيانها ـ الى إفقار المدرسة الفكرية من مضمونها الصحيح، وإحالتها الى طقوس محنّطة، يظهر عليها الخرافة والهيام الصوفي، والخوارق المفتعلة الكاذبة.

ومن الضروري تمييز الموروث عن النصوص الدينية القطعية الدلالة، حتى لا يحدث اضطراب في الأولويات، والتي تظهر في بعض صورها في تقدّم المستحب على الواجب، والسنّة على الفريضة الواجبة.

وحين نؤكد على ضرورة النقد الذاتي فإننا لا نعني به النفي المطلق، كما لا نعني به التسليم المطلق، وإنما نقداً يكون دليله الشرع والعقل التجريدي، لا التأوّل القسري والهوى.

وإن أهم ما سنجنيه من النقد الذاتي: طرح الآراء والتصورات الخاطئة، ومنع المتسللين ممن يتوسلون بالمذهب لتمرير معتقداتهم، بالنظر الى استقرار التشـيّع في ذاكرة التاريخ الاسلامي، بأنه ذروة التطهر الديني، فكان انتحاله شرفاً لدرجة أن رفع بنو العباس شعار (الرضا من آل محمد) لتحصيل الاصطفاف الشعبي الداعم لثورتهم على الأمويين. وهذا ما يجعل إساءة استخدام إسم (التشيع) وارداً في كل زمان ومكان. وهناك كما تفيد الأخبار جماعات متعددة منتشرة في العالم الإسلامي ترتكب الفواحش من الأمور وتتغطّى برداء مذهبي.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) انظر: د. علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، الطبعة الاولى 1413هـ ـ انتشارات الشريف الرضوي، المطبعة: أمير قم ايران، ص 232 عن مجلة العلم، السنة الثانية ص 266 267.

(2) انظر: الاستاذ الشهيد مرتضى المطهري، الاجتهاد في الاسلام: محاضرات في الدين والاجتماع ـ 2، ترجمة: جعفر صادق الخليلي، من منشورات قسم الاعلام الخارجي لمؤسسة البعثة، طهران ايران، ص 54.

(3) المصدر السابق، 54 و 55.

(4) المصدر السابق، ص 54و 57 و 58.


 

371308